حسين الحاج
أربعونَ عامًا، ولم ينْضَبِ المعينُ… أربعونَ عامًا، وهو يقفُ كما العابدُ في محرابِه، لا يطلبُ جزاءً، ولا ينتظرُ تصفيقًا، بل يكتفي بأن يرى فكرةً تتّقدُ في عينِ طالب… الدكتور رؤوف ريدان ليس معلّمًا عابرًا في سيرةِ الزمنِ، بل سيرةٌ تمشي على قدمين، يتنقّلُ بين دقّةِ الكيمياءِ حيثُ الأرقامُ لا تجاملُ، وعمقِ الفلسفةِ حيثُ الأسئلةُ أكبرُ من الأجوبةِ، فيجمعُ بين صرامةِ المختبرِ واتّساعِ التأمُّلِ… يعرفُ أنّ الذرّةَ لا تُفهمُ بلا عقلٍ منضبطٍ، وأنّ الفكرةَ لا تُثمرُ بلا روحٍ حرّةٍ… في حضرتِه لا تكونُ المعرفةُ مادّةً جامدةً، بل كائنًا حيًّا يتنفّسُ، يسلّمُها من جيلٍ إلى جيلٍ كما تُسلَّمُ الأماناتُ الثمينةُ، ويؤمنُ أنّ التعليمَ ليس مهنةً بل مسؤوليّةً أخلاقيّةً تجاهَ الوطنِ والإنسانِ… لذلك لم يكن عطاؤُه محصورًا في قاعةٍ أو مدينةٍ، بل امتدَّ من أقاصي الوطنِ إلى مغاربِه، حيثُ يجدُ كلُّ طالبِ علمٍ فيه مرشدًا وصديقًا وقدوةً…
آتٍ من مدرسةٍ علمانيّةٍ آمنَتْ بأنّ العقلَ هو الشّرعُ الأعلى، وأنّ الإنسانَ يُبنى بالمعرفةِ، وأنّ المعرفةَ قوّةٌ، حملَ مشروعَه التربويَّ بهدوءِ الواثقِ وصلابةِ المؤمنِ برسالتِه، لم يرفع صوتَه إلّا ليوقظَ فكرةً، ولم يشدّد إلا ليحميَ قيمةً، ولم يتعبْ لأن الرسالةَ كانت أكبرَ من التعبِ… هو من أولئك الّذين لا يُقاسُ حضورُهم بعددِ السنينِ، بل بعددِ العقولِ التي أناروها، والقلوبِ التي علّموها أن تسألَ، أن تفكّرَ، وأن تبحثَ…
أربعونَ عامًا… وما زال الدرسُ مستمرًّا…















