*إذا كان لا بدّ للشاعر من أن يعمل في مهنة، فمهنة الطب هي الأقرب إلى طبيعة الشاعر، لتعامله مع أصناف البشر، في أشدّ حالاتهم شفافيّة وعرياً واكتنازاً بالانفعالات والمشاعر، ويعاين آلامهم ومواجعهم، منصتاً لخفقات قلوبهم وأنين نفوسهم
*دور الشعر الرئيس في التعبير والدفاع عن ثوابت الجوهر الإنساني الأصيل، محتفظاً بخصائصه المتميزة كعمل إبداعيّ فنيّ يتعامل مع الأحاسيس والمشاعر ويسعى إلى خلق الجمال ونشر الحب والعدل والسلام
*لا أشكُّ أبداً في أن الشعر قادر على تجاوز كل التحديات التي يطرحها عليه عصرنا الحاضر، بالرغم من هولها وجسامتها وتعددها وتنوعها
*قادة هذا العصر فرضوا تشييءٍ الإنسان، وعزله، وسلبٍ ماهيته، وتجريده من أحاسيسه ومشاعره، وتحويله دمية مسلوبة الإرادة، وإغراقه بوسائل اللهو الرخيصة والمشبوهة، وإبعاده عن النشاطات الأصيلة التي تعمل على تحصين جوهره النبيل، وفي مقدّمة هذه النشاطات الشعر والمسرح والفلسفة
*موقع الشاعر العربي اليوم لا يمكن أن يكون إلا في الطليعة، وإن جميع المحاولات التي ترمي إلى استبعاد الشاعر أو تحجيم دوره لا يمكن أن تصبَّ إلا في طاحونة المخططات التي تستهدف تدمير الإنسان العربي
*دور الناقد يؤثر في المتلقي، لأنه يفتح أمامه أبواب الدخول إلى النص وتذوقه والتفاعل معه، وكذك يؤثر في المبدع، حين يكشف له مواطن القوة والضعف في نصه، وقد يقدم له آفاقاً جديدة لنصوصه المقبلة.
كل قصيدة حقيقية تنتمي إلى التجديد بالضرورة. أَما القصائد التي تقوم على تقليد ما سبقها، فلا يمكن أن تقدم شيئاً إلى مسيرة الشعر كفن إبداعي
*الشاعر يلتقط كل ما يتعلق بالإنسان في حياته اليومية، وفي كفاحه من أجل ما يطمح إليه من حرية وعدل وحق وجمال، ويحوّل كل ذلك إلى علامات إبداعيّة تعيش في وجدان الجنس البشري
*ضروري أن يتحلى المترجم بمزايا اللغتين، وقدرته على فهم أبعاد النص الشعري والغوص إلى أعماقه، وإعادة صياغته في اللغة المنقول إليها. فالترجمة الجيدة للنص الشعري هي في حقيقتها قراءة جيدة له، وإعادة كتابة جيدة في اللغة الجديدة
*أتاحت شبكة الإنترنت للأديب الحقيقي سهولة الوصول إلى المراجع الرئيسة والبحث عن المعلومات والتواصل مع الأدباء والباحثين في أقطارهم المختلفة، وكسر حاجز اللغة بينهم، ومكّنته من نشر إنتاجه الأدبي، متجاوزاً سلطة الرقابة، إلى الجمهور الواسع، والتفاعل معه ومحاورته والتأثير فيه
*القوى المهيمنة على عالمنا اليوم في ظل ما يُسمّى العولمة والنظام العالمي الجديد، وتحت غطاء الأفكار الجديدة التي يتم تسويقها عن نهاية التاريخ وموت الأيديولوجيا، تسعى لتدمير جوهر الإنسانيّة بالاستلاب الاقتصادي والسياسي والفكري، وعبر فرض نمط وحيد للإنسان الخانع المستسلم المرسوم دوره سلفاً له في خدمة الآلة الرأسمالية
*لا توجد حدود لما يمكن أن يكتبه الشاعر، ولا توجد أبعاد يمكن أن يستنفذها الإبداع، وأشعر أن القسم الأهم مما أريد قوله، لم أتمكن من قوله بعد
*الحداثة ليست قفزة في الفراغ، وإنما هي بناء عبقريّ فوق إنجازات التراث القادرة على الحياة، وتخلّص ذكيٌ من الأشلاء التي فقدت حيويّتها وصارت عبئاً على ذاكرتنا وشخصيتنا
*ليست الثورة السورية الكبرى مجرد حادث تاريخي عابر، بل هي الأساس الذي قامت عليه سورية المعاصرة. ولا بد من جعل الاحتفال بمئوية الثورة مناسبة مهمة لإعادة إحياء المبادئ الرئيسة التي طرحتها الثورة بقيادة المغفور له سلطان باشا الأطرش ورفاقه
*مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون، يمكن أن يكون مثالاً ناصعاً عما يمكن أن تقوم به المبادرات الأهليّة في رفع سوية المشهد الثقافي والفني، لا سيما في هذه الظروف التي تشهد انحساراً كبيراً في دور المؤسسات الرسمية
تقديم هاني سليمان الحلبي
تنسيق وإعداد الزميلة ميساء أبو عاصي
1- نتشرف باستضافتكم في موقع حرمون، حبذا تعريف قرائنا وزوار موقعنا بحضرتكم؟
– شاعر وكاتب سوري، وطبيب اختصاصي بالجراحة العامة. صدرت مجموعتي الشعرية الأولى بعنوان (البوابة والريح ونافذة حبيبتي) عام 1977 في نهاية المرحلة الثانوية، وبعدها توالت مجموعاتي في الصدور. بالإضافة إلى كتبي في النقد الأدبي النظري والتطبيقي. كما نشرت عدداً كبيراً من المقالات والأبحاث النقدية والدراسات الأدبية في الصحف والمجلات العربية، وشاركت في عدد كبيرٍ من الأمسيات والمهرجانات والندوات والمؤتمرات الأدبية والفكرية، في سورية ومصر ولبنان والأردن وتونس وتركيا ورومانيا والهند، وتمّت ترجمة مجموعة من قصائدي إلى اللغات الفرنسية والإنكليزية والألمانية والرومانية. وقد نلت عدداً من شهادات التقدير العربية والعالمية. كما دُرِسَتْ أعمالي في عدد من حلقات البحث والرسائل الجامعية.
كانت صدرت لي حتى الآن المجموعات الشعرية التالية: البوابة والريح ونافذة حبيبتي، جدليّة الموت والالتصاق، ضفاف المستحيل، حرائق الندى، غابة الصمت، الرحيل نحو الصفر، الطوفان، لا وقت إلا للحياة. وقد أصدرت الهيئة العامة السورية للكتاب أعمالي الشعرية الكاملة في مجلد واحد بعنوان (الأعمال الشعرية) العام 2015، كما أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب في القاهرة مختارات شعرية لي بعنوان (شجر يرتدي العاصفة) العام 2022، وفي النقد الأدبيّ صدر لي عدد من الكتب، منها: صوت الجوهر، في مهبّ الشعر، في الخطاب الشعري المعاصر، هكذا تكلم جبران، لغز المتنبي، الأبدية الخضراء، نزار قباني عاصفة الياسمين، ظواهر وتجارب في الشعر العربي الحديث. كما شاركت في تأليف عدد من الكتب الأخرى..
أعتزّ بمواجهتي فرض الانتساب الحزبي
2- ما أبرز محطات حياتكم التي اكتسبتم منها عبراً ودروساً، بلورت قيم حياتكم العملية والشخصية، وشكلت عندكم قصة نجاح؟
– ربما كانت المحطة الأولى والأهم في حياتي، تلك التي تعلّمت فيها القراءة والكتابة. فقد تعلمت القراءة قبل أن أكمل العام الرابع من عمري، بفضل أمي، التي راحت تشجّعني على قراءة قصص ومجلات الأطفال، فشغفت بالقراءة ورحت من يومها، أحاول كتابة كل ما يخطر في بالي وما أتصوّره في خيالي. حتى جاءت المحطة الثانية، حين لاحظ معلّم الصف الرابع الابتدائي، المرحوم الأستاذ غالب خوري، أن ما عرضته عليه من كتاباتي كان موزوناً إيقاعيّاً بالفطرة، فقام بتعليمي العروض وراح يشجّعني على قراءة الشعر التراثي وحفظه. ثم كانت المحطة الثالثة عام ١٩٧٢، عندما أسست مجلة الواحة وكنت وقتها في المرحلة الإعدادية. وعندما أصبحت في الثانوية طلبوا مني إيقاف المجلة لأنني رفضت الانتساب إلى الشبيبة والبعث، وعندما لم أرضخ لهم قامت إدارة الثانوية وقيادة الشبيبة بمفاوضتي مع زملائي في أسرة التحرير حتى استقرينا على اتفاق تقوم الثانوية بموجبه بطباعة المجلة على نفقتها مقابل أن أوافق على انضمام مدير المدرسة الأستاذ فيصل حسن، والمسؤول الثقافي لاتحاد الشبيبة إلى أسرة التحرير، كعضوين فيها، مع احتفاظي بمنصب رئيس التحرير وصلاحياتي المطلقة، التي نصًّ عليها بوضوح البيان الرسمي الذي أصدرناه آنذاك، ونشرناه في المجلة، متضمناً عدداً من الشروط الأخرى التي فرضتها عليهم أيضاً، بخصوص حرية النشر، ومنع تدخّل أي جهة أخرى في عمل المجلة، واستمرار صدورها خلال عطلة الصيف. ومازلت أعتزّ بهذا البيان الذي جسّد مواقفي من السلطات الحاكمة، ورسم شخصيتي المتصفة بالكبرياء والحرص على الاستقلالية وتقديس الحرية، منذ ذلك الوقت المبكر. وهذا البيان منشور في عدد من الكتب التي تتحدث عن جرمانا، ومن أهمها كتاب (جرمانا جارة الفيحاء) الذي أصدره مجلس مدينة جرمانا.
وفي نهاية المرحلة الثانوية كانت المحطة التي وضعتني مباشرة في قلب المشهد الشعري، حين صدرت مجموعتي الشعرية الأولى (البوابة والريح ونافذة حبيبتي) بمقدمة احتفالية كتبها الأستاذ شوقي بغدادي، وقال فيها تلك العبارة التي فاجأت الوسط الثقافي (هذا هو نزار بريك هنيدي فهل هو رامبو جديد في شعرنا اليوم). بالإضافة إلى المحطة المفصلية التي دفعني فيها تفوقي في الثانوية العلمية إلى الانتساب إلى كلية الطب، انسجاماً مع رغبتي في العمل في مهنة توّفر لي أكبر قدر من الاستقلالية والحرية، واستجابة لنصائح كثير من الأدباء الذين حذّروني من كليّة الآداب لأنها تقتل المواهب حسب رأيهم، واقتداءً بعدد كبير من الشعراء والأدباء العرب والعالميين الذين عملوا في مهنة الطب. ثم كانت محطة انتسابي إلى اتحاد الكتاب العرب كأصغر عضو وقتها، بعد أن رشّحني الشاعران شوقي بغدادي وسليمان العيسى. ثم محطة حصولي على شهادة الدراسات العليا في الجراحة العامة، ومحطات عملي كطبيب جراح، وككاتب وناقد أتابع إصدار مجموعاتي الشعرية وكتبي النقدية، ثم محطات تكريمي المحلية والعربية والدولية.. وفي الحقيقة فإنني أحاول أن أجعل من كل لحظة في حياتي، محطّة أنطلق منها من جديد إلى آفاق أغنى وأرحب.
3- دكتور نزار، كيف وازنتم بين الطب والشعر؟ وهل هما في تنازع عليك أو في انسجام تصالحي. هل هناك تأثير ملموس على موضوعاتك الشعرية أو أسلوبك؟
– أنا أقول عن نفسي دائماً أنني شاعرٌ أعمل في مهنة الطب. فإذا كان لا بدّ للشاعر من أن يعمل في مهنة، فإنني أعتقد أن مهنة الطب هي الأقرب إلى طبيعة الشاعر. ففيها يتعامل الطبيب مع أصناف مختلفة من البشر، في أشدّ حالاتهم شفافيّة وعرياً واكتنازاً بالانفعالات والمشاعر، فيعاين آلامهم ومواجعهم، ويُنصت لخفقات قلوبهم وأنين نفوسهم، ويتواصل مع أحاسيسهم ومشاعرهم. وبذلك يكون الشاعر الطبيب أقرب ما يكون إلى الجوهر الإنساني الأصيل. ولا بدّ لنا هنا من أن نتذكّر أن الشاعر في فجر الحضارات جميعها، كان هو الطبيب وهو الساحر (الشامان) والعارف والرائي. وأعتقد أن الشاعر إذا استطاع اليوم أن يُعيد امتلاك هذه المهارات ودمجها في موهبته، فسيكون أكثر قدرة على أداء دوره الأساس، الذي يتمثل في اكتشاف تجلّيات وتحوّلات الجوهر الإنساني، والتعبير عن آلامه وآماله وأحلامه ورؤاه، واستشراف الآفاق التي تعِدُهُ بالحرية والعدل والمحبة والجمال.
4- منذ بداية مسيرتكم الشعرية العام 1977 تمحور العديد من أعمالكم حول مواضيع الموت والفقدان والمجهول. هل هذا التوجّه الوجوديّ يعكس حالة من البحث الشخصيّ عن معنى الحياة لكونكم على تماس ملموس معها في الجراحة، أم هو مواكب لمآسي الواقع الراهن؟
– لاحظ عدد من النقاد الحضورَ الكثيفَ لموضوع الموت في شعري منذ قصائدي الأولى، وأبدى بعضهم دهشته من أن تتمحور قصائد مجموعتي الثانية التي نشرها اتحاد الكتاب العرب حول موضوع الموت، الذي أعطى للمجموعة عنوانها أيضاً: (جدليّة الموت والالتصاق) وأنا في حوالي العشرين من عمري. هذا العمر الذي يجب أن يكون فيه الشاب في ذروة الاندفاع إلى حب الحياة والثقة بالمستقبل والتفاؤل والأمل والبعد عن التفكير بالموت وما يتعلق به. وقد حاول بعضهم في كتاباتهم عني ربط ذلك بأحداث واقعية أو أفكار ميتافيزيقية أو تأثيرات فلسفية من الوجودية وغيرها. وبالرغم من أن البحث في هذه المسألة من شأن النقاد والدارسين، إلا أنني أودّ الإشارة إلى ثلاثية الحب والفن والموت، التي ظهرت كثيراً عند الشعراء التموزيين، والتي تبشّر بالحب والفن كطريقين أمام البشرية للخلاص ومقاومة الموت. وأعتقد أن التجليات المتعددة لهذه الفكرة هي التي تتمحور حولها قصائدي في تلك المرحلة المبكرة، وهو ما يُظهره عنوان المجموعة الثانية الذي يضع الموت في علاقة جدليّة مع الالتصاق، الالتصاق بالأرض والحبيبة والجمال في الوقت نفسه. ولا بدّ لي تتمة للجواب عن سؤالك أن أشير إلى أن ذلك لا علاقة له بمهنة الطب، لأنني لم أكن قد صرتُ طبيباً بعد عندما نشرت أول مجموعتين شعريتين لي، اللتين تتم الإشارة إليهما أكثر من غيرهما عندما يدور الحديث عن موضوعة الموت في تجربتي الشعرية.
شرعية كل قصيدة بما تضيف من جديد
5- كيف تطوّرت التجربة الشعرية في أعمالكم؟ هل يمكن القول إن هناك مساراً تصاعدياً للأفكار والمفاهيم في شعركم منذ مجموعتكم الأولى حتى أحدث أعمالكم؟
– منذ بداياتي الشعرية، كنت أعتقد أن أي قصيدة جديدة، لا يمكن لها أن تكتسب مشروعية انتمائها إلى عالم الشعر، إلا إذا قدّمت ما يمكن أن يشكّل إضافة إلى ما سبقها من قصائد، سواء على صعيد الفكرة أو الرؤيا الشعرية، أو على صعيد التعبير عن الأحاسيس والمشاعر والانفعالات، أو على صعيد الشكل الفني أو البناء الإبداعي. ولذلك كنتُ أنفر من الشعراء الذين يقتصر إنتاجهم على تنويعات متعدّدة على القصائد التي كتبوها ولاقت شيئاً من الاستحسان، فراحوا يُعيدون صياغتها بأشكال مختلفة ويعيشون في ظلالها دون أن يعملوا على تجاوزها. وبسبب فهمي المبكّر لهذه المسألة فقد حرصت على أن تكون كل قصيدة جديدة أكتبها مختلفة عما سبقها، وعندما كنتُ أشعر بعد كتابتها أنها تشبه في مضمونها أو شكلها قصيدة سابقة لي، كنت أمزّقها غير آسف. لذلك لا يمكن للقارئ أن يجد في مجموعاتي الشعرية قصيدتين متشابهتين. فكل قصيدة لها رؤيتها الخاصة ومعمارها الفني المتميز، دون أن يعني ذلك أنها ستكون أفضل أو أجمل مما سبقها بالضرورة، ولكنها ستكون متناسبة مع التجربة الشخصية التي أردت التعبير عنها في وقت كتابتها. وبما أن التجارب الحياتية التي يعيشها الإنسان شديدة الغنى والتنوع، وإن مواقف الشاعر منها لا بد أن تكون محكومة بتطوّر فهمه ورؤيته للحياة وللوجود، وبتطور أدواته الفنية ونضوج مهاراته الإبداعية، فإنني أعتقد أن الخط البيانيّ الذي يربط القصائد ببعضها، لا بدّ له من أن يكون خطاً متصاعداً في النهاية، يعكس التطور الذي يحكم تجربة الشاعر في الحياة وفي الكتابة.
6- ما هي أبرز التحديات التي تواجه الشعر العربي اليوم، وهل تعتقد أن الشعراء في العالم العربي ما زالوا قادرين على التأثير كما فعلوا سابقاً؟
– ربما كان الشعر من أقدم الفنون التي مارسها الإنسان، منذ أن بدأ يتفتّح وعيه على العالم المحيط به، ومنذ أن شعر بحاجته للتعبير عن أحاسيسه ومشاعره، ومنذ أن رغب بالتواصل مع الآخرين. إلا أن دراسة تاريخ الشعر تبين لنا أنه كان باستمرار يعاني من تحديات كثيرة، في مختلف العصور وفي جميع الثقافات والحضارات. ومع كل التحدّيات التي كانت تلك العصور تضعها في طريق الشعر، إلا أنه استمرّ في الحياة والتطور، مؤدياً دوره الرئيس في التعبير والدفاع عن ثوابت الجوهر الإنساني الأصيل، ومحتفظاً بخصائصه المتميزة كعمل إبداعيّ فنيّ يتعامل مع الأحاسيس والمشاعر ويسعى إلى خلق الجمال ونشر الحب والعدل والسلام. لذلك لا أشكُّ أبداً في أن الشعر قادر على تجاوز كل التحديات التي يطرحها عليه عصرنا الحاضر، بالرغم من هولها وجسامتها وتعددها وتنوعها. وفي مقدمة هذه التحديات ما يحاول أرباب هذا العصر فرضه، من تشييءٍ للإنسان، وعزله، وسلبٍ ماهيته، وتجريده من أحاسيسه ومشاعره، وتحويله دمية مسلوبة الإرادة، وإغراقه بوسائل اللهو الرخيصة والمشبوهة، وإبعاده عن النشاطات الأصيلة التي تعمل على تحصين جوهره النبيل، وفي مقدّمة هذه النشاطات الشعر والمسرح والفلسفة. وبما أن الشعر يعمل على تحصين الروح، ويصون القدرة على التفاعل مع الجمال والحب والحق والحرية، ويعزّزُ الإحساس بالانتماء إلى الأمة والوطن، فإن موقع الشاعر العربي اليوم لا يمكن أن يكون إلا في الطليعة، وإن جميع المحاولات التي ترمي إلى استبعاد الشاعر أو تحجيم دوره لا يمكن أن تصبَّ إلا في طاحونة المخططات التي تستهدف تدمير الإنسان العربي. وفي اعتقادي أن أي مشروع للنهضة والتقدّم، لا بدَّ له من أن يعمل على توفير أفضل الظروف والإمكانيّات التي تتيح للشعراء والفنّانين فرص التفاعل الحي مع جميع مكوّنات المجتمع وتخفيف كافة العقبات والصعوبات التي تحدُّ من هذا التفاعل، وفي الوقت نفسه، فإن على شعرائنا وأدبائنا وفنّانينا أن يبذلوا كل ما بوسعهم في سبيل أن يكونوا مخلصين لإبداعهم، ومستلهمين للقيم الإنسانية الكبرى ومبشرين بالمستقبل الذي يليق بنضال شعبهم وبتاريخ أمتهم.
7 – في كتبكم النقديّة مثل “صوت الجوهر وفي مهب الشعر”، طرحتم رؤى حول تطور الشعر والنقد. ما هو دور الناقد في تطوّر الشعر العربي؟ هل يجب أن يكون الناقد محايداً أم يعكس موقفًا فكريًا معيناً؟
– مما لا شكَّ فيه أن أي عمل إبداعي، لا يمكن له أن يحقق وجوده ويمارس تأثيره بالشكل الذي يطمح إليه، إلا في مناخ مناسب، يحكم قضية العلاقة مع المتلقي الذي يتوجّه له المبدع. وهذه المناخ يغتني بما يقدمه الناقد من إضاءات على النص، تبيّن مكامن الجمال فيه، وتشرح ما غمُض من دلالاته، وتقارن بينه وبين غيره من النصوص، وترصد ما قدّمه من جديد إلى جنسه الإبداعي، وصولاً إلى إطلاق حكم القيمة النقديّ عليه، وإدراجه في مكانه الجدير به. وبهذه الوظيفة التي يؤدّيها الناقد، يؤثر في المتلقي، لأنه يفتح أمامه أبواب الدخول إلى النص وتذوقه والتفاعل معه، وفي الوقت نفسه يؤثر في المبدع، حين يكشف له مواطن القوة والضعف في نصه، وقد يقدم له آفاقاً جديدة لنصوصه القادمة. إلا أنه لا بد من الإشارة هنا إلى ان الناقد المؤهل لممارسة هذا الدور، هو الذي يتمتّع بمواصفات الناقد الحقيقي، ومن أهمها أن يكون صاحب ثقافة موسوعيّة، وفكر فلسفي ناضج، وأن يكون مطلعاً على تاريخ الفن الشعري وعلى المناهج النقدية والمدارس الشعرية العربية والغربية، وأن يكون خبيراً بأدوات الشعر وأبوابه وأساليبه، والأهم من ذلك كله أن يمتلك حسّاً سليماً يمكّنه من تذوّق النص الشعري، وأن يكون قادراً على التحليل والمقارنة ووضع النص في مكانه المناسب في لوحة الإبداع الشعريّ. وللأسف الشديد، فإن مثل هذا الناقد بات نادراً جداً في هذه الأيام.
8 – في دراسة “في الخطاب الشعري المعاصر” تناولتم العديد من التجارب الشعرية الحديثة، كيف تتبلور العلاقة بين التقليد والتجديد في الشعر العربي المعاصر؟ وهل ترون أن هناك ضرورة لاستعادة الأشكال التقليدية في الكتابة، أم أن الحداثة تستوجب التحول الجذريّ؟
– من الواضح أن الحديث عن (التجديد) في الشعر، يتضمّن بداهةً وجود أصل له خصائص معيّنة ومواصفات محددة، يرغب الشعراء المعاصرون بتجديدها وتطويرها، أي جعلها أكثر ملاءمة للظروف الجديدة التي تتصف بها الحياة المعاصرة. وفي الحقيقة فإن هذه العملية ليست وليدة أيامنا الراهنة، بل هي عملية مرتبطة بالفنون جميعها وفي العصور كافة. فلا معنى للإبداع إذا لم يكن في جوهره تجديداً. وبهذا المعنى فإن كل قصيدة حقيقية تنتمي إلى التجديد بالضرورة. أَما القصائد التي تقوم على تقليد ما سبقها من قصائد، فلا يمكن أن تقدم شيئاً إلى مسيرة الشعر كفن إبداعي، ولذلك سرعان ما ينساها الناس ويمحوها التاريخ الشعري. ولنتأمل في كل القصائد الخالدة التي وردتنا من مختلف العصور والحضارات، من هوميروس إلى دانتي وشكسبير وكولردج وامرئ القيس والأخطل والمتنبي والمعري وابن زيدون، إلى بودلير ووالت ويتمان واليوت وأوكتافيو باث ومحمود درويش وأدونيس، لنرَ كيف أنها جميعها كانت تشكل قفزة تتجاوز ما سبقها. وانطلاقاً من هذه الرؤية بالذات، فإن الحداثة ليست قفزة في الفراغ أو خلقاً من عدم، وإن ما جرى تداوله في مرحلة احتدام الصراع بين المحافظين التقليديين وأنصار الحداثة، حول مفهوم القطيعة مع التراث، لم يكن في حقيقته سوى قصور في الرؤية، أو نزق في التعبير.
الشاعر معني بعمله وإبداعه قبل أي شيء آخر
9 – حصلتم على العديد من الجوائز والتكريمات. ما دور هذا التكريم على عطائكم؟ وهل ترون أن هذه الجوائز تسهم في تحفيز الإبداع الأدبي، أم أنها تقيّده؟
– عندما يكتب الشاعر فإنه لا يفكّر إلا بعمله وإبداعه، ولا يعمل إلا استجابة لما تمليه عليه أحاسيسه وأفكاره ورؤاه، ولا يطمح إلى أكثر من التعبير عن نفسه، ولا يرغب في أكثر من أن يصل صوته إلى المتلقين، الحقيقيين أو الافتراضيين، الذين يتوجه إليهم في عمله. ومن ثم فإنه لا يفكر في أن يكتب وفق شروط معينة تتيح له الفوز بجائزة ما، أو الحصول على شكل من أشكال التكريم. إلا أن هذه الجوائز أو أشكال التكريم عندما تأتي، دون سعي وراءها، ومن مؤسسات متخصّصة أو جهات مشهود لها بالموضوعية والنزاهة، فلا شك في أنها تفرح الشاعر أو الفنان، لأنها تشعره بأن جهده الإبداعي يلقى من يقدّره ويحتفي به، ومن ثم فإن ذلك قد يعزّز من حرصه على مواصلة عمله، وسعيه إلى تجاوز ما حقّقه، وتقديم المزيد من الإنجازات لمسيرته الإبداعية.
10 – لقد كتبتم عن شخصيات أدبية مثل جبران والمتنبي ونزار قباني، هل النمط الأدبي الحالي مُترع بالوزن الثقافي والسياسي الذي حمله أدب هؤلاء؟ وماذا بقي من أثرهم في الاتجاهات الشعرية الجديدة؟
– لا بدّ لنا من الانتباه إلى حقيقة أننا عندما نتحدث عن المتنبي أو جبران أو نزار قباني، فإننا نتحدث عن شعراء تمّ تكريسهم في ذاكرة ووجدان الناس، واجتازوا الامتحان الصعب للتاريخ الأدبي، الذي لا يُبقي إلا على الأصيل والمتميّز. ومع إيماني بأن الشعراء الأصيلين موجودون في كل زمان ومكان، بما فيه زماننا هذا، إلا أن الحكم النهائي على جدارتهم باحتلال مواقع متميّزة في تاريخ الفن الشعري، يحتاج إلى مراقبة قدرة أعمالهم على اجتياز امتحان الزمن. لا سيما إذا تذكرنا أن عدداً من الشعراء الذين كانوا ملء السمع والبصر في عصورهم، لم يعد يذكرهم أحد اليوم، لأن حضورهم وشهرتهم كانت نتيجة لعوامل لا علاقة لها بالشعر أو الإبداع. بينما نلاحظ أن كثيراً من شعراء العالم الكبار، لم ينالوا في حياتهم ما يستحقونه من اهتمام وتقدير، ولم ينتبه العالم إلى عظمة إبداعهم، إلا بعد مرور زمن طويل، ولنا في شكسبير ورامبو وإدغار آلان بو وغيرهم أمثلة ناصعة على ذلك. أما عن أثر هؤلاء الشعراء الكبار في الاتجاهات الشعرية الحديثة، فأعتقد أن مجرد بقائهم في وجدان الناس إلى هذا اليوم دليل واضح على أهمية الدور الذي تقوم به قصائدهم في صياغة الذوق الشعري العام، ورسم معالم الاتجاهات الشعرية المعاصرة.
11 – في قصائدكم نرى تناولاً للجوانب الإنسانية والسياسية في آن واحد. هل الشاعر “شاهد على العصر ومرآة له”، أم منارة تتعدّى حدود الواقع الراهن إلى ما يجب أن يكون عليه؟
– سبق لي أن قلت في كتابي (صوت الجوهر)، إن الشاعر هو الصوت الحقيقيّ الذي يعبر عن حالات الجوهر الإنساني في أحواله ومكابداته وآلامه وآماله وطموحاته في كل زمان ومكان. مما يعني أن الشاعر يلتقط كل ما يتعلق بالإنسان في حياته اليومية، وفي كفاحه من أجل ما يطمح إليه من حرية وعدل وحق وجمال، ويحوّل كل ذلك إلى علامات إبداعيّة تعيش في وجدان الجنس البشري، وتقوم بدورها في حفظ الخصائص الجوهرية للإنسان الحق، الذي يتابع مسيرته في هذه الحياة باتجاه صناعة المستقبل اللائق بوجود الإنسان على هذا الكوكب. وبهذا المعنى يكون الشعر الشاهد الأبلغ والأصدق عن العصر، والرائي المستبصر لدروب المستقبل.
آثار سلبية على المشهد الثقافي
12 – كيف أثرت الأزمة الراهنة في سورية ومحيطها على أهل الشعر والأدب والفكر؟
– مما لا شكّ فيه أن الأزمة السورية قد تركت كثيراً من الآثار السلبية على المشهد الثقافي وعلى الكتّاب والشعراء والمثقفين. فقد تراجعت الحركة الثقافية والنشاطات الثقافية، فقلّ عددها وقلَّ اهتمام المتابعين بها. كما توقفت الصحف والمجلات الورقية إلا بعض أعداد استثنائيّة تطبع بطبعات محدودة ولا تصل إلى القراء بسبب غياب مؤسسات التوزيع. ناهيك عن الاضطراب الكبير الذي لحق بالمؤسسات الثقافية الرسمية والأهلية. وبالإضافة إلى ذلك كله، لا يمكن إغفال الأثر الكبير الذي تركته الأزمة على التواصل مع أدباء ومثقفي الوطن العربي، وحضور المؤتمرات والمهرجانات العربية وتبادل الكتب والصحف والمجلات مع الأقطار العربية. كل ذلك دون أن نتطرّق إلى ما هو أهم من ذلك كله، وهو ما تركته الأزمة على نفوس وأرواح المبدعين والمثقفين وعلى أعمالهم الفكرية والإبداعية، مما سيبقى أثره إلى فترة طويلة.
13 – قصائدكم تُرجمت إلى لغات عدة، بما في ذلك الفرنسية والإنكليزية. كيف يتقبّل الغرب الأدب العربي المترجم؟ ولماذا؟ وهل الشعر يلقى حتفه بنقله من لغته الأم؟
– للأسف الشديد، فإن حركة ترجمة الأعمال الإبداعية العربية إلى غيرها من لغات العالم، ما زالت بطيئة ومحدودة، بالرغم من جهود عدد قليل من المترجمين البارعين، الذين يقومون بما يسعهم في هذا المضمار، لا سيما من المترجمين الذين يعيشون في مغترباتهم ويحاولون أن يبنوا جسوراً تصل بين ثقافتهم العربية الأصلية وبين ثقافات البلدان التي يعيشون فيها. وبالرغم من أن عدداً من هذه النصوص قد يلقى استقبالاً ملحوظاً، إلا أن هذا الاستقبال غالباً ما يقتصر على الأوساط الأكاديمية أو الثقافية، دون أن يصل إلى جمهور القراء، مهما كانت أهمية العمل المترجم. فبالرغم من فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل إلا أنه لم يصبح أديباً مقروءاً من جمهور القراء في العالم. وتلك مسألة مهمة تتداخل فيها الأبعاد الحضارية والتاريخية والدينية والثقافية، بالأبعاد السياسية والاقتصادية والإعلامية، وتحتاج إلى كثير من الدراسة والبحث، كما تحتاج إلى تضافر جهود الدول والمؤسسات والاتحادات والجمعيات والمبدعين والمثقفين، الذين عليهم جميعهم أن يولوا المسألة ما تستحقه من اهتمام. أما القول إن الشعر يلقى حتفه عند الترجمة، فهو قول قديم شاع عند الذين كانوا يعدّون الشعر وزناً وقافيةً ومحسّنات بديعيّة وحسب، وبالتأكيد فإن هذه العناصر ستسقط عند النقل من لغة إلى لغة أخرى ذات خصائص مغايرة. أما إذا رأينا أن جوهر الشعر يكمن في الرؤيا التي يحملها، وفي صدق المشاعر والأحاسيس التي يعبّر عنها، وفي خفايا النفس البشرية التي يكشف عنها، فإن ذلك يمكن أن يحتفظ بقدرته على التأثير في القراء حتى لو نقل إلى أي لغة من لغات العالم، بشرط أن يكون المترجم ممتلكاً لمزايا اللغتين، وقادراً على فهم أبعاد النص الشعري والغوص إلى أعماقه، ومن ثم قادراً على إعادة صياغته في اللغة المنقول إليها. فالترجمة الجيدة للنص الشعري هي في حقيقتها قراءة جيدة له، وإعادة كتابة جيدة في اللغة الجديدة. وعلينا أن نتذكر أننا تعرّفنا إلى روائع شكسبير ودانتي وطاغور وبودلير وإليوت وغيرهم من شعراء العالم من خلال ترجمات نصوصهم إلى لغتنا، بمعنى أن نصوصهم لم تلق حتفها بعد الترجمة، بل بقيت عظيمة ومبهرة، وبقيت قادرة على التأثير فينا.
14 – في عالمنا اليوم، يتمّ تداول الأدب العربي عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. هل تسهم هذه الوسائط في النشر الواسع أو أن الانتشار على حساب القيمة والعمق والفرادة؟
– الإنترنت، مثله مثل أي إنجاز أو اختراع أو اكتشاف توصلت إليه العبقرية البشرية، لا يمكن الحكم عليه إلا حسب الهدف الذي يستعمله المستخدم في سبيله. فمما لا شكّ فيه أن ثورة المعلومات التي نعيشها اليوم، قدّمت الكثير للإنسان المعاصر على صعيد سهولة التواصل وتبادل المعلومات والذكاء الاصطناعيّ وغيرها. ومما قدّمته للأدب أنها وفّرت للأديب الحقيقي سهولة الوصول إلى المراجع الرئيسة والبحث عن المعلومات والتواصل مع الأدباء والباحثين في أقطارهم المختلفة، وكسر حاجز اللغة بينهم، وفي الوقت نفسه مكّنت الأديب من نشر إنتاجه الأدبي، متجاوزاً سلطة الرقابة، التي كانت تحدّ من حريته ومن قدرته على الوصول إلى الجمهور الواسع، الذي يطمح إلى التفاعل معه ومحاورته والتأثير فيه. إلا أن هذا الجانب الإيجابي من أثر الانتزنت على النشاط الفكري والإبداعي، يقابله جانب آخر يتجلى في أن أي شخص أصبح قادراً على كتابة أي شيء ونشره على وسائل التواصل الاجتماعي وتسميته شعراً أو قصة أو خاطرة أدبية، دون أن يكون في حقيقته، أكثر من ثرثرة ساذجة أو كلام فارغ. وبما أننا نجد بين متصفّحي وسائل التواصل عدداً من الذين يحبون هذه الأنواع من الثرثرة والكلام، أكثر بكثير من عدد قراء ومتذوّقي النصوص الأدبية الحقيقية، وفي غياب دور النقاد الجادّين واهتمامهم، فإن هذه الثرثرات يتمّ تسويقها على أنها أدب حقيقي، بل وتجد معجبين ومعلقين ومادحين، مما يؤثر على حضور وتلقي النصوص الحقيقية، التي تصبح معزولة حقاً، مثل العملة الجيدة التي تطردها العملة الرديئة. وتلك مسألة شديدة الخطورة يجب الانتباه إليها والتفكير بالوسائل الناجعة القادرة على وضع حدٍ لها.
15 – بعضهم يرى أن “الشعر في زمن العولمة” يخضع لمقاييس تجارية وغير فنية، ما تعليقكم؟ وهل الشعر يخطّ مساراً جديداً في عصر العولمة؟
– سبق أن تحدّثت في كتابي (صوت الجوهر)، عن أن أكثر ما يميّزُ عصرنا الحاضر، هو تعرّض الجوهر الإنسانيّ فيه، إلى أكبر تحدّ تعرَّض له منذ بدء التاريخ البشريّ. فالقوى المهيمنة على عالمنا اليوم في ظل ما يُسمّى العولمة والنظام العالمي الجديد، وتحت غطاء الأفكار الجديدة التي يتم تسويقها عن نهاية التاريخ وموت الأيديولوجيا، تسعى إلى تدمير جوهر الإنسانيّة من خلال الاستلاب الاقتصادي والسياسي والفكري، وعبر فرض نمط وحيد للإنسان الخانع المستسلم الذي يؤدي دوره المرسوم سلفاً له في خدمة الآلة الرأسمالية، التي تلغي طموح الإنسان وعواطفه، وتمحو هويته، وتهشّمُ روحَهُ، ولذلك فإن دور الشاعر يكتسب اليوم أهميّة قصوى في إبراز هذا الصراع المحتدم الذي يخوضه الجوهر الإنساني للدفاع عن بقائه وإظهار خطورة هذا الصراع الذي يتوقّف على نتيجته مستقبل الوجود البشري بأكمله.
لا حدود لحبر الشاعر
16 – بعد عقود من رفقة الحبر والورق ما أبرز ما تجدون حاجة في الكتابة؟ وهل ترون أن أبعاداً بكراً لم تُستنفدْ تنتظركم؟
– لا توجد حدود لما يمكن أن يكتبه الشاعر، ولا توجد أبعاد يمكن أن يستنفذها الإبداع. فمنذ أن عرف الإنسان الكلام، وربما قبل ذلك أيضاً، أي منذ أن أدرك اختلاف الأصوات وتعدّد الإيقاعات، كما يقول بعض الباحثين، والإنسان يمارس فن الشعر، ويوظفه في الأغراض التي يريدها. بدءاً من محاولاته لتسلية نفسه أو إمتاعها بالأصوات المتداخلة أو المتناسقة والإيقاعات التي تصنعها، أو بمحاولاته لتجسيد الخيالات أو الصور التي تخطر له، أو رغبته في التعبير عما يشعر به من أحاسيس، أو يعتريه من هواجس، تجاه ما يُحيط به من عوامل وعناصر الطبيعة، أو في محاولاته لصنع جسور يتواصل بها مع الآخرين وينقل إليهم رؤاه وأفكاره. وهكذا استمرّ الشعر في مرافقة الإنسان منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا. واستمرت حياة البشر، بتلويناتها المختلفة، ومكابداتها وصراعاتها، وعلاقاتها المتشابكة والمتنوّعة، تفتح آفاقاً جديدة، في كل يوم، وعند كل إحساس، وبعد كل تجربة، للقول الشعري. أما على الصعيد الشخصي، فإنني أشعر أن القسم الأهم مما أريد قوله، لم أتمكن من قوله بعد.
17 – برأيكم كيف يمكن الحفاظ على التراث الأدبي العربي؟ وما الضرورة في الحاجة لتجديده أم العودة إلى جذوره؟
– ليس التراث الأدبي تركة مركونة في زاوية منسيّة، بل هو جزء من تكويننا الثقافي والفكري، وركن أساس من أركان هويتنا. ومهما ارتفعت الأصوات التي تنادي بالقطيعة معه، فإن ذلك يجب أن يُفهم على أنه مجاز، يعني في حقيقته الدعوة إلى دراسة هذا التراث، والكشف عن مكوّناته الرئيسة وخصائصه المميّزة، وتجاوز ما لم يعُد صالحاً لنا في زمننا الراهن، وفي الوقت نفسه العمل على الامتلاك المعرفي لإنجازاته وجمالياته، ومتابعة التطورات والتحوّلات التي وَسَمَت مسيرته الطويلة حتى وصل إلينا. وبهذا الامتلاك المعرفيّ، يمكن لنا أن نضيف ما يشكّل حداثتنا التي تتناغم مع حياتنا المعاصرة، وتتوافق مع أحاسيسنا ومشاعرنا وأفكارنا الجديدة، وتستجيب لذائقتنا المتطوّرة، وتستطيع حمل رؤانا واستبصاراتنا وتطلّعاتنا. فالحداثة ليست قفزة في الفراغ، وإنما هي بناء عبقريّ فوق إنجازات التراث القادرة على الحياة، وتخلّص ذكيٌ من الأشلاء التي فقدت حيويّتها وصارت عبئاً على ذاكرتنا وشخصيتنا.
التجارب مخاض الموهوبين
18 – كيف ترون الدور الأدبي للشباب السوري؟ وهل تعتقدون أن هناك جيلاً جديداً من الشعراء قادر على مواصلة المسيرة؟
– لا بدّ لنا هذه الأيام من ملاحظة تزايد عدد الشباب والشابات الذين يجرّبون كتابة الشعر، بل ويقدّمون أنفسهم كشعراء ناضجين، في الأمسيات والصالونات والمقاهي وعلى وسائط التواصل الاجتماعي. وبغض النظر عن رأينا في القيمة الفنّية لإنتاجهم الشعريّ، فإنني أعتقد أن المسألة يجب النظر إليها من وجهة أخرى، تُفصحُ عن حقيقة هامّة، مفادها أن أعداداً لا بأس بها من جيل الشباب، لم ينجرفوا وراء معطيات الحياة الاستهلاكيّة، ويرغبون بالتعبير عن ذواتهم، ويؤمنون بالشعر ملاذاً لأحلامهم ووسيلة للتواصل مع الآخرين، وفي ذلك دليل على أن الشعر لا زال قادراً على استقطاب الشباب الذين يتوقون للحرية والفن والجمال، ويرفضون المتع المبتذلة التي يتمّ تقديمها كبديل عن الفن الحقيقي. وكما كان الحال في العصور جميعها، فإن هذا العدد الكبير من الشباب، سيتمخّض في النهاية عن عدد من الموهوبين الحقيقيين، الذين سيتمسكون بالشعر كمعادل لحياتهم، وسيعملون على تعميق رؤاهم وتطوير أدواتهم، وسيجتهدون في تقديم أعمالهم التي ستشكّل إضافات نوعيّة لمسيرة الإبداع الشعري.
19 – مع حلول العام 2025 لمئوية الثورة السورية الكبرى، كانت منصة حرمون أطلقت 3 لقاءات علمية حول المئوية،، ماذا ترى في مناسبة المئوية وكيف يمكن الاحتفاء بها بما يليق وتطويرها؟
– ليست الثورة السورية الكبرى مجرد حادث تاريخي عابر، بل هي الأساس الذي قامت عليه سورية المعاصرة. وفي هذه الظروف العصيبة التي نعيشها في هذه الأيام، والتي اختلطت فيها المفاهيم وتداخلت الأسس وغامت السبل والتوجهات، لا بد من جعل الاحتفال بمئوية الثورة مناسبة مهمة لإعادة إحياء المبادئ الرئيسة التي طرحتها الثورة بقيادة المغفور له سلطان باشا الأطرش ورفاقه، والتي تمسّكت بها جماهير السوريين على اختلاف طوائفهم ومناطقهم. فهذه المبادئ ما زالت قادرة على رسم طريق الخلاص أمام السوريين جميعهم اليوم، لذلك أتمنى إقامة سلسلة من الندوات حول هذه المبادئ، يشارك بها مختصّون وممثلون عن الأجيال المتعددة، ولا سيما جيل الشباب، ومن ثم قد يمكن جمع مواد هذه الندوات في كتب تصل للمهتمّين جميعهم.
20 – ينشط مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون، في السويداء، بندوات ورعاية إصدارات كتب مشتركة وأبحاث وموسوعات، إحياء لمئوية الثورة منذ سنتين. ما تعليقكم؟
– أعتقد أن مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون، يمكن أن يكون مثالاً ناصعاً عما يمكن أن تقوم به المبادرات الأهليّة في سبيل دعم النشاطات الثقافية وضخ الحياة في المشهد الثقافي والفني، لاسيما في هذه الظروف التي تشهد انحساراً كبيراً في دور المؤسسات الرسمية. وقد كان لي شرف أن شاركت في واحدة من الفعاليات المهمة التي أقامتها المؤسسة، ونشرت مشاركتي في كتاب جميل مع عدد من المشاركات المهمة. وهذه مناسبة لتوجيه التحية إلى صاحب هذا المشروع، المغترب الكبير الأستاذ سميح الجباعي، الذي يتابع بدأب ومثابرة كل التفاصيل التي تتعلق بنشاطات المركز، وإلى جميع العاملين معه في إدارة هذه المؤسسة التي باتت علامة مهمة في المشهد الثقافي.
للشعراء والنقاد الجدد: شدة الإخلاص والحرص على مواهبهم
21 – ما رسالتكم للشعراء والنقاد الجدد، في هذه المرحلة الحساسة من تاريخنا؟
– ليس لديّ ما أقوله للشعراء سوى أمنيتي بأن يكونوا شديدي الإخلاص لمواهبهم وإبداعهم، وأن يحاولوا أن يعكسوا في أعمالهم ملامحهم الشخصية وتجاربهم الذاتية، بعيداً عن تقليد الشعراء الآخرين، مهما كان مستوى إعجابهم بهم. أما للذين يطمحون أن يكونوا نقّاداً، فليس عنديّ سوى حثهم على السعي المتواصل لاكتساب صفات الناقد الحقيقي، وفي مقدمتها العمل الدؤوب على اكتساب المزيد من التحصيل الثقافي والمعرفي، لا سيما في مجالات الفلسفة وعلم الجمال والنظريات الأدبية والتاريخ وعلم النفس والاجتماع والعلوم المختلفة، والاطلاع على ما أنجزته وما تنجزه الثقافات والحضارات الأخرى. بالإضافة إلى تعميق قراءاتهم للنصوص الأدبية، وتدريب أنفسهم على تذوّقها والغوص في أعماقها وسبر أغوارها وخفاياها. وبما أن الناقد يحتاج إلى بذل كل هذه الجهود المضنية كي يبني شخصيته، فمن نافل القول أن أطلب منه ألا يهدر طاقاته، وأن يترفع عن إراقة ماء وجهه، أمام أي نص يشعر أنه لا يستحق العمل عليه، مهما كانت المغريات أو الدوافع التي قد تعمل على توريطه. فالناقد الذي يغامر بنزاهته وعلمه ومواقفه، لن يستعيد احترام الناس أبداً.
22 – أي كلمة أخيرة ترغبون بنشرها عبر منصة حرمون؟
– لم يبق لي إلا أن أشكر القائمين على منصة حرمون، وعلى مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون، على ما يبذلون من جهود، في سبيل تعزيز دور الثقافة والمثقفين في هذه المرحلة المفصلية التي نعيشها اليوم. فتعزيز الوعي والثقافة والمعرفة هو الأساس في بناء المستقبل الذي نريده قائماً على العدل والمساواة والحرية والتقدّم والسلام.


