قدم تراجع إقبال البنوك السعودية على القروض العقارية مؤشراً مبكراً على أن دورة التوسع الائتماني العقاري بلغت ذروتها، ما دفع البنوك إلى أن تصبح أكثر انتقائية في منح القروض السكنية، بعد سنوات من النمو السريع، بحسب تقرير نشرته وكالة بلومبيرغ.
وسجل حجم التمويل العقاري السكني الجديد المقدم للأفراد من المصارف في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي أكبر تراجع سنوي منذ يناير/ كانون الثاني 2017 منخفضاً بنسبة 56%، وبلغ حجم التمويل العقاري السكني في نوفمبر 2025 نحو 4.47 مليارات ريال (الدولار = نحو 3.75 ريالات) كأدنى مستوياته منذ أكثر من عامين ونصف، أي منذ شهر إبريل/ نيسان 2023، حسب بيانات البنك المركزي السعودي.
وتقف وراء هذا التحول المالي معادلة، مفادها أن أسعار العقارات ترتفع بوتيرة تفوق نمو الأجور، بينما تأثرت كلفة التمويل بدورة رفع الفائدة العالمية، قبل أن تبدأ التوقعات بانفراج تدريجي، إذ أوردت تقارير استشارية أوروبية أن ارتفاع أسعار الفائدة ضغط مباشرة على القدرة على تحمّل الأقساط، وأجّل قرارات الشراء لدى كثير من الأسر السعودية، مع توقع أن يؤدي أي تراجع لاحق في الفائدة إلى إعادة تنشيط الطلب، ما يعني أن موجة التباطؤ الحالية مرتبطة بمرحلة إعادة تسعير الائتمان بقدر ارتباطها بالأسعار نفسها، حسب تقرير نشرته شركة كراون كونتننتال Crown Continental، المتخصصة في دراسات أسواق العقار العالمية.
وفي المقابل، انفلتت أسعار المساكن والإيجارات في الرياض تحديداً إلى مستويات دفعت الحكومة إلى تجميد زيادات الإيجارات لمدة خمس سنوات في العاصمة، بعد قفزاتها الحادة خلال الفترة الماضية.
عوامل متداخلة
يعزو الخبير الاقتصادي والمستشار المالي، علي أحمد درويش، التراجع بقطاع التمويل العقاري في السعودية إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها ارتفاع معدلات الفائدة التي لا تزال قريبة من 5%، ما يثقل كاهل الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط، إذ يُخصص جزء كبير من دخلها الشهري لسداد أقساط القروض، على حساب الاستهلاك اليومي والادخار، بل وحتى الرفاهية الشخصية كالسفر أو الترفيه، حسبما أفاد لـ”العربي الجديد”.
ويشير درويش إلى ارتفاع أسعار العقارات، خاصة في المدن الرئيسية، مثل الرياض التي سجلت زيادات بنحو 4%، ما يفاقم من صعوبة الوصول إلى السكن الملائم، ويُضعف جاذبية برامج التمويل العقاري حتى مع وجود دعم حكومي، لافتاً إلى أن ارتفاع الإيجارات دفع السلطات السعودية إلى التدخل بتحديد سقوف سعرية ومنع زيادتها، في محاولة لتخفيف الضغط على مداخيل الأسر، ومع ذلك فإن هذه الإجراءات لم تفلح في تعويض غياب نمو حقيقي في الدخل، إذ ظلت الرواتب والأجور شبه ثابتة في معظم الوظائف، باستثناء بعض التخصصات الدقيقة.
ويؤكد درويش أن هذا الواقع ينعكس مباشرة على الميزانية الشهرية للأسر، حيث يتحول جزء متزايد من الدخل إلى تسديد الالتزامات العقارية، ما يُضعف القدرة الشرائية للمواطن العادي، مشيراً إلى أن ربط الريال السعودي بالدولار يضخم هذا التأثير، إذ ينقل ارتفاع أسعار الفائدة العالمية إلى الاقتصاد المحلي دون هامش كبير للمناورة النقدية، ونتيجة لذلك باتت برامج الدعم السكني، التي كانت كافية في السابق، أقل فعالية في ظل الارتفاعات الحالية في أسعار العقارات.
ويوضح درويش أن الحفاظ على استقرار مستوى المعيشة في السعودية يتطلب توازناً دقيقاً بين السياسات النقدية والإسكانية وسوق العمل، لضمان ألا يصبح التملك حلماً بعيد المنال لغالبية المواطنين.
انكماش القروض
يؤكد الخبير في الشؤون المالية، عادل ثمين، لـ”العربي الجديد”، أن سوق التمويل العقاري في السعودية يشهد تراجعاً حاداً في حجم القروض الممنوحة، مسجلاً أعلى وتيرة انخفاض منذ سنوات، مؤكداً أن هذا التراجع لا يعود إلى سبب وحيد، بل هو نتاج تفاعل مجموعة من العوامل الاقتصادية والمالية التي أثّرت بقرارات الأسر والبنوك على حدٍّ سواء.
ويرى ثمين أن العامل الأبرز يتمثل في ارتفاع أسعار الفائدة، الناتج عن ارتباط السياسة النقدية السعودية بالسياسة الأميركية، فمع تشديد البنوك المركزية العالمية لسياساتها النقدية ارتفعت تكلفة الاقتراض بشكل ملحوظ، ما انعكس مباشرة على أقساط التمويل العقاري الشهرية، ونتيجة لذلك تقلص عدد المؤهلين للحصول على قروض، وفضلت شرائح واسعة من الأسر تأجيل قرار التملك، أو إعادة النظر فيه، خشية التزامات مالية طويلة الأجل في بيئة اقتصادية غير مستقرة.
ويبين ثمين أن أسعار الوحدات السكنية لا تزال مرتفعة نسبياً مقارنة بمستويات الدخل، خاصة في المدن الكبرى، ورغم تسجيل بعض التباطؤ في نمو الأسعار فإنها لم تنخفض بما يكفي لتعويض أثر ارتفاع الفائدة، والنتيجة هي اتساع الفجوة بين القدرة الشرائية للأسر، وقدرة السوق على توفير سكن بأسعار معقولة، حيث تجاوزت نسبة القسط الشهري إلى الدخل في كثير من الحالات الحدود الآمنة مالياً، ما يزيد من هشاشة الاستقرار المالي للأسر.
أما برامج الدعم السكني، فيرى ثمين أنها لعبت دوراً مهماً في تخفيف العبء عن ذوي الدخل المنخفض، لكنها لا تزال غير كافية لتلبية احتياجات الطبقة المتوسطة، فهذه الشريحة تواجه ضغطاً مزدوجاً، فهي لا تحصل على دعم كبير بسبب دخولها التي تفوق حدود الاستحقاق، وفي الوقت نفسه لا تمتلك القدرة على مواكبة تكاليف السوق المرتفعة. ويزيد من تعقيد الصورة ارتفاع أسعار الأراضي وتكاليف البناء، ما يقلل من فعالية أي دعم مالي مباشر.


















