مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

ملف السبت 7 من حرمون – الجزء الثاني: الثورة السوريّة الكبرى أسست الجلاء الأول والقيادة الحكيمة الراهنة تصنع الجلاء الأكبر

خابوا وساؤوا ظناً الذي يصورون النموذج السوري لابن جبل العرب جباناً هزيلاً ونكرة والثورة التي قادها سلطان جعلت أساطير الأولين نسياً منسيّاً ببطولات رجالها وهول معاركها

إنصاف قادة ومجاهدي الثورة السورية لا يقلل من دور قيادة الأسد الأب والأسد الإبن في حمل راية التحرير الشامل كرسالة سوريّة سرمديّة

617

الثورة السورية الكبرى ثورة قومية لم تكن بضوء أخضر أجنبي من بيت أبيض أو أسود، أو بطلب مشيخة أو مرجعية دينية أو سياسية غير سورية، لا في الشرق ولا في الغرب. هي ثورة الإرادة السورية المطلقة فوق أرضها المقرِّرة مصيرَها وحدها بسيفها ووحدتها الوطنيّة، سورية التي أوجدت للعروبة معنىً وحمت الضاد، فتكالبت دولُ العرب عليها ليطردوها من مقعدها في جامعة ذلّهم بخسة وتواطؤ دنيء

 

تقديم هاني الحلبي، إعداد زهر يوسف – ولفة الخطيب – فاديا خالد – فاطمة حمود – فاطمة ملحم

في الجزء الثاني من ملف السبت 7 من حرمون بعنوان “يوم الجلاء والثورة السورية الكبرى” تناول مداخلات عدة لأكاديميين سوريين كبار وغيرهم أكدوا بالوقائع والدلائل والشواهد العلمية والتاريخية القيمة النفسية السياسية الاجتماعية الاستراتيجية التاريخية للثورة السورية الكبرى وأنها لم تكن ثورة محلية مناطقية جهوية طائفية عرقية عنصرية، أو بناء لضوء أخضر من بيت أبيض او أسود أو جهة محلية او إقليمية او مرجعية دينية، كالثورات الملونة الراهنة الفاقدة كل لون وقيمة،  بل كانت قراراً وطنياً مستقلاً تماماً أملته الوقائع التي ارتكبها المنتدب الفرنسي بإهانة الوطنيين وقتل المجاهدين وإعدام آبائهم أمام أعينهم وخرق حرمة البيوت وإفقار السكان وإعدام المجاهدين المستجيرين طالبي الأمن والأمان.

وشكلت الثورة السورية الكبرى الجامع الروح السورية التاريخية العاشقة للمقاومة النابذة للظلم الرافضة للخضوع والذل بدءاً منذ ما قبل فجر التاريخ مروراً بصمود صور ضد الإسكندر، وثورة صيدا ضد أرتحششتا وعبقرية هنيبعل برقة القرطاجي أعظم مخطط حربي في كل العصور وكل الأمم وزنوبيا السورية قاهرة روما، وصلاح الدين محرر القدس، وفخر الدين موحد بلاد الشام، وجبل العرب قاهر إبراهيم باشا، وسلطان الأطرش قاهر المحتل الفرنسي، والرئيس حافظ الأسد باني سورية الحديثة، والرئيس بشار الأسد قاهر الإرهاب والظافر في حرب كونية على مئات الدول المعادية..

وللأمانة وبصراحة كلية، التاريخ السوري تكامل عبقرية مكان – زمان – إنسان، وفي القرن العشرين تحديداً، أما انتشار النزعات الطائفية المريضة أكانت سنية ام شيعية ام علوية ام درزية ام يهودية ام إسماعيلية أم مارونية ام أرثوذكسية.. والعرقية المتطرفة المرتكزة على خلوص العنصر ونقاء العرق، اكانت عربية ، ام كردية او تركمانية ام آرامية، ام آشورية او سريانية أم غيرها أصابت الأمة في مقتل وجعلت كل فئة تظن نفسها أمة وتبحث عن ظهير خارجي يركبها لينال مآربه..

والأمر نفسه فتمجيد صلاح الدين ويوسف العظمة بأصلهما الكردي لا يحط من قيمة العرب من مواطنينا، وإنصاف قادة الثورة السورية الكبرى لا يقلل من عظمة تجربة الرئيسين حافظ الأسد والدكتور بشار الأسد، واعتماد البعض مبدأ رعمسيس بمسح كل مجد تليد ليبقى المجد الحالي، هو اغتيال لتاريخ أمة وتشويه عمد مجرم لقيمتها الحضارية، كارتزاق مخرج على التحريض الطائفي مردود عليه لأن الحقيقة لا يمكن حجبها بكاميرا تصوير.حمل فريق حرمون أسئلته ومواجعه برسالة الملف إلى أصدقائه من رجال الفكر والدين والوطنية والبحث والرأي والخبرة والعلم والسياسة، جاء فيها:
“تقديراً واحتراماً.
نأمل مشاركتكم في ملف السبت 7 من موقع حرمون:
ذكرى الجلاء عزيزة ومقدّسة. وسر عزّتها وقداستها أنها كانت خلاصة حتمية لثورة سورية كبرى استسقت دماء حارّة وحُرّة ونفيسة، من عشرات الآلاف الذين دُمّرت بيوتهم، ونُكبت أسرهم، وفقدوا غواليهم، وقدّموا وديعة الأمة فيهم لتحيا سورية وتعتزّ بثورتها ودولتها وشعبها.
وفي تقرير إعلامي تم بثه في نشرة تلفزيونية الأسبوع الماضي لمناسبة ذكرى الجلاء العزيزة على قلوب الشرفاء/ لسبب او لآخر أُغفل اسم القائد العام للثورة السورية سلطان الأطرش. وسبق إغفالَ التقرير الحالي في الصيف الماضي تجنٍّ في فيلم (دم النخيل) للمخرج الكبير نجدت أنزور بتصوير شخصية جبانة بلهجة أهل محافظة السويداء في النسخة الأولى للفيلم وعندما ارتفع صوت الاستنكار عالياً تمّ حذف المشهد.. هذه الزلّات أوجدت امتعاضاً واسعاً وأشعرت وجود لاوعي منظم يستهدف قيم الثورة السورية الكبرى وقيادتها ورجالاتها والوحدة الوطنية السورية. نتقدم منكم بالآتي:
1- ماذا ترون إلى قامة سورية وطنية مثّلها قائد الثورة سلطان الأطرش ثورة وسلوكاً وطنياً حتى آخر نَفَس في حياته؟
2- ماذا تستلهمون من قيم الثورة السورية الكبرى التي جمعت الجغرافية السياسية وامتدّت إلى الجغرافية السورية الطبيعية في وادي التيم وجبل عامل والشوف في لبنان؟
3- كيف نحمي روح الثورة السورية الكبرى التي تحققت بالجلاء لتربية مواطن حر يتحسّس شخصية بلاده ويصونه في نفسه وأسرته فلا يوجد إعلامي يغفل ولا فنان يتجنّى؟
(الحد الأقصى للإجابة 48 ساعة من تاريخ وصول الأسئلة إليكم)
وتفضلوا فائق الاحترام. إدارة الموقع. نهار الجمعة في 24 نيسان 2020″.

تفضل بالإجابة على الأسئلة المنوه عنها أعلاه في الجزء الثاني من الملف: المؤرخ السوري الدكتور فندي أبو فخر، الكاتب والمحلل السياسي الدكتور فايز عز الدين، عضو نقابة الصحافيين الفلسطينيين الدكتور حسن مرهج، الباحث والمؤرخ الدكتور إبراهيم زعرور، القاضي ربيع زهر الدين، عضو المكتب السياسي في جبهة النضال الوطني الفلسطيني، رئيس اللجنة الشعبية الفلسطينية لمناهضة العدوان على سوريا والمقاومة أكرم عبيد..

 

المؤرخ السوري الدكتور د.فندي أبو فخر: شهادات المؤرخين غير الدروز أجمعت أن الثورة السورية الكبرى ببطولاتها ومعاركها جعلت الأساطير الأولى والتاريخية للعرب نسياً منسياً

وأجاب المؤرخ السوري الدكتور د.فندي أبو فخر على أسئلة ملف السبت 7 من حرمون، بمداخلة قيمة اتسمت بعمق علم واستشهادات من مراجع علمية تاريخية سورية أجمعت على قيمة الثورة السورية الكبرى وعلو مكانة قيادتها الذي لا يتقادم مع الزمن ويبقى أساساً لعظمة التضحية والفداء والقيم الوطنية النبيلة التي ارتكز عليها نهج سلطان الأطرش وسلوكه طيلة حياته حرباً أو سلماً.
وقال: إن كل مَن يُنكر أو يتجاهل تاريخ الثورات الوطنية وأبرزها الثورة السورية الكبرى هو إما جاهل أو حاقد ولا بدّ من تذكيره بهذا البيت الشعريّ للأخطل الصغير:
اثنانِ لا يتهادنانِ دقيقةً
شبحُ الضحية والضميرُ المجرم.
الدكتور الباحث فندي ابو فخر
إنّ الشرفاء الوطنيين لا سيما من الثوار والمؤرخين من عظماء الأمة العربية نطقوا بالحقيقة التاريخية ومنهم د. محي الدين السفرجلاني، وظافر القاسمي وعبد الرحمن الشهبندر و….الخ. وضعوا الثورة السورية في مكانها التاريخي. فلنقرأ ما كتبه أحد قادتها د. الشهبندر عن معركة الكفر في كتابه “الثورة السورية الوطنية” في ص. 23 ، حيث قال: “ولهذه الملحمة شأن خطير في تاريخ النهضة السورية:
أولاً، لأنها جعلت الثورة أمراً مبرماً.
ثانياً، لأنها دلّت على أن الحق الصريح ولو نقصته العدّة والعدد قادر في كثير من الأحيان على مقاومة القويّ ولو أيّدته الآلات الضخمة والجحافل العظيمة.
ثالثاً، لأنها ألقت عبء القيادة على عاتق الزعيم الذي انتصر فيها هذا الانتصار الباهر ومعنى ذلك أنها أوجدت من الفوضى التي يتعشقها السوريون نواة صالحة للنظام وتوحيد المساعي لبلوغ غايات حربية معينة”.
ولعل كلام الشهبندر وهو الذي عندما كان يذكر في دمشق لقب الزعيم فلا ينطبق إلا عليه، مثلما لا تنطبق صفة القائد العام للثورة السورية الكبرى إلا على رمز الوطنيّة الحقة. وطنية الحكمة والعقل والمنطق سلطان الأطرش.
وأما عن الثورة السورية الكبرى ومن أرّخ لها فلا بد من العودة إلى كتاب المؤرخ والمثقف الوطني البارز ظافر القاسمي لنقرأ بعض جمل جاءت في كتابه “وثائق جديدة عن الثورة السورية”، حيث جاء في ص 5 ، “إنها أمجد صفحة في تاريخ سورية المعاصر. ومن أمجد الصفحات التي سطّرها العرب جميعاً في مختلف أقطارهم…. وقد تميّزت مما سبقها ولحقها في أنها كانت أول حركة وطنيّة مسلّحة عامة، قد جمعت كل المعاني التي صبا إليها هذا الشعب. كما طبعت بطابع مقابلة القوة بالقوة…”.
ثم يقول في ص. 10 “ولو أن الثورة السورية استمرت يوماً واحداً، كما كان يوم ميسلون لكان لها فخرٌ تستطيع أن تزهو به أبد الدهر، فما بالك وقد استمرّت أكثر من سنتين…”.
وفي ص 12 جاء ما يلي:
“وإنني أعتقد، وما زلتُ أعتقد أن خير ما ينمّي روح القومية العربية، في هذا الزمن خاصة، هو توضيح تاريخها، وبيان مراحلها، وتحليل عوامل إشراق فجرها، وبزوغ أنوارها، وبيان ما لقي دعاتها الأوائل من الرعيل الأول من صنوف العذاب والبلاء والشقاء…”.
وأما الدكتور محيي الدين السفرجلاني صاحب المؤلف الضخم الذي يحمل عنوان “تاريخ الثورة السورية”، فقد أطلق عليها اسم الثورة العربية السورية الكبرى، وكتب في ص. 140 من مجلده الضخم عن معركة المزرعة ما يلي:
“…وانبلج فجر هذه المعركة عن نصر لم يُسطَّر من قبل ذلك اليوم تاريخ بمثله أبداً عندما عاد بنو معروف الكرام ينفضون عن عواتقهم الدماء والأشلاء وعن أذرعهم العجاج والغبراء يرفلون بثوب من الظفر قشيب ويختالون في برد من الثناء عجيب، واستطاع الجبل الأشم أن يسجّل له في البطولة العربية والشجاعة النادرة على صفحات الزمان الآتي رقماً قياسياً لا يُبارى وسبقاً في الميادين لا يُجارَى ومعقلاً لا يمكن أن ينال مثيله أحد”.
وتابع قائلاً:
“محا بنو معروف بأفاعيلهم هذه أعاحيب الأساطير الأولى ودواوين الشعراء السوالف ولم يعُد من ذكر لعنترة وأبي زيد والملك الظاهر ممن كان يتغنّى بافاعيلهم الرجال”.
إن العودة لتاريخ الثورات الوطنية على المحتلين لا يأتي في سياق التفاخر والتباهي، وإنما من أجل إعادة صياغة تاريخ الراهن والمستقبل، وما كان القائد العام للثورة السورية يوماً يحمل فكرة ضيّقة متزمتة طائفية كانت أو عشائرية أو مذهبية، بل سطع فكره الوطنيّ والقوميّ والإنسانيّ ليس في خوض المعارك فحسب..، بل في بيانات الثورة… وفي عدم مواجهة قطعات الجيش السوري عندما حاول الطاغية أديب الشيشكلي أن ينتقم للفرنسيين والانجليز والصهاينة بإلقاء القبض على القائد العام وسجنه والخلاص منه مثلما تخلّص من قبله رموز شهوة السلطة والمال، وقتلوا عبد الرحمن الشهبندر في 6 تموز عام 1940 خدمة لمصالحهم ولمصالح المحتلّين الفرنسيين وأذنابهم…
وأما عن كيفية الحرص على تراث الثورات الوطنية وأبرزها الثورة السورية الكبرى فلا بدّ من إعادة تقديمها بخطاب وطني أصيل وناضج بعيداً عن روح الخطابة العاطفيّة السطحيّة التي تخاطب العواطف والتي تزول بانتهاء ذلك الخطاب… بل بمخاطبة عقول الناشئة…. فالتاريخ أكبر ممن يجرؤ على تزويره. أو إقصائه أو إخفائه خدمة لنزوات شخصيّة أو طائفيّة أو عنصريّة…
المجد والخلود لقادة الثورات الوطنية كلها وللشهداء والمجاهدين وطلاب الحرية والاستقلال في بلاد الشام والعراق والمغرب العربي وفي بقاع الأرض قاطبة.
هذا ما أردت قوله من أقوال لمؤرخين سوريين لا تربطهم بجبل العرب إلا روابط الوطنيّة الحقة.

 

الدكتور فايز عز الدين: مَن يتعمّد اللعب بالهويّة السوريّة.. نقول له سورية أكبر

 

الكاتب والمحلل السياسي الدكتور فايز عز الدين رأى أن الظروف التي تمرّ بها سورية هي أحوج ما تكون إلى الوحدة الوطنية والتكاتف، مضيفاً أن كلّ ما أثير مؤخراً حول مكانة القائد سلطان باشا الأطرش قائد الثورة السورية الكبرى يجب أن لا يُنظر إليه أبداً، لأن هدفه شقّ الصف السوري، فالقائد الأطرش ورفاقه صالح العلي وأحمد مريود ورمضان شلاش وإبراهيم هنانو وعبد الرحمن الشهبندر، وقبلهم يوسف العظمة، هم جميعهم رموز كبيرة في الحياة السياسيّة السوريّة.وفي ردّه حول ما أثير مؤخراً عن مكانة القائد سلطان باشا الأطرش، قال الدكتور فايز إن عدم ذكر أحد قادة الثورة السورية الكبرى ليس بقصد النسيان أو التجاهل إذ عندما نقول سلطان باشا الأطرش فجميعنا نكون أمام القائد العام للثورة السورية وهي حقيقة يعرفها جيداً السوريّون ويحفظونها وتُربّى عليها الأجيال.
ووجّه الدكتور فايز عز الدين “ابن السويداء” كلمة إلى كل مَن يتعمّد أن “يلعب” بهذه المسألة على حدّ وصفه، بأن سورية أكبر بكثير من هذه الترّهات، والشعب السوريّ يقدّر رموزه التاريخيّة والنضاليّة ويعتزّ بها.

 

د.حسن مرهج: الثورة السورية الكبرة اهم ثورة وطنية في دول المشرقَيْن وسلطان الأطرش قائد لا مثيل له في عصرنا الراهن

وفي مداخلته عن ماذا ترون إلى قامة سورية وطنية مثّلها قائد الثورة سلطان الأطرش ثورة وسلوكاً وطنياً حتى آخر نَفَس في حياته، أجاب مدير شبكة فينيقيا للأبحاث والدراسات الاستراتيجية‏ الدكتور الفلسطيني المحاضر في الصحافة والسياحة والمحلل السياسيّ والخبير في شؤون الشرق الأوسط عضو إدارة في نقابة الصحافيين حسن مرهج، على أسئلو ملف السبت 7 من حرمون، بقوله:

د. حسن مرهج

بداية لا بد من التنويه والتذكير، بأن الثورة السورية الكبرى انطلقت جراء مداهمة القوات الفرنسية لمضافة سلطان باشا الأطرش، واعتقال الثائر اللبناني الجنوبي أدهم خنجر من دارته في بلدة الأطرش وهي القريّا في السويداء. أي أن هذه الحادثة هي الفتيل الذي أشعل الثورة السورية الكبرى. هذه الحادثة تعكس أخلاق السوريين وما تُجسّده تفاصيل هذه الحادثة يؤكد المؤكد، بأن السوريين كانوا ولا زالوا عُشاقاً للحرية ومقاومين للاحتلال.
وتابع: أعتقد بأن الشخصيات السورية الوطنية منذ الاحتلال الفرنسي وحتى اليوم، كانت تُجسّد سياقاً وطنياً سورياً، فلكل مرحلة رجال وشخصيات، كما أن الظروف السياسية والعسكرية وحتى الاجتماعية في ذاك الوقت، مختلفة جملة وتفصيلاً عن يومنا هذا. ما يعني أن شخصية سلطان باشا الأطرش وكذا رفاقه المقاومين على امتداد سوريا الطبيعية، هم الأساس الذي بُني عليه الفكر المقاوم في المنطقة.
سلطان باشا الأطرش رجل لا يُختَصر بكلمات، ولا يُمكن الإحاطة بهذه الشخصية الوطنية التي أذاقت الاحتلال الفرنسي الويلات، وهذه الشخصية السورية أعتقد أن لا مثيل لها في الوقت الحالي، خاصة إذا ما اخذنا بعين الاعتبار الظروف الإقليميّة والدولية التي كانت سائدة إبان الاحتلال الفرنسيّ.
وحول سؤال: ماذا تستلهمون من قيم الثورة السورية الكبرى التي جمعت الجغرافية السياسية وامتدّت إلى الجغرافية السورية الطبيعية في وادي التيم وجبل عامل والشوف في لبنان، اجاب الدكتور مرهج:
الثورة السورية الكبرى ليست حدثاً وطنياً عادياً، بل إن هذه الثورة التي أسست لأشكال النضال الوطني ضد الغزاة والمستعمرين، ووضعت اللبنة الأولى في بناء الاستقلال وإنجاز يوم الجلاء.
وأضاف: الثورة السورية الكبرى بما تحمله من قيم ودلالات في وجدان السوريين قاربت كونها أسطورة في التحدّي والإصرار على دحر المعتدين. وكانت الردّ المدوّي على أطماع الغزاة الفرنسيين غير المحدودة في سورية، من خلال التضحيات العظيمة لرجالات الثورة.
ورداً على السؤال الثالث: كيف نحمي روح الثورة السورية الكبرى التي تحقّقت بالجلاء لتربية مواطن حر يتحسّس شخصية بلاده ويصونه في نفسه وأسرته فلا يوجد إعلامي يغفل ولا فنان يتجنّى؟ قال: أجمع الباحثون على أن الثورة السورية الكبرى هي إحدى أهم محطات النضال الوطني التي خاضتها الشعوب العربية في تاريخها التحرري، وإنها إحدى أهم الانتفاضات التي شهدها العصر الحديث في دول المشرقَيْن، ذلك لأسباب كثيرة أهمها: أنها كانت استمراراً للتاريخ النضالي الذي احتضنته الأراضي السورية إبّان الاحتلال العثماني وحملة إبراهيم باشا والذي وقعت أهم أحداثه على بطاح جبل العرب، منها معارك اللجاة التي اندحرت فيها جحافل إبراهيم باشا المكوّنة مما يزيد على أربعة آلاف جندي أمام ضربات أبناء الجبل الذين لم يستكينوا لغازٍ أو يرضخوا لمعتدٍ.
ما أشبه الأمس باليوم، فبالأمس هبَّ رجال سوريا للتصدي للمعتدين، وها هم اليوم ينتفضون ضد إرهاب غربي موجّه ضد سوريا الموقع والدور الإقليمي، وأعتقد أن إنجازات الجيش السوري وعموم محور المقاومة، ما هي إلا امتداد للثورة السورية الكبرى، ومن الضروري ترسيخ قيم ومبادئ الثورة السورية الكبرى في كل مناحي الحياة، وترسيخ مفاهيمها اجتماعياً وثقافياً لتبقى نبراساً للأجيال القادمة، وكما لا يُمكن إغفال أو التغاضي عن إنجازات الجيش السوري، كذلك الثورة السورية الكبرى يجب أن تبقى حاضرة وبقوة في الفكر السوري.

 

الدكتور إبراهيم زعرور: الثورة السورية الكبرى هي الجامع الشامل المانع لوحدة الوطن السوري والشعب وأساس الجلاء الأول وصولاً لتحقيق الجلاء الأكبر

الباحث والمؤرخ الدكتور إبراهيم زعرور قرأ بإيجاز شديد حول ذكرى الجلاء العظيم وشخصية القائد سلطان باشا الأطرش ورفاقه، وقال من الاستحالة بمكان أن نحيط ببضعة سطور عن شخصية المجاهد الوطني الكبير سلطان باشا الأطرش الذي نشأ في أسرة وطنية، حيث قام الاستعمار العثماني بإعدام والده لمواقفه الوطنية ضد الاستعمار العثماني واختار المجاهد الأطرش الذي تربّى تربية وطنيه بمواجهة أعداء الوطن من المستعمرين والغزاة والمحتلين وتابع بروح وطنية عالية مسيرة والده إلى جانب أقرانه من الوطنيين السوريين في مواجهة الاستعمار الفرنسي منذ لحظة دخول المستعمر إلى الأرض السورية في عشرينيات القرن الماضي وكان على تنسيق تام مع رفاقه القادة الوطنيين على امتداد جغرافية سوريا من الشمال إلى الجنوب ومن الغرب إلى الشرق، حيث قاد سلطان الأطرش الثورة حتى إسقاط قرار تقسيم سوريا ووضع اللبنة الأولى للجلاء خاصة بعد استشهاد البطل يوسف العظمة في معركة ميسلون والتي تصدّى فيها للفرنسيين في معركة غير متكافئة على الإطلاق من حيث العدد والعدة وطبيعة السلاح. وكان هذا يشي بأن الاستعمار الفرنسي سيخرج من سوريا طال الزمن أو قصر. وظل المجاهد الأطرش الذي تربى على حب الوطن والدفاع عنه وحمايته حتى خروج آخر جنديّ فرنسي مستعمر من أرض الوطن.

د. ابراهيم زعرور

ولفت الدكتور إبراهيم زعرور إلى أن الثورة السورية الوطنية الكبرى شملت كل الجغرافية السورية الطبيعية من الشمال إلى الجنوب ومن الغرب إلى الشرق لتشكل القيمة الوطنية العليا لنا وللأجيال القادمة توارثناها عن الأجداد والآباء جيلاً ينقل الراية لجيل من أجل الحفاظ على روح الجلاء وقيم الجلاء العظيمة. فكان التصدي للعدو الصهيوني في معارك لم تنقطع منذ الجلاء إلى اليوم فكانت حرب تشرين التحريرية ومعارك الجولان وجبل الشيخ وحرب الاستنزاف والدور القومي لسوريا في لبنان للحفاظ على وحدة لبنان ووقف الحرب الأهلية واستعادة وحدة لبنان ومنع تمزيقه أو تفتيته، كما لم ينقطع الجهاد للحفاظ على منجزات الجلاء تخليداً لذكرى شهداء الجلاء وشهداء سوريا على امتداد الزمن منذ عشرينيات القرن الماضي وحتى اليوم. وهي تشكل الحافز الوطني الجامع والشامل للشعب السوري للحفاظ على جغرافية الوطن السوري ووحدة ترابه ووحدة شعبه وقد مثل الجيش العربي السوري الحالة الوطنية الحقيقية في حربه على الإرهاب والإرهابيين وداعميه من النظام الرسمي العربي والإقليمي العثماني التركي الأردوغاني الاخواني الرجعي والقوى الدولية بالتحالف الصهيوأميركي. وما أشبه اليوم بالأمس حيث حافظ الأجداد والآباء على وحدة التراب السوري واليوم يحافظ الأبناء على وحدة التراب السوري في الداخل والخارج بقوافل من الشهداء استكمالا لمعركة الجلاء الأكبر اليوم بالقضاء على الإرهاب والإرهابيين.
وإذ ذكّر الدكتور إبراهيم بأننا دائماً نتعلم من التاريخ ونستفيد من دروس التاريخ ومن عبر التاريخ ونتعظ أيضاً ونربي ونعلم الأجيال التاريخ الوطني الحقيقي، شدّد على أنه لا بد من إنتاج أفلام سينمائية وثائقية ومسلسلات جادة ورصينة تتحدث عن الكفاح الوطني للشعب وعن معاركه الوطنية بكل التفاصيل وأن تقوم المؤسسات الروحية بالحديث عن الوطن في الكنائس والمساجد وأن تقوم الأسرة بتربية الأطفال والشباب على الروح الوطنية وأن تقوم المنظمات والنقابات والمنظمات الأهلية والمدارس والجامعات تنظيم زيارات دورية للرموز الوطنية وأماكن المعارك والتعريف بهم وبها بشكل دقيق ومسؤول وأن لا تكون هي مناسبات فقط نتحدث عنها إنما تكون نهجاً وطنياً تربوياً على مدار العام من أجل خلق جيل مؤمن بالدفاع عن الوطن والحفاظ على وحدته وسيادته واستقلاله وحريته وقوته. فقوة الوطن من قوة أبناء الوطن وسوريا اليوم منذ 2011 تتعرّض لأخطر وأبشع جريمة بحق الوطن ويتكرّر مشهد الأمس مع مشهد اليوم حيث حاولوا تقسيم الوطن في عشرينيات القرن الماضي وعادوا اليوم يحاولون تقسيم الوطن، فبناء الإنسان بشكل سليم ووطني يحافظ على الوطن السليم والقويّ مستمداً الدروس من التاريخ الوطني.

 

القاضي ربيع زهر الدين: سلطان الأطرش ورفاقه المجاهدون الكبار أسسوا الجلاء ولم يقبلوا المناصب والنفوذ بدلاً وتركوا الوطن أمانة في أعناق الشرفاء وقيادته الحكيمة

ذكرى جلاء المستعمر الفرنسي عن وطننا الغالي ذكرى عزيزة جداً على جميع المحافظات العربية السورية لا سيما على محافظة السويداء التي انطلقت منها شرارة الثورة السورية الكبرى بقيادة المجاهد البطل سلطان باشا الأطرش.
وإن الثورة السورية الكبرى ليست ثورة طائفية أو مذهبية تخص أبناء جبل العرب الأشم فقط وإنما تخصّ جميع أطياف المجتمع العربي السوري بكافة مكوناته، والدليل على ذلك أن كبار المجاهدين من اغلب المحافظات السورية اجتمعوا في قرية كفر اللحف في مضافة شاهين أبوفخر. وهناك أقوال تقول بأنهم اجتمعوا في قرية ريمة اللحف وإننا نرجّح الرأي الأول واختاروا سلطان باشا قائداً عاماً للثورات العربية السورية لأنهم وجدوا فيه الصفات القيادية وصفات الشجاعة والمروءة والبطولة.

القاضي ربيع زهر الدين

وفور تكليفه بهذه المهام القياديّة أصدر بياناً أوله: إلى السلاح إلى السلاح يا أحفاد العرب الأمجاد وحثّ الجميع على مقاومة المستعمر بكل إمكاناتهم مهما كانت. وخاض معارك عديدة مع بقية الثوار الأبطال في أكثر من موقع وانتصر على حملات المحتلين ونال منهم وكسر شوكتهم.
من صفات هذه الثورة أنها توّجت جميع الثورات المحلية من ثورة المجاهد البطل الشيخ صالح العلي الى البطل إبراهيم هنانو الى المجاهد الشهيد البطل حسن الخراط الى المجاهد البطل أحمد مريود وغيرهم الكثيرون من المجاهدين الأبطال.
وجمعت تلك الثورات المتعددة في ثورة واحدة وقيادة واحدة وتمّ التنسيق بين جميع الثورات والتعاون التام حتى انتصرت وجلى المستعمر عن وطننا الغالي.
حتى أن هذه الثورة امتدت الى جبل لبنان ووادي التيم وإقليم البلان في لبنان ونهض الشعب العربي السوري واللبناني نهضة رجل واحد حتى تحقق النصر.
ونستذكر التاريخ النضالي المشرق لسلطان باشا الاطرش حيث قام الأتراك المحتلون المنافقون بإعدام والده المجاهد البطل ذوقان بسبب اشتراكه في الثورة ضدهم وكان سلطان يافعاً وعلى مرأى من عينيه فحقد على جميع المحتلين.
وناوش سلطان الاحتلال العثماني واشترك في المعارك ضدهم وهو شاب يافع وعندما احتلّ الفرنسيون وطننا الغالي ألّب الرأي العام ضدهم وذاع صيته في البلاد حتى قصده المجاهد البطل أدهم خنجر محتمياً في مضافته في القريّا فحماه سلطان الأطرش، لكن المستعمرين اقتحموا المضافة وخطفوا المجاهد خنجر وقادوه إلى الإعدام.
وعندما جلى المستعمر عن قطرنا في السابع من نيسان عام 1947 عُرضت على سلطان باشا الأطرش مناصب عديدة فرفضها جميعها وعاد إلى بستانه المسمّى حسحس في القريّا ليرعاه ويزرعه ويفلحه قائلاً قوله الشهير:
“نحن لم نحرّر سورية من أجل المناصب والمكاسب والوطن أمانة في اعناقكم” إلى أن توفي في 26 آذار من عام 1982.
ويُذكَر عنه إبّان حصار أديب الشيشكلي للجبل يريد اعتقال سلطان باشا الأطرش بسبب عدم تأييده له رفض أن يقاتل الجيش العربي السوري قائلاً إن الجيش هم أولادنا ولن نرفع البندقيّة في وجهه. وانسحب إلى الأردن حتى يتجنّب الفتنة التي أرادها الشيشكلي.
وإن إغفال الإعلام السوري لذكر هذا البطل الهمام المجاهد سلطان باشا الأطرش وتهميش دوره القيادي والريادي هو محاولة بائسة وفاشلة من قبل بعض الموتورين والمأجورين ودواعش الداخل، لهضم حق هذا القائد العظيم وهضم حق بني معروف ودورهم الوطني المميّز والمشرق.
ونؤكد بأن بني معروف وخلال تاريخهم النضالي المشرق لم يعرفوا الطائفية ولا المذهبية ويحترمون الجميع ويساهمون في جميع أدوارهم في بناء مداميك الخير والمحبة في هذا الوطن المعطاء.
والتاريخ لن يرحم كل مَن يزوّر التاريخ النضالي للمسلمين الموحدين الدروز في كافة أدوارهم وسيلفظهم الشرفاء في وطننا، ولم يكن الدروز يوماً جبناء، كما صوّرهم بعض المخرجين المنافقين الحاقدين ولم يكونوا خونة والتاريخ يشهد لهم ولالتصاقهم بأوطانهم وعدم تآمرهم عليه. إننا نهيب بجميع المعنيين عدم تزوير التاريخ وعدم تهميش الدروز، بل إنصافهم بإبراز دورهم المميز على كافة الأصعدة كما هو في الواقع والميدان. إنهم قوم وديعون كرماء حلماء أوفياء صادقون وما زال حتى الآن الموحّدون الدروز يقدّمون الشهداء ليبقى الوطن عزيزاً شامخاً وما زالوا يقدّمون القادة في المعارك منهم الشهيد البطل القائد عصام زهرالدين الذي دوّخ الأعداء.
وما زال الموحدون الدروز يقفون خلف القيادة الحكيمة للقائد الدكتور بشار الأسد ويقفون مع جيش العزة والكرامة الجيش العربي السوري حامي الارض والعرض وقدموا الكثير من الشهداء.
ونتمنى من قيادتنا الحكيمة عدم تهميش المسلمين الموحدين الدروز وعدم تحييدهم لأنهم قوم مخلصون لا همّ لهم إلا أن يبقى الوطن منيعاً ومتماسكاً ونتمنى أن يشاركوا في مفاصل الدولة وعدم النظر إليهم كأقليّة طائفيّة قليلة.
ونذكر بأنه لم تُعلّق أعواد المشانق للدواعش والخونة والمأجورين إلا في الجبل الأشم جبل سلطان باشا الأطرش والقائد الخالد حافظ الاسد واللواء شرف الركن الشهيد البطل عصام زهرالدين لأنهم يحمون الأرض والعرض من أي هجوم خارجي ولأنهم مخلصون لقائد الأمة العربية الدكتور بشار الأسد.
فنرجو من قيادتنا الحكيمة النظر الى هؤلاء القوم العزيزي النفوس المقاومون بنظرة الحب والاحترام.

 

أكرم عبيد: الجلاء ذكرى ودرس نستلهم منها روح المقاومة والصمود

رأى عضو المكتب السياسي في جبهة النضال الوطني الفلسطيني، رئيس اللجنة الشعبية الفلسطينية لمناهضة العدوان على سوريا والمقاومة أكرم عبيد أني في البداية أستذكر مقولة مهمة للسيد الرئيس بشار الأسد في لقاء تلفزيونيّ بمناسبة الجلاء العام الماضي مع الإخباريّة السورية قال “ماذا لو خَرَجَ المستعمر وأخذ معه السيادة والقرار… فلا قيمة للجلاء.. فالاستقلال الحقيقيّ والجلاء الحقيقيّ هو عندما يجلو المستعمر عن الأرض ونستعيد السيادة بكل ما تعني هذه الكلمة من معانٍ.. “.

السياسي الفلسطيني أكرم عبيد

وفي هذا السياق نتساءل كم من نظام عربي يعتقد متوهماً انه مستقل، لكنه في الحقيقة يفتقد للسيادة الوطنية ومرتبط بالعدو الصهيوأميركي سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، لكن سورية تختلف وتميّزت لأنها ربطت بشكل جدلي بين السيادة والاستقلال الوطني الحقيقي.

لذلك اليوم للجلاء في سورية معنى عظيم في وجدان ونفوس الشعب العربي السوري المقاوم الذي كان وما زال وسيبقى يعتبر هذه الذكرى العظيمة إرث الأجداد المشبع بتعميم ثقافة المقاومة والصمود بكل مكوّناتها الخلاقة المتجذّرة في تاريخنا الحافل بالأمجاد والتضحيات بمقاومة كل الغزوات الاستعمارية التي تعاقبت لاحتلال قلب الأمة، لكنها تحطّمت على صخرة صموده كما تتحطّم اليوم الغزوة التكفيرية الوهابية المدعومة من القوى التي تسعى لاستعادة النزعة الاستعمارية القديمة الجديدة في مقدمتها الفرنسيون وشركاؤهم البريطانيون.

وها نحن اليوم ومع إطلالة فصل الربيع تستعيد الذاكرة ملاحم الجلاء المجيد لنتمسك بمعناها الحقيقي الذي يشكل لشعبنا العربي السوري وكل شرفاء أمتنا المقاومة الدرس والعبرة من أجل صناعة المستقبل في حماية استقلال وسيادة هذا الوطن العزيز.

وبهذه المناسبة الربيعية العظيمة تستعيد الذاكرة صناع الاستقلال الوطني من الشيخ صالح العلي إلى إبراهيم هنانو ويوسف العظمة وسلطان باشا الأطرش ومحمد الأشمر وأحمد ومريود وأدهم خنجر ورمضان شلاش وحسن الخراط وكل أبطال الثورة السورية الذين عمّدوا تراب الوطن بدماء الشهداء الأبرار لتطهيره من رجس المستعمر الفرنسي اللئيم.

نتذكر شهداء البرلمان الذي قصفه الاحتلال بالطيران الفرنسي كما نتذكر أبطالاً من الجيش العربي السوري بقيادة السيد وزير الدفاع يوسف العظمة الذي أبى إلا أن يواجه الغزاة الفرنسيين في معركة مسيلون ليسجل أروع الملاحم في مواجهة الغزاة بقيادة المجرم غورو حتى نيلهم شرف الشهادة، بالرغم من الفرق الكبير في موازين القوى بين الطرفين.

نعم ربع قرن من مقاومة الاحتلال الفرنسي الذي انهزم تحت ضربات المقاومين الثوار من أبناء الشعب العربي السوري.

لكن هذا الاحتلال البغيض لم يخرج من سورية من دون بصمة ما زالت جرحاً عميقاً يؤلم سوريا والسوريين وكل شرفاء الأمة المقاومين حتى اليوم بعدما تيقن من حتمية الهزيمة حاك المؤامرة مع بريطانيا وتركيا وتعمّد سلخ لواء الإسكندرون عن الوطن الأم سورية وضمّه إلى تركيا بعد انسحاب القوات الفرنسية المحتلة بتاريخ 23/7/1939 متجاهلاً كل القوانين والأعراف الدولية التي تقرّ للأهل في لواء الإسكندرون الحق المبين في تقرير مصيرهم في إطار الوطن الأم. وهذا الجرح في الحقيقة لم يكن الوحيد بل فتحت القوى الاستعمارية جرحاً أكبر في احتلال فلسطين وبعدها الجولان العربي السوري.

لكن هذه الجريمة كانت وما زالت وصمة عار في جبين القوى الاستعمارية الغربية وشعوبها الأوروبية التي تتغنّى بالحرية وحقوق الإنسان وحق تقرير المصير للشعوب المحتلة التي صاغت القوانين الدولية في المؤسسات الدولية لحمايتها، لكنها تعمّدت تجاهلها في لواء الإسكندرون وفلسطين والجولان.

لقد مضى على استقلال سورية ثمانية وستون عاماً من النضال الوطني لتحقيق التحولات الوطنية الشاملة في مختلف الميادين الحياتية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والعسكرية من أجل تحقيق التنمية الوطنية الشاملة التي خطّطت لها ثورة البعث عام 1963 وترجمتها بشكل علمي وعملي الحركة التصحيحية المجيدة عام 1971 بقيادة الزعيم الخالد الراحل حافظ الأسد الذي ترجم القول إلى عمل ميدانيّ بقيادة حرب تشرين التحريريّة للردّ على نكسة حزيران عام 1967.

ومنذ اللحظة الأولى للتصحيح المجيد كانت القضية الفلسطينية من أهم أولوياته التي أولاها جلّ اهتمامه واعتبرها قضية سورية، كما هي قضية الأمة المركزية وخاصة عندما قال “إن فلسطين هي جنوب سوريا والقدس قبل الجولان”.

لهذا ومنذ اللحظة الأولى للتصحيح المجيد ربط الزعيم الخالد مسألة الحرب والسلام في المنطقة بالقضية الفلسطينية، عندما قال “إن القضية الفلسطينية هي قضيتنا المركزية باعتبارها جوهر الصراع العربي الصهيوني، وبالتالي هي محور نضالنا القومي”، فصدق القول والفعل ورفض كل المشاريع والمخططات التسووية المجزوءة والمنفردة المشبوهة ونبّه من مخاطرها بشكل مبكر وقرع جرس الإنذار منذ أعلن رفض اتفاقيات كامب ديفيد الخيانية التي أخرجت مصر من معادلة الصراع العربي الصهيوني وأسست لانقسام الأمة العربية بشكل عملي بعد تفرّد السلطة الفلسطينية بتوقيع اتفاق أوسلو التصفويّ عام 1993. وقال كل بند من بنود أوسلو تحتاج لاتفاق. ثم وقع النظام الأردني اتفاق وادي عربة مع العدو الصهيوني، لكن الرد العربي السوري على هذه الاتفاقيات الخيانية كان ومازال تبني خيار المقاومة والصمود من فلسطين إلى لبنان وصناعة انتصاراتها التي شهد أهم بواكيرها بهزيمة الاحتلال من جنوب لبنان تحت ضغط وصمود المقاومة الوطنية اللبنانية بقيادة حزب الله في العام 2000 ورحل الزعيم الخالد وهو مطمئن لقوى المقاومة التي احتضنتها سورية وقدمت لها كل الدعم والمساندة لتحقيق انتصاراتها بقيادة الرئيس بشار الأسد من دحر الغزاة الصهاينة عن صدر قطاع غزة عام 2005 إلى انتصار تموز في لبنان عام 2006 مروراً بصمود قطاع غزة المحاصر في الحروب الخمس التي شنها العدو الصهيوني على قطاع غزة المقاوم خلال السنوات الخمس الأخيرة مروراً بدحر تحالف الشر الغربي بقيادة العدو الصهيوأميركي عن أرض العراق المقاوم تحت ضربات المقاومة الشعبية العراقية المسلحة.

لهذه الأسباب مجتمعة تعمّدت القوى الغربية المتصهينة بقيادة العدو الصهيوأميركي استهداف سورية بشكل مباشر لتسديد فواتيرها القديمة الجديدة مع سورية شعباً وجيشاً وقيادة بقيادة الرئيس بشار الأسد.

فتعمّدت استثمار ما يُسمّى الربيع العربي لارتكاب أبشع جريمة حرب دولية لم يشهد التاريخ المعاصر مثيلاً لها تحت يافطة ما يُسمّى الربيع العربي والتي تتمثل في إعلان الحرب الكونية عليها منذ ما يزيد عن خمسة أعوام خططت لها الدوائر الاستخباريّة الغربية بقيادة العدو الصهيوأميركي وموّلتها وسلحتها معظم الأنظمة العربية المتصهينة وفي مقدمتها النظام السعودي والقطري بالإضافة للنظام الطوراني التركي بقيادة المجرم أردوغان أما أدواتها فكانت من نفايات المجتمعات المستوردة من كل أصقاع العالم لتشكل عصابات إرهابيّة مسلحة بالفكر الوهابي التكفيري التي استهدفت سورية وتتجاوز حدودها لاستهداف وحدة الشعوب العربية على قاعدة طائفية ومذهبية وعرقية من لبنان إلى العراق ومصر وليبيا واليمن وغيرها من خلال ما يُسمّى الفوضى الخلاقة لتفرض عليها سايكس بيكو جديدة لتقسيم المقسّم ولكن بمفاهيم ومقاييس صهيوأميركية.

أما بالنسبة لسورية ما يزيد عن ثلاث سنوات من الحرب الكونيّة استهدفت البشر والشجر والحجر كما استهدفت البنى التحتيّة والمجتمعيّة بمختلف المؤسسات العامة والخاصة وفي مقدمتها الجيش والمؤسسة الأمنية لكن سورية صمدت بوحدة شعبها وجيشها وقيادتها بقيادة الرئيس بشار الأسد.

وهنا أجزم أن هذه الأسباب كافية لتكالب الدوائر الاستخباريّة الغربية بقيادة العدو الصهيوأميركي وعملائه الصغار في المنطقة لإسقاط سورية من معادلة الصراع العربي الصهيوني وتفكيك محور المقاومة والصمود لشطب وتصفية القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني وفي مقدّمتها حق عودة اللاجئين لأرض الآباء والأجداد في فلسطين كل فلسطين من نهرها إلى بحرها واختراع عدو وهميّ يتمثل في الجمهورية الإسلامية الإيرانية لتصبح معادلة الصراع عربي إيراني وليس صراعاً عربياً صهيونياً لغاية في نفس بني صهيون.

وبالرغم من شراسة الحرب الكونية صمدت سورية بوحدة شعبها وجيشها وقيادتها بقيادة الزعيم القومي الكبير الرئيس بشار الأسد الذي يقود سورية اليوم من نصر إلى نصر بينما تنهار المجاميع الإرهابية الوهابية التكفيرية من حلب وريفها إلى ريف اللاذقية وإدلب وريف دمشق وحمص وحماة والقنيطرة والجزيرة وستكون بداية النهاية حتما في إدلب وشمال شرق سورية المقبرة الكبرى لهذه العصابات الإرهابية الوهابية التكفيرية.

لذلك ليس غريباً ولا مستغرباً كلما حققت سورية انتصارات مهمة على الصعيد الميداني شهدت المزيد من التصعيد العدواني الصهيوأميركي والإرهاب التكفيري، لكن سورية ليست وحدها في الميدان بل معها كل شرفاء الأمة بقيادة محور المقاومة والصمود وفي مقدمتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمقاومة في فلسطين ولبنان والعراق واليمن وكل أحرار العالم وفي مقدمتهم روسيا والصين.

والاهم أن سورية جسّدت الوحدة الوطنية بأروع صورها وأشكالها الميدانية المعمّدة بدماء الشهداء الأبرار لتستعيد دروس وأمجاد الجلاء بقيادة زعيم الاستقلال قائد الثورة السورية الكبرى سلطان باشا الاطرش ورفاقه صناع الاستقلال الذي جسّد الانتصار الكبير بدماء الشهداء الأبرار، كما يجسّده شهداء الجيش العربي السوري ورفاقهم شركاء الدم بقيادة الزعيم القومي الكبير قائد المقاومة للدفاع عن سورية الوطن لحماية استقلالها وسيادتها بعدما أصبحت في الربع ساعة الأخيرة من إعلان الانتصار الكبير على العدو الكوني لأن الشعب العربي السوري وبواسل الجيش العربي السوري وقيادته التاريخية بقيادة سيد المقاومة الرئيس بشار الأسد متمسكين بالثوابت الوطنية والقومية والقيم الخلاقة التي حملها الشيخ صالح العلي والشهيد يوسف العظمة وإبراهيم هنانو وقائد الثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش ومحمد الأشمر وأحمد مريود وغيرهم الكثير من أبطال الاستقلال وما حملوه من إرث نضالي في حب الوطن والاستعداد للتضحية والفداء لاستعادة كامل الأرض العربية المحتلة من اللواء السليب في الإسكندرون إلى الجولان العربي السوري وفلسطين كل فلسطين وكل ذرة مقدّسة مازالت محتلة من أرض الجنوب اللبناني المقاوم.‏

akramobeid@hotmail.com

(غداً جزء ثالث)

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0