
باسل أبو حمدان
لم يعد التصعيد الإسرائيلي المتكرر على قضاء حاصبيا حدثا عابرا في يوميات أبناء المنطقة، بل تحول إلى واقع ضاغط يفرض نفسه على تفاصيل الحياة اليومية، من الأمن إلى الاقتصاد، ومن الحركة الاجتماعية إلى الاستقرار النفسي. فبعد القصف الذي استهدف يوم أمس، أحد الشاليهات على ضفاف نهر الحاصباني، عادت المخاوف لتتصدر المشهد، وعادت معها الأسئلة القديمة الجديدة: إلى أين تتجه الأمور؟ وهل المطلوب كسر إرادة الناس ودفعهم إلى التراجع عن تمسكهم بأرضهم؟
في الظاهر، يبدو المشهد عسكريا بحتا، لكن في العمق، فإن ما يجري يتجاوز حدود الاستهداف الميداني ليصيب نبض الحياة في القضاء بأكمله. فحاصبيا، التي عاشت تاريخيا على إيقاع الأرض والزراعة والمواسم والسياحة الداخلية، تجد نفسها اليوم أمام مرحلة حساسة، تتداخل فيها التهديدات الأمنية مع الأعباء المعيشية، فيما يتمسك أهلها بموقف واضح لا لبس فيه: لن نغادر، ولن نفرط، ولن نترك أرضنا مهما اشتد العدوان.
القصف الأخير على شاليه في منطقة الحاصباني لم يكن مجرد استهداف لمكان جغرافي، بل حمل في توقيته ورسائله أبعادا تتصل بحالة الضغط المستمر على هذه المنطقة الحدودية الحساسة. فالمكان المستهدف يقع في منطقة لطالما شكلت متنفسا للأهالي والزوار، ورمزا لطبيعة حاصبيا الهادئة وجمالها البيئي، ما جعل الاعتداء بمثابة رسالة تتجاوز الحجر إلى محاولة ضرب الشعور بالأمان، وإبقاء المنطقة تحت التهديد المفتوح.
وفي وقت كان فيه الناس يأملون أن تستعيد المنطقة شيئا من هدوئها النسبي، جاءت الضربة لتؤكد أن العدو الإسرائيلي ما زال يتعامل مع الجنوب، وحاصبيا ضمنه، بمنطق الترهيب والضغط والتلويح الدائم بالنار. وهو ما أعاد إلى الأذهان مراحل سابقة عاشها القضاء تحت وطأة القلق، حين كانت أصوات الانفجارات تتسلل إلى البيوت، وتفرض على العائلات حياة ناقصة، مشوبة بالحذر والخوف والترقب.
لكن ما يلفت في حاصبيا اليوم ليس فقط حجم القلق، بل حجم الصمود أيضا. فرغم كل ما يجري، لا تزال القرى تنبض بأهلها، ولا تزال البيوت مأهولة، والناس متمسكة بمواسمها، بأرضها، بزراعتها، وبحياتها اليومية، وكأنها تقول للعدو بوضوح: لن نمنحك ما تريد.
هذا التمسك لا يأتي من باب العناد فقط، بل من قناعة راسخة لدى أبناء المنطقة بأن الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هوية وكرامة ووجود. لذلك، فإن أي استهداف لحاصبيا أو العرقوب أو القرى المحيطة، يقرأ شعبيا على أنه محاولة للمساس بثبات الناس في أرضهم، أكثر مما هو مجرد تصعيد أمني عابر. ومن هنا، يتعزز الشعور العام بأن المعركة الحقيقية ليست فقط مع القصف، بل مع مشروع إفراغ الأرض من ناسها وكسر صمودهم النفسي والمعيشي.
وفي موازاة هذا الواقع، يبرز عنصر أساسي في خطاب الناس ومطالبهم، وهو التمسك بالدولة اللبنانية كمظلة وحيدة وحامية للمنطقة وللبنان كله. فالأهالي، رغم كل ما يعانونه، لا يطرحون خطابا انفعاليا أو فئويا، بل يرفعون مطلبا وطنيا واضحا: أن تكون الدولة حاضرة بكل مؤسساتها، وأن تتحمل مسؤولياتها الكاملة في حماية الجنوب، وتثبيت الناس في أرضهم، ومنع تحويل المناطق الحدودية إلى ساحات مكشوفة للاستهداف والابتزاز.
ففي وجدان أبناء حاصبيا، الدولة ليست تفصيلا إداريا ولا شعارا سياسيا، بل هي الضمانة الوطنية الأخيرة، وهي الإطار الذي يحفظ الناس من الفوضى والانكشاف والضياع. ومن هنا، فإن أي لحظة تصعيد، كالقصف الأخير على ضفاف الحاصباني، تعيد التذكير بالحاجة إلى حضور رسمي فعلي، لا يقتصر على بيانات التنديد أو المتابعة الشكلية، بل يترجم بإجراءات ملموسة تؤكد أن هذه المنطقة ليست متروكة، وأن أبناءها ليسوا وحدهم في مواجهة الخطر.
وإذا كان القصف يزرع الخوف في النفوس، فإن تأثيره لا يتوقف عند البعد الأمني فقط، بل يمتد ليطال الواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي يعاني أساسا من هشاشة كبيرة. فقضاء حاصبيا، الذي يعتمد جزء مهم من حركته على الزراعة والمواسم والمحال الصغيرة والأنشطة السياحية البسيطة، يتلقى مع كل تصعيد ضربة إضافية تزيد من معاناة الناس. فحين تقصف منطقة قريبة من متنفس طبيعي كالحاصباني، لا يتضرر الموقع المستهدف وحده، بل تتضرر صورة المنطقة كلها، وتتراجع الحركة، ويصاب الناس بمزيد من القلق على لقمة عيشهم.
أصحاب المشاريع الصغيرة، وأصحاب الأراضي الزراعية، والعائلات التي بالكاد تحاول الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار، جميعهم يدفعون ثمن هذا التصعيد المفتوح. فالمشهد في حاصبيا لم يعد مجرد أخبار عن غارة أو تحليق أو استهداف، بل صار ينعكس مباشرة على تفاصيل المعيشة اليومية، من الحركة التجارية إلى الزيارات العائلية، ومن النشاط العام إلى حتى الإحساس البسيط بالأمان داخل البيت.
ومع ذلك، فإن ما يميز هذه المنطقة هو أن الخوف لم يتحول إلى هزيمة، والضغط لم يتحول إلى استسلام. بل على العكس، يظهر في كلام الناس ونبض القرى إصرار واضح على البقاء، وعلى رفض أي محاولة لاقتلاعهم المعنوي أو الجغرافي. وهذا ما يجعل من حاصبيا اليوم نموذجا حيا لصراع الإرادة بين شعب يريد أن يعيش بكرامة على أرضه، وعدو يحاول فرض معادلاته بالقوة.
الرسالة التي يوجهها أبناء القضاء في هذه المرحلة شديدة الوضوح: نحن نتمسك بأرضنا، ونتمسك بدولتنا، ونؤمن أن الدولة وحدها يجب أن تكون الحامي الحقيقي للمنطقة وللبنان كله. فالصمود الشعبي، مهما كان صلبا، لا يمكن أن يترك وحيدا من دون احتضان رسمي وسيادي وإنمائي وأمني. والرهان الحقيقي اليوم ليس فقط على تجاوز هذه الجولة من التصعيد، بل على تثبيت معادلة وطنية تحمي الناس وتحفظ الجنوب وتمنع تحويله إلى منطقة معلقة بين الخوف والنسيان.
إن ما جرى على ضفاف نهر الحاصباني ليس تفصيلا، بل جرس إنذار جديد يذكر الجميع بأن الجنوب، وحاصبيا تحديدا، لا يحتاجان فقط إلى التعاطف، بل إلى قرار واضح بحمايتهما سياديا ووطنيا وإنسانيا. فالمنطقة التي دفعت أثمانا باهظة عبر السنوات، لا تطلب المستحيل، بل تطلب حقها الطبيعي في الأمن والاستقرار والعيش الكريم تحت سقف الدولة اللبنانية.
وفي الخلاصة، تبدو حاصبيا اليوم واقفة عند خط تماس دقيق بين التهديد والصمود. العدو يصعد، والأهالي يثبتون، فيما تبقى الدولة أمام مسؤولية لا تحتمل التأجيل: أن تكون فعلا إلى جانب هذه الأرض وأهلها، لا بالخطابات فقط، بل بالحضور والحماية والرعاية. لأن الجنوب لا يحمى بالكلمات وحدها، بل بإرادة وطنية حقيقية تقول بوضوح إن هذه الأرض ليست متروكة، وإن أبناءها ليسوا وحدهم، وإن لبنان يبدأ أيضا من هنا… من حاصبيا الصامدة على ضفاف الحاصباني.
(الوكالة الوطنية)


