
في المرة الأخيرة التي شهد فيها العالم صدمة كبيرة في أسعار الطاقة والأسمدة ارتفعت أسعار المواد الغذائية، خصوصاً القمح، بشكل حاد. كان ذلك في عام 2022، وكان السبب وراء ذلك اشتعال الحرب الشاملة بين روسيا وأوكرانيا.
حينها ساد حديث متشائم عن أزمات غذائية طاحنة، حتى المؤيدون لروسيا وصفوا المجاعة بأنها سلاح، لكن وفرة من المحاصيل جاءت من نصف الكرة الجنوبي، ولم تتكرر قيود تصدير المنتجات الزراعية التي برزت خلال أزمة الغذاء في 2007 – 2008. لذلك انخفضت الأسعار، وانتهت بذلك حلقة أخرى من حلقات التشاؤم بشأن العولمة.
هذه المرة من المتوقع أن تكون صدمة الطاقة أكبر بكثير، ومع ذلك لم ترتفع الأسعار المستقبلية للسلع الغذائية، وحتى للعقود التي تنتهي صلاحيتها العام المقبل، إلا بشكل طفيف.
وصحيح أن العقود الآجلة للسلع هي أدوات سوقية تُستخدم للتحوط وليست مجرد توقعات لأسعار السوق الفورية المستقبلية، لكن حتى مع أخذ هذا التحفظ في الاعتبار فإن الأسعار تبقى هادئة بشكل ملحوظ.
أحد الأسباب الواضحة مقارنة بعام 2022 هو أن روسيا وأوكرانيا كانتا من كبار مصدري القمح، لكن السبب الآخر هو بالتأكيد المرونة والقدرة الكبرى على التكيف في إنتاج وتجارة الغذاء عالمياً.
وبعد سلسلة من الحوارات والنقاشات مع مسؤولين وخبراء اقتصاديين ومحللين في سوق السلع، إليكم بعض الأفكار حول سبب عدم تحرك أسعار العقود الآجلة للغذاء بشكل كبير.
– أولاً: على عكس عام 2008، عندما أدى ضعف المحاصيل وانخفاض مخزونات الغذاء إلى ارتفاع الأسعار بشكل سريع وفرض الحكومات قيوداً على الصادرات، شهدنا سلسلة من المحاصيل الجيدة التي أدت إلى تراكم كميات كبيرة من الحبوب في النظام.
كما أن الحكومات لديها إمكانية الوصول إلى منصات مثل نظام معلومات السوق الزراعية (AMIS)، لذا من غير المرجح أن تشعر بالذعر.
– ثانياً: غالباً ما يتم التقليل من شأن مدى تأثير ارتفاع الأسعار أو توقعها في تحفيز المزيد من الإنتاج. وهنا يقول ستيف ويغينز، من معهد التنمية الخارجية: «عندما شهدنا ارتفاعات في الأسعار مثلما حدث في عام 2008 وفي 2021 – 2022، خشي البعض من عدم استجابة العرض بشكل كافٍ، لكن في كلتا الحالتين حدث ذلك بالفعل».
ويضيف أنه حتى مع نقص توفر الأسمدة بأسعار معقولة، يستطيع المزارعون زراعة المزيد من الأراضي: «الشمس والمطر متوفران مجاناً تقريباً».
– ثالثاً: قد يكون تأثير نقص الأسمدة على موسم الزراعة الحالي في نصف الكرة الشمالي مبالغاً فيه، ما يعني أن التأثيرات يمكن أن تظهر في المحاصيل القادمة. ويبدو أن العديد من المزارعين الأمريكيين قد أمّنوا بالفعل ما يكفي من الأسمدة حالياً.
وبالنسبة للمزارعين في الاقتصادات المتقدمة، فإن تقليل استخدام الأسمدة بنسبة 10 أو 20% لن يؤدي إلى انخفاض مماثل في المحصول، ويمكن للمزارعين أيضاً التحول من المحاصيل التي تتطلب كميات كبيرة من الأسمدة، مثل القمح، إلى محاصيل تتطلب كميات أقل من الأسمدة، مثل البذور الزيتية.
وكما هي الحال في كل أزمة غذائية، تكون المشكلة الحقيقية لدى المزارعين الفقراء والمهمشين في مناطق من العالم حيث لا تعمل الأسواق بكفاءة.
وهكذا، ستتحمل آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء العبء الأكبر من صدمة الأسمدة. قد يبدو الوضع العالمي مختلفاً تماماً العام المقبل، لكن في الوقت الراهن يبدو النظام ككل في وضع جيد بما يكفي لمواجهة هذه الأزمة.
على صعيد آخر، تواجه بروكسل ضغوطاً جمة، والوضع ليس بالسوء الذي هو عليه في معظم أنحاء آسيا، لكن أوروبا تواجه بالفعل وضعاً صعباً للغاية. ويجب الإشادة بما أحرزته دول الاتحاد الأوروبي من تقدم ملحوظ في تقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري الروسي، إلا أن إنتاج الأسمدة النيتروجينية لا يزال يتطلب الغاز الطبيعي.
وقد ظلت أوروبا تعتمد بشكل كبير على الواردات منذ أن دخلت في عجز تجاري في الأسمدة النيتروجينية عام 2022، ولذلك يشكو المزارعون منذ سنوات من ارتفاع الأسعار.
وتسلط صدمة الطاقة الراهنة الضوء على سياستين قائمتين للاتحاد الأوروبي، الأولى هي فرض تعريفات جمركية وعقوبات على الأسمدة الروسية في إطار حملة للضغط الاقتصادي.
أما الثانية فهي آلية تعديل الكربون الحدودية (CBAM)، التي تستخدم رسوماً لمعادلة تكاليف الكربون للسلع المستوردة والمحلية، والتي تشمل الأسمدة منذ الأول من يناير من هذا العام.
ويُفسر الإقبال الكبير على الشراء قبل تغيير السياسة الزيادة السريعة في عجز الاتحاد الأوروبي التجاري للأسمدة قرب نهاية العام الماضي.
ومع ارتفاع أسعار الأسمدة النيتروجينية في الاتحاد الأوروبي في عامي 2024 و2025، كان المزارعون مستائين بالفعل من آلية تعديل الكربون الحدودية.
وقد طرحت المفوضية الأوروبية في يناير فكرة تعليق الآلية مؤقتاً للأسمدة، لكن منتجي الاتحاد الأوروبي أشاروا إلى أن ذلك سيُمدد سنوات من التخطيط ويجعل التكتل أكثر اعتماداً على الواردات مع انخفاض طفيف في الأسعار.
وقد ازدادت أصوات المزارعين حدة مؤخراً، وأعلنت المفوضية الأوروبية تعليق الرسوم الجمركية على الأسمدة، باستثناء روسيا وبيلاروسيا، رغم ضغوط المجر.
يواجه الاتحاد الأوروبي المعضلة نفسها التي تواجهها العديد من الحكومات حالياً، ويتمثل هدفه طويل الأمد في خفض استهلاك الوقود الأحفوري لتقليل اعتماد التكتل على الواردات، لا سيما من روسيا.
لكن في هذه المرحلة بالذات، يصعب سياسياً الحفاظ على سياسة تزيد من تكلفة الطاقة أو الأسمدة، خصوصاً إذا اعتُبرت ضارة بالإنتاج الزراعي المحلي وزادت من واردات الغذاء.
ويقول كريس فلاخوبولوس، كبير المحررين في شركة «آي سي آي إس» المتخصصة بمعلومات السلع: «تُعد أوروبا من أكثر المناطق تضرراً من صدمة إمدادات الأسمدة، إذ تواجه ضغطاً ثلاثياً يتمثل في الرسوم الجمركية على الأسمدة الروسية، واتفاقية آلية تعديل الكربون الحدودية، والآن الصراع الدائر في الشرق الأوسط».
آلان بيتي- البيان


