هاني سليمان الحلبي
(ناشر منصة حرمون وعضو اتحاد الكتاب اللبنانيين ونقابة محرري الصحافة)
عادة حميدة وعرف وطنيّ أن تتحول أعيادنا الدينية والفئوية إلى أعياد وطنية وشعبية عامة، يشعر مجموعنا كله أنّه معنيّ بها، ومعنيّ بالفرح بها، فتكون عامل توحيد للقلوب والمشاعر والمناسبات العامة. فيهتم المسيحيون بأعياد المسلمين ويهتم المسلمون بأعياد المسيحيين، بخاصة أن كل عيد يرتبط بمأثرة أو بقيمة توجب الاحتفاء به.
وعيد مار مارون، له نكهة خاصة في لبنان، ربّما مردّها إلى اختيار مؤيّدي هذا الناسك السرياني المسيحي المشرقي بالارتحال من شمالي سورية إلى جبال لبنان، واعتباره ملجأ لهم، تحوّل وطناً؛ فيه يقيمون ومنه ينطلقون للانتشار في بلدان العام كافة وقاراته، بخاصة لما ضيّقت عليهم الآفاق الدولة الدينية الأموية والعباسية ومن ورثها من الأمراء المحليين في بلاد الشام، وصولاً إلى المماليك فالعثمانيين الذين لم يوفروا ظلماً إلا وارتكبوه بأهل البلاد ولا فتنة شعواء إلا وأوغروا الصدور بنارها.
وبتحوّل لبنان، كياناً تعدّدياً وجد فيه أبناؤه كلهم، أنه نطاق أمان وضمان للفكر الحر، في حقيقته، رغم ان دولته ووحكوماته كذلك لم توفرا ظلماً تلحقه بالأفكار التي لا يقرّها وزراؤها، بخاصة الأفكار التحررية ومواجهة الفساد ورفض التدخل الأجنبي والترويج الطائفي والالتجاء بمرجعية سياسية دينية عابرة للحدود ذات تأثير يحدّ من السيادة الوطنية.
فيجد الماروني والأرثوذكسيّ في لبنان أماناً كما يجد فيه المسلم أماناً، والعلوي والدرزي والكردي وغيرهم ممن يسمّون بمقياس الأعداد أقليّات، لكنهم أصلاء في تكوين البلاد وتاريخها. ومع التغييرات في بلدان الجوار وانكفاء نموذج الدولة الوطنية ذات الطابع العلماني النسبي، واستيلاء تيارات دينية متشدّدة على الحكم فيها، تمس الحاجة إلى تعميق فهم دور لبنان الدولة والسيادة والوظيفة والحياة الوطنية المشتركة القائمة على الاعتراف والاحترام المتبادلين. فهكذا يتحول الاحتفال بعيد مار مارون مناسبة وطنية لها اعتبارها وقيمتها.
راشيا الوادي – الاثنين 9 شباط 2026















