هاني سليمان الحلبي*
الموت، بوصفه خاتمة كل فرد، مهما علا واستعلى، بحيث لم يحالف الحظ كل محاولات الأفراد العظام بلوغهم الخلود، عبر التاريخ، أكانوا ملوكاً أم بشراً من الرعايا، وانتهت رحلة الملك جلجامش الشهيرة، من مدينته في العراق إلى جبل حرمون فكيليكيا السورية المحتلة في الشمال، ليجلب زهرة الخلود، فوجد أوتنابشتيم طريحاً ملقى يحوم الذباب حول فمه وعينيه وبلغ من العمر عتياً ما ناهز 600 عام. حاول أوتنابشتيم إقناعه بالرضا والتسليم فلم يقبل جلجامش فأتى بزهرة الخلود التي ابتلتعها أفعى ولما وصل إلى أسوار مدينته التي بناها بالآجر الأحمر أعلن لأهل مدينته أن ما يبقى هو العمل. مات جلجامش وبقيت مدينته تنبئ عن أعماله لكن هوى الخلود وجموحه بقيا يلفحان أحلام الأفراد وأوهامهم. مات جلجامش.. ومات زياد صيموعة.. ومات غيرهم كثيرون مهما أطبقت شهرتهم الآفاق، من أهل السيف ومن اهل القلم ومن اهل المال ومن اهل السياسة، وتساووا مع من ليس على صدورهم قميص أو عروة تستر عورة.
رغم أحقيّة الموت، فإن خبر الموت قاسٍ، لكن الموت يطال الجسد، ولكنه لا يغيب الأعمال أكانت أسواراً أو أنصاب شهداء أو بذل أموال، أو دعم جمعيات، أو إطلاق موسوعات كتب أو مشاريع تنمية، لأن هذه كلها تنبث في الوجدان العام وتبقى وتتجذّر وتصبح قيمة ومعياراً وقدوة يُحتذى بها عبر الأجيال. فكما الشهداء تبجّلهم جماعاتهم وشعوبهم لأنهم المثل ألأقصى للتضحية بالدم والنفس، كذلك مَن يقدّمون جهودهم وأموالهم وأعمارهم وخبراتهم بطيبة خاطر، ومن دون اعتبار لمعيار منطقة أو طائفة أو عرق أو أثنية أو حزب، في سبيل الناس، هم شهداء كذلك ويستحقون الإجلال والتبجيل.
وبمنطلق المسؤولية الاجتماعية التي تهتم بها المؤسسات الراقية، واجبنا كمنصة إعلامية إبراز هذه الأعمال وإشهارها في المجتمع لتضيء وتشع وليعرفها الجميع، وهذه وظيفتنا الطبيعية ومهنيتنا الإنسانية، التي لا تقتصر فقط على الاهتمام بالمعلنين والمشتركين وعواجل الأخبار التافهة الآنية.
وما تناهى إلى معرفتنا وسمعنا عن أعمال وإنجازات القنصل الفخريّ السوريّ في لاغوس المرحوم زياد نواف صيموعة كان دافعاً لنا لإطلاق هذه الملف بأجزاء عدة، وهذا الجزء الثاني منه، حوار مع أخيه الأكبر السيد أبو فراس فوزي صيموعة.. وأعمال الخير والإحسان والعطاء هي الرحمة الحقيقية للمرء عندما يغادر إلى جوار ربه راضياً مرضياً..
*كتب هذا النص مقدمة لملف زياد صيموعة – الجزء الثاني – وهو مقابلة مع السيد فوزي صيموعة منشور في منصة حرمون يوم الخميس 12 شباط 2026.
**ناشر منصة حرمون، عضو اتحاد الكتاب اللبنانيين، عضو نقابة محرري الصحافة.















