مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

درس كورونا.. أولويّة السلامة العامة على الحريّات

63

نبيل المقدم*

جائحة «كورونا» المتجاوزة اليوم مفهوم الوباء التقليدي لأسباب تتصل بسرعة الاستجابة والسيطرة والتعامل المسؤول معها، وصولاً إلى كونها حالة جديدة ذات بعد سياسي مسّ بشكل مباشر مفاهيم سياسية كالدولة والسلطة والحدود الفردانية والحريّات، هذه المفاهيم السياسيّة أصابها الفيروس بحكم استدعائه منطق الدولة، واستعادته سلطويّتها أكثر مما أصاب ترهل البنى التحتية للأنظمة الصحيّة في الدول التي تصدّرت قائمة فقدان السيطرة على أعداد المصابين، والإسراع في إجراءات العزل.

صحيح أن ثمة نقداً طال النظام الصحي في دول أوروبية بدت مثقلة الكاهل الصحي، لكن ذلك لا يمكن أن يفسّر تعدد الحالات في دولة مثل سويسرا، كانت أنموذجاً على مستوى البنية التحتية، إضافة إلى المساحة، وعدد السكان مقابل قدرة دولة كالصين على التجاوز والتحوّل إلى نموذج في السيطرة على الانتشار، دون تأمل مفاهيم تأسيسية للسلطة والدولة وعلاقتها بالفرد ضمن إطار تقييد حرّياته وإلزامه بالأصلح في أزمنة الأزمات.

جائحة «كورونا» حدث تأسيسيّ على المستوى السياسي والمفاهيمي لا يقلّ تأثيراً عن سقوط جدار برلين، وعواقبه على مستوى الاقتصاد السياسي والمفاهيم السياسية الحاكمة كالدولة والسلطة والعلاقة بالمؤسسات والأفراد بعيدة المدى. وهي تأثيرات عادة لا تظهر إلا بعد تجاوز التأثيرات المباشرة كارتباك الحياة والعلاقات المجتمعية، وتفشي حالات الذعر والإشاعات والذهاب إلى تأويلات ونظريات المؤامرة، وما يقابلها من أفكار وتخيّلات وأطروحات نهاية الزمان والعالم، وهي لا تخص ديناً أو ثقافة بقدر ما تعكس هشاشة الإنسان وحصانته النفسية أمام الأزمات الكبرى العامة، ولربما تجلّت تلك الهشاشة في هلع المواطنين في العواصم الغربية الكبرى التي ينظر إليها عادة كنماذج في ممارسة الحياة المدنية وأخلاقها، وسلوكهم في تكديس البضائع، وإفراغ المحال التجارية، وتلك مسألة أخرى بحاجة إلى تأمل مماثل للتأثير السياسي.

ما كشفته جائحة كورونا أن مواجهة الأزمات الكبرى هي المعيار الأساسي لتقييم كفاءة الحكومات، تلك الكفاءة هي مسألة إدارة مؤسسات وطبيعة علاقة النظام ونظرته للمواطنين بمعنى آخر التكافليّة والشعور بالمسؤولية التامّة التي عادة ما كانت تقدم في الأدبيات التي تتحدث عن الحريات الفردية، وتقليص وتقليم أظافر الدولة «السلطويّة»، إلا أن ما كشفته حالة «كورونا» وقبلها «كورونا» الربيع العربي، وصعود الميليشيات ومنطق الفوضى هو صعود السلطوية السياسية، وتفوّقها في ترسيخ مفهوم استقرار الدولة وأمن المجتمعات، وتحصين الداخل والاستثمار فيه.

كانت استجابة الصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة مع الوباء استجابة سريعة ومذهلة ومسؤولة، وإن بدت أنها لم تفكّر طويلاً في تداعيات ذلك على شعور الأفراد بتقييد الحريّات، خصوصاً مع الحالة الصينية التي بدت وكأنها إفاقة سريعة بعد الأخطاء الأولى في الإعلان وأخذ الوباء بجدّية، في حين أن الاستجابة في النماذج الغربية الكبرى والتي كما تشكّل على مستوى العلامات السياسية المماثلة للعلامات التجارية أسماء مرموقة كانت مضطربة ومرتبكة وعشوائية، خصوصاً على مستوى إدارة الأزمات السياسية. وستكون هذه المسألة من أهم مفاتيح التحوّل في إعادة فهم عالم ما بعد «كورونا»، لا سيما في الدول التي تسعى إلى تحقيق الرفاه لمواطنيها، والاستثمار في عقولهم، والانفتاح على الأسواق العالمية والاقتصاد الحر.

ولعل من أهم تأثيرات «كورونا» تراجع التأثير للتدخل السيادي على الدول مع تراجع مستوى العولمة السياسية المماثلة لعولمات أخرى ستتراجع، فالتدخل السياسي الذي تجاوز سابقاً حدود الدول الكبرى إلى مجموعة من المنظمات والمؤسسات التي باتت تشكل تهديداً متنامياً بأقنعة وشعارات لا خلاف على مضامينها وإنما في تطبيقاتها. وقد رأينا منذ موجات الربيع العربي تحوّل شرارة تهديد «فضيلة الاستقرار» الذي بات يشكل اليوم أولوية كبرى حتى لدى عدد من الدول الغربية التي لا يمكن المزايدة عليها حتى ما قبل جائحة «كورونا».

كلنا نتذكر درس باريس والسترات الصفراء الذي مسّ مهد الثورة التي قلبت وجه العالم، والتي عانت في فترات ما من تضخم في منسوب تلك القيم، لكنها راجعت وتراجع اليوم أولوية الاستقرار والدخول في الأسواق العالمية والاقتصاد على حساب ما قد يمسّ هوية جمهوريتها مع «السترات الصفراء» التي تضيف إلى النقد المتصاعد لفلاسفة السياسة المستمر لمفاهيم وحدود علاقة السلطة والدولة بالديمقراطية والحريات وقيمها الأخرى، ومدى قدرة ذلك على تمثيل الأغلبية الصامتة، أو حتى الجماهير التي انتخبت وخاب أملها في نخبها التي لم توصل صوتها.

تراجع مؤسسات التنمية في العقود الماضية أسهم في حالة التسييس والتجهّم ضد سلطة الدولة وحدودها، فتعثر مسألة التنمية ودعم ما يحتاج إليه إنسان اليوم المصاب بإغراءات بورصات التسييس أسهم في تراجع وضعية المراكز البحثية الكبرى، خصوصاً في المجال الطبّي بسبب الدخول في نفق البيروقراطية والتكلس وعدم مواكبة المستجدّات.

يجمع كثير من المحللين على أن العالم بعد فيروس «كورونا» لن يعود كما كان قبله، أقلّه في المجال الصحي ومجال النقل الدولي، ففي المجال الصحيّ سيعيد العالم ترتيب أولوياته ليجعل للصحة والاستثمار فيها مرتبة متقدمة، بعدما خسر العالم كثيراً جداً من اقتصادياته وثرواته جراء الفشل الذريع الذي مُني به القطاع الصحي في أغلب دول العالم المتقدمة، ومجال النقل الدولي ستطرأ عليه تغييرات تخفّف من انفتاح العولمة.

مَن كان يظن بعد التقدم الذي وصلت إليه البشرية أن وباء أو جائحة ستكتسح العالم في القرن الحادي والعشرين! في الواقع لا أحد تقريباً… وما دام الفيروس قد فرض نفسه على أولويات العالم، وأصبح حقيقة واقعيّة تصدّرت كل أولويات العالم، فإن التغيير آتٍ لا محالة في المستقبل القريب، وبمجرد أن يجد العلم دواء أو لقاحاً ضد هذا الوباء.

*إعلامي وكاتب لبناني.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0