كَتَبَ إِسْمَاعِيلُ النَّجَّارُ
(كاتٌب ومحللٌ سياسيّ)
مَقَالِي لَكُمُ الْيَوْمَ بِمِيزَانٍ مَوْضُوعِيٍّ، أُظْهِرُ مِنْ خِلَالِهِ مُقَارَنَةً بَيْنَ مَرْحَلَتَيْ حُكْمِ الشَّاهِ مُحَمَّدِ رِضَا بَهْلَوِي، وَمَا بَعْدَ انْتِصَارِ الثَّوْرَةِ الإِسْلَامِيَّةِ عَامَ 1979، حَيْثُ جَرَى تَحَوُّلٌ عَمِيقٌ فِي الْبِنْيَةِ السِّيَاسِيَّةِ وَالاسْتِرَاتِيجِيَّةِ لِلْمِنْطِقَةِ، لَيْسَ فَقَطْ عَلَى مُسْتَوَى عِلَاقَةِ إِيرَانَ بِالْقُوَى الْكُبْرَى، بَلْ كَذَلِكَ فِيمَا يَتَّصِلُ بِإِعَادَةِ تَشْكِيلِ التَّوَازُنَاتِ الإِقْلِيمِيَّةِ، وَإِعَادَةِ إِدْخَالِ فَوَاعِلَ تَارِيخِيَّةٍ كَانَتْ مُهَمَّشَةً، وَفِي مُقَدِّمَتِهَا الْمُكَوِّنُ الشِّيعِيُّ فِي الْعَالَمِ الإِسْلَامِيِّ، إِلَى قَلْبِ الْمَشْهَدِ السِّيَاسِيِّ.
بِدَايَةً، إِيرَانُ فِي عَهْدِ الشَّاهِ حَتَّى عَامِ 1979، سِيَاسِيًّا، كَانَتْ دَوْلَةً حَلِيفَةً لِلْوِلَايَاتِ الْمُتَّحِدَةِ الأَمِيرِكِيَّةِ وَبِرِيطَانْيَا، وَمُنْخَرِطَةً انْدِمَاجًا كَامِلًا فِي الْمَنْظُومَةِ الأَمْنِيَّةِ الْغَرْبِيَّةِ إِبَّانَ الْحَرْبِ الْبَارِدَةِ. وَقَدِ اسْتَنَدَ الشَّاهُ إِلَى هَذَا الدَّعْمِ لِضَمَانِ اسْتِقْرَارِ حُكْمِهِ، وَتَحْدِيثِ الْمُؤَسَّسَاتِ الْعَسْكَرِيَّةِ وَالِاقْتِصَادِيَّةِ، مُقَابِلَ الْتِزَامٍ وَاضِحٍ بِالْخِيَارَاتِ الاسْتِرَاتِيجِيَّةِ الْغَرْبِيَّةِ، وَلَا سِيَّمَا فِي مَنْطِقَةِ الْخَلِيجِ.
إِقْلِيمِيًّا، أُسْنِدَ إِلَى إِيرَانَ دَوْرُ «شُرْطِيِّ الْخَلِيجِ»، بِمَا يَضْمَنُ احْتِوَاءَ النُّفُوذِ السُّوفْيَاتِيِّ آنَذَاكَ، وَالْحِفَاظَ عَلَى مِيزَانِ قُوًى يَمِيلُ لِمَصْلَحَةِ الْغَرْبِ. أَمَّا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَضَايَا الْعَرَبِيَّةِ، فَقَدِ اتَّسَمَ مَوْقِفُ إِيرَانَ الشَّاهِ بِالْبُرُودِ، بَلْ وَالسَّلْبِيَّةِ أَحْيَانًا، تُجَاهَ الصِّرَاعِ الْعَرَبِيِّ الإِسْرَائِيلِيِّ، مَعَ وُجُودِ عِلَاقَاتٍ مُعْلَنَةٍ مَعَ إِسْرَائِيلَ، مَا أَبْقَى دَوْرَ طَهْرَانَ خَارِجَ أَيِّ تَأْثِيرٍ دَاعِمٍ لِلْقَضِيَّةِ الْفِلَسْطِينِيَّةِ.
أَمَّا دَاخِلِيًّا وَإِسْلَامِيًّا، فَقَدْ كَانَتِ الْمُؤَسَّسَةُ الدِّينِيَّةُ الشِّيعِيَّةُ مُهَمَّشَةً سِيَاسِيًّا، وَمُحَاصَرَةً أَمْنِيًّا، مَعَ فَصْلٍ مَقْصُودٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صِنَاعَةِ الْقَرَارِ، مَا جَعَلَ الشِّيعَةَ، رَغْمَ أَغْلَبِيَّتِهِمُ الدِّيمُوغْرَافِيَّةِ فِي إِيرَانَ، خَارِجَ مَنْظُومَةِ الْفِعْلِ السِّيَاسِيِّ الْحَقِيقِيِّ.
لَكِنْ بَعْدَ عَامِ 1979، أَحْدَثَتِ الثَّوْرَةُ الإِسْلَامِيَّةُ بِقِيَادَةِ الإِمَامِ الْخُمَيْنِيِّ قَطِيعَةً جَذْرِيَّةً مَعَ الْمَرْحَلَةِ السَّابِقَةِ. سِيَاسِيًّا، تَبَنَّتْ إِيرَانُ بَعْدَهَا خِطَابَ الاسْتِقْلَالِ الذَّاتِيِّ وَرَفْضِ الْهَيْمَنَةِ الْخَارِجِيَّةِ، وَأَعَادَتْ صِيَاغَةَ سِيَاسَتِهَا الْخَارِجِيَّةَ عَلَى أَسَاسِ مُنَاهَضَةِ النُّفُوذِ الأَمِيرِكِيِّ وَالإِسْرَائِيلِيِّ، مَعَ تَثْبِيتِ مَبْدَإِ السِّيَادَةِ الْوَطَنِيَّةِ وَالِاسْتِقْلَالِ فِي الْقَرَارِ.
لَكِنَّ التَّغْيِيرَ الأَعْمَقَ لَمْ يَكُنْ فَقَطْ فِي مَوْقِعِ إِيرَانَ الدَّوْلِيِّ، بَلْ فِي صُعُودِ الْمُكَوِّنِ الشِّيعِيِّ سِيَاسِيًّا بَعْدَ قُرُونٍ مِنَ التَّهْمِيشِ. فَقَدْ تَحَوَّلَ الشِّيعَةُ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي التَّارِيخِ الْحَدِيثِ، مِنْ جَمَاعَاتٍ مُسْتَبْعَدَةٍ عَنِ الْحُكْمِ فِي أَغْلَبِ دُوَلِ الْعَالَمِ الإِسْلَامِيِّ، إِلَى فَاعِلٍ مَرْكَزِيٍّ يَمْتَلِكُ مَشْرُوعًا سِيَاسِيًّا خَاصًّا بِهِ، وَخِطَابًا عَابِرًا لِلْحُدُودِ.
إِقْلِيمِيًّا، انْعَكَسَ هَذَا التَّحَوُّلُ فِي نُشُوءِ قُوًى شِيعِيَّةٍ فَاعِلَةٍ فِي أَكْثَرَ مِنْ سَاحَةٍ، مَا أَدَّى إِلَى إِعَادَةِ رَسْمِ خَرَائِطِ النُّفُوذِ، وَفَرْضِ مُعَادَلَاتِ رَدْعٍ جَدِيدَةٍ، خُصُوصًا فِي الْمَشْرِقِ الْعَرَبِيِّ وَالْخَلِيجِ.
مَاذَا تَغَيَّرَ فِي الْمِنْطِقَةِ سِيَاسِيًّا بَعْدَ تَرَاجُعِ الْهَيْمَنَةِ الأُحَادِيَّةِ؟
الَّذِي تَغَيَّرَ أَنَّ الْوِلَايَاتِ الْمُتَّحِدَةَ لَمْ تَعُدْ قَادِرَةً عَلَى إِدَارَةِ الإِقْلِيمِ بِمُفْرَدِهَا كَمَا كَانَتْ فِي مَرْحَلَةِ مَا قَبْلَ 1979، فَبَعْدَ بُرُوزِ قُوَّةٍ إِقْلِيمِيَّةٍ عَنِيدَةٍ تَرْفُضُ الِانْضِوَاءَ تَحْتَ الْمِظَلَّةِ الْغَرْبِيَّةِ، وَعَوْدَةِ الْهُوِيَّاتِ الْمُهَمَّشَةِ إِلَى السِّيَاسَةِ، شَكَّلَ صُعُودُ الشِّيعَةِ سِيَاسِيًّا أَحَدَ أَبْرَزِ التَّحَوُّلَاتِ الْبِنْيَوِيَّةِ، مَا أَدَّى إِلَى خَلْخَلَةِ أَنْظِمَةٍ تَقْلِيدِيَّةٍ بُنِيَتْ عَلَى الإِقْصَاءِ الْمَذْهَبِيِّ.
وَاحِدَةٌ مِنْ نَتَائِجِ ذَلِكَ تَعْقِيدُ الصِّرَاعَاتِ الإِقْلِيمِيَّةِ، حَيْثُ انْتَقَلَتِ الْمُوَاجَهَاتُ مِنَ الْحُرُوبِ الْكِلَاسِيكِيَّةِ إِلَى صِرَاعَاتٍ غَيْرِ مُتَكَافِئَةٍ، تَعْتَمِدُ عَلَى أَدَوَاتٍ سِيَاسِيَّةٍ وَعَسْكَرِيَّةٍ وَاقْتِصَادِيَّةٍ مُرَكَّبَةٍ.
وَخَسِرَتِ الْوِلَايَاتُ الْمُتَّحِدَةُ حَلِيفًا اسْتِرَاتِيجِيًّا كَانَ يُوَفِّرُ لَهَا نُفُوذًا مُبَاشِرًا فِي مَنْطِقَةِ الْخَلِيجِ، وَوَاجَهَتْ صُعُودَ قُوَّةٍ رَافِضَةٍ لِمَنْظُومَتِهَا، قَادِرَةٍ عَلَى تَعْطِيلِ مَشَارِيعِهَا الإِقْلِيمِيَّةِ، فَاضْطُرَّتْ إِلَى اسْتِنْزَافٍ طَوِيلِ الأَمَدِ عَبْرَ الْعُقُوبَاتِ وَتَعْزِيزِ الْحُضُورِ الْعَسْكَرِيِّ، الَّذِي كَلَّفَهَا مِئَاتِ مِلْيَارَاتِ الدُّولَارَاتِ لِغَايَةِ الْيَوْمِ.
فِي الْمُقَابِلِ، رَبِحَتْ فِلَسْطِينُ وَالْقَضَايَا الْعَرَبِيَّةُ الْكَثِيرَ، وَلَكِنَّ أَغْلَبِيَّةَ الْعَرَبِ اعْتَبَرُوا بُرُوزَ نَجْمِ دَوْلَةٍ شِيعِيَّةٍ أَمْرًا خَطِيرًا وَلَا يُبَشِّرُ بِالْخَيْرِ.
وَبِمَنْظُورٍ تَحْلِيلِيٍّ هَادِئٍ، لَمْ يُحَقِّقْ تَغْيِيرُ نِظَامِ الْحُكْمِ فِي إِيرَانَ أَيَّ تَسْوِيَةٍ عَادِلَةٍ لِلْقَضِيَّةِ الْفِلَسْطِينِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّ التَّغْيِيرَ تَمَثَّلَ فِي إِعَادَةِ فِلَسْطِينِ إِلَى صَدَارَةِ الْخِطَابِ الإِقْلِيمِيِّ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ تُدْفَعُ نَحْوَ التَّهْمِيشِ وَالتَّصْفِيَةِ النِّهَائِيَّةِ.
وَنَشُوءُ مُعَادَلَاتِ رَدْعٍ جُزْئِيَّةٍ حَدَّتْ مِنَ التَّفَوُّقِ الإِسْرَائِيلِيِّ الْمُطْلَقِ، وَإِدْخَالُ الْقَضِيَّةِ الْفِلَسْطِينِيَّةِ فِي مِيزَانِ الصِّرَاعَاتِ الدَّوْلِيَّةِ بِشَكْلٍ أَوْسَعَ.
بِمَا يَعْنِي أَنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ إِيرَانَ الشَّاهِ إِلَى إِيرَانَ مَا بَعْدَ الثَّوْرَةِ الإِسْلَامِيَّةِ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ تَغْيِيرِ نِظَامِ حُكْمٍ، بَلْ تَحَوُّلًا بِنْيَوِيًّا فِي الْمِنْطِقَةِ، أَعَادَ تَعْرِيفَ مَفْهُومِ الْقُوَّةِ، وَكَسَرَ احْتِكَارَ الْقَرَارِ، وَأَخْرَجَ الْمُكَوِّنَ الشِّيعِيَّ مِنَ الْهَامِشِ التَّارِيخِيِّ إِلَى مَرْكَزِ الْفِعْلِ السِّيَاسِيِّ. فَخَسِرَتِ الْوِلَايَاتُ الْمُتَّحِدَةُ سُهُولَةَ الْهَيْمَنَةِ، وَرَبِحَتْ فِلَسْطِينُ دَعْمًا سِيَاسِيًّا وَرَدْعِيًّا، فِيمَا دَخَلَتِ الْمِنْطِقَةُ مَرْحَلَةً أَكْثَرَ تَعْقِيدًا، لَا غَالِبَ فِيهَا مُطْلَقًا، وَلَا مَهْزُومَ فِيهَا بِالْكَامِلِ.
بَيْرُوتُ فِي 13/2/2026














