مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

تأثير الوضع الاقتصادي – الاجتماعي على أمراض القلب والشرايين (جزء 3)

د.طلال حمود*

عمّ القلق والتوتر والإكتئاب معظم شرائح المجتمع اللبناني منذ بداية الحِراك، وحتى في فترة ما قبله. ومع كل الأزمات والخضات الأمنية وأعمال العنف والشغب وقطع الطرقات التي صاحبت هذا الصخب أحياناً، ما أدىّ الى أن يعيش المواطن اللبناني تحت وطأة التوتر والقلق الدائم منذ تلك الفترة وحتى تاريخ اليوم. وجاء إنخفاض قيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار ليزيد من حدّة المشكلة حيث انخفضت القدرة الشرائية لمعظم المداخيل الثابتة والمحدودة، وأصبح المعدل الوسطي لغالبية هذه المداخيل لا يتجاوز المئتي دولار أميركي في أغلب الأحيان (الحد الأدنى للأجور هو675 ألف ليرة لبنانية). وانخفضت القيمة الفعليّة للأجور والرواتب بمعدّلات متفاوتة تصل الى النصف أو الثلثين تقريباً بسبب الإرتفاع الكبير في أسعار السلع والخدمات على أنواعها الذي تراوح بين 100 إلى 250 بالمئة تقريباً في ظل غياب شبه تام لدور الأجهزة الرقابية التابعة للدولة والسلطات المحليّة.
كذلك طالت البطالة معظم شرائح المجتمع اللبناني ووصل معدلها حسب تقديرات بعض الخبراء إلى حوالي ٤٠ أو ٥٠% من القوى العاملة في لبنان، خصوصًا أن هناك حوالي ٣٥٠ إلى ٤٥٠ ألف لبناني قد صُرفوا من أعمالهم. مع الإشارة إلى أن هناك عددًا كبيرًا من الموظفين يتقاضون نصف رواتبهم المستحقة أو يعملون بنصف دوام ويقبضون نصف مستحقّاتهم أو حتى دوام كامل مع نصف راتب شهري..
وقد سمعنا أيضاً جميعنا في موازاة ذلك أنّ كل المؤسسات التربوية والتعليمية، خاصّةً القطاعات الخاصة منها، تُعاني من أزمات كبيرة نتيجة عدم قدرة الأهالي على دفع الأقساط وتوجّه عدد كبير من أهالي الطلاب لتسجيل أبنائهم في المدارس الحكومية التابعة للدولة في السنة القادمة. وهذا ما سيؤدي حتماً الى إنخفاض المستوى التعليمي نتيجة إكتظاظ الطلاب في هذه المدارس، وعدم قدرة هذه المدارس الحكومية على إستيعاب هذا الكمّ الهائل من الطلاب وتأمين نوعية عالية من الخدمات التعليمية. هذا بالإضافة إلى إعلان عدد كبير من المدارس الخاصة عن تسريح عدد كبير من كوادرها نتيجة العجز الحاصل وعدم إستيفائها لديونها المُترتّبة على الدولة وعلى الأهالي.

أخيراً، ومع تفاقم الأزمة إتجه عدد كبير من المواطنين إلى ترك منازلهم واستئجار أخرى في مناطق شعبية أو حتى العودة إلى الريف حيث تنخفض كلفة المعيشة. وهذا ما سيؤدي حتماً إلى ازدياد عنصر الخطورة عند هؤلاء المواطنين نتيجة الأسباب التي شرحناها سابقًا، ما يؤدي إلى ازدياد نسب الإصابة بأمراض القلب والشرايين التي تكلمنا عنها تفصيلياً بسبب عدم إمكانية المواطنين في هذه الأماكن المُهمّشة في الحصول على نوعية حياة طبيعية كما كانوا يعيشون في الأماكن الأخرى.

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أننا سمعنا أيضاً عن وجود أعداد كبيرة من المواطنين لجأوا إلى الإنتحار أو إرتكاب جرائم كثيرة ومتعددة في مختلف المناطق اللبنانية وأحياناً دون أي مبرّر أو لأسباب تافهة. كل هذه العوامل ستؤدي إلى ارتفاع نسبة المدخنين أو الذين يتعاطون المخدّرات والكحول خصوصًا عند الفئات ذات الدخل المحدود جداً أو التي تعاني من بطالة مُستجدّة.
أخيراً بالنسبة لكلفة العمليات التشخيصية والعلاجية لأمراض القلب، فإنّ المواطن اللبناني سيجد نفسه مُضطراً لأن يدفع كلفة إضافية في معظم أو حتى كل المستشفيات اللبنانية، خاصّةً وأنّ معظم تلك المستشفيات لم تعد قادرة على الإستمرار والعمل بالطريقة السابقة، وأنّ الشركات المورِّدة للمستلزمات الطبية تُجبرها حالياً من أجل إستمرارها على التمكّن من الإستيراد بأن تدفع المبالغ المتوجبة عليها نقداً وفور إستلام البضاعة أو بطرق أخرى مبتكرة من وحي تعاميم مصرف لبنان التي حاولت معالجة هذه الازمة، وذلك على عكس ما كان يتم سابقاً حيث كانت هناك فترة سماح تتراوح من ١٢ إلى ١٨ شهرًا، لكي تسدّد المستشفيات الفواتير المّستحقة للشركات المُورِّدة لهذه المُستلزمات. وإذا أخذنا على سبيل المثال كلفة عملية التمييل التي كانت قبل الأزمة تتراوح بين ٥٠٠ دولار في بعض المستشفيات إلى ١٢٠٠ دولار في مستشفيات أخرى في العاصمة، فإن المستشفيات وجدت نفسها مضطرة إلى زيادة الأسعار لأن الطبيب يستعمل الكثير من المسلتزمات المستوردة بالدولار. ولكي تصل إلى المستشفى مع التعميمات الجديدة لحاكم مصرف لبنان بهذا الخصوص يجب أن تدفع المستشفيات للشركات ٨٥ بالمئة من كلفة المسلتزمات بالدولار على سعر ١٥٢٠ ليرة لبنانية و١٥ بالمئة من الكلفة بالدولار على سعر السوق اليومي، أي تترواح المبالغ بين ٣٥٠٠ إلى ٤٥٠٠ ليرة لبنانية أو أكثر حسب العرض والطلب. والفارق الكبير في السعر المتوجّب على المستشفى أن تدفعه أصبحت تحمّله للمريض وبشكل عشوائي وفوضوي جداً بين مستشفى وأخرى بحسب شهية المسؤولين عن مالية تلك المستشفيات. ولذلك فهناك أزمة حقيقية يجب معالجتها في أسرع وقت ممكن لأن المستشفيات لن تقدر اليوم على فوترة أسعار العمل الطبي كما كانت تفعل في السابق ومن دون الأخذ بالإعتبار عامل إرتفاع أسعار الدولار الذي زاد بمعدل ثلاثة الى أربعة أضعاف قيمته ما قبل الأزمة. ولذلك فقد لجأت الى رفع الأسعار بشكل إستنسابي دون أيّ إمكانية للرقابة و دون توحيد للتسعيرة بين مختلف تلك المستشفيات المتوزعة على جميع الأراضي اللبنانية.
هذا المثل يمكن تعميمه على كافة عمليات القلب مثل عمليات توسيع الشرايين بالبالون والروسور وعمليات الجراحة القلبية وغيرها، لأن كل هذه العمليات تستدعي استعمال مستلزمات طبية تُستَورد من الخارج وبالدولار ،وسوف نشرح في القسم الأخير من هذه المقالة كل المشاكل التي ترتّبت على إستيراد المستلزمات الطبية منذ أزمة 17 تشرين وحتى تاريخ اليوم.

* طبيب قلب تدخّلي- مُنسّق ملتقى حوار وعطاء بلا حدود- هاتف 03832853 .

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.