مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

دول “عظيمة” من قش

زهر يوسف*

تاريخياً.. قلّما العالم بأركانه الأربع جُنّد في خندق واحد، كما حاله اليوم لتقليم أظافر “كورونا”.

والفيروس اللدود، أعلن حربه صراحة، وتقصد أن يكون نداً للدول على اتساع الكرة الأرضية، من الماء الى الماء. الهدف حدّده الفيروس دونما عناء، البشر، تماماً كفيروسات عايشها التاريخ لزمن كـ”الطاعون والملاريا وايبولا والايدز” وشكلت خلال مرورها، منعطفات لينقسم التاريخ بين مفردتين “ما قبل .. وما بعد”.

اليوم.. “كورونا” لم يحصد فقط أرواح الناس على اختلاف جنسياتهم وألوانهم ولغاتهم وطوائفهم، فهذه الحدود الوهميّة والنسب التفاضلية لم ولا يعترف بها “كوفيد 19” ولم يجعل فقط الناس على تنوع أجناسهم وأعمارهم “حبيسي” مربّعات إسمنتية إن في منازلهم وإن في مراكز الحجر الصحي.

كورونا في عمر شهرين فقط، قزّم العالم، لمستوى انعدام الضجيج في ذروة الصخب، بأيام فقط أضحت دول بأكملها كالأشباح، بلدان لطالما تغنت بمكانتها ودورها وفاعليتها على المسرح العالمي “المترنح” الآن كأنه قابع على كثبان رملية. هناك على خشبة ذاك المسرح حيث كل دولة “مسموح” لها أن تبرم عقد “مساكنة” مع دولة أخرى كرمى لمصالحها، واضعة التبرير في خانة الأمن القومي.

فصحيح أن العالم اكتوى وما زال بنار الوباء “كورونا” والصحيح أيضاً أنه على سوداوية المشهد العالمي وفي ضوء مقولة “ربّ ضارة نافعة” يتأكد أن “كورونا” فرض مراجعة نقدية للذات، وأجبر الكثير من البعض على رؤية الاختلاجات، ومحاولة الإضاءة عليها بغية العمل على تجاوزها برسم خطة طريق منهجها علمي صرف كرسم لمستقبل آت..

فهنا لا نذيع سراً في الكشف أن “كورونا” أثبت قدرته على استخلاق الشعور بالمواطنة، وأرغم كثيراً من الدول على التكاتف والتعاضد، كما أماط اللثام على أهمية استيلاد “بيئات” طبية تكون على قدر التحديات والمصاعب، مع دقّ جرس الإنذار لأهمية الاستثمار في قطاع البحث العلمي لما يمثله من جسر عبور حقيقي نحو التطور، بغية الوصول سريعاً لما اصطلح على تسميته بالأمن الحيوي الشامل بدلاً من التسابق في مضمار الأسلحة والتفوق العسكري – هذا بحث لاحق.

كورونا يا لمرارة وحلاوة الاعتراف في آن، فمن جهة عرّى دولاً كأميركا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا لطالما قدّمت نفسها أنها قابضة على أفواه الشعوب وجيوبها، إن بالاستنزاف وإن بالعقوبات وإن بالتحالفات الدامية، ليتضح أن الدول ذاتها أزالت القناع وأقرت بهشاشة نظامها الطبي والصحي، ولدينا أمثلة موثقة بالتصريحات، فأن يعتلي رئيس أميركا المستشقر دونالد ترامب منبراً، وتحديداً في التاسع من مارس/آذار الحالي ويقول: “توفي العام الماضي 37 ألف أميركي من الإنفلونزا العادية. ولم يُغلق أي شيء، بل استمرت الحياة والاقتصاد… فكروا بذلك”!! وأن يخاطب رئيس حكومة بريطانيا بوريس جونسون شعبه البريطاني بعبارة “استعدوا لفراق الأحبة” ويستتبعه بأيام بالحديث عن نظرية “مناعة القطيع”.. أيضاً أن يعلن رئيس حكومة اسبانيا بيدرو سانشيز لمواطنيه أن الأسوأ لم يأتِ بعد، وأن يصارح رئيس حكومة ايطاليا جوزيبي كونتي أبناء جلدته بأن الأمر متروك للسماء، ثم أن تستغلّ المستشارة الألمانية انجيلا ميركل” المحجورة صحياً” اجتماعاً للكتلة البرلمانية لحزبي “المسيحي الديموقراطي” و”الاتحاد الاجتماعي المسيحي” لتحذر أن ثلثي الألمان مهدّدون بالفيروس المستجد، كذلك أن تلقي جمهورية الكروسان الفرنسية كسابقاتها باللائمة على التنين الصيني لانتشار الفيروس.. فهذا كله أكبر بكثير من دليل وأعمق بأضعاف من توثيق أن تلك الدول الآنفة الذكر هوت من منظومة الأخلاق والإنسانية لا سيما في مسعى واضح منها الى تسعير لظى “كورونا” وكأنه دور مطلوب تأديته لحين!!

وبالتالي، فإن ما غنمته تلك الدول “الرأسمالية” عبر عقود من استعمارات واحتلالات وحروب بات في مهب ريح عاتية، محركها الصين، التي أثبتت للعالم أن العظمة ليست من فراغ، ولا تبنى بأعواد قش..

*صحافيّة سورية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.