مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

الوصمة الاجتماعيّة الناجمة عن الإصابة بفيروس كورونا

108

أ. نضال الكيلاني*

تتكوّن المجتمعات الإنسانيّة من مجموعة من الأفراد الذين يعيشون في مكانٍ محدّد، وتربط بينهم مجموعةٌ من العلاقات المباشرة أو غير المباشرة. ويُعدّ مفهوم الطبقة الاجتماعية شائعًا في العديد من المجتمعات الإنسانية، والذي يتكون من مجموعة من الأفراد المتشابهين في المكانة الاجتماعية أو الوضع الاقتصادي، وبهذا فإن المجتمعات الإنسانية تحتوي على العديد من الطبقات الاجتماعية المتفاوتة، وقد كانت الطبقات الاجتماعية في العصور الماضية سببًا في حدوث فجوة بين أفرادها، الأمر الذي أدى إلى تكوُّن مصطلح الوصمة الاجتماعيّة.

والسؤال الذي يُطرح الآن: ما هي الوصمة الاجتماعية؟ وما تأثيرها في المجتمع الإنسانيّ، وفي هذا المقال ستتم الإجابة عن سؤال: حيث تتمثل في تلك الحالة الاجتماعية التي يتم من خلالها رفض أحد أفراد المجتمع أو ثلة مجتمعيّة من قبل آخرين في أحد المجتمعات الإنسانيّة بناءً على وجود بعض الخصائص الاجتماعيّة، حيث تتم معاملة المَوصُوم اجتماعيًا بشيء من التمييز عن بقية أفراد المجتمع، وجاءت لفظة الوصمة من اللغة اليونانية القديمة، وهي كلمة تعني الوشم، وهي تلك العلامة المميّزة التي كانت توضع على أجساد المجرمين أو العبيد أو الخونة فيما مضى من أجل تمييزهم عن بقيّة أفراد المجتمع. وكانت هذه العلامة تعني أن الموشوم هو فرد غير لائق أخلاقيًا، وعليه فقد كان يتم تَجنُّب هذه الفئة الاجتماعية عند الالتقاء بها.

وفي إطار الإجابة عن سؤال: ما هي الوصمة الاجتماعية، يُشار إلى أن معيار الوصمات الاجتماعية يختلف باختلاف المجتمعات الإنسانية، ووجود خصائص وصفات مختلفة للوصمات الاجتماعية بناءً على ما هو مقبول أو مرفوض في مجتمع بعَينِهِ. وهذا يتغيَّر بتَغيُّر الزمان والمكان والبيئة الاجتماعية ككل، حيث تظهر بعض التصنيفات في بعض المجتمعات بناءً على الثقافة المجتمعيّة، والتمييز العنصري وفق ما يظهر من صفات في الأفراد، ومع انتشار فيروس كورونا بدأنا نلاحظ ارتباط هذا الاسم بالأشخاص الذين يصابون بهذا المرض، لدرجة أن الشخص الذي يحمل هذا الفيروس يتمّ نبذه من قبل أفراد المجتمع الذي يعيش به ويتم تعنيفه بمختلف الإساءات اللفظية لدرجة يتمّ حرمانه من بعض حقوقه المجتمعية مثل الحصول على الخدمات الطبية والتواصل مع الآخرين… الخ.

لا تكمن آثار الوصمة فقط في قدرتها على زرع الاكتئاب والقلق في قلب الموصوم، بالإضافة إلى أنها تعمل على انهيار الضابط الأخلاقي والثقة بالنفس، ومن ثَمَّ الإصابة بالوهن والجمود وعدم القدرة على الإبداع أو حتى العمل، وإنما خطورة الوصمة أنها تُؤثر على عقل الموصوم ومشاعره وسلوكه وتجعله يتصرف على النحو الذي يتوقعه منه المُجتمع الواصم، وإن المبالغة في تطبيق الجزاءات قد تُثير الحقد والعداوة عند الموصوم. كما يؤدي الاتجاه العدائي من جانب المجتمع إلى مزيد من الانحراف عن القواعد والقوانين.

وعادةً ما تؤدي الوصمات الاجتماعية إلى شعور القلّة الموصومة بأنها أقل قدرًا من بقيّة أفراد المجتمع الإنساني، كما يترتب على وجود الوصمة الاجتماعية تراجع العدالة الاجتماعية وحدوث خلل في المنظومة الاجتماعية؛ بسبب التمييز في الحقوق والواجبات بين أفراد المجتمع الواحد، أما مصادر التمييز أو الرفض في الوصمة الاجتماعية فتتمثل في وجود اختلاف في الدين أو العرق أو اللغة أو الجنس أو الصحة أو الثقافة.

أسباب الوصمة الاجتماعية بعد الإجابة عن سؤال: ما هي الوصمة الاجتماعية، لا بُدَّ من الإتيان على ذكر الأسباب التي تؤدِّي إلى ظهور هذا المصطلح في المجتمعات الإنسانية، حيث إن السبب المباشر في ظهور الوصمة الاجتماعية متعلق بوجود قوة اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية في يد فئة من المجتمع لا توجد في يد الفئة الموصومة اجتماعيًّا مما يؤدي إلى استغلال الفئة التي تتمتع بالسلطة والمكانة الاجتماعية لبقية الأفراد، وإحداث حالة من التمييز ضدَّ الفئة الموصومة اجتماعيًا على أنّهم أفراد غير مُهمِّين اجتماعيًا ولا يدعمون المنظومة الاجتماعية ككلّ.

من أجل التعامل ومعالجة الوصمة الاجتماعية، من المهم بناء الثقة في الخدمات والمشورة الصحية التي يمكن الاعتماد عليها ، وإظهار التعاطف مع الأفراد المصابين والمتضررين واعتماد تدابير وإجراءات عملية فعالة للحفاظ على سلامة المصابين بفيروس كورون ، ولا بد من  اتباع التدابير التالية التي أوصت بها منظمة اليونيسف لمعالجة الوصمة الاجتماعية و الآثار التي قد تنجم عنها:

+ استخدام لغة الناس الأولى أي احترام الناس وعدم الحط من قدرتهم، والتي تحترم الفرد وتتحدّث عن المرض عن طريق استخدام نبرة إيجابية في جميع قنوات ووسائل الاتصال والتواصل، بما في ذلك وسائل الإعلام، مثل:

عدم إرفاق العرق والجنسية أو المواقع بالمرض، مثل “فيروس ووهان” أو “فيروس آسيوي” واستخدام الاسم الرسمي فقط – مرض فيروس كورونا 2019 (COVID-19)

استخدام مقولات مثل “الأشخاص الذين لديهم مرض فيروس كورونا 2019” بدلاً من استعمال جمل مثل “حالات مرض فيروس كورونا 2019” أو “ضحايا مرض فيروس كورونا 2019” أو “المشتبهين بإصابتهم بمرض فيروس كورونا 2019”.

+ استخدام مصطلحات مثل، “اكتساب” أو “التصاق العدوى” بمرض فيروس كورونا 2019 بدلاً من استعمال مصطلحات مثل، نقل “مرض فيروس كورونا 2019” أو “إصابة الآخرين” أو “نشر الفيروس”، لأنه قد يحمل معنى ضمنياً بأنه فعل مقصود أو على انتقال مقصود ويلمح باللوم.

+ عدم استخدام المصطلحات التي تجرّم أو تحط من قدر الإنسان وتجرّده من إنسانيته بطريقة التي تخلق انطباعًا بأن الأشخاص المصابين بالمرض قد ارتكبوا أمراً خاطئًا وشنيعاً؛ الأمر الذي من شأنه أن يغذي ازدياد الوصمة.

+ التحدث عن الحقائق حول مرض فيروس كورونا 2019 بدقة، بحيث يكون بناءً على البيانات العلمية وأحدث النصائح الصحية الرسمية.

+ عدم تكرار أو مشاركة شائعات غير مؤكدة، وتجنب استخدام مصطلحات مبالغ فيها مثل “الطاعون” أو “الوباء” أو “نهاية العالم” للدلالة على أو لوصف الجائحة.

+ التأكيد والتشديد على فعالية تدابير وإجراءات الوقاية والعلاج، بدلاً من التركيز على السلبيات أو على رسائل تتسم بالتهديد.

+ إشراك الأشخاص الذين يعتبرون مؤثرين اجتماعيين، مثل الزعماء الدينيين أو السياسيين والمشاهير، من أجل تضخيم الرسالة وزيادتها بطريقة جغرافية وثقافية مناسبة.

+ تضخيم قصص وصور وأخبار تتعلق بالسكان المحليين الذين استعادوا صحتهم وعافيتهم بعد إصابتهم بمرض فيروس كورونا 2019، أو قصص وأخبار عن أشخاص دعموا أحد أحبائهم خلال التعافي والشفاء من المرض.

+ تصوير وتمثيل الجماعات العرقية المختلفة، واستخدام الرموز والأنماط المحايدة التي لا توحي أو تشير لأي مجموعة عرقيّة معينة.

+ الحد من ممارسة الصحافة التي تتصف بعدم المهنية: مثل التقارير التي تركز بشكل مفرط على مسؤولية المريض يمكن أن تزيد من وصمة العار للأشخاص الذين قد يعانون من المرض.

+ الارتباط والتواصل بالمبادرات الأخرى التي تعالج وتتعامل مع الوصم الاجتماعي والقوالب النمطية والأفكار المسبقة.

وفي الختام لا يسعني القول الا أن الوصمة تعد مشكلة خطيرة تلحق أضرار بالفرد و المجتمع على حد سواء ولا بدّ من مواجهتها والحد منها بشكل سريع كي لا تتسبب بنتائج عكسية لا تُحمد عقباها.

مع تمنياتي لكم بالصحة والسلامة.

*مختص نفسي ومستشار في أكاديمية حرمون للتدريب والتنمية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0