حمزة البشتاوي*
منذ أن وضعت حاويات للنفايات بجانب سور القسم الثاني من مقبرة شهداء الثورة الفلسطينية في بيروت، تتعرّض قبور الشهداء إلى هجوم بأكياس النفايات المتراكمة حول الحاويات. تحديداً بعد أن تسبّبت الجرّافات بتصدّع وانهيار جزء من سور المقبرة، وتحطيم عدد من القبور، وانتشار الحشرات والجرذان والروائح الكريهة في المقبرة.
تحتضن هذه المقبرة شهداء شكّلوا بتضحياتهم راية للوعي السياسي والوطني للأجيال، في لبنان وفي مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وفي العالم العربي، وضمن شهداء هذه المقبرة عدد من اللبنانيين والسوريين، فضلاً عن جنسيات أخرى. وذلك منذ إنشاء المقبرة من قبل منظمة التحرير الفلسطينية عام 1969، فشكّلت جزءاً من الذاكرة والحلم المستمر بالعودة.
إنّ خطورة مشهد النفايات التي اقتحمت قبور الشهداء، تكمن أساساً في بعده الرمزي والأخلاقي، وعدم تحرّك الجهات المعنيّة اللبنانية والفلسطينية لحلّ هذه المشكلة التي تشير إلى انهيار أو تراجع في منظومة الاحترام والمسؤولية تجاه الشهداء الذين لو نهضوا من قبورهم اليوم لسألونا جميعاً: لماذا لم تتحرّكوا لإنهاء هذه المشكلة التي تلامس شواهدنا وتخنق أسماءنا، وتقتحم الذاكرة والقيم التي استشهدنا من أجلها، ولماذا انتقل الإهمال بحق اللاجئين الفلسطينيين الأحياء في المخيمات إلينا، وهم الذين يعانون مثلنا من قسوة الإهمال ومرارة النسيان؟
وفي زحمة المناسبات المقبلة المتعلقة بذكرى انطلاقة الفصائل، وخلال فترة الأعياد كعيدي الفطر والأضحى، قد يطلب الشهداء من الجميع الكف عن المزيد من الخطابات والأغاني والأناشيد ووضع الأكاليل، مع توجيه سؤال مباشر إلى الفصائل الفلسطينية وبلدية بيروت: لماذا أنتم صامتون بلا عاطفة، وقد تحولتم إلى قساة أكثر من الموت، وأي قيم وأي ثورة التي تترك النفايات تقتحم قبور الشهداء؟ ولقالوا لنا أيضاً بلا أي استثناء: إنّ هذا المكان الملوّث اليوم بالنفايات ليس فقط موقع دفن، بل إنه يمثّل نقطة تماس ما بين الماضي والحاضر، وامتحان وفاء للقضية والثورة وتاريخها.
استدعت مشكلة اقتحام النفايات قبور الشهداء، تحرّك مبادرات شبابية عدة للقيام بحملات تنظيف ورفع للنفايات، وإصلاح ما يمكن إصلاحه من الجدار والسور المنهار، خاصة من قبل جمعية «أحلام لاجئ» في مخيم شاتيلا، لكن هناك حاجة ماسة إلى حل جذري لهذه المشكلة من قبل الجهات المعنية اللبنانية والفلسطينية، تقديراً للمعنى وللقضية التي قدّم الشهداء حياتهم من أجلها «حباً وطواعية»، وبعيداً عن حالة القرف والخذلان التي باتت تطال حتى حرمة الشهداء وذاكرة النضال الفلسطيني من أجل العودة والخلاص من الاحتلال.
* كاتب فلسطيني
(جريدة الأخبار)


















