مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

الشاعرة السوريّة غيثاء بو حسن لـ حرمون: الشعر غيمة عطر تجوب عوالم الإنسان منذ بدء تكوينه وحتى آخر الزمان

نحن أبناء حضارة تمازجت منذ القدم عناصرها الفريدة بين الفرات ودجلة وبردى العاصي والنيل وبهذه العناصر تبقى سوريا وطن الجمال وإلى زوال صناعة إعلام فاسدة أثبتت فشلها.

أزمة الكتاب الورقي ليست فقط أزمة أسعار بل كذلك نوعية الفكر وطبيعة القارئ العجول والمباشرة وهذا ما لبّاه التواصل الإلكتروني

203

بنظريات التربية الحديثة لا يجوز أن يفشل التلميذ في دراسته بل يجب تكييف استراتيجيات التعليم مع مقدراته

الشعر والأدب تواصل فعال بين أبناء اللغة والثقافة الواحدة وبين المجتمعات الإنسانيّة المتعددة.

 

 

شاعرة مجبولة بالتراب والميثولوجيا نسغُها لغة وأبجدية، نبضها أغانٍ وموسيقى، ودمُها قوافٍ وشعر..

تشكّل في حرفها الجميل بصمة زمن وشهادة مكان ومسحة حضارة. ارتوت بالميثولوجيا السورية حتى عبقت بها وفاحت قصائد خصب وحب وأسئلة وجود وسموّ تقارب الأسئلة التي تنهمّ بها الفلسفة وتملأ الدين، تلك العصيّة على الجواب. وكل جواب عليها هو ملامسة لحقيقة محتملة.

تحدّثت عن الشعر، أبجدية اللغة، خطيئة ارتكاب الجمال بالأدب والإبداع، عن قيمة الميثولوجيا والأسطرة في تأسيس الروح الشاعرة، الاكتناز بالتراث والانفتاح في الوقت على غنى جديد يأتي من نوافذ التواصل على حضارات ولغات عدة، فتغني وتلوّن البهاء بألوان متجددة.

نظريات التربية الحديثة، البرامج التعليمية، كثافة العلوم والمعارف، أسئلة وقضايا أمام أي فكر تربوي، رأت ان البرامج التربوية السورية مواكبة لتطور التربية والعلوم والمعارف، واستخدمت استراتيجديات حديثة عدة لتوصيل المعلومة بأسلوب سلس ومتعة محببة، وقوامها قاعدة ان كل شيء وجد لأجل المتعلم ويتكيف معه حسب قدراته ومؤهلاته، وبالتالي الفشل غير وارد.

إلى مواقف ولمعات هامة من المربية الشاعرة الأكاديمية السورية غيثاء فجر أبو حسن في حوار خاص لـ موقع حرمون..

حوار فاطمة حمود

 

*بماذا نعرّف زوار موقع ومجلة حرمون إلى الشاعرة والمترجمة غيثاء بو حسن؟

 

في البداية يُسعدني أن يغمرني نور جهدكم الثقافي والمعرفي كوسيلة إعلامية تتمتع بالصدقية والاحترام من قبل متابعيها.

اسمي غيثاء فجر بو حسن وجدتني هائمة في عشق لغتنا الفصيحة الجميلة منذ المرة الأولى التي سمعتها في (الراديو) عندما لم أكن قد بدأت الكلام مما يعني أنني بكل تأكيد قد رضعتُ أصوات نطقها مع حليب الرضاعة.

 

*لماذا اخترتِ الأدب والشعر ميداناً ثقافياً؟ هل أنت نادمة على ارتكابك الجمال؟

التعبير عن النفس وتساؤلاتها الكونيّة والفرديّة عن طريق الأدب والشعر يأتي موهبة بالدرجة الأولى، لكن المحيط العام يؤثر في تطويرها وتهذيبها وأنا من جيل ترافقت تربيتنا مع سماع القصائد المغنّاة وكان لدينا الوقت الكافي لسماع مطوّلاتها الشجيّة رغم حداثة سننا فتشبّعنا بجمال اللغة وانزياحاتها الشعرية.

وخطيئة الجمال تعبر بنا الحدود بين الممكن وغير الممكن حيث تحيط هالة الدهشة بآلة الزمن فتجعل الرمال في ساعته تبدو ذرات من نور تملأ الكون رؤى مغايرة.

 

*كيف بدأت علاقة الشاعرة غيثاء بو حسن مع ألق الكلمات ودهشة الحروف؟ وما العوائق؟ وكيف تمّ التغلب عليها؟

حروف من نور فتحت عيوننا على الدنيا نحن جيل السبعينيات، عندما تعلمنا أناشيد سليمان العيسى الشاعر في مناهجنا المدرسية، كما في قولهك

أفـتَـحُ عَـيْـنِـي        عِـنْـدَ الفَـجْــرِ

فـأرَى مــامــا        تَمْسَـحُ شَــعْرِي

….

وعندما كنّا نستمع لغناء فيروز (أعطني الناي وغنِّ)

الأغنية المقتبسة من قصيدة المواكب لجبران خليل جبران

كان لذلك الزمن الجميل أكبر الأثر في نفس مَنْ يملك موهبة حِسِّ اللغة في الشعر والأدب.

 

*هناك مواقف جعلتك تكتشفين نفسك، فإن لم تكن أنت ماذا وددتِ أن تكوني؟

كان ذلك عندما حصلت على إلمام بسيط بعلم العروض أي معرفة أوزان الشعر العربي. وفي المرحلة الثانوية شعرتُ بأن تفعيلات الأوزان هي بمثابة مفاتيح عالم الجمال، وما كنت لأكون غير باحثة في أسراره.

 

*بالمفهوم الشعبي الشعر “ما بطعمي خبز”، وربما هو كذلك، ما الرسالة التي تنشدينها من الشعر والأدب؟

التعبير الإنساني عن هموم الإنسان من خلال الشعر والأدب هو الوسيلة التي تعد الأكثر تحقيقاً للتواصل والتواصل الفعال بين أبناء اللغة والثقافة الواحدة وبين المجتمعات الإنسانيّة المتعددة؛ فهو غيمة العطر التي تجوب عوالم الإنسان منذ بدء تكوين وجوده وحتى آخر الزمان.

أما رسالتي فهي أن نحيا الحاضر بما يتناسب ما إمكانيّاته من خلال معطيات حضارتنا العريقة ولغتنا الجميلة.

 

ارتويتُ من الميثولوجيا السورية

 

*بين زحمة الأنماط التقليدي والمنثور والحديث وما بعد الحداثة وصولاً للهايكو والوجيز.. كيف تحددين نمط قصائدك؟ وما طقوس الكتابة؟ وهل أنت تكتبين أم أن قصائدك تكتبك؟

أجدني قادرة على التعبير عن نفسي من خلال نمط القصيدة العموديّة أي القصيدة التقليدية الموزونة على أحد بحور الشّعر العربيّ الستّة عشر بعد أن ارتويت من الميثولوجيا السورية وتقبّلت الحاضر الذي نعيش فيه.

علاقتي بقصائدي تتعدّى عملية الكتابة فلطالما كانت (دندنة) تعبر حياتي اليومية كرؤيا أو هالة نور تنبعث فجأة وتتجلى في بضع مفردات كأنما ترسم لوحة تقتنص اللحظة التي أمر بها.

 

برامجنا تتبع استراتيجيات متعددة، كاستراتيجيّة تجميع الوحدة التعليمية المدرسية، وهي كثيفة المعلومات بسبب اتساع العلوم

 

*التربية على الجمال مهمة وطنية جليلة لأية وزارة تربية وثقافة. كيف ترين إلى مناهج التعليم وواقعها، ومتى تصبح برامج تعليمنا المدرسي والجامعي الأكاديمية برامج تربية إنسان جديد؟

مناهج التعليم المدرسي في الوقت الحاضر تحاول وبجهد صادق أن تتقيّد بالنظريات التربوية المعاصرة.

البعض يصفها بأنها كثيفة المعلومات، لكن العلوم اتسعت ولا بد أن تغطيها المناهج المدرسية متبعة استراتيجيات متعددة، كاستراتيجية تجميع الوحدة التعليمية المدرسية، حيث يتم مثلاً التعريف بالمياه في العلوم الطبيعية من حيث التبخّر وهطول الأمطار ثم يتم التعرّف إلى الماء كمركب كيميائي مكوّن من ذرتي هيدروجين وذرة من الأكسجين،

ثم من الناحية الاجتماعية أهمية مياه الشرب والصرف الصحي. وهذا يسهّل تعلُّمها على التلاميذ بسبب ترابط الأفكار وتسلسلها ويجعل عملية التعلم أكثر متعة وأقرب لأن تكون تعلُّماً بالاكتشاف الذاتي.

ومن ناحية تعليم اللغة الأجنبية لكوني معلمة لغة انكليزية تأتي الوحدة التعليمية تقدم عن طريق استراتيجيات تعليمية متعددة، منها استراتيجية تبادل الأدوار بين التلاميذ، حيث يعبر التلميذ شفوياً عن فهمه لمحتوى الدرس، ثم تطوير مهارات القراءة والكتابة إذ يؤلف جملاً حول ما تعلمه ويستطيع فهم ما يقرؤه وغيرها من استراتيجيات تقدم لكل تلميذ مع ما يتناسب ومواهبه، أي أنها تراعي الفروق الفردية بين مقدرات التلاميذ فيحصل كل تلميذ على معلومات المنهاج بما يتناسب ومقدراته.

قد يبدو الأمر ظاهرياً بأن الوحدة الدراسية كثيفة، فماذا لو تمّ استخدام استراتيجية تعليمية واحدة لجميع التلاميذ، فإن مَن لا يملك الموهبة والمقدرة فيها يكون من الفاشلين دراسياً.

وفقاً لنظريات التربية الحديثة لا يجوز أن يفشل التلميذ في دراسته بل يجب تكييف استراتيجيات التعليم مع مقدراته لتصله المعلومة المقرّرة في منهاج دراسي معين ولا يفوته التحصيل الدراسي.

 

اللغة العربية هي الأقدم باستعمال نظام كتابي من الحروف والعمق الحضاري الياباني يغنيني

 

*ماذا عن الترجمة بين اللغتين العربية واليابانية، وبماذا تختلفان بشكل عام؟ وماذا تُكسب إحداهما الأخرى؟

اللُّغَة العَرَبِيّة من أعرق اللغات في العالم. هي أكثرُ اللغاتِ السامية تحدّثاً ويبلغ عدد متحدثي العربية 422 مليون متحدّث.

وهي لغة لم تكن مجرد أصوات أي لغة محكية في عمقها التاريخي بل أصواتها تكتب على شكل حروف تتألف من مجموعتين الأولى الحروف الأبجدية وعددها اثنان وعشرون حرفا أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت، ثم الثانية وهي مجموعة الحروف العربية ثخذ ضظغ.

فإذا أخذنا بعين الاعتبار أن أبجديّة أوغاريت تعود إلى حوالي 1500 سنة قبل الميلاد هي كتابة مسماريّة تكتب الصوت الإنساني على شكل حرف باستخدام أداة حادة الرأس على لوح طيني تكون بذلك اللغة العربية هي اللغة الأقدم من حيث استعمال نظام كتابي من الحروف. وقد جاورت أوغاريت أقدم اللغات المسمارية وهي السومرية وكذلك الهيروغليفية وهي لغات تصويرية تُرْسَم بواسطة أداة حادة على ألواح طينية.

إضافة إلى الصينية والتي تستمر حتى الوقت الحاضر كلغة تصويرية تتألف من رموز تسمى الـ (كان، جي) أي الحرف الصيني وهي تصور الفكرة المجردة عن الحواس الخمس، وكذلك الفكرة الفيزيائية الملموسة بالحواس الخمس.

هذه الرموز الصينية قَدِمَتْ إلى اليابان قبل ألفي عام، حيث لم يكن لدى اليابان لغة مكتوبة، بل كانت عبارة عن أصوات أي لغة محكية فقط. ومنذ ذلك الوقت تعتبر اللغة اليابانية مؤلفة من نظام كتابي صيني ونظام صوتي ياباني. هذا التمازج الثقافي الحضاري يجعل اللغة اليابانية بدورها من أعرق اللغات في العالم ويحظى الشعر بمرتبة متقدمة ضمن معطياتها الثقافية وهو غنائي بالدرجة الأولى ولقد تطوّر عبر العصور من مطولات شعرية غنائية يساهم في تأليفها شعراء عديدون حتى وصل إلى القرن السابع عشر عندما وضع ماتسوو باشو سمات قصيدة الهايكو الموزون (5-7-5 ) وهي أقصر قصيدة في العالم وتسمّى قصيدة الحكمة، حيث تختزل في عباراتها الثلاث معاني واسعة الإشارة والدلالة مستخدمة مفردات الفصول والطبيعة للتعبير عن المشاعر الإنسانية.

هذا العمق الحضاري للشعر والأدب الياباني يغني معرفتي ويسعدني لأنني ابنة لغة غنية بمعطياتها ومكوناتها.

 

*كيف تقوّمين تجربتك مع صناعة الكتاب في مواجهة أزمة الأسعار الراهنة؟ وهل نحن أمام انقراض الكتاب والقرّاء؟

لا غنى لنا عن طرح الكتاب الورقيّ في المكتبات لكن من الإبداع أن نعي أن عصر القراءة الآن مختلف، وعلينا أن نقدم أنفسنا بطريقة تجعل من يرغب بالقراءة يتفاعل معنا.

المطبوعات الورقية ومنها الكتاب والذي يعني لأغلب الناس إما الرواية أو ديوان الشعر كلها وسائل إعلام كانت تتمتع بالكثير من الأهمية عندما لم يكن بين أيدي الجمهور وسائل الإعلام الالكتروني المعاصر.

الأزمة ليست فقط أزمة أسعار بل نوعية الفكر وطبيعة القارئ أصبحت مختلفة فهو يرغب بأن يحصل أكبر قدر من الاطلاع في جلسة واحدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي مثلا وبالتالي البعض لا يدقق كثيراً في ما يقرأ.

ولذا أفضل أن أعمل مع البعض الذي يريد أن يتمهّل في قراءته وتقديراً لرغبته بالقراءة أحوال أن تكون مقالاتي التي أنشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي مفيدة وقادرة على تبليغ ما أريد قوله في أقلّ وقت ممكن كي يحقق التفاعل المرجوّ مع القارئ.

وهذه هي ميزة وسائل الإعلام الالكترونية أنها تجعل المتلقي يتفاعل مباشرة مع الناشر وهو الهدف الأساسي من أي إنتاج إبداعي.

 

هجمة التكنولوجيا فريدة وخطيرة لأننا أبناء جذور لا يمكن اقتلاعنا

 

*تواجه سورية حرباً ظالمة، ربما أقلّها حرب النار، فحرب الاقتصاد، وحرب الإعلام وحرب التربية، والحرب بالفن والشعر، وحرب الفساد من بعضها على نفسها، كيف نحارب بالشعر والأدب لتبقى سورية وطن الجمال؟

عندما تنشب الحرب تشمل كل مناحي الحياة لأي مجتمع كان خاصة مع تعدد وسائل الإعلام التي تصل مباشرة إلى المتلقي.

ومما يزيد الأمر تعقيداً هو المقدرة التكنولوجيّة على صناعة الخبر التي تعدّت حتى صناعة الأفلام السينمائيّة.

مما لا شك فيه إنها هجمة لم يسبق لها مثيل في التاريخ تجندت لها كل الإمكانيات التي راكمها صُنَّاع الإعلام واستطاعت أن تؤثر بمن أراد أن يتأثر بها فلحق ركبها وسلّمها بإرادته سفنه وأشرعته وترك لها تحديد وجهة الريح، لكننا في سورية التي وعت ضرورة أن تصوغ الصوت الإنسانيّ في أقدم وأكمل نظام كتابي أبجديّ حوَّل الصورة المرسومة لدى مَن سبقه من الحضارات العظيمة السومرية والهيروغليفية والصينية إلى حرف ومن حروف عدة تشكلت الكلمة النور سوريا الفينيق الذي ينهض من رماده.

أثبتنا مجدداً أننا على وعي لا يمكن اختراقه بهذه الصور الزائفة التي تُصْنَع بهدف تدجينه وتعليب فكره كما لو أنه شيء خاضع للقياس بموازين بخسة.

نحن أبناء حضارة تمازجت منذ القدم عناصرها الفريدة بين الفرات ودجلة وبردى العاصي والنيل وبهذه العناصر تبقى سوريا وطن الجمال وإلى زوال صناعة إعلام فاسدة أثبتت فشلها.

 

*نامل إهداء قراءنا قصيدة لم تنشر بعد، فماذا تهدينهم، إن رغبت؟

أما أنا فمن روح المثولوجيا السوريّة ارتشف النور وأتخيّل عشتار تلبّي نداء بعل بعد أن أصبحت استعدادات العرس على أتمّ وجه:

والكحل في عيني بأبهى الرونق…………والورد في خدّي كفجر مشرق

عِشْتار أُدْعى فَلأُكَنَّى باسْمه………………بَعلي سيرويني برعدٍ مُبْرق

سفينتي من ضلْعك الحاني نمتْ…………أضلاعُها منجاةَ مَنْ في المُغْرقِ

يا أنت يا نوتيَّ نورٍ خالقٍ……………….في اللازوردِ أسْرَجَ العتْم الشقي

يغوص خلف النجم درّاً يجمع…………….يهدي السوار الوعْد لكن يتَّقي

توت السّياج ذي الشباك الخادع……………بالعَود يسعى ناسيا مَنْ يلتقي

إلاّيَ في فؤاده ما مِنْ أحدْ………….. يتلو له أنشودةَ القلب النقي”.

قصيدة أيقونة هي جديد الشاعرة السورية غيثاء فجر بو حسن، هدية لموقع حرمون ومتابعيه.

 

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0