
الدكتور فيصل أبو فخر لـ حرمون: الطب رسالة إنسانية تمنح الأمل.. والتكنولوجيا تعزز دقة الشفاء
في محراب الطب، تتداخل العلوم مع المشاعر الإنسانية النبيلة، لتصبح مهنة الطب رسالةً مقدسة تمنح الأمل وتعيد صياغة الحياة. ومن هذه الرؤية العميقة، تسعد منصة حرمون باستضافة قامة طبية سورية متميزة جمعت بين الخبرة الأكاديمية الدولية والممارسة الميدانية الواسعة؛ الدكتور فيصل أديب أبوفخر، استشاري طب وجراحة العيون.
نبحر معه في هذا الحوار الشائق من البدايات ونشأته في بيئة القرية البسيطة التي زرعت فيه رغبة تخفيف آلام الناس، وصولاً إلى رحلته العلمية في رومانيا ومحطاته المهنية في سورية، والسعودية، وليبيا.
ولم يكتفِ ضيفنا بمداواة الأبصار، بل جعل من عيادته واحةً للمبادرات الخيرية والمجتمعية. نناقش معه كواليس تخصص طب العيون وتحدياته الراهنة، وكيف ساهمت ثورة الليزر والذكاء الاصطناعيّ في قفزات هذا المجال، مستلهمين من مسيرته نصائح ذهبية لحماية العيون، ورؤية حكيمة لاستعادة روابط الألفة والتلاحم بين أبناء الوطن”.
تنسيق وإعداد فادية الجرماني الحلبي
- ممكن تعريف زوار منصة حرمون إليكم؟
أنا الدكتور فيصل أديب أبوفخر، طبيب عيون سوري، درست الطب البشري في بوخارست برومانيا من عام 1980 وتخرّجت عام 1987، ثم تابعت اختصاصي في طب وجراحة العيون بمشفى العيون الجراحيّ في دمشق وتخرّجت عام 1993 وحصلت على البورد السوريّ في اختصاص العيون وجراحتها. اشتغلت في مشفى الدكتور زيد الشريطي الوطني في السويداء، كما تابعت العمل في عيادتي الخاصة، وشاركت في تأسيس المركز الحديث لطب العيون في السويداء مع عدة زملاء شغوفين بطب العيون وتقديم خدمة مرضى العيون وتخفيف معاناتهم بالذهاب لدمشق وتخفيف التكلفة ومشقة السفر. واشتغلت بعدد من العيادات والمبادرات الخيرية لخدمة المرضى، إضافة إلى عملي في السعودية وليبيا لعدة سنوات. أؤمن أن الطب ليس مهنة فقط، بل رسالة إنسانية وأخلاقية، وأن الكلمة الطيبة والاهتمام بالمريض قد يكونان أحياناً جزءاً من العلاج.
- ممكن العودة إلى البدايات والنشأة. كيف بدأت؟ ما أبرز العوائق خلالها؟ وكيف تخطيتها؟ ما أبرز ما تتذكره من مواقف جعلتك تكتشف نفسك وحفرت في وجدانك؟
نشأت في بيئة بسيطة وقريبة من الناس والطبيعة، وكانت الحياة في القرية مليئة بالتعاون والعلاقات الإنسانيّة الصادقة. منذ الصغر كنت أراقب معاناة المرضى عندما يضطرون للسفر لمسافات طويلة للحصول على العلاج، وربما كان لذلك أثر كبير في تكوين رغبتي بدراسة الطب. لم تكن الطريق سهلة، فقد واجهت صعوبات مادية وغربة الدراسة خارج الوطن، إضافة إلى تحديات العمل في بدايات الحياة المهنيّة، لكن الإصرار والدعم العائلي والثقة بأن العلم هو الطريق الحقيقي لبناء الإنسان ساعدني على الاستمرار.
من المواقف التي بقيت راسخة في ذاكرتي، لحظات استعادة المرضى لبصرهم بعد عمليّات ناجحة أو علاج طويل، فهذه اللحظات تجعل الطبيب يشعر بقيمة عمله الحقيقيّة، وتمنحه طاقة للاستمرار رغم التعب والضغوط.
- اخترت الطب تخصصاً علمياً؟ لماذا اخترت هذا الميدان؟ كيف تقيّم تجربتك؟ هل ندمت على اختيارك؟ ولو توفرت ظروف التغيير إلى ماذا تغير؟
اخترت الطب لأنني كنت أرى فيه مزيجاً بين العلم والإنسانية. الطبيب لا يعالج الجسد فقط، بل يخفف الخوف والألم ويمنح الأمل أيضاً. أما اختيار طب العيون تحديداً، فكان بسبب الدقة الكبيرة في هذا الاختصاص وتأثيره المباشر على حياة الإنسان، فالبصر نعمة عظيمة، واستعادة جزء منه أو الحفاظ عليه أمر يحمل قيمة إنسانية كبيرة.
أقيّم تجربتي بإيجابية كبيرة رغم كل التحديات. المهنة متعبة ومسؤوليتها كبيرة، لكنها منحتني خبرات إنسانيّة وعلمية عميقة. لم أندم يوماً على اختيار الطب، وحتى لو عاد الزمن ربما كنت سأختار المجال نفسه، لأن علاقتي بالمهنة أصبحت جزءاً من شخصيتي.
- مَن وقف بجانبك وله فضل في تحقيق نجاحك، برأيك؟ وبماذا تتوجه إليه؟
الفضل بعد الله يعود إلى عائلتي؛ والدي ووالدتي، رحمهما الله، اللذين دعماني مادياً ومعنوياً لحبهما للعلم، ولزوجتي التي صبرت معي بفترة الاختصاص والتي دعمتني في مختلف مراحل حياتي، وإلى أساتذتي الذين تعلمت منهم العلم والانضباط المهني، وكذلك إلى المرضى الذين منحوني ثقتهم. النجاح لا يتحقّق بشكل فردي، بل هو نتيجة تراكم دعم وتجارب وعلاقات إنسانيّة.
وأتوجّه لكل من وقف إلى جانبي بالشكر والامتنان، لأن الإنسان لا يستطيع أن يكمل طريقه وحده مهما كان قوياً.
من رومانيا إلى جراحة العيون: محطات في مسيرة العطاء والوفاء العلمي
- في أي عام التحقت بكلية الطب ومتى تخرّجت منها؟ برأيك ما هي العوائق التي يواجهها الطالب الجامعي والمتخرج الجديد؟
التحقت بكلية الطب في رومانيا في عام 1980، وتخرجت عام 1987. في ذلك الوقت كانت الدراسة تحتاج إلى صبر واجتهاد وانضباط كبير، خاصة بالنسبة للطلاب المغتربين بلغة جديدة ومجتمع جديد.
أما اليوم، فأبرز العوائق التي تواجه الطالب الجامعيّ والمتخرج الجديد هي الضغوط الاقتصادية، وصعوبة إيجاد فرص التدريب الجيدة، والتطوّر السريع في العلوم الطبية الذي يفرض على الطبيب التعلم المستمر، كما أن بعض الشباب يصطدمون بالفارق بين الدراسة النظرية وواقع العمل الطبي.
شغف التخصص وتحديات الواقع الطبي بين الأمس واليوم
- كيف كانت فترة التخصص بطب العيون وانطلقت إلى العمل؟ لماذا اخترت تخصص طب العيون؟ وهل وجدت انطباقاً بين رغبتكم وواقع المجال؟
فترة التخصّص كانت مليئة بالتعب والعمل الطويل، لكنها كانت أيضاً مرحلة مهمة لصقل الخبرة. طب العيون يحتاج إلى دقة وصبر ومتابعة مستمرة للتطورات العلمية والتقنية.
اخترت هذا الاختصاص لأنه يجمع بين الجراحة الدقيقة والتشخيص السريريّ، كما أن نتائجه العلاجية في كثير من الحالات تكون واضحة وسريعة، وهذا يمنح الطبيب شعوراً بالرضى.
وجدت أن الواقع أصعب مما كنت أتخيّل من حيث ضغط العمل والمسؤولية، لكنني وجدت أيضاً أن هذا المجال واسع ومتجدد ويحمل تطوراً مستمراً.
- لماذا ازدادت كلفة العلاج في الفترة الأخيرة في سورية؟ وهل الكلفة بقدرة المواطن، أم أنها فقط للأثرياء؟
ارتفاع كلفة العلاج يعود إلى عدة أسباب، منها ارتفاع أسعار الأجهزة الطبية والأدوية والمواد المستوردة، إضافة إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التي أثرت على مختلف القطاعات.
للأسف، أصبحت بعض الإجراءات العلاجيّة تشكل عبئاً على المريض، خاصة في ظل تراجع القدرة الشرائية. ومع ذلك ما يزال هناك أطباء ومراكز تحاول تقديم خدمات إنسانية وتخفيض التكاليف قدر الإمكان، لكن القطاع الصحي يحتاج إلى دعم أكبر حتى تصبح الخدمات الطبية متاحة بشكل أفضل للجميع.
- ما أبرز المحطات الطبية في مسيرة الدكتور فيصل؟ وما التكريمات التي استحققتها؟
من أبرز المحطات في مسيرتي العمل في المشفى الوطني في السويداء، والعمل لعدة سنوات في السعودية بعيادة الشركة العامة للكهرباء بجدة وبمشفى ينبع الوطني، وفي ليبيا بمشفى الثورة المركزي بالجبل الأخضر مدينة البيضاء وفي عيادة الهلال الأحمر الليبي بنفس المدينة، ومتابعة العمل في عيادتي الخاصة والمركز الحديث لطب العيون بالسويداء وخدمة المرضى في عدة عيادات خيرية بالسويداء.
كما عملت لفترة تتجاوز خمس سنوات رئيساً للجنة فحص الموظفين والسائقين، وكانت تجربة تحمل مسؤولية كبيرة وتتطلّب الدقة والحياد.
أما التكريم الحقيقي بالنسبة لي فهو محبة الناس وثقة المرضى، لأن الطبيب يقيس نجاحه بقدر ما يترك أثراً جيداً في حياة الآخرين.
- بماذا استفاد طب العيون من التقدم الإلكتروني والليزري والإشعاعي؟ وكيف تتوقع مستقبله؟
طب العيون من أكثر الاختصاصات التي استفادت من التطور التكنولوجي، لأن العين عضو دقيق جداً، وأي تقدم في وسائل التصوير أو الجراحة ينعكس مباشرة على دقة التشخيص والعلاج.
اليوم أصبحت عمليات كثيرة تجرى بالليزر أو بأجهزة دقيقة جداً مع نسب نجاح مرتفعة، كما ساهم الذكاء الاصطناعي وتقنيات التصوير الحديثة في الكشف المبكر عن أمراض الشبكية والزرق وغيرها.
أتوقع أن يشهد هذا المجال تطوراً أكبر خلال السنوات القادمة، خاصة في مجال التشخيص المبكر والعلاج الجيني والاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي.
- ما هي أبرز إصابات العين في سورية والإمارات والسعودية مع تباين في المناخ بينها؟ وماذا تنصحون متابعينا لتلافي الإصابات المرضية بالعين؟
تختلف المشكلات العينية من بلد إلى آخر بحسب المناخ وطبيعة الحياة والعمل. ففي المناطق الجافة والحارة تكثر حالات جفاف العين والحساسيات، بينما ترتبط بعض الإصابات في البيئات الصناعية أو المزدحمة بالحوادث والإصابات المهنية.
كما أن أمراض السكري وارتفاع الضغط أصبحت من الأسباب المهمة لمشكلات الشبكية وضعف البصر في مختلف الدول العربية.
أما النصائح الأهم فهي: الفحص الدوري للعين، وضبط السكري والضغط، وتجنب الاستخدام المفرط للشاشات دون راحة، وارتداء النظارات الواقية عند الحاجة، وعدم إهمال أي عرض مفاجئ مثل ضعف النظر أو الألم أو الاحمرار الشديد، والمتابعة المستمرة في حال وجود مرض مزمن مثل السكري والزرق.
- عملت في مجالك الطبي في سورية والسعودية والإمارات، ما الفروق التي لاحظتها بين واقع الدول العربية الثلاث؟ وهل يوجد تقارب في المستوى العلمي التخصصي بين الدول الثلاث؟
لكل بلد ظروفه وإمكاناته، لكنني أرى أن الطبيب العربي يمتلك كفاءة علمية جيدة عندما تتوفر له بيئة العمل المناسبة والتجهيزات الحديثة.
هناك فروق تتعلق بالإمكانات التقنية والتنظيم الإداري والقدرة على تحديث الأجهزة والتجهيزات، لكن المستوى العلمي للأطباء في العالم العربي متقارب إلى حد كبير، خاصة لدى الأطباء الذين يواكبون التطورات العلمية ويهتمون بالتدريب المستمر.
مستقبل طب العيون في عصر الليزر والذكاء الاصطناعي
- من عملكم تدريب الاطباء وإعدادهم، كيف ترى مستوى إقبال الشباب على الطب، وبخاصة طب العيون، وهل هناك تفاوت بين الذكور والإناث؟ وهل تتوقع أن يحل الروبوت مستقبلاً محل التدخل البشري في الفحوص والعمليات العينية؟
ما يزال الطب من الاختصاصات التي تجذب الشباب، وطب العيون تحديداً يحظى باهتمام كبير بسبب تطوره التقني ونتائجه الجيدة. كما أن حضور الطبيبات في هذا المجال أصبح واضحاً ومميزاً.
أما بالنسبة للروبوت والذكاء الاصطناعي، فأعتقد أنهما سيقدمان مساعدة كبيرة للطبيب في التشخيص والجراحة، لكن لا يمكن أن يحلا بالكامل مكان الإنسان، لأن الطب يحتاج إلى خبرة وحس إنساني وتقدير للحالات لا تستطيع الآلة وحدها القيام به.
- ما هي التي تميز شخصيتكم؟ وكيف نميتها ورعيتها إلى جانب الدراسة والتخصص؟ وهل تتضارب مع عملكم؟
أحاول دائماً أن أتمسك بالهدوء والصبر واحترام الناس، لأن الطبيب يتعامل مع حالات إنسانية حساسة ويحتاج إلى القدرة على الاستماع والتفهم.
كما أهتم بالقراءة والمتابعة العلمية المستمرة، إضافة إلى الاهتمام بالثقافة العامة والحياة الاجتماعية. أعتقد أن الطبيب الناجح لا يعيش داخل حدود المهنة فقط، بل يحتاج إلى رؤية أوسع للحياة والإنسان.
رؤية حول استعادة الألفة السورية ورسالة ملهمة لشباب الغد
- بعد الذي حصل خلال صيف 2025، برأيك كيف يستعيد السوريون روابط الألفة بينهم؟
الشعوب التي عاشت معاً لعقود طويلة قادرة على استعادة روابطها عندما يسود الحوار والعقل والاحترام المتبادل. السوريون يحتاجون اليوم إلى التمسك بالقيم الإنسانية المشتركة، والابتعاد عن خطاب الكراهية والانقسام، لأن ما يجمعهم أكبر بكثير مما يفرقهم.
إعادة بناء الثقة تحتاج إلى وقت، لكنها تبدأ من التفاصيل الصغيرة: احترام الآخر، والتعاون، والشعور بأن مستقبل البلاد مسؤولية مشتركة.
- كلمة أخيرة ترغبون بتوجيهها عبر منصة حرمون؟
أشكر منصة حرمون على هذه المبادرة الثقافية والإنسانية الجميلة، وأتمنى أن تبقى المنصات الإعلامية جسوراً للحوار والمعرفة.
رسالتي للشباب أن يتمسكوا بالعلم والأخلاق والصبر، لأن النجاح الحقيقي لا يأتي بسرعة، بل يحتاج إلى تعب وإصرار واستمرار في التعلم.
كما أتمنى الخير والسلام لسوريا ولكل الشعوب العربية، وأن تبقى الإنسانية فوق كل الخلافات. كل الشكر والتقدير والاحترام لمنصة حرمون على ما تقدمه من ثقافة وعلوم.
للانضمام إلى خدمة حرمون 1 واتس:
https://chat.whatsapp.com/HQi7bkJTOGGLYmdqUsKYOB







