إسماعيل النجار*
من الرسائل المتناقضة إلى التحركات الصامتة، الشرق الأوسط على حافة اختبار عسكري كبير.
رغم إعلان ترامب المتكرر تراجعه عن نيتهُ توجيه ضربة عسكرية ضد إيران، إلَّا أنَّ الوقائع الميدانية والتحركات الجوية والبحرية المتسارعة تكشفُ عن مشهدٍ مختلف تماماً.
فبين التصريحات السياسية الأميركية المتناقضة، والقيام بإخلاءآت جزئية أو كاملة لقواعد عسكرية جويَّة في منطقة الخليج، ورغم التحذيرات الأوروبية للطيران المدني بتجنُب أجواء المنطقة، تتشكل بيئة إقليمية توحي بأن المنطقة دخلت مرحلة “الاستعداد لما لم يُعلن بعد”.
- التسريبات الإعلامية تُظهِر، وعلى رأسها ما نقله موقع “أكسيوس”، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طلب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأجيل ألهجوم على إيران، ليس رفضًا للمبدأ بحد ذاته، إنما انتظاراً لاستكمال الجهوزية الدفاعية الإسرائيلية في حال بدأ الرد الإيراني الواسع. هذه النقطة بحد ذاتها تنسف فرضية “التهدئة”، وتؤكد أن النقاش يدور حول “التوقيت” وليسَ القرار.
- في المقابل، جاءت تصريحات ترامب عبر “تروث سوشال” محمّلة بازدواجية واضحة فمن جهة أبدى “احترامه” لخطوات إيرانية داخلية بوقف تنفيذ عمليات الإعدام بالمخربين والمشغلين الذين أُلقِيَ القبض عليهم والذين جُلُّهُم من ضباط الموساد والـ cia وألـ m16 البريطانية، ومن جهة أخرى أعلن صراحة أنه لم يتراجع عن خيار الضربة العسكرية إلا بقرار شخصي مؤقت. هذا الخطاب يعكس أسلوب إدارة الأزمة لدى ترامب عبر الضغط النفسي والسياسي بدل الإعلان المباشر عن شن الحرب العسكرية.
- ميدانياً لا يمكن تجاهل إخلاء الطائرات غير الضرورية من قاعدة الأمير سلطان بن عبدالعزيز في السعودية، ولا خلوّ قاعدة العديد في قطر من القاذفات الاستراتيجية، في مقابل تكثيف نشر طائرات “يوروفايتر” الأوروبية في قبرص والأردن، وتحركات لوجستية أميركية متواصلة باتجاه الشرق الأوسط. هذه الخطوات تشير إلى إعادة تموضع ذكية تهدف لتقليل الخسائر المحتملة في حال اندلاع مواجهة.
- إن تحذيرات وكالة سلامة الطيران الأوروبية من التحليق فوق الأجواء الإيرانية تشكِّل بدورها مؤشراً تقنياً وأمنياً بالغ الدلالة، إذ غالباً ما تسبق هذه الإجراءات مراحل توتر حاد أو عمليات عسكرية محدودة.
- المشهد الحالي لا يؤشر إلى حرب شاملة وشيكة بقدر ما يعكس اقتراب المنطقة من مرحلة عضّ الأصابع وممارسة الضغوط، وإرسال رسائل ردع، واختبار تجاوز الخطوط الحمراء. لكن في الشرق الأوسط، غالباً ما يكون الخط الفاصل بين الردع والانفجار خيطاً رفيعاً وخطيراً.
- الخريطة الزمنية الأسبوعية التقديرية لتصعيد مُحتمَل في الأسبوع الأول هو استمرار التصريحات المتناقضة سياسيًا. وتعزيز الانتشار الدفاعي الإسرائيلي. وتصعيد الحرب النفسية والإعلامية على الجمهورية الإسلامية.
- – ربما لاحقاً تقوم واشنطن وتل أبيب وحلفاؤهم بعمليات أمنية أو سيبرانية غير معلنة مثل ضربات محدودة تكون “غامضة المصدر”.
من جهة مِحوَر المقاومة يتم رفع مستوى الجهوزية لدى كل حلفاء إيران الإقليميين، من أجل تثبيت معادلة ردع جديدة دون حرب أو انزلاق إلى ضربة محدودة متبادلة تُدار بعناية لمنع توسع دائرة النار؟
- هذا السيناريو يفترض عقلانية نسبية لدى جميع الأطراف، لكنه يبقى هشاً أمام أي خطأ في الحسابات.
- الهَم الإسرائيلي الأكبر في هذه المعمعة هو خطر حزب الله الذي في هذه المرحلة لن يكون لاعب دفاع بل لاعب توازن. ودوره سيُختصر بعدة وظائف أساسية، الردع غير المباشر، لأن وجوده العسكري يمنع “إسرائيل” من التركيز الكامل على إيران دون الأخذ بعين الاعتبار حساب الجبهة الشمالية.
والربط الاستراتيجي الصهيوني يشير إلى أنه في أي مواجهة مباشرة مع إيران ستضع تل أبيب حزب الله تلقائياً في خانة “الاستعداد العسكري”، ما يوسّع ساحة الضغط عليها حتى دون فتح النار فعلياً.
- حتى الآن، المؤشرات جميعها تشير إلى أن الحزب لا يسعى لفتح حرب مع “إسرائيل”، لكنه أيضًا لن يسمح بإلغاء دوره أو شطبه من المعادلة.
بعبارة دقيقة أكثر حزب الله حاضر كتهديد محتمل، لا كقرار حرب جاهز، وهذا بحد ذاته عنصر ضغط فعّال في المنطقة. لأن موقعه في معادلة الصراع في أي مواجهة مباشرة أو غير مباشرة بين “إسرائيل” والولايات المتحدة الأميركية وإيران يُعد فيها الحزب العقدة العسكرية الأثقل وزناً في الميدان الإقليمي. إذ لا يُنظر إليه كقوة داعمة رمزية، بل كـ ذراع ردع متقدمة قادرة على تحويل الحرب من مسارها الثنائي إلى نزاع متعدد الجبهات، مع تأثير مباشر على “إسرائيل” وبالتالي، لا يُرجّح أن يدخل الحزب الحرب تلقائيًا مع الضربة الأولى ضد إيران، بل سينتظر تحديد مستوى التهديد الوجودي قبل الانتقال من الدعم غير المباشر إلى المواجهة الواسعة.
تل أبيب مرعوبة.
بيروت في 17/1/2026


















