حذر الباحث الاقتصادي عامر خربوطلي من أن سوريا دخلت في أعلى معدل فقر في تاريخها الحديث، وهو مستوى غير مسبوق “لم تشهده في أي مرحلة من مراحل مسيرتها”، مشيرًا إلى أن المراكز البحثية تقر بأن نسبة الفقر لا تقل عن 80 بالمئة من إجمالي عدد السكان.
وأكد خربوطلي خلل تصريحات صحفية، أن توصيف الواقع الراهن يتطلب تشريحًا دقيقًا يفصل بين الأزمات الطارئة والاختلالات البنيوية “التي تلتصق أصلًا بضعف الاقتصاد السوري وتراجع مستويات المعيشة وانخفاض القيمة الشرائية للعملة المحلية”.
أرقام دولية صادمة
رأى خربوطلي، أن معالجة فخ الفقر السوري يتطلب نهجًا شموليًا متعدّد الأبعاد يجمع ما بين التدخلات قصيرة الأمد لإنقاذ الفقراء من خلال برامج دعم مالي مستهدفة واستراتيجيات طويلة الأمد لبناء القدرات وتعزيز النمو الشامل والمستدام.
ويتزامن هذا التحذير مع تقارير دولية تؤكد تفاقم الأزمة الإنسانية في البلاد، حيث أعلن البنك الدولي في تقريره الصادر في حزيران/ يونيو 2025 أن نحو ربع سكان سوريا يعيشون في فقر مدقع، أي بأقل من 2.15 دولار يوميًا، فيما يعيش حوالي 67 بالمئة من السكان تحت خط الفقر الأدنى للبلدان متوسطة الدخل (3.65 دولارًا يوميًا).
كما كشف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقرير له أن تسعة من كل عشرة سوريين يعيشون في فقر، وأن واحدًا من كل أربعة عاطل عن العمل، محذرًا من أنه وفقًا لمعدلات النمو الحالية، لن يستعيد الاقتصاد السوري مستواه قبل الصراع من الناتج المحلي الإجمالي قبل عام 2080.
تدهور الأجور والقدرة الشرائية
في قراءة أكثر تفصيلًا للمشهد، يشير الخبير الاقتصادي شادي أحمد إلى الانخفاض الحاد في قدرة الأجر الحقيقي في القطاعين الخاص والعام على حد سواء، موضحًا أن دخل العامل لا يكاد يغطي الاحتياجات الأساسية، بينما خط الفقر للأسرة تجاوز 3.5 ملايين ليرة سورية شهريًا في عام 2023، مقارنة بنحو 1.6 مليون في 2022 و870 ألفًا في 2021، وهو ما يعكس تدهورًا سريعًا في مستوى المعيشة ليصل الآن إلى مستويات قياسية تجاوزت 5 ملايين ليرة للأسرة الواحدة وفق تقديرات أولية.
دعا أحمد إلى إعادة هيكلة الدعم الاجتماعي عبر استهداف دقيق مدعوم ببيانات وطنية من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، مؤكدًا أن ذلك سيضمن وصول الموارد إلى الأسر الأشد هشاشة، مثل الأسر التي تعيلها نساء وحدهن، وكبار السن، وذوي الاحتياجات الخاصة.
واقترح توجيه الدعم نحو أدوات إنتاج صغيرة بدل الدعم النقدي غير المربوط بشروط إنتاجية، مثل توفير مكابس زيت في الريف أو وحدات تصنيع غذائي صغيرة، مؤكدًا أن ربط المعونات بشرط الاستمرارية في التعليم والرعاية الصحية سيحول الدعم إلى آلية تمكينية بدل كونه أداة اعتمادية.
وتؤكد بيانات الأمم المتحدة هذا التدهور، حيث أفادت بأن الناتج المحلي الإجمالي للبلاد انخفض إلى أقل من نصف قيمته منذ بدء الصراع في عام 2011، وتضاعفت البطالة ثلاث مرات، كما تضاعف معدل الفقر ثلاث مرات تقريبًا من 33 بالمئة قبل الصراع إلى 90 بالمئة اليوم، بينما تضاعف الفقر المدقع ستة أضعاف، من 11 إلى 66 بالمئة.
الأمن الغذائي على المحك
كما تشير التقارير الميدانية إلى أن نسب الفقر تتوزع بشكل غير متساوٍ بين المحافظات، حيث تتركز نسب الفقر المدقع في محافظات مثل حلب وحماة ودير الزور، إلى جانب انتشار واسع للفقر بين الأسر التي تعيلها نساء والنازحين داخليًا
كما يعاني 89 بالمئة من السكان من انعدام الأمن الغذائي، مع معاناة 60 بالمئة من انعدام الأمن الغذائي الشديد، ويعتمد 70 بالمئة على الأقل من السوريين على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
وكانت أطلقت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بالتعاون مع منظمات دولية في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 “الاستراتيجية الوطنية للحد من الفقر متعدد الأبعاد”، التي تهدف إلى تعزيز حماية الفئات الأكثر هشاشة في سوريا، وتركز على تطوير أدوات دقيقة لقياس الفقر، يرافقها إطلاق برنامج وطني متكامل لتعزيز الحماية الاجتماعية وربط المستفيدين ببرامج وخدمات أخرى مثل الرعاية الصحية والتوظيف.
ويؤكد الخبراء أن الخروج من دائرة الفقر المستدامة يتطلب أكثر من مجرد مساعدات إغاثية، إذ لا بد من استثمار طويل الأجل في التنمية لبناء الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، واستعادة الإنتاجية من أجل خلق فرص العمل، وتنشيط الزراعة لتحقيق الأمن الغذائي، وإعادة بناء البنية التحتية للخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم والطاقة.
الحل















