مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

تجاور مفارقتين في الاقتصاد السوري

حصة الأرباح من الناتج تتجاوز 83%.. وضريبة الرواتب أعلى من ضريبة الأرباح بـ30 ضعفاً

37

سينان عابد

تعتبر العدالة في توزيع وإعادة توزيع الدخل الوطني من أهم مؤشرات التنمية البشرية، وبالتالي من أهم المؤشرات على تحسن مستوى معيشة الناس. وتتسم اقتصادات بلدان الأطراف بتراجع مستوى التنمية البشرية فيها، والتراجع المستمر والحاد في مستوى معيشة شعوبها.
وقد حققت سورية معدلات نمو اقتصادي جيدة نسبياً خلال سنوات ما قبل الأزمة، ولكن في ظل الحفاظ على التفاوت بين الثروة والدخل بين الطبقات الاجتماعية. بقيت البرجوازية محتفظة بالجزء الأكبر من الثروات في ظل تراجع المستوى المعاشي لغالبية الناس.

العلاقة بين الأرباح والأجور

في عام 2011 قدّرت الأرباح على مستوى الاقتصاد السوري حوالي (2671) مليار ليرة سورية، في العام 2018، حيث تجاوزت الأرباح (6712) مليار ل. س، حيث أن الأرباح عبارة عن حصة كل من الشركات وأصحاب الأعمال والمهن الحرة من صافي الناتج المحلي بتكلفة عوامل بالأسعار الجارية بعد استبعاد ما يحصل عليه ذوي الدخل الثابت من أجور.

بالمقابل نجد أن إجمالي الأجور التي تقاضاها العاملين بأجر كان منخفضاً جداً. حيث بلغ وسطي مجموع الأجور في كل من القطاعين العام والخاص والمشترك في عام 2011 حوالي (645) مليار ليرة سورية، وفي عام 2018 حوالي (1337) مليار ليرة سورية. علماً بأنه تم تقدير وسطي الأجور للأعوام المذكورة بناء على بيانات مسوحات قوة العمل لدى المكتب المركزي للإحصاء وفق توزع القوة العاملة بحسب شرائح الدخل.

درجة استغلال قوة العمل

تشير العلاقة بين مستوى الأرباح والأجور إلى ازدياد درجة استغلال قوة العمل، أي أن العمال بمساهمتهم في العملية الإنتاجية، يخلقون بضاعة (سلعاً وخدمات)، وهم يحصلون على أجر مقابل قيمة قوة عملهم، ولكن هذا الأجر لا يعبر عن القيمة الحقيقية لقوة العمل، بل يذهب الجزء الأكبر من سعر البضاعة (كأرباح) إلى مصلحة رأس المال على حساب العمل.

حيث بلغت نسبة الأجور من صافي الناتج في عام 2011 حوالي (19.45%) فقط، وانخفضت في عام 2018 إلى حوالي (16,61%). أي أنه ضمن المنظومة الرأسمالية السورية تبلغ درجة استغلال قوة العمل في الاقتصاد ما يقارب (84%)، وذلك بحسب البيانات الرسمية..! وهو ما يتفق مع قاعدة باريتو للتوزيع غير المتساوي حيث أن 80% من الدخل يحصل عليه 20% من السكان.

هل نظامنا الضريبي يحقق العدالة والمساواة الاجتماعية المنصوص عنها في الدستور؟!

رغم انخفاض حصة الأجور من صافي الناتج وتراجعها بين العامين 2011 و2018، غير أن الضرائب على الرواتب والأجور ارتفعت من (12) مليار ل. س عام 2011 أي ما يعادل (22%) من إجمالي الرواتب والأجور، إلى (33.6) مليار ليرة سورية أي ما يعادل (30%) في العام 2018.

حين بلغت الضرائب المقدرة على الأرباح الحقيقية (136) مليار ليرة سورية في موازنة عام 2011 أي ما يعادل فقط (4%) من الأرباح، وفي عام 2018 انخفضت إلى (63) مليار ليرة سورية إلى أقل من 1% (0.8%) من الأرباح..! وقد تكون النسبة أقل، لأن الضريبة على الأرباح الحقيقية لا تقتطع من المنبع (كما هو حال الرواتب والأجور) وبالتالي يمكن التهرب منها.

نلاحظ بأن من يتحمل العبء الضريبي الأكبر هم أصحاب الدخل المحدود، بينما المستفيد الأكبر من الثروة الوطنية لا يساهم بالعبء الضريبي بما يتناسب مع مقدار الأرباح المتحققة لديه. وهذا يتعارض مع دستور الجمهورية العربية السورية وفقاً للمادة (18) البند (2) والذي ينص على:
«يقوم النظام الضريبي على أسس عادلة، وتكون الضرائب تصاعدية بما يحقق مبادئ المساواة والعدالة الاجتماعية».

وبالتالي يجب العمل على إتباع سياسة مالية تقوم على أساس تحميل العبء الضريبي الأساسي على المستفيد الأكبر من الثروة الوطنية. لتأمين إيرادات إضافية لحزينة الدولة نظراً لشح الإيرادات، والعجز الكبير في الموازنة العامة للدولة، حيث بلغ إجمالي العجز المقدر للموازنة العامة في عام 2011 مقدار (186.34) مليار ليرة سورية، وفي عام 2018 مقدار (809) مليار ليرة سورية. تم معالجته بالقروض وبالتمويل بالعجز، علماً بأن إيرادات الضرائب تعتبر من أهم المصادر الرئيسية لرفد خزينة الدولة.

زيادة الرواتب والأجور ضرورة ملحة

في ظل التراجع الحاد في المستوى المعاشي للغالبية العظمى من الناس، أصبحت إعادة النظر بالعلاقة القائمة بين الأرباح والأجور ضرورة ملحة، وليست حاجة فقط. بحسب تقارير الأمم المتحدة في عام 2019 أكثر من (80%) من السكان يعيشون تحت خط الفقر في حين كانت النسبة (28%) في عام 2010. وبالمقابل، المتخمون يحصلون على أرباح مرتفعة ولا يساهمون إلا بجزء يكاد لا يذكر منها لرفد خزينة الدولة. أي هنالك مطارح حقيقية يمكن من خلالها زيادة الرواتب والأجور وتحسين المستوى المعاشي للمواطن سواء عبر تصحيح العلاقة بين الأرباح والأجور، أو بتحقيق مبدأ العدالة الضريبية والحد من الإعفاءات الضريبية الواسعة والتهرب الضريبي، ومن خلال مكافحة الفساد وضرب الاحتكار.. المصادر كثيرة ومتعددة ولكن تحتاج إلى إرادة صلبة حقيقية نابعة من الإحساس بالجياع، ومن خلال تصحيح العلاقة بين الجياع والمتخمين.

(هاشتاغ سوريا)

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0