مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

يوميات امرأة في مواجهة حرب كونيّة الاقتلاع بالتهديد (3)

فاديا خالد*
كان للحادثة الملفّقة حول المرأة المستغيثة من اعتداء طائفيّ، التي تحدثنا عنها في الحلقة السابقة سبب رئيسي لدخول ما عُرف حينها باسم “الجيش الحر” الى البلدة. كان ذلك في نهايات عام 2012.
في ذلك اليوم هبّ رجال وشباب البلدة لـ”الدفاع عنها”.
من تلك الفئة التي قيل عنها إنها تذبح وتخطف الخ..
تم وضع المتاريس في بداية كل شارع، بل في أول كل حارة وزقاق بحجة حماية الأهالي..
عصر ذلك اليوم دخل إلى البلدة رتل كبير من السيارات من نوع “جيب”. كانت هذه السيارات تحمل خليطاً من إرهابييّ “الجيش الحرّ” وما عُرف حينها بـ “أنصار الدين”. كانت وجوههم تقطر غدراً وإجراماً وخبثاً.
دخلوا البلدة وتجمّعوا في ما يشبه ساحة صغيرة في أول البلدة. استغرب الأهالي من هذا الكم من القادمين الى البلدة. فسأل أحدهم:
مَن أنتم؟.. ولماذا جئتم إلى هنا؟
فقال رجل منهم تبيّن في ما بعد أنه قائد فصيل إرهابيّ مسلح:
لا تخافوا، لقد سمعنا بما حدث في البلدات المجاورة وجئنا لحمايتكم والدفاع عنكم.. هدأ أهالي البلدة ورحّب البعض منهم بـ”الحماة” المزعومين، فيما رفض البعض الآخر وجودهم لا بل طالب بعض منهم أن يرحلوا في الحال، لسببين:
– خشية أن يصبحوا دروعاً بشرية لحماية هؤلاء الإرهابيين ولأن الأهالي اتخذوا قراراً منذ بداية الأحداث بتحييد بلدتهم عن الأحداث، وذلك بعدم السماح لأيّ مسلح بالدخول إليها.
استمر الوضع بين أخذ وردّ وترغيب وترهيب من قبل المسلحين إلى أن نجح مخطط أولئك الإرهابيين بدخول البلدة.
وزّعوا أنفسهم على حارات البلدة وشوارعها، وأكثر تمركزهم وتركيزهم كان على قسم معين منها.
ذلك القسم الذي يقع فيه منزلي، حيث كانوا يعتبرونه منطقة استراتيجية، لأنه يبعد مسافة قصيرة جداً عن موقع للجيش العربي السوري.
ومنذ دخولهم هذا القسم من البلدة لم نعد نعرف طعماً للأمن أو الهدوء، خاصة في الليل.
ففي النهار كانوا يختبئون كالجرذان، وفي الليل يشكلون مجموعات للهجوم وإطلاق نيران إرهابهم على الموقع المقابل. ومن الطبيعي أن تردّ المنطقة المستهدَفة على مصدر النيران. وهكذا كنا نقضي معظم الليالي، رعباً وخوفاً من المجهول.
كنت أخشى جداً على صغيري من أن تصيبه طلقة غادرة.
أذكر أنني وحين يشتدّ الاشتباك نضع كل ما لدينا من فرشات مصنوعة من الاسفنج على الحائط المقابل لمصدر النيران ونجلس أنا وزوجي على الأرض، بحيث تكون ظهورنا الى تلك الفُرش، وصغيري أمامنا يرتعد خوفاً.
ونمضي معظم ليلتنا على هذه الحال.
مضت الأيام وزادت أحوالنا سوءاً، حيث منعَنا الإرهابيون من الدخول أو الخروج إلا بإذنهم.
قاموا بنهب البقاليّات والمحال ووضعوا محتوياتها في مقارهم وفرضوا علينا حصاراً قاسياً.
وذات يوم قُرع باب المنزل فتحت لأرى مَن القادم؛
رأيت شخصاً لا أبالغ إن قلت إنني رأيت فيه صورة الشيطان نفسه، سألني مَن في البيت؟ قلت أنا وطفلي فقط. لماذا تسأل؟
قال: “معكم يومان لتتركوا البيت”.
سألت: لماذا؟
قال: “لا تجادليني يومين بس. واطلعوا أنتو شبّيحة للنظام المجرم، تتجسسوا علينا وتنقلوا أخبارنا. وصلتنا معلومات مؤكدة أنكن “عواينية” للنظام ولازم تطلعوا”.
وانصرف ذلك الشيطان تاركاً لديّ مشاعر من الحقد والقهر لا يمكن وصفها.
ورحت أسأل نفسي وأنا وحيدة تتقاذفني الأسئلة والهواجس: أيعقل أن يأتي غريب ليطردني من بيتي؟
أن يقتل ذكرياتي وحلمي؟.. قلتُ في نفسي: لا لن نرحل.
ولن يكون لهم ما أرادوا.
وبعد نقاش بيني وبين زوجي بين أن نبقى وهنا كل الاحتمالات مفتوحة، من أننا قد نتعرّض للقتل أو الاعتقال من قبل هؤلاء الإرهابيين أو أن نترك لهم بيتنا ليكون مقرّاً لإجرامهم.. استقرّ بنا الحال على أن نبقى وليكن ما يكون.
وبعد مضيّ المهلة المحدّدة لرحيلنا عاد ذلك الشيطان ليصرخ ويقول: “ليش ما طلعتوا من البيت”؟
فقلت: “ببساطة، لأنه بيتنا وما في حدا يقدر يجبرنا نطلع”.
نظر إليّ نظرة لا يمكن أن أنساها وقال بحقد ولؤم: “كمان يومين وتطلعوا خلّيني أحسن منكن. وبعد اليومين إذا ما طلعتوا ما إلكن خطيّة برقبتي”.

يتبع….
*تتابع الزميلة فاديا خالد حلقات يومياتها بدءاً من يوم المرأة العالمي لتشارك متابعينا في يوميات معاناة وكفاح امرأة تحمي وطنها وأسرتها في مواجهة حرب كونية.

الحلقة السابقة:

يوميات امراة في مواجهة حرب كونية: التحريض الطائفي الرجعي (2)

حرمون

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.