
مأمون ملاعب
أحاول عبثاً البحث عن المعنى. هل مَن يمتلك مقعداً دائماً في مجلس الأمن مع حق النقض يصنف: دولة عظمى؟ ما هي المعايير لذلك التصنيف ؟
مع بداية الهجوم الروسي على أوكرانيا علا صراخ الاستهحان والتنديد من دول كثيرة وأعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات على روسيا وليس بقرار من مجلس الأمن طبعاً وما لبث العالم حتى انصاع مع ما يلحق ذلك من ضرر بالمصالح الأوروبية. حتى الفيفا قرّرت التدخل بالسياسة وعاقبت روسيا بمنع منتخباتها وأنديتها من المشاركة في البطولات العالمية. روسيا تعتبر “دولة عظمى” وهي مصنفة الثانية عالمياً من حيث القوة العسكرية. بالمقابل قامت الولايات المتحدة بخطف رئيس فنزويلا من قصره بالقوة العسكرية في اعتداء على دولة ذات سيادة وعضو بالأمم المتحدة، مع ذلك لم نر فعل إدانة ولا صرخات استهجان ولم تكلف الفيفا نفسها بالنظر إلى الاعتداء. قبل ذلك هاجمت “إسرائيل” الجمهورية الإسلامية في إيران وقتلت العديد من قياداتها وشاركتها الولايات المتحدة الهجوم وأيضا لم يصدر لا شجب ولا إدانات. وحالياً ومنذ شهر قامت إسرائيل والولايات المتحدة بهجوم عسكري كبير على إيران قتلوا قائدها وارتكبوا مجازر بحق المدنيين وخصوصاً الأطفال بقصفهم مدرسة للبنات وقصفوا حتى الجامعات ومصافي تكرير النفط وتحلية المياه وبقي العالم أخرس!!!
الولايات المتحدة دولة عظمى، لا لأنها عضو دائم في مجلس الأمن يمتلك حق النقض بل لأنها موجودة في كل القارات حاضرة في معظم القرارات وموجودة عسكرياً في مئات القواعد وفي كل المحيطات تهاجم من تشاء دون رادع وموجودة في كل التجارات تفرض عملتها على كل الأسواق!!!
الصين صاحبة الاقتصاد الضخم المتوقع أن يكون الأول عالمياً في وقت قريب، لكن الصين ورغم حجمها الاقتصادي والبشري والجغرافي (الثاني) إلا أنها دولة من دون تأثير في مجرى السياسة العالمية وفي مجرى الأحداث. يقول البعض إنها تتحرك في الخفاء وباستراتيجية لكن ذلك شأن الخائف أيضاً. هي تتمسك بتايوان لكنها لم تحاول ضم الجزيرة المتمردة الواقعة على مسافة كيلومترات في بحر الصين محمية من الولايات المتحدة على بعد آلاف الأميال.
إذا كانت الصين لا تريد حرباً فهل الولايات المتحدة تريدها؟ ما حاجة الدول الاسكندينافية الى الدخول في الحلف الأطلسي غير تحدٍ لروسيا؟ بل ما حاجة بولندا ورومانيا وبلغاريا لذلك؟ كل الدول بما فيها “العظمى” هي من سلّمت رقابها للجزار. كلها وافقت أو على الأقل لم تعترض على التعامل بالدولار عملة التجارة خصوصاً البترول. ولم تعترض على هذا المد العسكري على أجزاء كبيرة من الكرة الأرضية. حين قررت أميركا ” تحرير الكويت” الفخ الخطير شكلت تحالفاً دولياً تجاوز الحلف الأطلسي ولم يواجهها الأتحاد السوفياتي حليف العراق ولا الصين وبعد ذلك أصبحت الجزيرة العربية جزيرة أميركية عسكرية، بعد أن كانت سياسية فقط. وحين قررت الولايات المتحدة اجتياح العراق وبدون قرار من مجلس الأمن اعترض بخجل كل من روسيا وفرنسا وألمانيا وما لبثت فرنسا حتى ندمت. وحين انهارت يوغوسلافيا حليف الاتحاد السوفياتي لم تنجد وبقيت صربيا في الميدان إلى أن اعتقل رئيسها وسبق الى المحاكمة. هذه كانت فرصة القطب الأوحد.
ما قيمة أن تكون دولة ما الاولى في الاقتصاد أو إذا كانت ثانية أو عاشرة؟ طالما ان الاقتصاد لا يصرف في السياسة، ولا يؤثر في مجرى الأحداث إلا إذا كانت هذه الدولة تريد النأي بالنفس حرصاً على مصالحها، في هذه الحال تكون دولة عادية وليست دولة عظمى.
السؤال الأخطر: هل “اسرائيل” دولة عظمى؟ هي دولة فوق القانون قامت بفعل الاغتصاب واعترف العالم بها!! ثم تمدّدت واحتلت ولم تعاقب او تُدَن! هي فوق أي شريعة او ميثاق او عرف، تقتل المدنيين تستبيح المحرمات ترتكب المحازر وتهين حتى المؤسسات الدولية ومنها اليونيفل ولا تدان على الاقل. فما السر؟ استولى اليهود على مراكز القرار في أوروبا ثم في الولايات المتحدة وسخروا أكبر قوى غاشمة لمصلحتهم وفرض سيادتهم على العالم!!!
الحرب الحالية تندرج في السياق نفسه. هي حرب من اليهود بأدوات أميركية وإسرائيلبة وعربية من اجل إلغاء أي تهديد وإزاحة أي عقبة في وجه مشروعهم الخطير: إقامة إسرائيل الكبرى.. الدول العربية لا تملك قرارها وهي كما وصف ترامب الكويت أو هي ضالعة بالمشروع مثل الإمارات وأوروبا غارقة في البحيرة الأميركية وفقدت دورها وأخصام أميركا يدعمون إيران بخجل او بالحد الأدنى مع أن الحرب هي الفرصة للتخلص من هيمنة الولايات المتحدة واليهود من ورائها وأدواتهم.
29 آذار 2026

