مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

سورية والصين.. ضرورة الحاضر أم رهان المستقبل؟

53

د. شاهر إسماعيل الشاهر*

يأتي اهتمامُ الصين بسورية كجزء من الاهتمام بالشرق الأوسط الذي يُمثل بالنسبة للصين رهان المستقبل أكثر من كونه ضرورة الحاضر. وتميل الصين عادة إلى استخدام مصطلح “غرب آسيا وشمال أفريقيا” كبديل عن مصطلح “الشرق الأوسط”.

لقد ارتكزت السياسة الخارجية الصينية تجاه سورية على تقاطع عاملي المصلحة والأيديولوجيا. وهذان العاملان كانا وما زالا محدّدين أصيلين لسياسة الصين الخارجية، ولهما جذورهما في الفكر السياسي الصيني. فبين ما تشكله سورية من أهمية جيوسياسية واقتصادية للصين، وبين سياسة الصين الثابتة والمتمثلة في رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول وتحقيق العدالة وإرجاع الحقوق، استطاعت بكين أن تضع ملامح سياستها الخارجية تجاه سورية بانسجام تام بين تحقيق مصالحها الوطنية والدفاع عن المبادئ التي تؤمن بها والتي شكلت هوية خاصة للسياسة الصينية.

وعندما بدأت الحرب على سورية، كان موقف الصين من الدولة السورية إيجابياً وبنّاءً، إذ رأت أن ما يحدث في سورية هو نزاع مسلّح بين الدولة الشرعية ومجموعات مسلحة متطرفة خارجة على القانون، فرحبت بجهود حلّ الأزمة السورية بشكل سلمي ضمن إطار مؤتمر جنيف. وتخلّت بكين عن سياسة الابتعاد عن التدخل في الأزمات الواقعة خارج نطاق مصالحها المباشرة أو فضائها الجيوسياسي المباشر، وذلك للمرة الأولى في تاريخها الحديث، فعلى الرغم من جميع المطالبات الغربية، أبقت الصين سفارتها في دمشق مفتوحة طوال فترة الحرب على سورية.

إن موقف الصين من الحرب على سورية، استند بالإضافة إلى اعتبارات المصلحة والأيديولوجيا، إلى اعتبار سعي الصين لحفظ وتعزيز نفوذها في معادلة توازنات القوى الدولية في منطقة الشرق الأوسط. فبكين باتت أحد الأقطاب الرئيسة في العالم، وما التطور في السياسة الخارجية الصينية تجاه سورية إلا انعكاس لتصاعد مكانة الصين وقوتها. فسورية تشكل الرابط الأساسي لمشروع البحار الخمسة الذي طرحه الرئيس السوري بشار الأسد والمتوافق مع مشروع الحزام والطريق الصيني الذي طرحه الرئيس شي جين بيغ في العام 2013. فدمشق تشكل رصيداً استراتيجياً للصين، لا من ثروتها الطبيعية فحسب، بل من زاوية ثقلها الجيوسياسي على صعيد الموقع الجغرافي والمكانة الحضارية، والدور الذي تلعبه في معادلات السياسة الشرق أوسطية. كما تمثل دمشق بالنسبة لبكين “استثناءً أيديولوجياً على صعيد الشرق الأوسط، من حيث نمط الخيارات الفكرية والأيديولوجية المؤطرة للدولة والسياسة السورية، إضافة إلى التنوّع الحضاري للمجتمع السوري، وتعدديته الثقافية والاجتماعية. والرهان على سورية بالنسبة لبكين هو رهان جيوسياسي، لا يمثل الاقتصاد والثروات إلا أحد أبعاده.

لكن وعلى الرغم مما سبق، فهناك انطباع خاطئ لدى الشعب الصيني والمفكرين الصينين عن الأوضاع الأمنية في سورية اليوم، حيث لا زالوا يعتبرونها منطقة حروب واظطرابات وتوترات، وأن الصراع في سورية طويل ومعقد، وهو ما يجعل رجال الأعمال والشركات الصينية يتردّدون في التوجه إلى سورية، لأن رأيهم تشكل من خلال وسائل الاعلام الغربية، وهذا غير دقيق.

لذا من المفيد ربما الإسراع في افتتاح مركز ثقافي صيني في دمشق، وارسال بعض خريجي قسم اللغة العربية من الصين ليكملوا دراستهم العليا في سورية، وتأمين فرصة عمل لهم في المركز الثقافي من خلال تدريسهم للغة الصينية هنا. وزيادة المنح  الدراسية للطلاب السوريين في المرحلة الجامعية وما بعدها؛ وتعليم الصينية في الجامعات السورية بدعم من الحكومة الصينية؛ والعمل على ترجمة الأدبيات الصينية، الأمر الذي يؤسس لعلاقات على مستوى الشعوب.

*كلية الدراسات الدولية – الصين.

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0