
الإعلامية فادية الجرماني الحلبي
محررة ومنسقة حوارات ومقابلات في منصة حرمون
كبرنا ونحن نراك يا لبنان، وأرضك تُهدَم أمام أعيننا، وتقدّم شهداءك واحدًا تلو الآخر، والدم يسيل في طرقاتك كنهرٍ جارٍ أو كشلالٍ لا يتوقف. وعينا على هذه الدنيا ونحن نشاهدك من خلف شاشة التلفاز، بيوتك تتهاوى، وحجارتك تتساقط كالمطر، ومئات الشهداء تحت الركام بلا أنفاس، بلا نبض، بلا دقّات قلب.
كنّا نسمع اسم الجنوب، فنقف ونغنّي بكل قوتنا:
“هاي إلنا يا جنوب… هاي إلنا يا جنوب”،
وعيوننا تدمع، وقلوبنا تتوجّع لرؤيتك يا لبنان تتوجع، تُهدَم، وتتألم ولا تنكسر.
كبرنا، وكبرت فينا الوطنية، وبقيت لحظات الطفولة محفورة في ذاكرتنا؛ لحظات الألم والخوف كلما رأينا أرضك تُقصف. مرّت الأيام، وجاء النصر، فعاد لبنان أقوى، واستعادت أرضه عافيتها، محميّة بأبطاله والمناضلين الأحرار. كبر فينا الأمل، وقلنا إن لبنان وطنٌ لا يُكسَر ولا يُهزم. كلّ أمٍّ فقدت ولدها، وكلّ طفلٍ فقد أهله، سيكبر ليبني الأمل من جديد، وليحوّل الوجع قوةً للحياة.
رفع لبنان علمه عاليًا، وكان الصمود مكتوبًا على جبين كل لبناني. لكن الأيام دارت، وعاد الوجع يتكرّر. كبرنا، وعدنا نعيش المشهد ذاته.
إلى أن سكنتُ فيك يا لبنان، ورأيتُ أراضيك بعيني، وشممتُ هواءك، وأرزك يعطّر سماءك. شعرتُ أن كل زاويةٍ فيك تشبه أرض أهلي في سوريتي؛ رائحة التراب نفسها، الوجع نفسه، الألم نفسه. كنا نشمّ ترابك ونحن بعيدون، لكن حين اقتربنا منك، صار الوجع أعمق… وأصدق.
مرّت الأيام، واشتعل قلبي حبًّا لك يا لبنان، وأحببتُ شعبك الطيب الذي يشبه أهلي هناك. لكن الألم بدأ من جديد، والحرب عادت تهدّ حجارتك وحديدك، وتكسر أرزك مرةً أخرى. عاد العدوان لا يكلّ ولا يملّ.
كنتُ أراك على شاشة التلفاز فأبكي، أما اليوم فأراك بعينيّ اللتين لا تنامان. أسمع صوتك وأنت تنزف، أسمع انهيار المباني، وصراخ الأطفال تحت الأنقاض، وآخر أنفاس الشهداء. الحقيقة حين تُعاش أقسى من أن تُشاهَد. لو بقيتُ أراك من خلف الشاشات لكان الوجع أقل، ولو لم أشمّ ترابك الذي يشبه تراب سوريتي، لما أدركتُ أن أرضك يا لبنان هي امتدادٌ لأرضي، وأن وجعك هو وجعي.
لكنني رغم كل شيء، أؤمن أنك ستنهض.
ستقوم من جديد، كما فعلت دائمًا.
شعبك، مقاومتك، أرضك، وأطفالك… سيعيدون بناءك حجرًا حجرًا.
وسنقف يدًا بيد، قلبًا بقلب، لنكتب فجرًا جديدًا لا يشبه كل هذا الألم.


