
انتكاسة وطن 13 تشرين الأول 1990
مرّتْ الحياة السياسية اللبنانية في أواخر الثمانينات بحالة من الفوضى السياسية والعقم الفكري السياسي، تلخّصتْ بحالة عميقة من التدهور الذي أصاب المجتمع اللبناني عامةً والمسيحي خصوصًا، وتحديدًا الموارنة. نعم، غاب القرار الصائب وتمّ تغييب الفكر الاستراتيجي… وهذه الحالة الهستيرية أدّتْ إلى تفكيك دقيق للدولة بعد حرب أرادها زعماء الحرب ألعوبةً بين أيديهم، وعمّتِ الصراعات الفرعية لقادة الميليشيات، واختلفتْ فيما بينها على الاتفاق حول موضوع انتخاب رئيس جديد للجمهورية بعد انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميّل.
على أثر تلك الحالة الهستيرية من المواقف الاعتباطية، أصدر الرئيس الجميّل في حينه مرسوم تعيين ميشال عون رئيسًا للحكومة الانتقالية بموجب المرسوم 5387 بتاريخ 22 أيلول 1988. ونُصّ في المرسوم: “تعيين قائد الجيش ميشال نعيم عون رئيسًا لمجلس الوزراء (بالإضافة إلى مهام وزيري الدفاع الوطني والإعلام)”. وتلاه في اليوم ذاته المرسوم رقم 5388 تاريخ 22 أيلول 1988 القاضي بتشكيل أعضاء الحكومة الانتقالية المكوّنة من المجلس العسكري في الجيش. وكان الهدف الدستوري المباشر من تعيين العماد ميشال عون هو تأمين انتقال السلطة وانتخاب رئيس جديد للجمهورية بعد فشل البرلمان في ذلك قبل انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميّل.
كان الهدف في حينه محصورًا بموجب الدستور بثلاثة أمور دستورية:
-
أ – إجراء انتخابات رئاسية: المقصود هو تأمين انتقال السلطة وانتخاب رئيس جديد للجمهورية.
-
ب – إدارة شؤون البلاد مؤقتاً: أي بما معناه الدستوري تسيير المرافق العامة وضبط الوضع الأمني في ظل الفراغ الرئاسي وانقسام البلاد.
-
ج – بسط سلطة الدولة: أي رفع شعار سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها وإخراج القوات الأجنبية الإسرائيلية والسورية.
في حينه، كان الانقسام العمودي القاتل حيث رفضتْ حكومة الرئيس الحص الاعتراف بالحكومة العسكرية المنافسة لها، وكانتْ للعماد ميشال عون طموحات سياسية شخصية بحتة خاصة، وتمحورتْ في حينه حول موضوعين أساسيين لازما وصوله إلى قصر بعبدا، والهدف انحصر بالوصول إلى سدّة الرئاسة لفرض رؤية تاريخية شبه دكتاتورية وتأمين نهج سياسي عُرِف بـ”العونية” عبر عائلته وأقاربه وبعض المقرّبين.
في المرحلة الأولى من حكم العماد ميشال عون أواخر الثمانينات، تلازم الفراغ والانقسام، وأدّى هذا الأمر لنشوء الازدواجية في السلطة في فترة حرجة ودقيقة. كما في هذه الفترة، ادّعى العماد ميشال عون القدرة على محاربة السوريين معلنًا “حرب التحرير” في 14 آذار 1989 التي انتهتْ عسكريًا في 13 تشرين الأول 1990 بعملية عسكرية واسعة مغطاة محليًا وإقليميًا ودوليًا، حيث سُمِح لنظام الأسد بإدخال جيشه إلى المناطق التي كانت تحت سيطرة بعض القوى المسيحية، ممّا أدّى إلى نفي العماد ميشال عون إلى فرنسا.
كما أنه في المرحلة تلك أرسى حربًا خاصةً داخلية مسيحية – مسيحية، وكانتْ بمثابة تدمير لبنان ومجتمعه بحرب خاصة وعبثية في تلك الحقبة، والتي كانتْ –على ما ذكره أحد المسؤولين اللبنانيين– “أنها كانت معظم فصولها بطلب من النظام السوري”، وهذا الكلام قاله صاحبه عبر إذاعة صوت لبنان ودوّنه في كتبه المنشورة. أضف إلى ما ذكره الأستاذ وليد جنبلاط في كتابه الأخير عن أنّ موفدًا عسكريًا من قِبَل العماد ميشال عون استأذن وليد جنبلاط لكي يعبر من المناطق التي كان يُسيطر عليها إلى منطقة جزين للقاء مسؤولين هناك.
لا بُدّ من التذكير بالتحالف الذي أقامه العماد ميشال عون مع العراق عام 1988 و1989، وكان بمثابة المحطة المفصلية، حيث وجد الرئيس السابق صدام حسين في حلف عون معه الفرصة المثالية لتصفية حساباته السياسية والعسكرية والاستراتيجية مع النظام السوري والإدارة الأميركية وسياسة إسرائيل في المنطقة. وكان لهذا الحلف تداعيات خطيرة على الساحة اللبنانية، وأثار ريبة محلية – إقليمية – دولية خشية تمدّد صدام حسين في المنطقة، فدفع اللبنانيّون ثمن هذا الحلف الخاطئ.
في فترة الفوضى التي أحدثتها سياسة العماد ميشال عون، كان هناك تدخّل فرنسي عبر السفير رينيه ألا (René Ala)، وكانتْ بشكل أساسي تتمحور حول إدارة الأزمة السياسية والعسكرية. وأبرز عناوين هذه المساعي تركزت على:
-
أ – محاولة إقناع العماد عون بالحلول السياسية والسير باتفاق الطائف والقبول بالتسوية السياسية المطروحة.
-
ب – الوساطة كانت لتقليل الخسائر والحدّ من الصدام.
-
ج – تأمين مخرج آمن والتفاوض على وقف إطلاق النار.
-
د – المبادرة الأخيرة والتي كانت تنحصر بما يلي:
-
أولاً – رفع الحصار الاقتصادي والعسكري عن المناطق التي كان يسيطر عليها عون.
-
ثانياً – أن تقدّم حكومة عون استقالتها ويُصار إلى تشكيل حكومة جديدة يكون لعون تمثيل وزان فيها حقائب أساسية له ولحلفائه.
-
لم يكتُبْ لهذه المبادرة النجاح بسبب إصرار العماد ميشال عون آنذاك على رفض الاعتراف بشرعية سلطة الطائف، ممّا أدّى بعد يومين بالتحديد، أي في 13 تشرين الأول 1990، إلى انطلاق الهجوم العسكري السوري الإقليمي الدولي المشترك وسقط العماد عون.
انتكاسة وطن في 13 تشرين الأول 1990، وهي النتيجة لقرارات وممارسات مرجعية واهنة أضرّتْ بمصالح الوطن العليا وتجاهلتْ احتياجات المواطنين الأساسية، وافتقارها إلى الحكمة والمسؤولية الأخلاقية والوطنية. وتقع الملامة في تلك المرحلة على رئيس الجمهورية حين أقال العماد إبراهيم طنّوس وعيّن العماد عون، وكان بمثابة الخطأ الأول القاتل إلى الخطأ الاستراتيجي القاتل الذي عيّن بموجبه العماد عون رئيسًا للحكومة الانتقالية.
“إخلاء المسؤوليّة العامة:
تلتزم المنصة بإتاحة مساحة حرة لتبادل الأفكار ووجهات النظر المتنوعة؛ وعليه، فإن جميع المقالات والتحليلات والآراء المنشورة هنا تعود لقرطاس أصحابها وكتّابها ولا تتبناها الإدارة بالضرورة. كما لا تتحمل المنصة أي مسؤولية عن دقة المعلومات أو التعليقات المرفقة، وتقتصر مسؤوليتها على النشر الفني البحت للمحتوى”.










