لبنان: كيف نواجه إسرائيل وأميركا قبل إنتخاباتهما وبعدها؟*

يبدو وضع لبنان السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي بالغ التعقيد والخطورة قبيل انتخابات إسرائيل في أواخر تشرين الأول/أكتوبر وانتخابات الولايات المتحدة الأمريكية في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. فالمنظومة الحاكمة بقيادة الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام راهنت على أن إذعانها لـِ “اتفاق الإطار” في حزيران/يونيو الماضي كافٍ بحد ذاته لقيام أميركا بحمل إسرائيل على الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، لاسيما بعدما اعتمدت حكومة عون وسلام علانيةً سياسةَ نزع سلاح قوى المقاومة (بقيادة حزب الله) في جميع أنحاء البلاد.

إسرائيل تجاهلت، بضوءٍ أخضرَ أميركي، اتفاق الإطار واستمرت في اعتداءاتها وتوسعها حتى باتت تسيطر بالاحتلال أو بالنار على مجمل منطقة جنوب نهر الليطاني في وقتٍ يعلن رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس أنها لن تنسحب من الأراضي التي تسيطر عليها إلا بعد نزع سلاح حزب الله في جميع مناطق لبنان.

لا تبدو الولايات المتحدة راغبة، أو قابلة، على إرغام إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان قبل فراغها من إنتخاباتها النصفية المقررة في مطلع نوفمبر المقبل، والأرجح أنها غير جادة في مطالبة إسرائيل بذلك.

إذ تبدو حكومة عون وسلام محرجة إزاء عدم وفاء الولايات المتحدة بوعدها ضمان انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، كما تبدو محرجة بل عاجزة عن مواجهة تداعيات الإنهيار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد، يبدو حزب الله هو الآخر محرجاً إزاء بيئته الشعبية التي تعاني تداعيات حرب الإبادة الإسرائيلية المقرونة بجرف المنازل والبنى التحتية، وحرق الغابات، وتهجير السكان، وعزل المناطق المحتلة في جنوب لبنان عن سائر أنحاء البلاد.

يحدث كل ذلك في وقتٍ تبدو حكومة عون وسلام غير قادرة وغير مهيأة لتقديم الغوث والعون المطلوبين لأهالي جنوب لبنان المهجرين والمشردين.

في ضوء ذلك كله يجد حزب الله نفسه، كما سائر اللبنانيين، أمام سؤال مصيري كبير: كيف نواجه إسرائيل قبل إنتخاباتها المقررة في أواخر أكتوبر المقبل وبعدها، وكذلك كيف نواجه ضغوط إدارة الرئيس دونالد ترامب قبل الإنتخابات النصفية الأميركية في مطلع نوفمبر المقبل؟

لاحظت قيادة حزب الله، على ما يبدو، خطورة التحديات البازغة وتداعياتها المرتقبة فقامت في أواخر نيسان/أبريل الماضي بدعوة القوى السياسية والشخصيات الوطنية المؤيدة للمقاومة إلى عقد لقاء وطني موسع، فلبى دعوتها عدد كبير من المدعوين الذين شاركوا في حوار مفتوح حول مقتضيات مواجهة العدو الصهيوني وحليفه الأميركي في هذه المرحلة العصيبة، وخلصوا إلى التوافق على برنامج سياسي شامل للمقاومة المدنية السياسية والاجتماعية، وعلى تسمية لجنة قيادية لمتابعة تنفيذه.

اتضح بعد مضي خمسة أشهر على انعقاد اللقاء الوطني الموسع أن مردوده السياسي والاجتماعي كان محدوداً. مرد ذلك إلى أسباب عدة: أولها شدة معاناة الشعب اقتصادياً واجتماعياً وشعوره بالإحباط. ثانيها التقصير في تطوير اللقاء الوطني إلى جبهة وطنية متماسكة وأكثر فعالية. ثالثها محدودية تجاوب معظم القوى الوطنية النهضوية مع مطلب بناء الجبهة الوطنية الفاعلة، وبقاؤها تالياً حبيسة فهمها القاصر للتحديات الماثلة وتقديرها الضيق لمصالحها الذاتية.

إذ تستوجب المخاطر والتحديات الماثلة ارتفاع القوى الوطنية النهضوية إلى مستوى عالٍ من وعي الأخطار المصيرية المحدقة، فقد أصبح حزب الله مطالباً أكثر من غيره بمراجعة نقدية عميقة لتجربته السياسية والجهادية في ضوء حقائق وحاجات ومتطلبات مستجدة على النحو الآتي:

أولاً: عدم قدرة حزب الله على مواجهة التحديات والمتغيرات السياسية والاقتصادية والأمنية المستجدة وحده، الأمر الذي يتطلب بالضرورة عدم التمسك بسياسة تجميع القوى الوطنية وتوليفها لقبول قيادته لها وحدها في العمل الهادف إلى مواجهة العدو وحلفائه.

ثانياً: حث القوى الوطنية النهضوية على تزخيم العمل الجاد لبناء جبهة وطنية، أو في الأقل، تحالف وطني عريض لمواجهة تحديات ومخاطر المرحلة العصيبة التي يمر بها لبنان وجميع الدول العربية والإسلامية في الإقليم، ويكون ذلك باعتماد التعاون الوثيق مع تلك القوى لكونه، أي حزب الله، أقوى الأحزاب الوطنية وأكثرها فعالية على مستوى البلاد كلها بالمقارنة مع الأحزاب الأخرى الأدنى منه شعبيةً وفعالية.

ثالثاً: الإسهام في الدعوة الوطنية الهادفة إلى مواجهة وإحتواء دعاة مقولة “قوة لبنان في ضعفه” التي لا تعني في نهاية المطاف إلا تدويم النظام الطوائفي التقسيمي وتأبيد سلطة الشبكات الطوائفية الحاكمة المتعاقبة والخاضعة لضغوط الغرب الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة.

رابعاً: التعاون الوثيق مع القوى النهضوية، ولاسيما أطراف التحالف الوطني العريض بعد بنائه، بغية تنظيم حملة وطنية سياسية طويلة النفس غايتها حمل المنظومة السياسية الحاكمة على التسليم بوجوب وضع أحكام الدستور المعدل سنة 1990 موضع التنفيذ، خصوصاً بعد استيعابه معظم إصلاحات وثيقة الوفاق الوطني في الطائف وذلك كمدخل لمباشرة إجراء إصلاح جدي في بنية النظام السياسي المترهل.

خامساً: تأليف حكومة وطنية جامعة تتولى بلا إبطاء تنفيذ الأهداف الوطنية الاستراتيجية، وسد الحاجات المعيشية، والاستجابة للمطالب السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية الآتية:

(أ) وضع الدستور المعدل سنة 1990 موضع التنفيذ.

(ب) تحرير أراضي لبنان المحتلة بكل الوسائل ومهما طال الزمن، الأمر الذي يستوجب وضع إستراتيجية متكاملة للدفاع الوطني وتسليح الجيش اللبناني من جميع المصادر المتاحة.

(جـ) دعم قوى المقاومة الناشطة وعدم الضغط عليها لتسليم أسلحتها للدولة إلا بعد التثبت من انسحاب قوات العدو الصهيوني إلى ما وراء حدود لبنان المكرسة باتفاق الهدنة سنة 1949.

(د) إنشاء المجلس الأعلى للإعمار والإنماء، والمباشرة بلا إبطاء بأعمال الإعمار بالأموال المتوافرة حالياً لدى لبنان.

إن تصليب إرادة المواجهة وتطوير قدراتنا الذاتية شرطان لإنجاح تعبئة عامة في سياق كل مقاومة وصراع ونهضة في سبيل التحرير والاستقلال الحقيقي وبناء دولة المواطنة والعدالة وحكم القانون.

[email protected]

*نُشرت في جريدة “القدس العربي” (لندن) بتاريخ 28/9/2026

#آراء_ومقالات

#د.عصام_نعمان

 

اعلانات حرمون

رفعت لتصميم مواقع الانترنت

منتجات الريان

حرمون معكم دائماً

مزايا إعلانك لدينا

مجوهرات المقت

إعلانات حرمون

إعلانات حرمون