العميد الأستاذ الدكتور تيسير عباس حمية
العاقل هو من لا يترك وطنه بدون دفاع ولا يطالب بنزع سلاح مقاومته والعدو يحتل أرضه.
مقدمة
تُعدّ مسألة الدفاع عن الوطن في حال تعرّضه للاحتلال أو العدوان المسلح من القضايا المركزية في الفكر السياسي والقانوني المعاصر. فالدولة، وفق التعريف الكلاسيكي في العلوم السياسية، هي كيان يقوم على ثلاثة عناصر أساسية:
– الأرض،
– الشعب،
– والسلطة القادرة على حماية هذا الشعب والدفاع عن سيادته.
وعندما تفشل السلطة في أداء هذا الدور، تبرز أسئلة جوهرية حول مشروعية البدائل الدفاعية، ومنها المقاومة الشعبية أو المنظمة.
أولًا: حق الدفاع عن النفس في القانون الدولي؛
يقرّ ميثاق الأمم المتحدة في مادته الـ 51 بحق الدول والشعوب في الدفاع عن النفس في حال التعرّض لعدوان مسلح. كما تعترف قرارات أممية عديدة بحق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في مقاومة هذا الاحتلال بكل الوسائل المشروعة. وعليه، فإن المقاومة ليست ظاهرة استثنائية أو خارجة عن القانون، بل قد تكون نتيجة مباشرة لانهيار منظومة الحماية الرسمية.
ثانيًا: فشل الدولة وشرعية المقاومة
عندما تعجز الدولة عن:
– حماية مواطنيها من القتل والقصف والتدمير،
– ردع الاعتداءات المتكررة،
– اللجوء إلى الأطر القانونية الدولية (كالشكاوى الرسمية والضغوط الدبلوماسية)،
عند ذاك تكون الدولة قد أخلّت بأحد أهم واجباتها الوجودية.
وفي هذه الحالة، تنشأ المقاومة بوصفها استجابة اجتماعية-سياسية دفاعية، لا كبديل دائم عن الدولة، بل كآلية اضطرارية لملء فراغ الحماية.
ثالثًا: إشكالية ازدواجية المعايير السياسية
من أبرز الإشكاليات في بعض السياقات السياسية هو إدانة أفعال المقاومة، في الوقت الذي لا يُدان فيه المعتدي الذي:
– لا يحترم قرارات دولية،
– لا يلتزم بعهود أو مواثيق،
– يستخدم القوة المفرطة ضد المدنيين.
هذا التناقض يُضعف الخطاب الرسمي، ويفقده المصداقية الأخلاقية، ويعزّز الانقسام الداخلي بدل توحيد الجبهة الوطنية.
رابعًا: المسؤولية السياسية والأخلاقية للسلطة
السلطة السياسية مطالَبة أخلاقيًا وقانونيًا بأن:
– تدافع عن جميع مواطنيها دون تمييز ديني أو مناطقي،
– تتعامل مع الضحايا بوصفهم مواطنين لا أرقامًا،
– تتحرّك دبلوماسيًا وقانونيًا عند وقوع الإعتداءات والمجازر والانتهاكات.
إن تجاهل معاناة فئة من الشعب، أو التقليل من قيمة دماء الضحايا، يهدد مفهوم المواطنة ذاته، ويفتح الباب أمام تفكك العقد الاجتماعي وانهيار منظومة الدولة على مدى قريب.
خامسًا: خطورة الانقسام الداخلي والطائفية السياسية
إن أخطر ما يواجه أي وطن تحت التهديد الخارجي هو تفكك الجبهة الداخلية. فالفرح بمقتل مواطنين بحجة انتمائهم الطائفي أو السياسي يعكس أزمة أخلاقية عميقة وإنسانية بليغة، ويحوّل الخلاف السياسي إلى قطيعة وطنية.
في مثل هذه الظروف، تصبح المقاومة – بصيغتها الوطنية الجامعة – عامل تماسك، لا عامل انقسام.
سادسًا: الدولة بين السيادة والتبعية
الدولة التي:
– لا تمتلك قرارها السيادي،
– لا تسلّح جيشها للدفاع عن أرضها،
– ترفض أي شكل من أشكال المقاومة من دون تقديم بديل دفاعي فعّال،
تكون عرضة لفقدان معناها الوظيفي. فالدولة ليست مجرد مؤسسات إدارية، بل هي إطار سيادي لحماية الكرامة الوطنية والمصلحة العامة.
وكل ما من شأنه أن يضعف مقاومة الإحتاال المستمر على الوطن وإبقاء الشعب من غير حماية، لا يمكن القبول به تحت أية عناوين او مسميات وكل الرهانات على الأمريكي الداعم الأول للصهيوني في عدوانه على لبنان تسفط مع استمرار العدوان على لبنان برا وبحرا وجوا.
الدولة التي تطالب بسحب سلاح مقاومتها وتترك شعبها يتعرض يوميا للقتل والذبح والتدمير من قبل عدو صهيوني مدعوم أمريكيا،
هي دولة ساقطة حسب كل الأعراف والقوانين الدولية والأخلاقية والإنسانية، ولا يمكن التعويل عليها وحكومتها تعتبر حكومة شكلية ساقطة بدون اي قيمة معتبرة ولا يمكن اعتبارها حكومة وطن بأي حال من الأحوال…
.
وفي الختام
إن النقاش حول المقاومة ليس نقاشًا أيديولوجيًا أو طائفيًا، بل هو نقاش حول جوهر الدولة ووظيفتها. فحين تفشل السلطة في حماية شعبها، تصبح المقاومة – ضمن ضوابط وطنية وأخلاقية – تعبيرًا عن حق أصيل في الدفاع عن الوجود.
وفي المقابل، لا يمكن بناء دولة مستقرة من دون سلطة مسؤولة، وجيش قوي، ووحدة وطنية تتجاوز الانقسامات الضيقة، وتضع الإنسان وكرامته في صلب أي مشروع سياسي.

















