مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

الغاز اللبناني فرصة لتعزيز السلام أم تأجيج النزاع؟

يواجه لبنان عدة تحديات وثغرات تهدد عمليات البحث والتنقيب عن النفط والغاز في مياهه الإقليمية، لا سيما في البلوكات الجنوبية على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، والأمر نفسه لناحية البلوكات الشمالية المحاذية للحدود اللبنانية السورية، ما يفوت عليه قدرته على الاستفادة من ثرواته النفطية في الحقل الضخم، الذي اكتشف في عام 2009، ويضم كلاً من لبنان وسوريا وقبرص وإسرائيل ومصر شرق البحر المتوسط، حيث قدر حجم الاحتياطيات البحرية اللبنانية من الغاز عند 96 تريليون قدم مكعب، ومن النفط عند 865 مليون برميل.

وفي وقت يعول اللبنانيون على تقدم مسار المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل لترسيم الحدود البحرية والبرية بين الدولتين، ما يزيل العوائق السياسية والأمنية لناحية الشروع في استخراج الثروات النفطية، يشير متخصصون إلى أن ترسيم الحدود وحده غير كاف لاستفادة لبنان من بيع الكميات المستخرجة من الغاز، حيث إن عليه تأمين عملية نقل الغاز وبيعه، وهذا يتطلب الدخول في اتفاقيات إقليمية ودولية، ما يحتم التفاوض الاقتصادي مع إسرائيل كونها جزءاً من المنظومة النفطية الإقليمية، وسبق أن وقعت على مشروع “إيست ميد”، الذي يتوقع البدء بعمله في 2025، وتبلغ تكلفته نحو ستة مليارات دولار. ومن المتوقع أن تبلغ طاقته المبدئية 10 مليارات متر مكعب من الغاز سنوياً. وسيمتد الخط من إسرائيل عبر المياه الإقليمية القبرصية مروراً بجزيرة كريت اليونانية، إلى البر اليوناني الرئيس وصولاً إلى شبكة أنابيب الغاز الأوروبية عبر إيطاليا، ويعد أطول خط أنابيب بحري في العالم تحت الماء بطول 1900 كلم، كما يشير هؤلاء إلى أن عدم دخول لبنان في تكتل “غاز المتوسط” الإقليمي سيرمي لبنان خارج المنافسة في بيع الغاز.

الصراع التركي

في السياق ذاته، تشير المعلومات إلى أن السلطات اللبنانية متخوفة من أن تتحول البلاد إلى ساحة صراع إقليمي بين تكتل “غاز المتوسط” من ناحية وتركيا من ناحية أخرى، كونها الدولة الإقليمية الأبرز التي استثناها هذا التكتل في ظل خلافاتها مع قبرص واليونان ومصر وفتور علاقاتها بإسرائيل، في وقت ترتب أوراقها للمواجهة عبر البحث عن اتفاقيات بديلة مثل اتفاقها الأخير مع روسيا لنقل الغاز الروسي إلى جنوب أوروبا عبر الأراضي التركية.

ووفق المعلومات، فإنه حتى الساعة لا خطة للبنان للبحث عن موقع ما، يحمي قدرته على تصدير غازه بأسعار تنافسية مستقبلاً، فيما الخيارات المتاحة تتراوح بين تسييل الغاز وبيعه عبر البواخر، وهو ما يرتب كلفة عالية، أو الدخول في المنتدى الإقليمي الذي يضم إسرائيل والقبول باستثمارات في البنية التحتية المشتركة معها، باعتبار أن المنتدى يساعد في تأمين العرض والطلب للغاز الطبيعي، وترشيد كلفة البنية التحتية المتعلقة بها بهدف الوصول إلى أسعار تنافسية في المستقبل.

حوار ما بعد الحدود

اعتبر النائب في البرلمان اللبناني فؤاد مخزومي أن توقف عمليات استكشاف الغاز في البلوك رقم 4 شمال لبنان، وقع لأسباب سياسية، وليس بسبب عدم اكتشاف كميات تجارية من الغاز الطبيعي. موضحاً أن التقديرات العلمية تشير إلى أن آبار الغاز المتوقعة في المياه الإقليمية اللبنانية على عمق يقدر بـ1000 متر، فيما عمليات التنقيب لم تتجاوز 300 متر، مشدداً على أن كل الدراسات سبق أن أشارت إلى وجود كميات تجارية ضخمة من الغاز في المياه الإقليمية اللبنانية، وأنه حتى الآن لم تجر سوى عملية استكشاف وحيدة ولم تستكمل.

وأشار إلى أن ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل، يزيل الأسباب السياسية التي تقف عائقاً أمام شروع الشركات العالمية في البدء بأعمال التنقيب، لا سيما في البلوك رقم 9، حيث تتجنب الشركات النفطية الدولية العمل في مناطق نزاع، معتبراً أن المرحلة اللاحقة يجب أن تتضمن اتفاقاً مشتركاً بين إسرائيل وقبرص ولبنان من أجل تصدير الغاز عبر الخط البحري، الذي يمتد من إسرائيل عبر المياه الإقليمية القبرصية، مروراً بجزيرة كريت اليونانية إلى البر اليوناني الرئيس، وصولاً إلى شبكة أنابيب الغاز الأوروبية عبر إيطاليا، موضحاً أن لجوء لبنان إلى تسييل الغاز بدلاً من ضخه في الأنابيب يرتب أعباء مالية ضخمة قد توازي قيمة الغاز المستخرج.

ورأى أن خيارات لبنان قليلة من ناحية تحديد منافذ تصدير الغاز، حيث يشكل عدم ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا عائقاً حول إمكانية الاتجاه براً للتصدير شرقاً، حيث السوق الصينية أو حتى شمالاً. مضيفاً، أن قضية إنشاء محطات “تغويز” في لبنان تدخل البازار الطائفي، بالتالي نصبح أمام إنشاء ثلاث محطات لإرضاء الطوائف بكلفة باهظة، مستنتجاً أنه على لبنان الدخول في اتفاقية مشروع “إيست ميد”، الذي سبق أن وقعت إسرائيل وقبرص اتفاقية بشأنه.

السلام مع إسرائيل

في السياق، أشار العميد محمد رمال إلى أنه لا يمكن الحديث عن استخراج الغاز عبر أنابيب مشتركة خارج إطار معاهدة سلام بين لبنان وإسرائيل، “وهذا غير مطروح حالياً، لا سيما أنه لم يتم وضع إطار زمني محدد لترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل، بل تُرك لتطور الأوضاع في المنطقة وظروف المفاوضات والأوراق التي سيضعها الطرفان الأميركي والإسرائيلي”.

ولفت إلى أنه “إذا نجح الطرفان الأميركي والإسرائيلي في تحقيق تقدم في هذا الإطار، فإنه قد يُطلب من لبنان الانضمام إلى اتفاقية نقل الغاز إلى أوروبا (إيست ميد)، التي وقعتها إسرائيل مع قبرص واليونان ولقيت ولا تزال معارضة تركية، فمن المقرر أن يبدأ العمل بها في عام 2025. وستكون حجة الأميركيين أن انضمام لبنان إلى هذه الاتفاقية سيعود بمردود مادي كبير على الخزينة اللبنانية، بدلاً من انتظار المساعدات والقروض الخارجية التي تؤدي إلى إرهاق المالية العامة وزيادة الدين العام”.

وتوقع تزايد الضغوط على لبنان للوصول إلى هذه النتيجة، لسبب بسيط هو أنه لا توجد أي مرجعية لمفاوضات ترسيم الحدود البحرية، مثل قانون البحار لعام 1982، أي أنه لا يوجد غطاء أممي لهذه المفاوضات، بل هي كلياً تحت تأثير موازين القوى والضغوط، التي يمكن ممارستها على لبنان. ولا يطرح اتفاق الترسيم أي بدائل أممية كالتحكيم الدولي في حال فشل المفاوضات، مشيراً إلى أن لبنان لا يبدو حتى الآن بعيداً من احتمال إقفال هذا الملف، لاعتبارات تتصل بحجم الضغوط التي تمارس عليه، فهو يحتاج للبدء بالتنقيب عن غازه، ولم يمانع المطلب الإسرائيلي، بدلاً من اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، والاحتكام إلى قانون البحار، خصوصاً أن دراسات كثيرة ومنها إسرائيلية أظهرت أن حجة إسرائيل في البلوك رقم 9 ضعيفة مقابل حجة قوية للبنان في هذا الحق.

الشراكة الاقتصادية

في المقابل يشير العميد ناجي ملاعب أن “ما عجل بانعقاد الجلسات التفاوضية بين لبنان وإسرائيل هو المصلحة الإقليمية والدولية، ومن البديهي أن يكون التفاوض لتسهيل حصول الفريقين على تفاهم يفضي إلى البدء بالتنقيب عن الغاز بعد ترسيم الحدود البحرية”، وقال إن “أمام لبنان ثلاثة احتمالات، أولها الحاجة المحلية وهي بعيدة الاحتمال لأن لا بنية أرضية متوفرة بعد، والثاني هو بيع المنتج للشركات المستثمرة لقاء نسبة مئوية، والثالث يتمثل في الانخراط في منتدى الشرق الأوسط للغاز، الذي أنشئ في القاهرة من سبع دول، إسرائيل إحداها، وهذا هو الاحتمال الأقرب حيث تمتلك مصر معملي تسييل للغاز بكلفة 11 مليار دولار”، بالتالي فإن التفاهم مع إسرائيل والدخول معها في مشروع “إيست ميد” سيؤمن المصلحة الاقتصادية الأفضل للبنان.

ولم يستبعد ملاعب إمكانية الدخول في الخط المعلن عنه بين إسرائيل وقبرص ضمن إطار “تفاهم تقني” خارج أي إملاءات سياسية، وأضاف “لن يكون لبنان وحده المحتمل استثماره في الخط المشار إليه، فقد بدأت الأخبار تتوالى حول أن تكون إسرائيل (مصباً) لغاز دول خليجية بعد السلام معها

حرمون/الاندبندنت

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.