ملاك عطوي
مع بداية عامٍ جديد، وُلد زياد الرحباني كبشارةٍ مختلفة للبنان، وصحيح أنه امتداد لعائلة فنية مبدعة، ولكنه أيضاً كان تحولاً نوعياً في معنى الفن نفسه. لم تكن ولادته رقمًا في سجلّ الذكريات، إنما فرصة لفنٍّ جديد، كُتب من حبر الوعي، وصيغ من جرأة السؤال، فجمع بين السخرية التي تفضح، والصدق الذي لا يعتذر، والموسيقى التي لا تهادن.
في بيتٍ تتقاطع فيه الأسطورة مع الحياة اليومية، لم يرث زياد الرحباني المجد جاهزًا، إنما اختار أن يعيد تعريفه. خرج من عباءة الإرث الرحباني ليكتب لغته الخاصة، لغة الشارع والناس والهمّ الحقيقي، حيث لا قداسة للألم ولا تجميل للخراب. في مسرحه، كما في أعماله الموسيقيّة، لم يكن الضحك غاية، إنما أداة مواجهة، ولم تكن السخرية زينة لفظية، إنما سكينًا ناعمة تشقّ وعي المتلقّي.
كشف زياد في مسرحياته – من «بالنسبة لبكرا شو؟» إلى «فيلم أميركي طويل» – عن وجع الناس بصدقٍ صارخ، وخلق من الضحك وسيلة لمواجهة الألم لا للهروب منه. شخصيّاته لا تختبئ خلف الأقنعة، بل تعترف بضعفها وتناقضاتها، تشبهنا إلى حدّ الإرباك، وتضعنا وجهًا لوجه أمام أسئلتنا الكبرى: السياسة، الطائفية، الفقر، العبث، والانكسار اليومي. إنها شخصيات مهزومة لكنها واعية، ساخرة لكنها موجوعة، تصرخ بمرارة: “مش هيك كان لازم يكون”.
أما في الموسيقى، فقد أنزل زياد الرحباني الأغنية اللبنانية من علياء المثاليّات إلى أرض الواقع، من الحلم المجرّد إلى الاعتراف الإنساني. في أغنيات مثل «أنا مش كافر»، «كيفك إنت»، «سألوني الناس»، و«عودك رنان» و«بلا ولا شي»، لم يعُد الحب صورة رومانسية مكتملة، بل علاقة مشوبة بالشك والانتظار والتعب. لحّن الصمت، وكتب التعب، وجعل من التفاصيل الصغيرة – فنجان القهوة، الانتظار، الخيبة – مادةً شعريّة نابضة بالحياة.
ومع صوت والدته، الأيقونة فيروز، بلغ هذا المشروع الفني ذروته. كان التعاون بينهما حوارًا فنيًا عميقًا بين جيلين، أعاد فيه زياد تشكيل صوت فيروز، ومنحها مساحة إنسانيّة جديدة، أكثر حميميّة وجرأة، من دون أن ينتقص من هالتها الأسطورية.
تميّز زياد الرحباني بفرادته لأنه لم يسعَ إلى الإرضاء، ولم يقدّم فنًا صالحًا للاستهلاك السريع. اختار أن يكون صادقًا حتى القسوة، وأن يقول ما لا يُقال، وأن يضع الفن في قلب الاشتباك مع الواقع. لذا بدا مشروعه الفني أشبه بمرآة حادّة، نرى فيها لبنان كما هو: جميلًا ومتعبًا، ساخرًا وجريحًا، حيًّا رغم كل شيء.
منح زياد الرحباني، بهذه الولادة الفنية المتجدّدة، لبنان أملًا بصوتٍ صادق، وشجاعة لفنٍّ يعترف بالحقيقة مهما كانت قاسية. وكأن رسالته الدائمة لهذا الوطن تقول: إن مواجهة الأزمات لا تنفي الجمال، بل تكشف قوّته الكامنة. وكأن ولادته كانت وعدًا مبكرًا بأن هذا البلد، مهما أثقله التعب، لا يزال قادرًا على إنجاب الجمال… حين يكون صادقًا.
زياد كل عام وفنّك وإبداعك بألف خير .
(جريدة البناء)














