
الإصلاح السياسي ومقاومة العدو هدفان ونهجان متزامنان
يقتضي ، بدايةً ، التنبّه والإنتباه الى الغاية المرجوّة للقائنا الحواري اليوم. ما أرمي اليه ليس إبتداع بدائل لمقاومة العدو الصهيوني على الأرض وإعتماد اخرى إصلاحية في ميادين السياسة ومؤسساتها. ذلك لأن الإصلاح السياسي ومقاومة العدو هدفان ونهجان متلازمان ومتزامنان . قد يسبق طلب الإصلاح احياناً إندلاع المقاومة، لكنهما يشكّلان في نهاية المطاف حاجتين وطنيتين متكاملتين.
في حاضرنا اليوم واقعات وتطورات وتحوّلات تدفعنا بقوةٍ الى رؤية التلازم العضوي بين الإصلاح والمقاومة . لبنان بلد محتل حاليّاً . اسرائيل تحتل وتسيطر بالنار في جنوبه على ما يعادل ربع المساحة الإجمالية للبلاد . الجيش اللبناني لا يواجه الجيش الإسرائيلي لأنه غير مسلّح . الشبكات الحاكمة المتعاقبة رضخت لإرادة الولايات المتحدة الأميركية التي عارضت ، وما زالت ، تسليح الجيش اللبناني مخافةَ ان يصبح قوة قادرة على محاربة اسرائيل . قوى المقاومة ، بقيادة حزب الله ، تقاوم اسرائيل الآن رغم قرار الرئيس جوزف عون ورئيس حكومته نواف سلام القاضي بحصر السلاح بيد السلطة . هذا القرار مدعوم بما يسمّى “إتفاق الإطار” الذي أملته اميركا على لبنان واسرائيل ، ووعدت بحمل كيان الإحتلال على الإنسحاب من جنوب لبنان عاجلاً ، وعلى الأغلب آجلاً، او ربما تمديد الإحتلال الى أجل غير مسمّى .
السؤال الذي يواجه اللبنانيين ، مسؤولين ومواطنين ، حاليّاً هو : كيف يمكن تحرير أرضنا المحتلة في وقتٍ توسّع اسرائيل إحتلالها ويعلن رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو ، قبل زيارته الأخيرة للولايات المتحدة كما بعد إجتماعه الى رئيسها دونالد ترامب ، أن قواته لن تنسحب من اراض ٍ تحتلها في لبنان وسوريا ، وأن ترامب لم يطالبه بذلك . هذا مع العلم أن الجيش اللبناني غير راغب وغير قادر على تنفيذ قرار الحكومة بحصر (أي بنزع ) السلاح من أيدي مقاومي اسرائيل من جهة ، ومن جهة اخرى لم تتوفر آلية بعد لتنفيذ بنود “إتفاق الإطار” المرذول شعبياً والمعلّقة المفاوضات بشأنه الى مطلع شهر ايلول/سبتمبر المقبل.
ماذا بإمكاننا ان نفعل إذاً للخروج من هذه الأزمة المستفحلة ؟
لنعرض أولاً وبإختصار الصعوبات الجمّة التي تواجهنا جميعاً نتيجةَ تراكم أخطاء وخطايا ومخالفات واختلالات وخضوع نظام التسلّط والفساد الطوائفي منذ إستقلال البلاد سنة 1943 للتدخلات الخارجية السافرة :
تفجّر أزمات سياسية وإضطرابات أهلية مع إنتهاء ولاية كلٍّ من رؤساء الجمهورية المتعاقبين من دون ان يعقبها اي محاولة جدّية لمعالجة أسبابها وتداعياتها.
عجز نظام التسلط والفساد عن توفير مرشحين وطنيين لرئاسة الجمهورية مقبولين من القوى والتكتلات السياسية والإجتماعية في البلاد ما أدى الى إنتخاب قائد الجيش اللبناني خمس مرات متتالية لمركز الرئاسة الأولى لكون الجيش المؤسسة السياسية الرسمية الوحيدة الممكن إعتبارها عابرة للطوائف من حيث أنها تضم عشرات الآف الجنود والضباط من جميع الطوائف ولا تعاني داخلياً صراعات ٍ طائفية .
إستشراء الفساد في جميع إدارات الدولة وأجهزتها والعجز عن إزالة او معالجة أسبابه وتداعياته حتى بات الفساد ثقافة سائدة وطريقة حياة معترف بها رسمياً وأهلياً .
شيوع الصراعات الطائفية والمذهبية في البلاد ما سهّل التدخلات الخارجية وأوهَن الوحدة الوطنية وتسّبب بإندلاع فتن أهلية.
رافق هذه الصعوبات وأعقبها صعود ايران كدولة إقليمية قوية ونجاحها في التصدي للولايات المتحدة والحدّ من قدرتها على التحكم بسياسات دول غرب آسيا من شواطيْ البحر الأسود غرباً الى اعالي جبال باكستان شرقاً الأمر الذي أضعف نفوذ اميركا في الدول العربية المحيطة بإسرائيل من جهة وعزّز من جهة اخرى الإتجاه الداعي الى اغتنام فرصة صمود ايران المعادية لإسرائيل والقادرة على مواجهة راعيتها الاميركية للحدّ من ضغوطها وتوسعها في دول المشرق العربي .
في ضؤ هذه الواقعات والتطورات والتحوّلات يدعو الإصلاحيون ودعاة حملة التعبئة لإزاحة نظام التسلّط والفساد الى إغتنام الفرصة المتاحة بوجود مقاومة لبنانية منظّمة وقوية وفاعلة في وجه اسرائيل من جهة ، ووجود دولة إقليمية قوية كإيران قادرة على مواجهة اسرائيل وحاضنتها الأميركية من جهة اخرى وذلك بمباشرة حملة تجاوز للشبكة السياسية التي تدير نظام التسلّط والفساد في وقتٍ باتت فيه الولايات المتحدة أقل قدرة واستعداد لدعم تلك الشبكة السياسية المترهلة .
الى ذلك ، هناك أسئلة اخرى ملحّة حول عمّا يقتضي عمله للخروج من حال اللادولة التي يعانيها لبنان حالياً بسبب نظامه الطوائفي الفاسد وممانعة شبكاته الحاكمة المتعاقبة في تغييره او تطويره ما ادى الى إخفاق التكتلات البرلمانية المتنافسة في تكوين أكثرية فيما بينها قادرة على إتخاذ قرار وطني جامع وملزم . بعبارة اخرى ، لبنان أضحى سلطة بلا قرار . فهل يمكن تحرير الارض المحتلة من دون قرار وطني مشترك ؟
حال الأزمة المتفاقمة هذه تتيح في رأيي ، وفي رأي كُثر غيري ، فرصةً يجب إغتنامها للوفاء بحاجة مزمنة الى إصلاح جذري في نظام لبنان السياسي المترهل . الإصلاح المطلوب لا يتطلّب ثورة او انقلاباً عسكرياً بل يتلخّص بضرورة المبادرة الى تنفيذ أحكام الدستور . لبنان ، هو على الأرجح ، البلد الوحيد في العالم الذي لا يطبّق أحكام دستوره . حتى بعد تفاهم اميركا والسعودية وسوريا على عدم منع اكثرية النواب اللبنانيين المجتمعين في الطائف سنة 1989 من اعتماد إصلاحات ديمقراطية بسيطة بعد حرب أهلية دامت اكثر من 15 سنة لإدخالها في متن الدستور سنة 1990، بقي هذا الدستور المعدّل غير مطبّق حتى الآن .
ليس أمراً مستحيلاً في الوقت الحاضر على ما يبدو قيام التكتلات النيابية الوطنية الموالية والمعارِضة بإغتنام فرصة إنشغال الدول الكبرى عالمياً وإقليمياً بالحرب ضد ايران ، وإنشغال معظمها بمتاعب ومشاكل داخلية معقّدة ، نعم ليس مستحيلاً الإتفاق على تنفيذ احكام الدستور المعدّل الذي يتضمن معظم إصلاحات وثيقة الوفاق الوطني في الطائف ولا سيما المواد 22 و 24 و 95 منه التي تنصّ على الآتي :
إنتخاب مجلس نواب على اساس وطني لاطائفي .
إستحداث مجلس للشيوخ تتمثل فيه الطوائف وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية.
من شأن هذين الإصلاحين الجوهريين إتاحة المجال امام واحدة من التكتلات البرلمانية المختلطة نيل عددٍ من النواب اكثر من غيرها ما يتيح لها نسج إئتلاف واسع حولها من التكتلات الأخرى وسائر النواب المستقلين . بذلك يصبـح بـالإمكان تأليف حكومــة وطنية جامعة تستطيــع – وهذه هي المهمة الأهم ـــ إتخاذ قـرارات وطنية مشتركة لتحرير أرضنا التي يحتلها العدو بلا قيد ولا شرط ، مهما طال الزمن.
اذا تعذر حاليّاً إنجاز مطلب وضع الدستور المعدّل موضع التنفيذ فإنه يقتضي أن تبادر القوى الوطنية الحيّة بلا إبطاء الى عقد مؤتمر وطني جامع تشارك فيه جميع الأحزاب والهيئات والنقابات المعنية بالشأن العام كي تتقدم أثناءه ، حضورياً او بالبريد الالكتروني ، بإقتراحات وتوصيات يُصار الى إعتماد من بينها تلك التي لا تُواجَه بإعتراضات جوهرية من المشاركين ، أهمها :
وضع الدستور المعدل سنة 1990 بكل مواده موضع التنفيذ.
إعتماد خطة متكاملة لتسليح الجيش اللبناني من جميع المصادر المتاحة كي يصبح المؤسسة الوطنية الوحيدة المسؤولة عن حماية البلاد وأمنها القومي.
تعّهد قوى المقاومة بتسليم سلاحها للدولة حالما يصبح ثابتاً ومؤكداً إنسحاب قوات العدو الإسرائيلي الى ما وراء حدود لبنان مع فلسطين المحتلة المعترف بها دولياً بموجب اتفاق الهدنة المعقود بين لبنان واسرائيل سنة 1949.
إنشاء المجلس الأعلى للإعمار والإنماء ، والمباشرة بأعمال الإعمار بلا إبطاء بالأموال المتوافرة حالياً لدى الحكومة .
التمسك بضرورة إقتران انسحاب قوات الإحتلال الإسرائيلي بوقف الإعتداءات ، وإعادة الأسرى ، وعودة الأهالي النازحين الى بلداتهم وقراهم وبيوتهم .
بإعتماد هذه التوصيات يصبح تأليف حكومة وطنية جامعة لتنفيذ توصيات المؤتمر الوطني الجامع أمراً ممكناً وربما سهلاً .
مع العلم انه يبقى في وسع الحكومة الحالية او سواها خلال فترة إنعقاد المؤتمر الوطني الجامع او اثناء فترة تنفيذ توصياته المنوه بها آنفاً العمل مع الجهات الدولية المعنية لتأمين إنسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي والمواقع اللبنانية المحتلة شرط التقيّد بالموجبات المبيّنة أعلاه وأهمها وقف إطلاق النار ، ووقف الإعتداءات بكافة أشكالها ، وإعادة الأسرى ، وعودة الأهالي النازحين الى بلداتهم وقراهم وبيوتهم.
آن الأوان لتتحمل القوى الوطنية الحيّة مسؤولياتها الأخلاقية والسياسية امام شعبها، فتبادر بلا إبطاء الى القيام بما تستطيع القيام به من مبادرات وتحركات وإصلاحات دستورية وسياسية مستحقة شاءت القوى الخارجية الخبيثة ام أبت .
[email protected]










