رغم إطلاق العملة السورية الجديدة مطلع عام 2026 وحذف صفرين من الليرة القديمة في محاولة لتبسيط التعاملات المالية، ما زالت القيود الصارمة على السحوبات المصرفية قائمة؛ لتتحول السيولة النقدية إلى واحدة من أكثر القضايا إرباكاً في حياة السوريين اليومية، وتفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول طبيعة هذه القيود وأهدافها الفعلية.
أكد حاكم مصرف سورية المركزي عبد القادر الحصرية أن أزمة السيولة ليست أزمة ضخ نقدي بقدر ما هي أزمة ثقة بالقطاع المصرفي.
وأوضح في تصريح لـ “العربي الجديد” أن المصرف يعمل على استعادة هذه الثقة عبر إجراءات واضحة، ويتابع يومياً عملية استبدال العملة القديمة من خلال تقارير الأسواق؛ لضمان نجاح التجربة وعدم حدوث اضطرابات نقدية.
وكشف الحصرية أن حجم النقد الصادر في سورية يبلغ نحو 42 تريليون ليرة سورية، أي ما يقارب 13 مليار قطعة نقدية، موضحاً أن الكتلة النقدية المصدرة انتقلت بين عامي 2011 و2024 من تريليون واحد فقط إلى هذا الرقم الضخم. وأشار إلى أن المصرف المركزي بدأ باستبدال هذه الكتلة، على أن يجرى حصرها بالكامل بعد انتهاء العملية.
ويرى أن رفع سقوف السحب لا تمكن مناقشته قبل انتهاء فترة الاستبدال المحددة بتسعين يوماً (قابلة للتجديد)، محذراً من أن الاحتفاظ بالنقد خارج المصارف يفاقم أزمة السيولة ويقوض الثقة بالنظام المالي.
عقدة السحوبات
يعيد هذا المشهد تسليط الضوء على أزمة السيولة داخل النظام المصرفي. ويرى الخبير الاقتصادي علي الأحمد أن استمرار القيود على السحوبات يعد ضرورة ملحة لحماية النظام المصرفي من الانهيار؛ إذ يشير لـ”العربي الجديد” إلى أن السيولة النقدية الفعلية داخل البنوك لا تتجاوز 15% إلى 20% من إجمالي الودائع، وهي نسبة أقل بكثير من المعايير العالمية.
في المقابل، يصف الخبير الاقتصادي عامر شهدا ما يجري بأنه “سياسة حبس نقدي”. وأوضح لـ”العربي الجديد” أن القيود تعكس ضعف قدرة النظام المصرفي على القيام بوظيفته في الوساطة بين المدخرات والاستثمار، مؤكداً أن تقييد السحوبات يدفع المواطنين للبحث عن بدائل خارج النظام الرسمي، ما يوسع حجم الاقتصاد غير الرسمي ويقوض أي محاولة لاستعادة الثقة بالبنوك.
في المحصلة، تكشف قيود السحوبات في سورية عن أزمة مركبة تتداخل فيها أزمة الثقة مع ضعف السيولة، وبينما يؤكد المصرف المركزي أنها إجراءات مؤقتة، يشدد الخبراء على أن تجاوز المرحلة يتطلب إصلاحاً نقدياً ومصرفياً شاملاً يعيد السيولة إلى دورتها الطبيعية في الاقتصاد.
التضخم… ضاغط أساسي
تبرز متغيرات التضخم عاملاً ضاغطاً على أي قرار نقدي؛ فوفق بيانات مصرف سورية المركزي، بلغ معدل التضخم الإجمالي بين فبراير/ شباط 2024 ويناير/ كانون الثاني 2025 نحو 46.7%، منخفضاً من 119.7% في الفترة نفسها من العام السابق.
كما سجل التضخم السنوي في يناير 2025 نحو 6.4%، مقارنة بـ118.9% في يناير 2024. ورغم هذا التراجع الإحصائي، لا يزال التضخم يشكل عبئاً على الأسواق والتجار والصناعيين، ويجعل أي ضخ غير محسوب للسيولة خطوة محفوفة بالمخاطر.
وحسب مصادر، لوحظ تراجع واضح في وتيرة استبدال العملة القديمة بالجديدة خلال الأسابيع الأخيرة، رغم اقتراب نهاية المهل المعلنة. ويعزو عاملون في شركات الصيرفة والحوالات ومصارف عامة وخاصة هذا التراجع إلى عدم توافر الليرة الجديدة بشكل دائم لديهم، مشيرين إلى أن الكتلة النقدية التي تُضخ إليهم تبقى محدودة ولا تتناسب مع حجم الكتلة المالية الكبيرة المتداولة فعلياً من العملة القديمة.
من جانب آخر، يرى خبراء أن هذا التراجع ناتج عن مقاربة متدرجة يعتمدها المصرف المركزي في طرح الفئات الجديدة؛ لتفادي أي انعكاسات تضخمية.
ومن المتوقع أن تشهد السوق تحولاً ملحوظاً مع صرف كتلة الرواتب والأجور نهاية فبراير الجاري، والتي قد تصل إلى نحو 15 تريليون ليرة، ما سيؤدي إلى تسريع اندماج الأوراق النقدية الجديدة في التعاملات.















