
مأمون ملاعب
هي سابقة أن تستنجد الولايات المتحدة بالحلفاء ولا تجدهم، خصوصاً الأوروبيين، وأن لا تستطيع الصهيونية العالمية تحريك الأتباع. سابقاً في الكويت وأفغانستان والعراق شكلت الولايات المتحدة تحالفات كبيرة. في المؤامرات على سورية وليبيا اشترك السادة والأتباع وغطسوا في مستنقع الخبث والخديعة وفي حمامات الدم. اليوم ينادي ترامب وحتى الأطلسي لا يلبي بينما دول الخليج بلعت السنتها. بالأمس حاول نتنياهو إهانة الأوروبيين معايراً بعجزهم..
النفوذ اليهودي متجذّر في اوروبا منذ ما قبل قيام الحركة الصهيونية. وحين كانت بريطانيا بالتحالف مع فرنسا مركز القرار الأساسي العالمي حصل اليهود على كل ما يريدون : تقسيم سورية دويلات ضعيفة مأزومة. تقسيم الجزيرة العربية، وعد بلفور، تسهيل الهجرة اليهودية إلى فلسطين، تأمين الأرض وتسهيل اغتصابها من قبل العصابات اليهودية، قانون معاداة السامية وملاحقة كل من يخاصم مشروعهم… ثم انتقل ثقل القرار إلى الولايات المتحدة عشية انتهاء الحرب العالمية الثانية بعد أن تظلّلت أوروبا الغربية المهدّمة بالمظلة الأميركية وامتدّ النفوذ الأميركي إلى آسيا في اليابان والفلبيين وكوريا وبعد ذلك كل الشرق الاوسط. نما المشروع اليهودي المحتضن أميركياً فحقق نصراً كبيراً عام 1967 ومنع انتصاراً واضحاً للعرب عام 1973 ووقعت المنظمات الفلسطينية في حروب بالأردن ولبنان وكانت كامب ديفيد صناعة أميركية تلتها حروب وتفسخ المنطقة بالخطط الأميركية الصهيونية وصولاً إلى الاحتلال المباشر بتسميات أخلاقية وإلى السقوط في حضن التطبيع.
عوامل نجاح المشروع اليهودي تستند إلى السيطرة على مراكز القرار العالمي وإلى السردية الأخلاقية من خلال إعلام أكثره مدجّن: مظلومية الهلوكوست، الحق التاريخي في أرض الأجداد،، المفاهيم المسيحية المتهودة، الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق، جهل العرب وتخلفهم مقابل حضارة ورقي دولة اليهود، الديكتاتوريات العربية مقابل العدالة والحرية…
السابع من تشرين الأول 2024 كان الصاروخ الذي هدم قصر السرديات. بدأت مسيرة غزة على درب الجلجلة. شعب قبل المنظمات المقاتلة لا يستسلم أمام آلة القتل أو فظاعة الجريمة. عمّ الخراب والهدم، تراكمت الجثث، غصّت المستشفيات المهدمة بالجرحى، قتل المسعفون والصحافيون.. رائحة الدم غطت العالم، أصوات الأنين ملأت الأفق وصور الآلام تتزايد في مسيرة لا متناهية.. ترافق ذلك مع خطاب يهودي أصيل صادق غير مستتر بالرياء يمجد القتل والبغض والعنصرية يفوح بالحقد والكراهية والتعطش إلى الدم، يتكلل بالعنحهية والاستكبار. سقطت السردية الأخلاقية..
تأخر العالم كثيراً عن الرؤية لكنها حدثت. صحيح كانت اسبانيا متحررة من النفوذ اليهودي (منذ سقوط الإندلس) وكذلك أيرلندا، كنا نسمع هناك خطاباً جريئاً عاقلاً، لكننا اليوم نرى سقوط السردية اليهودية في فرنسا وبلجيكا وهولندا وحتى في كندا والولايات المتحدة. الناس هناك لا تريد التضحية من أجل إسرائيل. لذلك وقعت الحكومات بالتردد، تلبية اليهود أصبحت مكلفة ومن بقي في المسار مثل ترامب يجازف بمقعده.. إيران تدافع عن نفسها وتنتصر للحق.
كان الثمن فادحاً جداً، لكنه مع فداحته يبقى الخيار الوحيد لحفظ كرامة الإنسان ولأجيال قادمة بينما سهولة الهزيمة والاستسلام تحصد الخيبة والذل والعار لأصحابها والأجيال القادمة.
31 آذار 2026


