تشكل الاستثمارات العقارية الضخمة لمؤسسة ترامب (The Trump Organization) في دول الخليج نموذجاً معقداً من الفرص والتحديات الاقتصادية، حيث انطلقت موجة من المشاريع بقيمة إجمالية تزيد عن 10 مليارات دولار، عبر السعودية والإمارات وعمان، منذ منتصف 2024، ما أعاد تشكيل أسعار الأراضي والإيجارات في مدن خليجية رئيسية، وأثار في الوقت ذاته تساؤلات حادة حول من يستفيد فعلياً من هذا التوسع الاستثماري وتأثيره في تكلفة معيشة المواطن الخليجي العادي.
وأطلقت مؤسسة ترامب، عبر شريكتها السعودية دار جلوبال (Dar Global)، ثلاثة مشاريع كبيرة في السعودية وحدها، ففي يناير/ كانون الثاني الماضي أعلنت دار جلوبال عن إطلاق برنامج بيع مشروعين برعاية ترامب بقيمة 10.13 مليارات دولار، وهما: برج ترامب بلازا جدة بقيمة مليار دولار، ويشمل وحدات سكنية فاخرة وملاهي تجارية، ومشروع نادي ترامب للجولف الدولي في وادي صفراء بالرياض بقيمة 7 مليارات دولار، ويتضمن فندقاً فاخراً وملعب جولف وفيلات فاخرة، بحسب تقرير نشرته منصة “وايا ميديا”.
وفي الإمارات، ينشئ ترامب فندقاً بـ80 طابقاً يتمتع بـ”أعلى حمام سباحة خارجي في العالم” بقيمة مليار دولار تقريباً، وفي سلطنة عمان يطور مشروع ترامب متعدد الأغراض (AIDA) الذي يضم فندقاً وفيلات ومجمع جولف، ويعتمد قابلية تمويل وحدات الفندق بالعملات الرقمية، حسب تقدير نشرته مؤسسة “إيه جي إس آي”، المتخصصة بدراسة الاستثمار في الخليج.
وبدا تأثير مثل هذه المشاريع في أسعار الأراضي والإيجارات ملموساً، ففي السعودية ارتفعت أسعار البيوت في الرياض بنسبة 81% منذ 2020، وارتفعت أسعار الشقق بنسبة 56%، مما جعل الملكية العقارية بعيدة المنال للأسر ذات الدخل المتوسط، حسب تقرير نشرته منصة “آسيا برويرتي أوردز”، المتخصصة بتحليل أسواق العقارات الفاخرة.
وفي دبي، ارتفعت الأسعار بنسبة 70% في أربع سنوات، مع تقديرات بارتفاع الإيجارات بنسبة 5 – 12% في 2025، على خلفية الطلب المرتفع على الوحدات السكنية الفاخرة، حسب التقرير ذاته.
وعلى صعيد توليد فرص العمل، يبدو الواقع أقل بريقاً مما تصوره الإعلانات الترويجية لاستثمار كهذا، فمشاريع ترامب تخلق فرص عمل مؤقتة في المراحل الأولى من البناء والتشييد؛ وتقرير البناء والتطوير يشير إلى وجود آلاف الوظائف في المشاريع العقارية الخليجية، معظمها للعمال الأجانب من الهند والفيليبين وبنغلاديش بأجور متدنية، حسب منصة التوظيف “بايت”.
غير أن هذه الوظائف لا تندرج ضمن فرص عمل حقيقية طويلة الأجل بالمعنى التقليدي؛ بل هي وظائف مؤقتة ومحفوفة بالمخاطر، حسب مراقبين.
دعم التنويع
يؤكد الخبير الاقتصادي، نهاد إسماعيل، لـ”العربي الجديد”، أن مشاريع منظمة ترامب العقارية تساهم في دعم خطط التنويع الاقتصادي المنصوص عليها في رؤية السعودية 2030، إذ تهدف إلى خلق آلاف الوظائف، وجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية، ويعتمد هذا النموذج على استخدام العلامة التجارية “ترامب” رمزاً عالمياً للرفاهية والفخامة، وهو ما يُتوقع أن يولّد عوائد اقتصادية تفوق بكثير الرسوم المدفوعة لاستخدام العلامة، لتصل الفائدة الصافية لدول الخليج إلى عشرات المرات من قيمة تلك الرسوم.
ويعزز ذلك، حسب إسماعيل، أن منطقة الخليج تشهد منذ عدة سنوات، وحتى قبل زيارة ترامب للمنطقة العام الماضي، طفرة عمرانية وسياحية مصحوبة بتدفق متزايد للاستثمارات المحلية والأجنبية، لافتاً إلى أن القوانين الاستثمارية الحديثة في دول المجلس تساهم في جذب العلامات العالمية، خاصة في القطاع العقاري، حيث جرى الإعلان مؤخراً عن سلسلة مشاريع ضخمة في جدة والدرعية بالمملكة، والتي تشمل فنادق فاخرة، وملاعب غولف، ووحدات سكنية، بتكلفة تتجاوز 10 مليارات دولار.
كما جرى الإعلان عن مبادرات مشابهة في سلطنة عُمان والإمارات وقطر، بهدف ترسيخ المنطقة وجهة عالمية للسياحة والاستثمار المحلي والإقليمي، في حين لا تزال مشاريع أخرى تشمل أبراجاً وأحياء سكنية فاخرة قيد الدراسة، بحسب إسماعيل، مشيراً إلى أن الفوائد الاقتصادية المباشرة لهذه المشاريع تتمثل في تنشيط قطاعي البناء والتشييد، ما يخلق آلاف الفرص الوظيفية للكوادر الوطنية ولليد العاملة الوافدة والعربية على حد سواء.
كما تستفيد آلاف الشركات المحلية والعربية التي توفّر مواد البناء والمعدات الثقيلة والخفيفة، بل وحتى المواد الغذائية والخبرات الفنية، من هذه الحركة الاقتصادية على مدى سنوات، حسب إسماعيل.
وبالرغم من أن ارتفاع الطلب على الأراضي والعقارات قد يؤدي إلى زيادة الأسعار بما يجعلها خارج متناول المواطن العادي، فإن التوسع في المعروض من الوحدات السكنية الفاخرة من شأنه أن يولّد منافسة بين المطورين، وهو ما يراه إسماعيل دافعاً للأسعار نحو الانخفاض.
ظاهرة استهلاكية
في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي، مصطفى يوسف، في حديثه لـ”العربي الجديد”، أن العلامات التجارية العالمية، بما في ذلك تلك المرتبطة باسم دونالد ترامب، تعد عاملاً يرفع تكاليف المشاريع العقارية في دول الخليج دون أن تُساهم بالضرورة في تنمية اقتصادية مستدامة، حسب إفادته لـ”العربي الجديد”.
فهذه العلامات، حسب يوسف، لا تضيف قيمة حقيقية للمشروع بقدر ما تمتص جزءاً كبيراً من العوائد المالية التي كان من الممكن أن تبقى محلياً، إذ تتدفق الأموال إلى مالكي العلامة، سواء كانت أسرة ترامب أو شركات أجنبية أخرى، بدلاً من أن تُستثمر في بنية تحتية، أو قطاعات منتجة داخل الاقتصاد الخليجي، لافتاً إلى أن هذه الظاهرة ليست جديدة، بل تمثّل امتداداً لعلاقات تاريخية بين الإدارات الأميركية والشركات الكبرى، لكنها تتخذ في السياق الخليجي طابعاً أكثر وضوحاً.
فغياب آليات المحاسبة والخلط المتكرر بين المصالح الشخصية والعامة، خاصة في ظل غياب معايير واضحة للشفافية، يجعل من هذه الشراكات عرضة لانتقادات جوهرية، لا سيما حين تُبرَّر بوصفها جزءاً من “الدبلوماسية الاقتصادية”، بينما تفتقر إلى أي مبرر تنموي مقنع، حسب تعبير يوسف.
يؤكد الخبير الاقتصادي أن استخدام العلامات التجارية الفاخرة في العقارات يشبه إلى حد كبير ظاهرة المنتجات الاستهلاكية مثل الحقائب أو السيارات، حيث يدفع المستهلك مبالغ طائلة لمجرد وجود شعار معروف، رغم أن المنتج نفسه قد يُصنَع في المصانع نفسها وبالمواد المستخدمة ذاتها في نسخ أقل سعراً بكثير. وإزاء ذلك، يرى يوسف أن شراكات كهذه لا تخلق تنمية حقيقية، بل تحول ثروات محلية إلى جيوب مالكي العلامات الأجنبية.















