مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

لم أسرق رغيف الخبز

غانم عمران المعموري*

دَقَت الساعة الثانية عشرة ليلاً وهو يُقلب ويبعثر أوراقه. وكلما كَتب سطراً في قصاصاتِه الصغيرة دَعسها بيديه ورماها خلفه، لكن بعض الوريقات فلتت من بين أصابعه. أبعد الكتب التي أمامه. عناوين كثيرة منها ما أكمل قراءتها والأخرى لم تتعَدَ عشر صفحات. تذكر بأنه قضى الليلة السابقة يَدرزُ حزمة من الورقِ، بكت الحروف والكلمات حتى اختلط الدمع مع الكحل من عينيها. هربت منتفضة بعد أن فاقت من نومِها مفزوعة، تلك الكوابيس المخيفة كحجرٍ ثقيل جثمَ على صدرِها،  نظرت إلى والديها كانا غارقين في نومٍ عميق عن تعب نهار طويل لم يذوقا طعم الراحة. جلست في حديقةِ الدار تبكي بحرقةٍ، فكرت بطريقةٍ للانتحار بأية وسيلة، كلما ارتسمت صورته أمامها توقفت عن التفكيرِ السوداوي، أصوات غريبة بدأت تسمعها من بين الأشجار الكثيفة،  التفتت الى الوراء شاهدت رجلاً يجري بسرعةِ البرق الى داخلِ الدار وحركة شخص ينادي عليها لا تستطيع تمييزه.  فركت عينيها بباطنِ كفيها كان يتخفّى من شجرةٍ الى أخرى طوله المعتدل وعيناه تبرقان في ذلك الليل المظلم كالنجوم المضيئة، غمرتها فرحة في داخلها ربما عاد لي الرجل الباسم ولم يتركني وحيدة!..

دَخلتَ على حياتي عند أول مرة شاهدتكَ تبتسم في سطحِ داركم وتؤشر لي بحركات توحي بالإعجاب ساعتها ارتسمت صورتك في كل خليّة من جسدي، سَمَعتْ من أهلها عن تلك العائلة التي سكنت تلك الدار المجاورة لهم ولم يعرف عنها أي شيء فهم لا يختلطوا  مع أي جار، لكنها لم تتمكن من الالتقاء به أبداً فهو يلازم سطح داره، كلما أرادت رؤيته كان بانتظارها لتبادل الابتسامات حتى مضى عام كامل كل يوم ترقب باب دارها لعله يأتي لخطبتها.. بدأت أغصان الشجرة تتحرك..

– أرجوك مرة واحدة فقط ألمس يديك حتى أقبْلها بشفتي التي أضناها العطش.

وقفت حائرة، تركت مكانها.. نعم هو اللقاء الذي كنت أنتظره منذ عام عندما تقابلت عيوننا بنظراتٍ وحملت نسمات الهواء قُبْلاتي لك وأنت تبتسم!

ألم تخبرك خيوط الشمس التي تُشاكس خصلات شعرك كم أنا أحبّك؟

ألم تسمع تغريد العصافير التي نقلت أشواقي وحنيني إليك؟

كل يوم أتعطّر لكي أراك. أحببتك من دون أن أعرف عنك أيّ شيء! ألم تخبرك نظراتي كم زرعت من الورود في طريقك وطرزت الأماني واشتريت الملابس الجديدة حتى باتت خزانتي تشكو هجرها!

حبك يا هذا جعلني أعيش كالأميرة التي تمتطي صهوة جواد أبيض ويقودها آلاف الحراس وتغوص في الأعماقِ لتلتقطَ اللؤلؤ والمرجان من بحر عينيك!

يا هذا أتعرف معنى امرأة وأدها أهلها في دارٍ مظلمة وحبك كان فيها كالشعاع الذي يخترق شغاف قلبي!!

اقتربت من ذلك الخيال الذي تحت الشجرة وصرخت بأعلى صوتها.. يا رجل أين أنت ألم أقل لك أحبّك ألا يكفي ذلك!!

أفاق والدها إثر صوت تسلل الى مسامعه، ركض مسرعاً إلى فراش مريم فلم يجدها، هَزَّ كتف زوجته التي صحت مرعوبة  خائفة.. أين هي يا إلهي؟

خرج الاثنان يبحثان عنها كانت مريم تمسك بالشجرة وتبكي كالطفل الذي تركه والداه.. ابنتي اتركي هذا الهاجس الذي يلازمكِ ألم نقل لك بأن ذلك الرجل الباسم الذي تعلقتِ به وأحببته مجنون  وأن أهله منعوه من الخروج وجعلوه في سطح الدار. هو مبتسم دائماً.

لا يا أبي أنتم مجانين… هو عاشق لي وأخبرتني عيناه بأنه لا يستطيع العيش من دوني..

همَسَ الأب لزوجته نحن بأي حال أني أفكر هل أحصل على عمل لتوفير رغيف خبز لكم. لا بدّ لنا من عرضها على طبيبٍ نفساني غداً.

التَفَت الى كومةِ الأوراق والقصاصات التي كَتب فيها قد امتلأت بالكلماتِ  تنظر اليه بحزنٍ وخوف.

أعاد قراءة  القصة التي كتبها. نظر الى مريم وجنون الحب الذي أفقدها عقلها، هَزَّ رأسه أهكذا يفعل الحُب بأصحابه. فلم تعجبه. مزقها الى أجزاءِ صغيرة تناول كتاب البؤساء الذي أمامه. ((وقد أمضّه صراخ أطفال أخته الجوعى، مد يده ليسرق بعض الأرغفة من دكان خبّاز وقد لحق به الخبّاز ليوقعه في يد الشرطة التي لم ترحمه ولم تهتم لبؤسه وأسبابه التي دفعته الى السرقة وحكم عليه قضاة ذلك العصر بخمس سنوات في السجن مع الاشغال الشاقة)).. أغلق الكتاب وقال الفقر والحب لا يجتمعان في مكانٍ واحد. كلاهما يجهز على الآخر حتى يصرَعَهُ قتيلاً.

رفع (جان فالجان) يده صارخاً لم أسرق رغيف الخبز من أجلي.

قاصّ عراقيّ.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.