مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

ملف السبت 7 من حرمون: يوم الجلاء السوريّ قيمة مقدّسة عمّدتها أرواح شهداء وجرحى قادة ومجاهدي الثورة السورية الكبرى (الجزء الأول)

أيادٍ خفيّة لـ"غاية في نفس يعقوب" تتسلل كل مرّة لمحاولة التحريض على الوحدة الوطنيّة والفتنة بين السوريّين وتشويه رموز الوطن الذين أصبحت تعاليمهم دستور حياتنا

خسر الجيش الفرنسي بالثورات السورية، ما يزيد عن 15000 جنديّ، وقدّرت هذه الخسائر في السنوات الخمس الأولى (من 1919 وحتى 1924) 9000 جنديّ و250 ضابطاً!

1٬676

إن روح الثورة السورية الكبرى وأرواح قادتها من الشيخ سلطان باشا الأطرش والشيخ صالح العلي وإبراهيم هنانو وكل رجالات الثورة ومجاهديها سوف تضل تسري في دمائنا نحن السوريين لتُلهمَنا وتوجهنا للسير لتحرير أقاليمنا المحتلة في الشمال من تركيا (َأضنة – مرسين – لواء الأسكندرون – ديار بكر – ماردين – الرها – اورفة…)، وفي فلسطين من العدو الصهيوني

 

تقديم هاني الحلبي، إعداد زهر يوسف – فاديا خالد – ولفة الخطيب – فاطمة ملحم –  فاطمة حمود

عود الثقاب الذي أشعل القش في بيدر ملف السبت 7 لهذا الأسبوع، الاحتفاء بيوم الجلاء في سورية، وصدور قرار السيد وزير الإعلام بإعفاء إعلامي في مؤسسة إعلامية سورية إثر ارتكاب خطأ بإغفال ذكر اسم القائد العام للثورة السورية الكبرى المجاهد الخالد سلطان الأطرش. وإذ نتوجه بالشكر للسيد الوزير على التصرف العاجل الحازم تأديباً لخطأ مقصود او غير مقصود، لكنه ينمّ عن وجود شخص غير مناسب في وظيفة إعلامية حساسة وذات مسؤولية عامة ووطنية.

خطأ التقرير الإعلامي هذا العام ذكرنا بخطأ الفنان السوري المبدع القدير نجدت انزور في فيلمه العام الماضي “دم النخيل”، بورود مشهد لجندي سوري بلهجة اهل محافظة السويداء بدور ملتبس بالجبن والتخاذل. فارتفع الصوت ضد الرسالة المدسوسة في السيناريو ليتم الحذف. وكأن يجب ان يبقى المتابعون في مرقب الرصد لما يدسّ ضدهم وضد تاريخ سورية الوطني لتشويههم وإيقاد فتنة تثلم الوحدة الوطنية السورية في واقع نحن أحوج ما نكون لحماية هذه الفتنة من أحابيل مكشوفة “لغاية في نفس يعقوب”.

وإذ يحتفل السوريون واللبنانيون بالجلاء عيداً وطنياً، ولو بتأريخين مختلفين، في سورية 17 نيسان، وفي لبنان 31 كانون الأول. ولكن هذا الاختلاف المفتعَل مرده إلى تطبيق فرائض اتفاق سايكس بيكو، وما تبعه من اتفاقات أجنبية تستهدف ووطننا ووحدته التاريخية والاجتماعية والسياسية، المخالف للقانون الدولي والأخلاق الدبلوماسية والقيم الإنسانية وعلوم السياسة والإدارة، بأن يُحِلّ أجنبيّ نفسه عنوة محل مالك الشيء وينتحل شخصه ويقوم بواجباته ضد المالك الحقيقي ويفرض بقوته الغاشمة الأمر المفعول ليصبح حقيقة، إلى حين نعي ونفعل بوعينا ونتوحّد حول حقيقتنا ونوجّه الجهود باتجاه خدمة أمتنا وبلادنا ونضع مصلحتها فوق أية مصلحة غيرها، دينية أو سياسية او عرقية أو محلية.

ولا ينبغي الاستطراد والإطالة في بديهية أن ثورة ميسلون واستكمالها بالثورة السورية الكبرى كانت خطة سورية شعبية معاكسة للخطة الدولية الأجنبية التي عبرت عنها تلك الاتفاقات اللاقانونية. فكانت للثورة استراتيجية واضحة بعدم الاعتراف بالاتفاقيات الأجنبية السرية والعلنية وأبرز نتائج تلك الاتفاقيات التقسيم المعروف باسم سايكس بيكو. ومن نقاط القوة للثورة السورية الكبرى انها لم تكن طائفية أو جهوية او عرقية او مذهبية او طبقية، بل كانت قومية سورية عربية بامتياز، وعمّت المناطق السورية كافة من جبل العرب والسويداء إلى إقليم جبل حرمون إلى جنوب جبل عامل إلى وادي التيم والشوف والبقاع وجبل لبنان، إلى الغوطة، إلى الساحل وحلب إلى الرقة والحسكة ودير الزور.. وبرز في هذا المناطق كلها أبطال مرموقون كحسن الخراط ورمضان شلاش وإبراهيم هنانو وعبد الرحمن الشهبندر وصالح العلي… لكن تم الاتفاق أن سلطان الأطرش ولأسباب عدة، قائدٌ عامٌ للثورة السورية الكبرى.

حمل فريق حرمون أسئلته ومواجعه برسالة الملف إلى أصدقائه من رجال الفكر والدين والوطنية والبحث والرأي والخبرة والعلم والسياسة، جاء فيها:

“تقديراً واحتراماً. نأمل مشاركتكم في ملف السبت 7 من موقع حرمون: ذكرى الجلاء عزيزة ومقدّسة. وسر عزّتها وقداستها أنها كانت خلاصة حتمية لثورة سورية كبرى استسقت دماء حارّة وحُرّة ونفيسة، من عشرات الآلاف الذين دُمّرت بيوتهم، ونُكبت أسرهم، وفقدوا غواليهم، وقدّموا وديعة الأمة فيهم لتحيا سورية وتعتزّ بثورتها ودولتها وشعبها.

وفي تقرير إعلامي تم بثه في نشرة تلفزيونية الأسبوع الماضي لمناسبة ذكرى الجلاء العزيزة على قلوب الشرفاء/ لسبب او لآخر أُغفل اسم القائد العام للثورة السورية سلطان الأطرش. وسبق إغفالَ التقرير الحالي في الصيف الماضي تجنٍّ في فيلم (دم النخيل) للمخرج الكبير نجدت أنزور بتصوير شخصية جبانة بلهجة أهل محافظة السويداء في النسخة الأولى للفيلم وعندما ارتفع صوت الاستنكار عالياً تمّ حذف المشهد.. هذه الزلّات أوجدت امتعاضاً واسعاً وأشعرت وجود لاوعي منظم يستهدف قيم الثورة السورية الكبرى وقيادتها ورجالاتها والوحدة الوطنية السورية. نتقدم منكم بالآتي:

1- ماذا ترون إلى قامة سورية وطنية مثّلها قائد الثورة سلطان الأطرش ثورة وسلوكاً وطنياً حتى آخر نَفَس في حياته؟

2- ماذا تستلهمون من قيم الثورة السورية الكبرى التي جمعت الجغرافية السياسية وامتدّت إلى الجغرافية السورية الطبيعية في وادي التيم وجبل عامل والشوف في لبنان؟

3- كيف نحمي روح الثورة السورية الكبرى التي تحققت بالجلاء لتربية مواطن حر يتحسّس شخصية بلاده ويصونه في نفسه وأسرته فلا يوجد إعلامي يغفل ولا فنان يتجنّى؟

وتفضلوا فائق الاحترام. إدارة الموقع. نهار الجمعة في 24 نيسان 2020″.

تفضل بالإجابة على الأسئلة المنوه عنها أعلاه في الجزء الأول من الملف: المستشار الأسبق لرئاسة الجمهورية العربية السورية الدكتور جورج جبور، مطران سبسطيا والقدس للروم الأرثوذكس المطران عطالله حنا، رئيس الأمانة العامة للثوابت الوطنية في سوريا حسام الدين خلاصي، الدكتور أحمد الخضر رئيس قسم التاريخ في جامعة دمشق، المخرج الفنان السوري ممدوح الأطرش، المحلل الاستراتيجي البروفسور في العلاقات الدولية في جامعة طرطوس ذو الفقار عبود..

 

جبور: أشكركم.. وللجلاء رمزيّة وطنيّة عمادها سلطان باشا الأطرش

الدكتور جورج جبور مؤلف كتاب الفكر السياسيّ المعاصر في سورية، ومؤلف كتاب يوميّات الوقائع السورية (1918- 1968) ثمّن عالياً اتصالنا به حول موضوع هام “كما وصفه” كيوم الجلاء، لما له من رمزية وطنية ونضالية وكفاحية للشعب السوري ضد المحتل الفرنسي، قائلاً.. أشكركم مرة ثانية على تواصلكم معي في موضوع هام كالجلاء.

د.جورج جبور

وتابع الدكتور جبور: من خلال مطالعاتي وما سمعته من أقوال، فإن صفة الفاعل الأول الذي أوصلنا إلى الجلاء هو سلطان باشا الأطرش ومعه مجموعة من المجاهدين. كذلك يمكن القول إن الذي أوصلنا إلى الجلاء بشكل رسمي هو الرئيس شكري القوتلي الذي انتخب عام 1943.

وكشف الدكتور جبور عن أن حساسية كانت بين القائد سلطان باشا الأطرش والرئيس القوتلي آنذاك، إذ سلطان الأطرش لم يحضر الاحتفال الرسمي السوري يوم 17 نيسان، وأقام لنفسه احتفالاً خاصاً في السويداء.

واعتبر المؤرخ جورج جبور أنه رغم كل ذلك، إلا أن الحساسية كانت عابرة إذ اتفق الأطرش والقوتلي على أهمية الجلاء وطرد المحتل الفرنسي، فالجلاء كان أمراً هاماً وحيوياً وجامعاً للكل، ومنه تم أخذ إشارات إيجابية كثيرة.

 

المطران عطا الله حنا: الثورة السورية الكبرى ثقافة قومية يتنفّسها كل سوري وطنيّ وسلطان الأطرش علم قومي محفور بالنور في وجداننا جميعاً وصوره ترتفع في بيوت المقدسيّين

أجاب مطران سبسطيا والقدس للروم الأرثوذكس المطران عطاالله حنا على أسئلة ملف السبت 7 من حرمون بأن روح الثورة السورية الكبرى موجودة عند كل سوري وطني. طبعاً، أولئك الذين فقدوا البصيرة وفقدوا إنسانيتهم وارتموا في الأحضان المعادية، هؤلاء لا يمكن أن يكونوا جزءاً من هذه الثورة او جزءاً من النضال والكفاح الذي تخوضه سوريا من أجل إفشال المؤامرة الكونية التي استهدفتها.

المطران عطالله حنا

اليوم هناك تحدٍّ جديد هو وباء كورونا الذي سننتصر عليه سوريا، كما انتصرت على الوباء الأكبر من الكورونا وهو الإرهاب والاستكبار والدول المعادية، ومنها دول مموّلة وللأسف الشديد بأموال خليجيّة من هنا أو من هناك.

وقال: إن الثورة السورية الكبرى ليست حدثاً تاريخياً نتغنّى به بل هي واقع. هذه الثورة هي ثقافة مستمرّة ومتواصلة في المجتمع السوري. إن السوريين كافة يستذكرون الثورة الكبرى والبطل سلطان باشا الأطرش وغيره من الأبطال الذين كان لهم دور رياديّ في هذه الثورة، ولكن هذه الثورة ليست حدثاً تاريخياً نتغنّى به، فحسب بل هي حالة يعيشها السوريون وتعيشها سوريا دائماً طيلة السنوات الماضية كم من المؤامرات والمشاريع المشبوهة المعادية التي تعرّضت لها سوريا، ولكنها صمدت لأن ثقافة الثورة السورية باقية وفكر الانتماء لسوريا راسخ ولا يمكن اقتلاعه.

وتابع غبطته: إننا بذكرى الجلاء نحيّي الشعب السوري، لأن هذه الذكرى عزيزة على قلب كل سوري بل أقول على قلب كل عربي ومحبّ لسوريا، بخاصة نحن في فلسطين تعنينا هذه المناسبة وإن كانت سوريّة بامتياز إلا أنها أيضاً مناسبة نفتخر بها كفلسطينيين، لأننا نعتبر انتصار سوريا انتصاراً لفلسطين، وإذا ما أردنا أن نتحدّث عن الواقع نقول إن انتصار سوريا على أعدائها اليوم انما هو أيضاً انتصار لفلسطين.

وذكّر بأن من وحي مناسبة الجلاء نتحدث أيضاً عن انتصارات سوريا اليوم على كل مَن أراد تدمير سوريا وتفكيكها، وكل ذلك بسبب ذلك الإرث الوطني الذي تركه لنا البطل سلطان باشا الأطرش وتركه لنا الرعيل الأول من القادة العظماء المناضلين.

واليوم سوريا فيها قيادة حكيمة ممثلة بالدكتور بشار الأسد والجيش العربي السوري والشعب السوري الوطني الواعي الملتزم بانتمائه لوطنه.

وشدد المطران حنا على أن المجاهد الكبير سلطان باشا الأطرش علم من أعلام أمتنا العربية، وهو اسم مسجّل بأحرف من نور في سوريا كما في غيرها من الدول العربية لا سيما في فلسطين، حيث هناك مكانة كبيرة للمناضل سلطان باشا الأطرش ومَن يتجوّل في القدس العتيقة وفي غيرها من البلدات الفلسطينية يرى صورته معلّقة في كثير من المؤسسات والأماكن لنذكّر أبناءنا وشعبنا ببطولات هذا المجاهد الكبير الذي كان وحدوياً ولم يكن طائفياً. وما تميّز به هذا القائد الكبير أنه كان من رواد الوحدة الوطنية وكان يدافع عن سوريا في الوقت نفسه الذي يعمل فيه من أجل تكريس قيم الاخوة والتضامن بين كافة أفراد الشعب السوري لقد كان شخصيّة مميّزة في أصالتها وتواضعها وأخلاقها وتمكّن هو وزملاؤه من قطع الطريق على كل مَن كان يحاول بثّ سموم الطائفية.

وختم بقوله: إنّنا من هنا من القدس نوجّه تحية لسوريا الأبيّة قيادة وجيشاً وشعباً، ونقول إن أسماء الأبطال المجاهدين وفي مقدّمتهم المجاهد سلطان باشا الأطرش ستبقى حية في قلوبنا وتاريخنا.

 

السياسي السوري خلاصي: سورية تحرّرت بتضحيات السوريين، والفتنة لن تمرّ

رئيس الأمانة العامة للثوابت الوطنية في سوريا حسام الدين خلاصي قارَب بين عمره الذي تجاوز الستين عاماً وبين ذكرى الجلاء، قائلاً إنه عاين وعايش احتفالات الجلاء العظيم في أغلبها.

حسام الدين خلاصي

أما ما يُثار من قلائل حول رمزيّة قائدها سلطان باشا الأطرش فوضعها خلاصي في خانة محبي كوارث 2020، وأضاف أن سورية تحرّرت بتضحيات أبنائها السوريين والأبطال سيبقون أبطالاً رغماً عن الفتنة، كما أننا شهود أحياء على مَن يحرّر سورية الآن من الإرهاب، لافتاً في السياق ذاته، إلى أن تسع سنوات ولم تقع الفتنة التي أرادها أعداء سورية ولن تقع. فالجلاء سيبقى الجلاء بعظمته، وقادة الثورة لا يمكن التفريق بينهم ولا التمييز.

 

 

 المؤرخ الدكتور الخضر: مَن حاول التعكير أناسٌ هدفُهم سيئ

الدكتور أحمد الخضر رئيس قسم التاريخ في جامعة دمشق شدّد على أن الثورة السوريّة الكبرى قامت عام 1925 وامتدّت لعامين بفضل صمود وإرادة الثوار في كل المناطق السورية بزعامة سلطان باشا الأطرش ومع ذلك، ليس من وارد أن يكون القائد سلطان الأطرش في كل منطقة سورية، خاصة أن لكل منطقة كان قائد على تنسيق مباشر مع سلطان الأطرش، لذا من غير المقبول القول إن سلطان باشا الأطرش قاتل لجبل العرب فقط وإن إبراهيم هنانو قاتل للشمال السوري ورمضان شلاش قاتل لدير الزور فقط، بل إن الحق يقول إن كل القادة قاتلوا لتحرير سورية من المستعمر الفرنسيّ.

وحول ما حدث مؤخراً في التطاول على رمزية قائد الثورة، أوضح الدكتور الخضر أنهم أناس لهم أهداف سيئة ومشبوهة.

 

المخرج الفنان ممدوح الأطرش: أيادٍ تتسلل باستمرار خفية لإثارة ضغائن بتطاولها على رموز الوطن

وعلّق المخرج الفنان ممدوح الأطرش بعفويّة ووطنية جواباً على أسئلة الملف بقوله متأسفاً: أنا طبعاً، يحزّ في قلبي أن هنالك مَن يعبث بموروث السوريين، وهنالك أيادٍ خفيّة تحاول طمس هذا الموروث وعلى كافة الأصعدة سياسياً وعلمياً وأدبياً وفنياً..

المخرج الفنان ممدوح الأطرش

وهذه الأيادي الخفيّة تسلّلت ولأكثر من مرة لإثارة ضغينة الناس بتهميش رموز الوطن بشكل عام، لأن سلطان الأطرش هو بالمحصلة رمز وطني يمثل كل السوريين على الأرض السورية كافة إن لم يتجاوزها..

ونحن مَن نعيش ونؤمن بتعاليم سلطان الذي أطلق شعاره الحامل شموليّة معانيه (الدين لله والوطن للجميع)..

وفي هذه الظروف الصعبة التي تعيشها البلد كثرت الأيادي القذرة داخلياً وخارجياً لتفكيك هذه اللحمة الوطنية السورية وإثارة نقمة الناس وتغذية الفساد وبث روح الفوضى وتغييب القانون… الخ لتؤدي بالتالي إلى الاقتتال الأهلي ومن ثم خلق الصدامات مع أجهزة الدولة المتعددة.

ولهذا وجب علينا كسوريين وعلى امتداد الجغرافية السورية كافة أن نكون أكثر حذراً وأشد عزيمة وأقوى تصميماً على الحفاظ على لحمتنا الوطنية ومحاربة كل أشكال الفساد وأينما وجد والوقوف كلنا كسوريين يداً واحدة لمجابهة هذه الفوضى العارمة في كل ما حولنا ضمن تلك الضائقة الاقتصادية المقيتة المفروضة علينا بتواطؤ ودعم وتخطيط من ضعفاء النفوس المتاجرين بقوت الشعب.

 

د.ذوالفقار عبود: ثورة وطنية سورية وحّدت الروح القومية للسوريين ضد الانتداب والاحتلال وفرضت جلاءه

استعرض برشاقة المحلل الاستراتيجي البروفسور في العلاقات الدولية في جامعة طرطوس ذو الفقار عبود بأجوبته على أسئلة الملف سير الثورة السورية الكبرى ونتائجها العسكرية والسياسية والاستراتيجية والاجتماعية والاقتصادية، مؤكداً كونها القوة الوطنية الفعلية التي عجّلت بجلاء المنتدب الفرنسي، وقال: لا أحدَ في التاريخ يمكنه أن ينكر الدور القيادي الذي لعبه القائد العام للثورة السورية الكبرى ضد الانتداب الفرنسيّ الشيخ سلطان باشا الأطرش إبن جبل العرب الأشمّ والتضحيات الجسام التي قدّمها مادياً ومعنوياً وعسكرياً، حيث وحّدت هذه الثورة كل السوريين من كل الأطياف والطوائف والانتماءات ووقفوا صفاً واحداً ليطردوا قوات الاحتلال الفرنسي مضحّين بالغالي والنفيس.

الدكتور ذو الفقار عبود

في الواقع كان للثورة السورية الكبرى ضد الانتداب الفرنسي نتائج كبيرة جداً في التاريخ الحديث يمكن تلخيصها بالآتي:

لقد اقترنت السنوات العشر التي قضاها الشعب العربي السوري في الكفاح المسلح ضد جيوش الانتداب بنتائج خطيرة سواء من الناحية العسكرية، أو الاقتصادية أو الاجتماعية، أو السياسية، أو القومية:

1) النتائج العسكرية: حشد الفرنسيون في المشرق (سورية ولبنان) قوات عسكرية وصل عددها إلى 70.000 جندي، منها 20.000 جندي فرنسي (من المتروبول)، والبقية الباقية من جنود المستعمرات (سنغال، ملاغاش، شمال أفريقيا، هنود صينيّون). وقد خسر الجيش الفرنسي من جراء الثورات السورية، ما يزيد عن 15000 جندي، وقدّرت هذه الخسائر في السنوات الخمس الأولى (من 1919 وحتى 1924) 9000 جنديّ و250 ضابطاً، كما ورد في خطاب الجنرال ويغان، في حفلة إزاحة الستار عن النصب التذكاريّ لقتلى جيش الشرق الفرنسي، الذي جرى في مدينة بيروت في شهر تموز 1924. كما أن الجنرال سارّاي اعترف بأنه قامت خلال 1922 فقط، وفي سورية وحدها «خمس وثلاثون ثورة دُفن فيها 5 آلاف جندي فرنسيّ» وأما خسائر الفرنسيين أثناء الثورة السورية الكبرى (1925 – 1927) فبلغت 2000 جندي وضابط في منطقة جبل العرب، و1000 جندي وضابط في منطقة دمشق والغوطتين، و1500 جندي وضابط في المناطق الأخرى (المنطقة الوسطى، القلمون، الجولان، وادي التيم، حوران).

ـ بلغت خسائر المجاهدين حوالي 10.000 شهيد، منهم 6000 أثناء أحداث الثورة السورية الكبرى، بين شهيد في المعارك المشرفة، أو تحت قصف المدفعيّة والطائرات، وكذلك مَن جرى إعدامهم بعد محاكمات صورية أو من دون محاكمة.

2) النتائج الاقتصادية: استدعت القوات الضخمة التي حشدتها فرنسا في سورية نفقات باهظة لم يدفعها المواطن الفرنسي وإنما البلاد السورية نفسها عن طريق العملة الورقيّة (الليرة السورية LA LIVRE SYRIENNE) التي فُرض التعامل بها، وكانت تمتصّ تدريجياً النقود الذهبية الموجودة بوفرة في البلاد، والتي نقصت كميتها، بين عامي 1920 و1928، إلى 40% عما كانت عليه عام 1919، ولا يمكن تقدير الخسائر العينية التي لحقت بسورية نتيجة الثورة بالمال، وخاصة خسائر مدينة دمشق التي ضمّت بعض التحف الأثرية في جامع السنانية وقصر العظم وقصور عدة قديمة في حي الميدان والشاغور. وأصاب الحريق الناجم عن قصف أحياء بكاملها أحياناً، كما حدث في حي (زقاق سيدي عامود) الذي أصبح يحمل منذ ذلك اليوم اسم (الحريقة)، وبهذا الصدد يقول المؤرخ أمين سعيد: «يُقدَّر ما خسرته سورية مالياً في الثورة بخمسة ملايين جنيه، بما في ذلك أثمان الدور والمنازل التي احترقت ودُمّرت في دمشق وحماة، وكان بعضها يحتوي على غالي التحف والنفائس مع الأسواق التي نُهبت».

وأصاب الأرياف السورية أيضاً ما أصاب مدينتي دمشق وحماة: ففي العمليات التي شنتها القوات الفرنسية ضد ثوار الغوطة، في شهر تموز 1926 تمّ حرق بيادر وأشجار وأرزاق، ومصادرة الحيوانات في 112 قرية. وفي دراسة غير منشورة عن أوضاع الثورة السورية الكبرى، في أواخر أيامها (1927)، يقدّر فوزي القاوقجي أن ثمن البيوت والأرزاق والغلال التي تهدّمت أو تعطلت بما لا يقل عن 30 مليون جنيه. وكانت الخسائر فادحة في جبل العرب، فخلت بعض القرى من سكانها نهائياً نتيجة لتدميرها أو حرقها، وغابت أسماء قرى أخرى كثيرة كانت موجودة في الجبل ذلك الوقت من المعاجم الجغرافيّة المستخدمة اليوم!

3) النتائج الاجتماعية: تركت الخسائر المادية التي لحقت بالمواطنين السوريين آثاراً هامة في المجتمع العربي السوري، وأولها ازدياد النقمة على الغرب ومدنيّته الزائفة، وتمسّك الشعب بتقاليده وقيمه والعودة إلى التراث. يُضاف إلى ذلك اضطرار نفر كبير من أهالي الغوطة والأرياف لهجرها واللجوء إلى المدن للعيش فيها، مما يخلّ جزئياً في التركيبة الديموغرافية للشعب العربي السوري.

4) النتائج الوطنيّة والقوميّة: كانت الثورة محكاً أظهر المعدن الحقيقيّ للزعماء الوطنيين، الذين خاضوا غمار الثورة فعلاً، وتجلّى ذلك بوضوح في الانتخابات التي جرت عام 1928 وما بعدها، وجعل هذا المواطن يشعر بأهميّته كفرد في البناء الوطني الكامل.

ويُضاف إلى ذلك أن الثورة قد زادت من ترابط أبناء مختلف المناطق السورية بعضهم مع بعض، بأداء ضريبة الدم من أبناء كل المناطق، ومثال ذلك أن دم الشهداء من أبناء جبل العرب سال على أبواب دمشق، ودم الدمشقيين الذي انساح بين صخور الجبل، خلقا رابطة أبدية بين أبناء الجبل وبين إخوانهم في دمشق الشام، وقِس على ذلك في شتى المناطق السورية الأخرى.

وزادت الثورة من التآلف بين أبناء الطائفة المسيحية وإخوانهم المسلمين، وشارك الجميع مسلمين ومسيحيين في الكفاح المسلح ضد الفرنسيين، وعاشوا معاً في السراء والضراء، وكانت حماية المتطوّعين المسلمين للأحياء المسيحية في دمشق، بعد تخلّي الفرنسيين عنها، برهاناً للمسيحيّين على مصداقيّة الأخوة التي تجمعهم بالمسلمين.

وقد ظهر مثيل للترابط بين المواطنين داخل الأراضي السورية ما يضاهيه بين السوريين في المهاجر (وخاصة في الأميركيتين) وبين أخوانهم في الوطن الأم، وقدّم المغتربون دعماً مادياً ومعنوياً للثورة والثوار.

ويُلاحظ أن الوعي القومي العربي قد ازداد بازدياد الارتباط بين سورية والبلاد العربية الأخرى.

5) النتائج الخارجية والدولية: كانت للثورات السورية آثار بالغة الأهمية في مجال السياسة الخارجية والدولية، ومن ذلك:

* إسماع صوت سورية عالياً بين كواليس عصبة الأمم في جنيف، وذلك عن طريق الصحافة الدولية النظيفة وبما قدّمه وفد (المؤتمر السوري – الفلسطيني) الذي كان يرأسه الأمير ميشيل لطف الله من دعم وخدمات. وقد عمل وفد هذا المؤتمر بتعاون وثيق مع الوفد السوري غير الرسمي، الذي كان يضم إحسان الجابري وشكيب أرسلان في مقرّ العصبة.

* أجبرت الثورة الحكومة الفرنسية على تعيين مفوضين ساميين مدنيين (ده جوفنيل ـ بونسو – ده مارتيل) بدلاً من القادة العسكريين.

وبكل الأحوال تبقى الثورة السورية الكبرى حدثاً تاريخياً غيّر مجرى أحداث المشرق العربي بشكل عام وكانت له تداعيات دولية، ونحن كسوريين نبقى متمسّكين بتحرير كامل التراب السوري المغتصب في شمال سورية (أضنة وكيليكية ومرسين) ومحافظة لواء الاسكندرون من قبل الاحتلال التركيّ الغاشم وكذلك تحرير الجولان السوري المحتل من قبل الكيان الصهيوني مع تأكيدنا أن الاحتلال التركي لا يقل خطورة عن الاحتلال الصهيونيّ بل هو أشد خطراً، لأنه يستغل الشعور الديني أبشع استغلال ويسعى لخلق فئات تابعة له وتأتمر بأمره من السوريين ذوي الأصول التركية ليكونوا أدوات يحرّكها في الوقت الذي يراه مناسباً.

إن روح الثورة السورية الكبرى وأرواح قادتها من الشيخ سلطان باشا الأطرش والشيخ صالح العلي وإبراهيم هنانو وكل رجالات الثورة ومجاهديها سوف تضل تسري في دمائنا نحن السوريين لتُلهمَنا وتوجهنا للسير على خطى أولئك الأبطال ولنقدّم كل ما نملك فداء لحريتنا واستقلالنا واليوم يتابع رجال الجيش العربي السوري خطى أجدادهم لدحر الاحتلال التركي ومرتزقته في إدلب، وكذلك الاحتلال الأميركي ومرتزقته في الشمال والشمال الشرقي، لتعود سورية حرّة وعزيزة وسيدة قرارها الوطني المستقل.

(غداً الأحد جزءٌ ثانٍ)

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0