لتكن البشارة عيداً وطنياً وقومياً ودينياً*

هاني سليمان الحلبي

(ناشر منصة حرمون – عضو احتاد اللبنانيين – عضو نقابة محرري الصحافة)

 

 يحتفل اللبنانيون، مسيحيين ومسلمين، ببشارة السيدة مريم، وعندها تلتقي الرسالتان المسيحية والمحمدية، بما تعني التبشير بخلاص والبشرى بجديد، وبما تعبر عن قيم النعمة، نعمة التوحد بالرب، بطاعته واعتبار المؤمن، نفسه وروحه وكل ما يملكه، بمشيئة الرب الواحد الأحد، القدوس الكلي الإرادة. ولا يختلف مؤمنان على بينة كافية مما يؤمنان به على هذه المساحة القيمية التوحيدية في الإسلام الحق برسالتيه المسيحية والمحمدية.

وبمطالعة عظات البطاركة والمطارنة والآباء المسيحيين، وخطب رجال الدين المسلمين الذين يتطرقون لعيد البشارة، يجتمعون على قيمة العيد الدينية والنفسية والروحية التي تجمعهم. وغني القول إن القرآن الكريم خصّ السيدة مريم بسورة من سوره تثبت ما أقرّه الإسلام بوجهه المحمدي من فضل مريم “الممتلئة نعمة”.

لكن وألف لكن..

أليس جديراً باللبنانيين الذين يتوحدون بمريم أن يتوحدوا في فهم حياتهم الاجتماعية والثقافية والبرلمانية والاقتصادية والسياسية ليقرأوا في كتاب مصيرهم المشترك، بينما مصادرهم الأولى متعددة، فهذا من أتى من حمص، أو دمشق، أو حوران، أو درعا، أو حرمون، أو حماه، أو حلب، أو فلسطين، أو كيليكيا، أو قبرص، أو مصر، أو اليمن، أو العراق، أو المغرب، وذاك الذي أتى من تركيا، أو فرنسا، أو إيطاليا، أو النمسا، أو اليونان، أو أرمينيا، أو إيران، لكنهم جميعاً وحسب قانون الجنسية اللبنانيين استحقوا مواطنة لبنان، بعد إقامتهم المستمرّة فيه أكثر من 5 سنوات بلا انقطاع. فكيف وهم فيه قبل قيام دولة لبنان الكبير بقرار تعسفي عسكري من المحتل الفرنسي الذي أسس كياناً اعتباطياً لم يقم على أي مبدأ ديمقراطي تعرفه الولادة الطبيعية للدول. بل ليست ولادة قيصرية أتت بانقلاب عسكري أو خلاصة انتصار في حرب داخلية فيبني المنتصر نظامه ويشرع شرائعه. أتت بقرار جنرال مستبد أسس حكم جيشه في الشرق، كما أسموه، ويعنون به لبنان – سورية، لينفذ مقررات اتفاق سايكس بيكو الأجنبية لوراثة تركة السلطة العثمانية المتهالكة على حساب الشعب في المشرق العربي – سورية الطبيعية، فشلعوه نواطير وكيانات، تمهيداً لوعد آرثر بلفور، رئيس جامعة كمبريدج قبل تعيينه وزيراً للخارجية البريطانية، ليعِد اللورد هيلمز روتشيلد بوطن قومي في فلسطين على حساب أهلها التاريخيين.

إذاً، لبنان في عين الرب بشفيعته مريم العذراء، المقدسة لدى مسيحييه ومسلميه. ولا أحد من اللبنانيين الحقيقيين لا يريده “نطاق ضمان للفكر الحر” (الشهيد أنطون سعاده)، ولا يريده بلد العيش المشترك بين طوائفه التسع عشرة، المفتوحة على المزيد لو تابع دعاة العلمانية بتسجيل الطائفة العشرين!!!

فما هو الخطر الذي يتهدد لبنان؟

ما يهدد لبنان بطبيعته وجوهره ككيان ديمقراطي هو كل دعوة تطرفية تدعو إلى الاقتلاع والقتل والذبح والتكفير. وهنا يوجد تياران فقط:

  • التيار اليهودي الصهيوني كتيار أب مؤسس لكل تطرف ديني مخالف لروح الشرائع السماوية السمحاء.
  • تيار التكفير باسم الإسلام، كتيار إبن، للتيار الأول، والذي انطلق بدعم المخابرات البريطانية لحسم الصراع في الجزيرة العربية لمصلحة آل سعود بتحالفه عبد العزيز آل سعود مع الوهابية كتيار متشدد تكفيري، لم يتردد بقتل معارضيه، فاضطروا للهجرة إلى بلاد الشام، وبتأسيس حركة الأخوان المسلمين في أواخر عشرينيات القرن العشرين، كحركة دينية عسكرية عنفية سرية في مصر وامتدت على مدى العالم الإسلامي. ولهذا التيار تمظهراته في مصر (النزاع بين الملك فاروق والرئيس جمال عبدالناصر من جهة والأخوان المسلمين من جهة ثانية) وفي المملكة العربية السعودية (النزاع بين آل سعود وآل رشيد والهاشميين) وظاهرة الحرم المكي أواخر السبعينيات، حتى تم تصدير هذا التيار إلى العالم بتنسيق من أجهزة عربية مع المخابرات الأميركية والبريطانية والإسرائيلية لإطلاق حركات العنف التي نشطت تحت ذريعة تحرير بلاد المسلمين من طاغوت الكافر الممثل بالتحالف الدولي، لإسقاط الرئيس صدام حسين، فترسخ في العراق وأخذ يمتد إلى سورية ولبنان وفلسطين ومصر في المشرق العربي، بينما لم تقم له انشطة مؤثرة في كل دول الخليج والأردن وكيان الاحتلال. وكان واضحاً أن الهدف منه هو زعزعة استقرار هذه الدول وتغيير طبيعتها الديمغرافية والسياسية والتاريخية: قتل المخالفين أو تهجيرهم. وكان أول استهداف في لبنان في أحداث الضنية بفترة رأس السنة 1999-2000، وبعد سنوات ظهرت حركة فتح الإسلام في مخيم البارد، التي استغرقت حوالي 6 أشهر للقضاء عليها وكلفت مئات الشهداء من الجيش اللبناني، الذي اعتدي عليه ذبحاً في حادثة البحصاص.

ومن حيث إن الكنيسة بيت الرب، “فهي مدعوّة دائمًا إلى أن تكون صوت الضمير”، وصوت الضمير يعني قول كلمة الحق والتزام وقفة الضمير بكل صدق، فمن يهدد لبنان ونعمة السلام فيه ليكون وطناً للبشارة؟

  • تيار التكفير والتطرف والإرهاب، ورأينا ما فعله هذا التيار في العراق منذ العام 2003 حتى الآن، من قتل وهدم وذبح واغتصاب وبيع نساء الطوائف المخالفة واستعبادهن.. وفي سورية في العام 1982 وبحرب منذ العام 2011 وبعد إسقاط النظام السابق لم يدع إلى كلمة سواء كما يوصي الإسلام الحق، بل شرع بالقتل والذبح في مناطق الطوائف التي تخالفه، في الساحل وحمص ودمشق، والسويداء، وفجّرت الجوامع والكنائس بالمصلين.
  • تيار الاحتلال اليهودي الصهيوني، الذي رفع زعيمه، خريطة المشروع الجوهري لهذا التيار “حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل”، في الأمم المتحدة، وفي مناسبات عدة، مع خريطة واضحة. فهذا التيار المدعوم من قوى غربية عدة ودول عربية عدة، ودول إقليمية عدة، لم تنبس ببنت شفة رداً على بنيامين نتنياهو عندما أعلن الخريطة القديمة – الجديدة لمشروع إسرائيل الكبرى، بل صمتت صمت قبور. وإن تلجلج بعضهم فبحياء وخوف وحساب لخطوط الرجعة. هكذا كيان الاحتلال بوصفه عدواً أولَ، كيان احتلال مفتوح الشراهة والرؤيا، احتلال مطلق لا مجال للمساومة فيه، أو معه، كاعتبار أنه كيان جار وشقيق وصديق، وحقيقة تاريخية شرعية، ولو كانت خلفه أوروبا بعقليتها السياسية العنصرية وعسكريتها المجرمة، أو حلف الأطلسي، بزعامة إمبرطورية الشر المستطير، الدولة الوحيدة التي قصفت القنابل النووية على الآمنين في اليابان، والمستعدّة لتحويل العالم جحيماً باليورانيوم المنضّب أو المخصّب، لإرضاء نزعة دولتها العميقة، أو حكومة العالم الخفية التي تديرها، وتنتخب رئيسها في مسرحية مفضوحة، الناخب الأول فيها هو المشروع الصهيوني ولوبياته المجرمة، التي تدير حرب الإبادة على شعبنا منذ أكثر من قرنين.

فعندما يتكلم الآباء عن وطن السلام، لماذا لا يتساءلن عن من يهدد السلام؟ هل الجنوبي الذي قُتل لجيلين، وهُدم بيته مرات، وهُجّر من قراه ومدنه منذ أواخر الستينيات إلى ضواحي بيروت؟

ومَن من الآباء يضمن لهذا الجنوبي، أياً كانت طائفته الأمن والسلام والاستقرار والسلامة له ولأسرته في بيته؟ ومَن منهم يمكنه لجم المشروع اليهودي الصهيوني بعدم احتلال لبنان واستثنائه من خريطة “إسرائيل الكبرى” ليطالب من يحمل السلاح دفاعاً أن يسلمه لدولة لم تحمه منذ قيامها، بل تركته فريسة لذيذة للوحش الصهيوني، ولا تعرف سوى إصدار أوامر إعادة التموضع للجيش الذي تركته شبه أعزل من سلاح فعّال يمكنه القيام بواجب الدفاع الوطني، المخصص له وزارة بهذا الاسم؟

عندما ترون الحرب المشتعلة أوارها انها فقط بين حزب الله وإسرائيل، أي من لم يكن في حزب الله هو محايد، ويقف على التل بانتظار المنتصر، بينما مشروع إسرائيل الكبرى لا ينوي فقط بيع العقارات وتسويقها في القرى الشيعية بل كذلك في كل لبنان، كمل لم يبق المسيحيين الفلسطينيين في بلادهم بل هجرهم إلى بلاد العالم، ومن بقي فيها أخضعه لبطريرك يوناني باع الأوقاف المسيحية للمستوطنين، وعبثا يصرخ الآباء المسيحيون الفلسطينيون ولا يريد أحد سماع صراخهم!

لماذا تسكتون عن الجرائم المرتكبة بحق العراقيين والسوريين واللبنانيين والفلسطينيين ومصرون أن تكونوا “شاهد ما شفش حاجة”؟

لماذا لا تتوجهون للسياسيين اللاعبين بمصير لبنان، المتقاعسين عن بناء دولة عدل شامل وقانون فاعل وقضاء نزيه وجيش قوي يمكنه استعادة مجد بطولات 16-17 أيلول 1972 مع العدو الإسرائيلي، حيث لم تكن مقاومة فلسطينية بفتح لاند ولا مقاومة وطنية ولا مقاومة إسلامية بولاية فقيه؟ أم أنكم تريدون الجيش شرطة خارجية زرقاء تحصي براميل الخط الزرق وترفع التقارير للعاصمة لتضمين الاعتداءات لشكاوى لمجلس الأمن وجمعية الأمم المتحدة للحفظ في جواريرهما؟

السلام معروف وواضاح أهله ودعاته وشعبه وبلاده، والعدوان معروف دعاته ومحوره ومجرموه. والتغاضي عن هذا التفريق الحاسم الواضح اشتباه وتواطؤ.

*مقدمة لملفات حرمون 42 – منشور في منصة حرمون تحت رابط:

ملفات حرمون 42 – عيد البشارة: لتكن البشارة نهوض لبنان ووحدته وانتصاره بحيث يستحيل الحياد بين الحق والباطل https://haramoon.com/396353/

روابط صفحات وقنوات حرمون في مواقع التواصل الاجتماعي:         

 رابط صفحة حرمون في فيسبوك:

https://www.facebook.com/Haramoonplatform   

مجموعة حرمون في واتس:

https://chat.whatsapp.com/BAH6v2du3s3BgXoZoV8ViH     

حساب حرمون في إنستا:

https://www.instagram.com/haramoon.dxn/

حساب حرمون في منصة إكس:

https://x.com/Haramoon2008

قناة حرمون في تلغرام:

https://t.me/haramoon2009

قناة حرمون في يوتيوب:

https://www.youtube.com/@haramoonplatform

صفحة حرمون في لينكدإن:

https://www.linkedin.com/in/haramoonplatform/