المدرّبة افتكار العرموني لـ حرمون : من عتمة القيود إلى نور المعرفة.. رحلة في هندسة الذات وبناء جسور المحبة

بين طفولةٍ ارتحلت خلف الأمان، وحلمٍ تأجل خلف أسوار المجتمع، ولدت قصة إرادة لم تعترف يوماً بكلمة مستحيل. ضيفتنا في هذا الحوار سيدة لم تكتفِ بنيل الشهادات، بل أعادت برمجة حياتها لتصنع من الألم جسراً، ومن التجربة علماً. حاولت الإجابة على سؤال “كيف يمكن للمرأة أن تتحول من ضحية للظروف إلى قائدة لذاتها ومجتمعها؟ وما هو دور الوعي والبرمجة اللغوية العصبية في ترميم الروح وبناء المستقبل؟ هي قصة “مكوك” لم يهدأ بين تربية الأبناء وشغف التعلم.. سيّدة آمنت أن مخاض الحلم لا يقل قدسية عن مخاض الولادة.

في حوارنا اليوم، نبحر في رحلة الأستاذة افتكار العرموني؛ من مقاعد الدراسة الذاتية وصولاً إلى تأسيس “جمعية جسر المحبة”. لذا نرحّب في منصة حرمون بالأستاذة افتكار، ابنة السويداء التي أثبتت أن “العلم نور لا ينطفئ، وأن نضج المرأة هو البداية الحقيقية لكل تغيير.” ويسعدنا أن نستضيفها لنحاورها في فلسفة القوة، وكيفية تحويل العوائق إلى دروس، والكلمات السلبية إلى طاقة بناء، وصولاً إلى رؤيتها في العمل التطوعي والنهضة الفكرة.

حوارٌ شيق غنيّ يغوص في قضايا الزواج المبكر، التمكين الاقتصادي، وإحياء مئوية الثورة السورية الكبرى بمنظورٍ نهضوي حديث.

 

إعداد وتنسيق وحوار فادية الجرماني الحلبي

1- ممكن تعريف زوار منصة حرمون إليكم؟

أتقدم بالشكر لمنصة “حرمون” الموقرة، ممثلةً بالسيدة فادية الجرماني، على إتاحة هذه الفرصة لأكون من رواد هذه المنصة. أنا افتكار العرموني، من محافظة السويداء – مدينة شهبا، مواليد دمشق 1961.

 

2- ممكن العودة إلى البدايات والنشأة. كيف بدأت؟ ما أبرز العوائق خلالها؟ وكيف تخطيتها؟ ما أبرز ما تتذكرينه من مواقف جعلتك تكتشفين نفسك وحفرت في وجدانك؟

كانت طفولتي مليئة بالتنقل والسفر، حيث رافقت والدتي إلى الكويت بسبب عمل والدي. لم يطل الاستقرار هناك، فبعد ست سنوات عدنا إلى أرض الوطن برفقة والدتي وإخوتي الأربعة. كان استقراراً مؤقتاً نبحث فيه عن الأمان، إلى أن وجدناه بجوار أخوالي الذين مثلوا مرساة حقيقية في حياتنا. كانت العوائق جزءاً من مسيرتنا، لكنها كانت دروساً أكثر منها عثرات. عشنا ببراءة الطفولة دون انشغال مفرط بالمستقبل، وتعلّمنا أن نعيش اللحظة ونستقي منها العبر. هذا الإدراك كان بحد ذاته قوة للاستمرار.

 

3- هل واجهتِ تحديات في طريق تطوير نفسكِ؟ وكيف تغلّبتِ عليها؟ كيف أثّر الزواج المبكر في مسار حياتكِ وطموحاتكِ التعليمية؟ هل تنصحين به بنات اليوم؟

أنهيت دراستي الابتدائية والإعدادية في مدارس دمشق، وكنت كغيري من الفتيات الطامحات للعلم، لكن واقع المجتمع آنذاك، وما يحمله من قيود، غيّر مسار الكثيرات، وكان الزواج المبكر أحد أبرز تلك التحديات. ورغم ذلك، بقي حلم العلم كـ “فانوس” يضيء الطريق وينتظر الوقت المناسب. وبناءً على تجربتي، لا أنصح الفتيات اليوم بالزواج المبكر؛ فهو غالباً ما يكون قيداً يحدُّ من وعي الفتاة وتطورها. الفتاة المتعلمة والمنتجة هي من تمتلك قرارها، وهذا ما قد يثير قلق بعض أنماط التفكير التقليدية. كما أن فارق العمر الكبير بين الفتاة والشاب هو من الموروثات التي تحتاج إلى إعادة نظر جذرية.

 

4- ما الذي دفعكِ للإصرار على نيل شهادة البكالوريا رغم الدراسة الذاتية القصيرة؟ ووصفتِ حصولكِ على الشهادة بأنه أشبه بالمعجزة، ماذا تعني لكِ تلك اللحظة اليوم؟

إصراري على نيل شهادة البكالوريا، رغم قصر فترة الدراسة الذاتية، كان تحدياً حقيقياً. وقد وصفتُ تلك اللحظة بأنها “أشبه بالمعجزة” لأنها لم تكن مجرد شهادة أكاديمية، بل كانت انتصاراً على الظروف الصعبة. تعني لي تلك اللحظة اليوم أن الحياة تُؤخذ بالإرادة والتحدي، وأن ما نؤمن به نستطيع تحقيقه مهما تأخر الوقت.

 

5- كيف وازنتِ بين دوركِ كأم لثلاثة أبناء وبين شغفكِ بالتجديد والتعلم؟

كانت الشرارة الأولى تنطلق من سؤال داخلي عميق: “لماذا هو طبيب وأنا لا؟”. كنتُ أُقاسم الليل للدراسة، وأمنح النهار لأبنائي وحياتي الزوجية بكل شفافية. في فترة امتحانات أبنائي، كنت كـ “مكوك الحائك”، أتنقل بينهم في التسميع والشرح. كانت من أجمل المراحل رغم التعب المستتر، لأنها جمعت بين العطاء والتعلم في آنٍ واحد.

 

6- عندما قررتِ دخول الجامعة اللبنانية لدراسة علم الاجتماع، ماذا كان الدافع الداخلي وراء هذا القرار؟

دخلي الجامعة اللبنانية لدراسة علم الاجتماع نبع من إيماني بأن المرأة المتعلمة هي امرأة واثقة وقادرة على اتخاذ القرار. أن تختار المرأة طريقها هو خروج عن القيود التي يرسمها المجتمع الأبوي. أنا أؤمن أن المرأة التي تتحمل “مخاض الولادة”، قادرة أيضاً على خوض مخاض آخر، وهو ولادة حلمها وعلمها من جديد.

 

7- تجربة الانفصال محطة صعبة في حياة أي امرأة، ما أهم درس خرجتِ به منها؟

المرأة تبحث دائماً عن الأمان والمحبة، وعندما يغيب أحد أعمدة الحياة الزوجية، يبدأ ما أسميه “الطلاق النفسي” والبعد الروحي، وهنا قد يكون الانفصال هو الخيار الأقل ألما. الطلاق سلاح ذو حدين، لكن السؤال الأعمق: لماذا تخرج المرأة بعد سنوات طويلة من العطاء دون إنصاف؟ هل هو بسبب غياب القانون؟ أم غياب الخطاب العادل الذي ينصفها؟ هذه تساؤلات ما زالت بحاجة لإجابات صادقة.

 

8- كيف استطعتِ تحويل الألم إلى قوة دافعة لبداية جديدة؟

القوة تبدأ من مواجهة الخوف، سواء كان خوفاً من الماضي أو الحاضر. عندما نحلل تجاربنا ونعرف نقاط ضعفنا، نستطيع تحويل ذلك الخوف إلى طاقة دافعة للبدايات الجديدة.

 

9- ما معنى “القيادة الذاتية” بالنسبة لكِ بعد كل ما مررتِ به؟ وكيف تنظرين إلى دور الوعي في تغيير المفاهيم الاجتماعية حول المرأة؟

القيادة الذاتية بالنسبة لي هي أن أضع خططاً للمستقبل، وأن أثبت لنفسي قبل الآخرين أنني قادرة، وأن أخلق فرصاً جديدة للنهوض بثقة.

 

10- كيف تنظرين إلى دور الوعي في تغيير المفاهيم الاجتماعية حول المرأة؟

الوعي يعني: “أنا أعي.. إذن أنا موجود، وأنا متجدد”. هو استثمار للفكر والقيم، وتحويلها إلى سلوك وقوانين نربي عليها بناتنا. نحن من نصنع القوة، وتجارب الحياة أثبتت أن المرأة في الحرب تكون هي الحامية، وفي السلم تكون الداعمة والمجددة، والتصالح مع الذات هو بداية النضج الحقيقي.

 

11- ما رسالتك لكل امرأة تشعر أن الظروف أقوى من أحلامها؟

عندما تقولين “أنا أستطيع”، فأنتِ ترسلين رسالة مباشرة لعقلك الباطن ليبدأ بابتكار الحلول. لا تكتفي بالحلم، بل اكتبي أهدافكِ، وحددي معوقاتكِ، واعملي على تجاوزها خطوة بخطوة. الإيمان بالقدرة يصنع الطريق، ولا تجعلي انتظار المساعدة شرطاً للبدء.. ابدئي بنفسكِ.

 

12- ما الذي جذبكِ إلى عالم البرمجة اللغوية العصبية؟ وكيف ساعدكِ هذا العلم على التصالح مع الماضي؟ برأيكِ، ما أثر الكلمات السلبية في تشكيل شخصية الإنسان؟

الشغف والنضج قاداني إلى هذا العلم؛ شغف البحث والغوص في زوايا العقل لاكتشاف الحقائق. في البرمجة اللغوية العصبية (NLP)  لا نبدأ بالعلاج، بل بالبحث عن السبب. هذا الفهم ساعدني على قراءة الماضي لا كعبء، بل كدرس، وعلى إعادة تفسير التجارب بطريقة تمنحني السلام والتصالح. الكلمات السلبية تترك بصمة عميقة، خاصة في الطفولة التي تعد المرحلة الأهم في بناء الشخصية. السنوات الخمس الأولى تصنع التوازن النفسي؛ فحين يتعلم الطفل محبة ذاته وتُحتضن قدراته ويُتقبل شكله واختلافه، يكبر بشخصية سوية. أما في بيئة سلبية أو تقليدية قاسية، فقد تتشكل نسخة مشوهة يظهر فيها الإنسان إما انطوائياً أو انفعالياً. لذلك، الكلمة مسؤولية.. فهي إما أن تبني إنساناً أو تهدمه.

 

13- كيف يمكن للإنسان إعادة برمجة أفكاره ليعيش بوعي أعلى؟

  1. أولاً: فصل الماضي بكل ما فيه، والنظر إليه كخبرة لا كقيد.
  2. ثانياً: استثمار الحاضر بوعي ودراسة.
  3. ثالثاً: استبدال المعتقدات السلبية بتوكيدات إيجابية.
  4. رابعاً: استخدام التصور العاطفي للأهداف وكأنها تحققت فعلاً.
  5. خامساً: مراقبة الأفكار وتحليل ما يناسبنا منها، وبالنهاية الامتنان للذات قبل الآخرين.

 

14- تعلمتِ الرسم على القماش وإعطاء الحقن من منطلق الحاجة والمسؤولية، ماذا تمثل لكِ هذه التجارب؟

تعلمت الرسم على القماش وإعطاء الحقن من منطلق الحاجة والمسؤولية، وهذه التجارب تمثل لي الشغف والتجديد. الحاجة قد تدفعنا لعمل مؤقت، لكن التطور هو العمل المستدام. تعلمت أن الحياة جميلة عندما نصنع نحن أجواءها ونستحقها. النجاح ليس هدفاً فقط، بل هو طريق للتشافي والتصالح والسعادة.

 

15- ما المشروع أو الحلم الذي تسعين لتحقيقه؟وما حلمك اليوم؟

حلمي اليوم يتأرجح بين واقع أبنائي في الاغتراب، حيث يبحثون عن الأمان، وبين وطني المبعثر. لذلك، أبحث عن “برمجة جديدة للحلم” تجمع بين الأمان والانتماء.

 

16- كيف وُلدت فكرة تأسيس “جمعية جسر المحبة”؟ ولماذا هذا الاسم؟

ولدت فكرة تأسيس “جمعية جسر المحبة” من رحم الظروف القاسية التي مرّ بها أهلنا في السويداء. بدأت الفكرة بلقاء جمعني مع سيدات مؤمنات بالعمل التطوعي، واتفقنا على تحويل الألم إلى فعل. أما الاسم، فهو تعبير عن إيماني بأن المحبة هي ما يجمعنا رغم اختلافاتنا، وهي الجسر الذي نعبر به فوق الصعاب نحو الأمل.

 

17- ما الرؤية الأساسية التي انطلقتِ منها في عمل الجمعية؟

تقوم رؤية الجمعية على إعادة بناء فكر المرأة وتمكينها من النهوض من جديد، ومساعدتها على تحقيق الاستقلال المادي والعيش الكريم، خاصة للفئات المهمشة. نعمل من خلال:

  • دورات تدريبية تنموية وتوعوية ومهنية.
  • دعم تعليم أبناء المطلقات والأرامل والمهجّرات بالتعاون مع أساتذة متطوعين.
  • تقديم استشارات طبية مجانية بالتعاون مع أطباء مختصين، وتأمين الأدوية قدر الإمكان.
  • دعم إنساني ميداني (حليب، حفاضات، ملابس) بناءً على دراسات دقيقة.

 

18- مع حلول العام 2025 حلّت مئوية الثورة السورية الكبرى، وكانت منصة حرمون أطلقت 3 لقاءات علمية حول المئوية،، ماذا ترين في مناسبة المئوية وكيف يمكن الاحتفاء بها بما يليق وتطويرها؟

مع حلول عام 2025، ومئوية الثورة السورية الكبرى، أرى أن الاحتفاء الحقيقي لا يكفي أن يكون رمزياً، بل يجب تحويله إلى فعل حيّ. المئوية يجب أن تكون بوابة لنهضة جديدة عبر:

  • إطلاق مشاريع تعليمية جامعية تضمن للشباب فرص التعلم والعمل.
  • استقطاب المغتربين للاستثمار ونقل الخبرات.
  • إدخال تعليم البرمجة والتكنولوجيا كجزء أساسي من بناء المستقبل.
  • إجراء دراسات موضوعية لتفكيك الواقع والوصول لحلول حقيقية بعيداً عن العاطفة.

 

19- ينشط مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون، في السويداء، بندوات ورعاية إصدارات كتب مشتركة وأبحاث وموسوعات، إحياء لمئوية الثورة منذ سنتين. ما تعليقك؟

الاهتمام بالبحث العلمي وإصدار الكتب (كما في مركز سميح للتنمية) خطوة أساسية لبناء الوعي، لكن ينبغي ألا يظل الجهد نظرياً، بل يجب أن يتحول إلى منظومة تؤثر في الواقع. نحن بحاجة لعقلية تشبه عقلية ابن رشد وابن سينا؛ عقلية لا تكتفي بتوثيق الماضي، بل تفكك الحاضر وتبني المستقبل.

 

20- كلمة أخيرة ترغبين بتوجيهها عبر منصة حرمون؟

أتقدم بجزيل الشكر والامتنان لمنصة “حرمون”، ممثلةً بالسيدة فادية الجرماني، على هذه المساحة الراقية للحوار، وعلى جهودها في نشر الوعي. دمتم منارةً مشرقة ومنبراً يحمل الكلمة المسؤولة نحو مستقبل أفضل. شكري محمل بالامتنان لكم على هذه المساحة الصادقة التي أتاحت لي مشاركة جزء من رحلتي، فلكم مني كل التقدير.

       روابط صفحات وقنوات حرمون في مواقع التواصل الاجتماعي:         

 رابط صفحة حرمون في فيسبوك:

https://www.facebook.com/Haramoonplatform   

قناة حرمون في واتس:

https://whatsapp.com/channel/0029VbB7xwMGk1FxwxLeLZ0Z

مجموعة حرمون في واتس:

https://chat.whatsapp.com/BAH6v2du3s3BgXoZoV8ViH     

https://chat.whatsapp.com/HQi7bkJTOGGLYmdqUsKYOB

حساب حرمون في إنستا:

https://www.instagram.com/haramoon.dxn/

حساب حرمون في منصة إكس:

https://x.com/Haramoon2008

قناة حرمون في تلغرام:

https://t.me/haramoon2009

قناة حرمون في يوتيوب:

https://www.youtube.com/@haramoonplatform

صفحة حرمون في لينكدإن:

https://www.linkedin.com/in/haramoonplatform/