
فايز أبو عيد
في عالمٍ يتداعى فيه الوطن ويغدو المنفى ملاذًا مؤقتًا، تأتي رواية “لاجئ ويعيد” للكاتب الفلسطيني خليل محمود الصمادي لتروي مأساة اللاجئ الفلسطيني في سورية بوصفها قدرًا متكررًا.
من مخيم اليرموك إلى أمستردام، تتعقب الرواية رحلة عائلة واحدة، لتكشف عن الألم، الفقد، والصراع اليومي بين البقاء والهروب، في سردٍ يمزج بين الوثيقة والدراما، بين الشهادة الأدبية والواقع المعاش.
رواية «لاجئ ويعيد – حكاية مهاجر من الشام إلى أمستردام» التي صدرت عام 2026 عن دار “زقاق الكتب” في إسطنبول، ليست مجرد رواية بالمعنى التقليدي، بل هي شهادة حيّة ومشروع توثيقي أدبي يسعى إلى تتبع مسار عائلة فلسطينية – سورية واحدة، من مخيم اليرموك في دمشق، عبر محطات المنفى المتعددة في بيروت والرياض والقاهرة وإسطنبول وأثينا، وصولاً إلى أمستردام.
الكاتب، خليل الصمادي ابن مخيم اليرموك، ليس غريباً عن هذا العالم، فهو الذي أصدر سابقاً كتباً في التعليم والتربية والثقافة الفلسطينية مثل “1200 سؤال وجواب عن فلسطين” و”ذكريات من مخيم اليرموك”، وهذه الخلفية غير الأدبية تفسّر الكثير من طابع الرواية: الدقة التوثيقية، والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة، والحضور القويّ للبعد التعليمي والتاريخي في السرد.
رواية “لاجئ ويعيد” التي تقع في 257 صفحة من القطع المتوسط، وتتوزع على ستة وأربعين فصلاً، تحمل عناوين تحيل غالباً إلى تواريخ وأماكن محددة، من “ساحة الريجة” و”مجزرة في شارع الجاعونة” إلى “اعتقال عمر” و”إلى اليونان” وأخيراً “الوصول إلى أمستردام”.
هذا التقسيم الزمني – المكاني يمنح الرواية طابعاً أرشيفياً أو تقريرياً، وكأن القارئ يقرأ يوميات مكثفة لأكثر من خمس سنوات من تاريخ عائلة واحدة، ففي الصفحات الأولى تغلب على السرد وتيرة إخبارية سريعة تتحول أحياناً إلى تلخيص للأحداث السياسية أكثر مما تتعمّق في الحالة النفسية للشخصيات، لكن الكاتب ينجح تدريجيًا في تحويل هذا الأرشيف إلى مادة درامية، خاصة مع تصاعد الأحداث المرتبطة بتغطية الأحداث المفصلية والإنسانية الأكثر ألماً كالاعتقال والهجرة.
في قلب الرواية، تبرز شخصية خالد، الأب الذي يجد نفسه ممزقًا بين البقاء في مكان ينهار، أو المغامرة بمصير عائلته في المجهول، هذا الصراع المزدوج يجعل خالد شخصية معقدة: في بداية الرواية يظهر كصوت الواقعية والخوف على أبنائه، جالساً في ساحة الريجة مع أصدقائه يتبادلون التحليلات السياسية والإشاعات، لكن الأحداث تجرّه قسراً إلى دوامة العنف. إصراره على بقاء العائلة في المخيم ثم اضطراره إلى الخروج، ثم رحلة البحث عن ابنه المعتقل، ثم محاولات مساعدته على الهجرة، كلها مراحل تظهر تحولاً في الشخصية من الأب الحريص الذي يردّد “يلي بيطلع من داره بيقل مقداره” إلى الأب الذي يدفع آلاف الدولارات لمهربين ومحتالين ويجوب المطارات والحواجز بحثاً عن أي طريق لإنقاذ ابنه.
أما عمر الشخصية الأكثر تطوراً درامياً في الرواية، فيمثل الوجه الأكثر قسوة للتجربة، الشاب الذي لا يحبّ السياسة ويعاني من فوبيا منذ حرب الخليج الأولى، يدفعه القدر إلى قلب الأحداث عنوة، وذلك من خلال اعتقاله بتهمة التظاهر غير المرخّص هو نقطة تحوّل: الرجل الذي حاول البقاء بعيداً عن السياسة يكتشف أن الحياد لا يحمي أحداً في زمن الحرب.
وهنا تتحول رحلة عمر عبر مدن وعواصم متعددة، دمشق – بيروت – دبي – الرياض – القاهرة – إسطنبول – إزمير- أثينا – فيينا – ستوكهولم وأخيراً أمستردام، إلى “أوديسة معكوسة”، لا عودة فيها إلى إيثاكا، بل بحث دائم عن مكان بديل.
بهذه الأحداث الإنسانية الموجعة يدخلنا الكاتب خليل الصمادي إلى عوالم فنية تعبّر عن جوهر تجربة اللجوء: محاولات لا تنتهي، وحدود تُغلق، وأبواب تُفتح على خيبات جديدة، كما تستدعي الرواية تجربته بمقارنات مع شخصيات روائية عاشت التيه ذاته، كما في أعمال حنان الشيخ أو إلياس خوري، حيث يصبح المنفى حالة وجودية لا جغرافية فقط.
في حين أن الصمادي يذكرنا في روايته، بشكل غير مباشر، بأصداء أعمال أدبية تناولت المنفى، مثل رجال في الشمس للكاتب غسان كنفاني، حيث يتحول الهروب إلى مواجهة أخرى مع المصير.
لا تقتصر قوة الرواية على شخصياتها الرئيسية، بل تمتد إلى عالمها الثانوي، حيث تتكاثر الحكايات الصغيرة التي تعكس وجوهًا متعددة للمأساة، من الأم التي تتمسك بكرامتها في لحظات الانكسار، إلى الأب الذي يرفض مغادرة المخيم حتى يجبره الجوع، وصولًا إلى قصص الانقسام التي تختزل مأساة الحرب، تتشكل لوحة إنسانية واسعة، وإن بدت أحيانًا مثقلة بتعدد شخصياتها.
في مستوى المكان، تقدم الرواية مخيم اليرموك في البداية كفضاء حيوي مزدحم، يضم أكثر من نصف مليون نسمة وأربعين مدرسة وخمسة عشر مسجداً وأسواقاً تجارية تضاهي الحميدية والحمراء، وكأن الكاتب يريد التأكيد على أن مخيم اليرموك ليس مجرد مكان جغرافي، بل هو حامل للذاكرة والهوية.
كما ترصد الرواية تحولات العلاقة العربية مع اللاجئ الفلسطيني، مقدّمة صورة قاتمة لعالم يضيق بأبنائه، من مدينة إلى أخرى، يتكرر الرفض، ويتكرّس الإقصاء، حتى يصبح اللاجئ عالقًا في حالة “بين بين”: لا هو في وطنه، ولا هو مقبول في المنفى.
تعتمد الرواية على المفارقة كأداة سردية مركزية: ثلاث تأشيرات لعمر لا تنفع واحدة منها، والقاضي النصاب الذي ينتحل شخصية قاض في محكمة الإرهاب هو في الحقيقة مساعد أول يعلن انشقاقه لاحقاً، وغرق قارب قبالة السواحل الليبية يموت فيه ستون شخصاً بينما ينجو عمر من الموت لأنه كان في مطار بيروت لا في القارب، وعبادة الطفل ذو العشرة أعوام الذي يسافر مع أبي العبد يموت غرقاً بينما ينجو أبو العبد.
هذه المفارقات ليست مجرد حيل سردية، بل تعكس نظرة الكاتب للعالم: عالم لا عدالة فيه ولا منطق، ولا سبب لنجاة أحد دون الآخر، كما تعتمد الرواية على التكرار في عدة مستويات: تكرار المحاولات الفاشلة لهجرة عمر، وتكرار الحواجز التي يمر بها خالد وعمر، وتكرار الدعاء “الله يشتت من شتتنا” و”حسبنا الله ونعم الوكيل”.
في مستوى المضمون، ترصد الرواية بدقة وضع الفلسطيني – السوري، أي الفلسطيني الذي ولد وعاش في سورية ثم اضطر إلى الهجرة بسبب الحرب السورية.
هذه الهوية المزدوجة تجعل من حاملها لاجئاً مضاعفاً: لاجئاً من فلسطين ولاجئاً من سورية. مشهد منع عمر من دخول مصر لأنه يحمل وثيقة فلسطينية يختزل كل شيء: حامل الوثيقة الفلسطينية هو الآخر حتى في البلدان العربية، والجملة التي تختتم الرواية “حامل الوثيقة ممنوع من دخول 22 دولة عربية من أصل 22” هي إدانة صريحة للعالم العربي الذي استقبل اللاجئين الفلسطينيين عقوداً، لكنه ظل يعاملهم كضيوف غير مرغوب فيهم.
كما تتبع الرواية مسار الثورة السورية من أيامها الأولى في شباط 2011 إلى تحولها إلى حرب أهلية، لكنها لا تقدم تحليلاً سياسياً بقدر ما ترصد تأثير هذه التحولات على حياة عائلة واحدة. مشاهد مثل مجزرة شارع الجاعونة ومقتل التوأمين حسن وحسين وحصار المخيم تظهر كيف تحولت الثورة إلى فوضى وكيف انقسم السوريون والفلسطينيون على أنفسهم.
أخيراً يمكن القول: إن الرواية تقدم إضافة مهمة للأدب الفلسطيني – السوري، إنها توثق لحظة تحول كبرى في تاريخ المنطقة: لحظة انهيار الاستثناء السوري الذي كان فيه الفلسطيني يعيش كمواطن ولو ناقصاً، وتحوله إلى لاجئ جديد في عالم لم يعد يرحب باللاجئين.
الجملة الأخيرة في الرواية “وبجوار الكنيسة التي تقرع أجراسها كل ثلاثين دقيقة” غير مكتملة، وهذا التوقف المفاجئ قد يكون مقصوداً: قصة المنفى لا تنتهي، والحياة لا تقدم نهايات مغلقة.
عمر في أمستردام لكننا لا نعرف إن كان سيبقى فيها أم سيستمر في رحلته، وبنان في دمشق لكننا لا نعرف إن كانت ستتخرّج أم ستضطر إلى الهجرة، وأبو سامح في القاهرة لكننا لا نعرف إن كان سيعود إلى المخيم الذي أحبه.
النهاية المفتوحة للرواية لا تبدو نقصًا، بل خيارًا جماليًا واعيًا؛ إذ تترك الشخصيات معلّقة في مصائرها، كما لو أن الحكاية ترفض أن تُغلق، فالمأساة، هنا، لا تنتهي بالوصول، بل تبدأ منه.


