الكاتب والمحلل السياسي يحيى دايخ
27 كانون الثاني 2026
البراغماتية والديناميكية الأمريكيتين ليستا مجرد إسلوب ونهج في السياسية الأمريكية الخارجية لتحقيق مصالحها القومية حول العالم، بل هما عبارة عن آلية إستراتيجية للبقاء في نظام دولي فوضوي.
فالبراغماتية تمنع أمريكا من أن تُسجن في أيديولوجيا جامدة، أما الديناميكية فتمنحها القدرة على التحوّل دون الانهيار الكامل.
من خلال هذه الورقة البحثية الموجزة، سأحاول أن أبيِن أسس ومرتكزات هاتان السمتان اللتان تقوم عليها إستراتيجية الأمن القومي والسياسية الخارجية الأمريكية عبر الأسئلة التالية:
تعريف المفاهيم الأساسية: ما المقصود بـ”البراغماتية” و”الديناميكية” في السياق “الأمريكي”؟
الجذور التاريخية والفكرية: من أين تنبع هذه السمات؟
مؤشرات وتجارب تاريخية: كيف تجلّت في مواقف وسياسات أمريكية ملموسة؟
الموائمة بين المثالية والواقعية: كيف توازن أمريكا بين قيمها المعلَنة ومصالحها العملية؟
التحديات الراهنة والمستقبلية: هل لا تزال هذه الثنائية فعّالة في عالم متعدد الأقطاب؟
أولاً – البراغماتية والديناميكية: تعريفان مترابطان ومتلازمان في الإستراتيجية السياسية للأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية
البراغماتية (Pragmatism) :
هي فلسفة فكرية أمريكية أصيلة، تبلورت في أواخر القرن التاسع عشر على يد فلاسفة مثل ويليام جيمس وجون ديوي.
جوهرها أن “الصدق” أو “الفعالية” لا تُقاس بالمبادئ المجردة، بل بالنتائج العملية، هذا يعني أن واشنطن لا تلتزم أيديولوجية ثابتة، بل تُعدّل مواقفها (إيديولوجيتها) حسب جدوى القرار ومصالحها القومية والخارجية.
الديناميكية (Dynamism):
تشير إلى قدرة النظام السياسي والاقتصادي الأمريكي على التكيّف السريع مع المتغيرات، وإعادة توجيه إستراتيجياته دون ارتهان طويل الأمد لتحالفات معينة قد تقيده أو مبادئ جامدة.
هذه الديناميكية تُغذّيها المؤسسات مرنة العابرة للقارات، وسوق حرغيرالمقيد، وثقافة سياسية تشجّع على التجريب وإبتكار الوسائل المصالحية.
بالتالي، يمكن القول أن البراغماتية تُحدّد المنطق المتوجب لتحقيق الهدف، والديناميكية تُوفّر القدرة للتكيف وآلية إعادة التوجيه لتحقيق الهدف.
ثانياً – الجذور الفكرية والتاريخية للبراغماتية والديناميكية:
التجربة التأسيسية:
الآباء المؤسسون “كما يُطلق على المصطلح أمريكياً” (مثل هاملتون وجيفرسون) اختلفوا حول طبيعة الدولة، لكنهم اتفقوا على التجريب الدستوري أي أن دستور العام 1787 لم يكن نصاً مقدساً، بل “خطة عملية” قابلة للتعديل.
الفلسفة البراغماتية:
برزت كرد على الفلسفات الأوروبية المثالية، حيث ركّزت على الحلّ العملي والعملاني للمشكلات، وليس على “الحقيقة المطلقة” أي الأطر المثالية المنتظمة لحل المشكلات.
هذا انعكس في السياسة الخارجية العامة عبر قدرة أمريكا على التحول من العزلة إلى التدخل، ومن الدعم إلى العقوبة، حسب الحاجة.
الرأسمالية المرنة:
الاقتصاد الأمريكي يعتمد على التنافس، الابتكار، والتكيف، وهو ما ينعكس في سياستها الخارجية: حلفاء اليوم قد يكونون المنافسين غداً (مثال: اليابان بعد الحرب العالمية الثانية وغيرها من الأمثلة…).
ثالثاً – مؤشرات وتجارب تاريخية للبراغماتية والديناميكية الأمريكية
الحرب الباردة: براغماتية تحت غطاء أيديولوجي
– رغم الخطاب المثالي عن “العالم الحر والديمقراطي”، فقد تعاونت أمريكا مع أنظمة استبدادية (مثل شاه إيران، مبارك، بينوشيه …) لمجرد أنها معادية للشيوعية.
– نيكسون وكيسنجر: زارا الصين عام 1972، وتحالفا مع “عدو أيديولوجي” (الصين الشيوعية) لمواجهة الاتحاد السوفيتي آنذاك، تلك الخطوة تمثل ذروة البراغماتية الواقعية.
ب. ما بعد 11 أيلول الشهير: الديناميكية في إعادة التموضع
– تحالفت أمريكا مع دول كانت تنتقدها بشدة من باب الحريات وحقوق الإنسان والديموقراطية (مثل باكستان، السعودية) في “مكافحة الإرهاب”.
– ثم، بعد عقد من الزمن، بدأت تُعيد تقييم هذه التحالفات (سحب الدعم من مبارك “الربيع العربي”، انتقاد السعودية بسبب خاشقجي “إبتزاز لمواقف سياسية وتسلطية”) في عمليات تكيف مرنة وإعادة توجيه للسياسات واضحة.
ج. الانسحاب من أفغانستان (2021)
– القرار يبدو “متناقضاً” مع خطاب “نشر الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان”، لكنه يعكس براغماتية صارمة: تكلفة باهظة (الاستمرار في إحتلال أفغانستان مقابل منفعة إستراتيجية ضعيفة).
– ديناميكية القرار: التغيير الجذري في السياسة خلال أشهر، رغم عقود من الالتزام بمساندة “الديمقراطية والحرية ومكافحة الإرهاب” أمام “حكومة أفغانستان” والعالم.
د. التعامل مع الصين اليوم
– أمريكا تجمع بين المنافسة الإقتصادية الاستراتيجية والاعتماد الاقتصادي المتبادل.
– تفرض رسوماً جمركية، وتُقيّد التكنولوجيا، وتعلن معاداتها ومحاولات حصار التمدد الإقتصادي الصيني من جهة، لكنها لا تقطع العلاقات الإقتصادية والتجارية معها من جهة أخرى، لأن البراغماتية الاقتصادية تغلب الاندفاع الأيديولوجي.
رابعاً – موائمة المتناقضين القيم والمصالح
الولايات المتحدة تعيش حالة من الموائمة والتناقض بإزدواجية دائمة:
– الوجه “المثالي والأخلاقي”: خطاب عن حقوق الإنسان، الديمقراطية، الحرية، مكافحة الإرهاب…
– الوجه البراغماتي: دعم أنظمة غير ديمقراطية، إستبدادية، طغيانية…، إذا كانت “مستقرة” و”صديقة” وتحقق لها مصالحها.
هذا التناقض هو أصل من براغماتيتها: استخدام الخطاب “الأخلاقي والإنساني والحقوقي والسلام” كأداة ناعمة (Soft Power) لتعزيز شرعيتها الدولية، بينما تُدير سياستها الفعلية وفق مصلحتها الإستكبارية والتوسعية والإستحواذية والتي تعتبرها مصالح أمن قومي لها.
وما قاله وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر (ثعلب السياسة الأمريكي) يدل على ذلك:
“السياسة الخارجية ليست مسابقة في الأخلاق، بل فنّ تحقيق التوازن بين القيم والواقع”
خامساً – التحديات الراهنة والمستقبلية: هل لا تزال البراغماتية كافية؟
في عالم متعدد الأقطاب وقوى صاعدة (الصعود الصيني، العودة الروسية كلاعب دولي، النفوذ الإقليمي لتركيا وإيران في وسط وغرب آسيا والقوقاز)، تواجه أمريكا العديد من التحديات أهمها:
– الاستقطاب الداخلي: الكونغرس المنقسم (ذا الأغلبية الديموقراطية) مما يُضعف القدرة على اتخاذ القرارات البراغماتية السريعة.
– المنافسة التكنولوجية: البراغماتية الاقتصادية التقليدية (الانفتاح على الأسواق الدولية) تتصادم مع مصالح الأمن القومي (الرقابة على التكنولوجيا).
– أزمة الثقة العالمية: التقلبات في السياسة مثل قرارات ترامب إتجاه تهميش الدور السياسي الأوروبي، ومحاولات الإستيلاء على غرينلاند، والنزاع السياسي مع كندا (بسبب إنفتاحها التكنولوجي على الصين) والمكسيك، وإختطاف رئيس فنزويلا “مادورو”، حتى مع حليفتها الإستراتيجية بريطانيا فقد منعتها من شراء منظومة إتصالات الجيل الخامس من الصين وأمهلت الشركات البريطانية حتى ىسنة 2027 للتخلص من كل المعدات التي تستخدمها من شركة هواوي، وكذلك النزاع في أوكرانيا وغيرها…، كلها قضايا تُضعف مصداقية الالتزامات الأمريكية.
ومع ذلك، تبقى المرونة الأمريكية (الديناميكية) سلاحها الأقوى، فهي الوحيدة القادرة على إعادة اختراع نفسها كل عقد أو عقدين، فتقفز من “العزلة” إلى “الهيمنة”، ومن “التدخل” إلى “الانسحاب الاستراتيجي”.
بالخلاصة:
البراغماتية والديناميكية الأمريكيتان ليستا مجرد أسلوب، بل آلية بقاء في “نظام دولي فوضوي”، فالبراغماتية تمنع أمريكا من أن تُسجن في أيديولوجيا ثابتة، والديناميكية تمنحها القدرة المرنة على التحوّل دون انهيار.
لكن في عصر القوى الصاعدة والعالم المتعدد الأقطاب، عاملا الاستقرار والثقة هما المطلبين الأساسيين الدوليين والإدارة الأمريكية تؤمن بالفوضى الخلاقة التي تؤمن مصالحها القومية. وبالتالي، فقد تصبح الديناميكية الأمريكية وبالاً على براغاميتها في الرؤية الاستراتيجية الحالية.
يتبع مناقشة هذا الموضوع في الجزء الثاني من هذه الورقة البحثية التحليلية، بإذن الله.
يتبع قريباً

















