
ميراي برق
(كاتبة وإعلامية)
من المهم في الوقت نفسه أن يطمئن الأهل الطفل إلى أنه ما زال في أمان، وألا يصل حزنهم إلى درجة يشعر فيها الطفل بأنه أصبح مسؤولًا عن حماية الكبار.
وتوضح سليمان أنه في بعض الحالات، مثل وفاة أحد الوالدين أو صديق في المدرسة، قد يشعر الطفل بقلق شديد أو خوف على نفسه. لذلك من المهم طمأنته وشرح ما حدث بطريقة مبسطة، مع التأكيد أن ما جرى قد يكون حالة نادرة أو مرتبطًا بمرض أو حادث.
وتشير دراسات نفسية وتربوية دولية إلى أن الدعم العاطفي المستقر يلعب دورًا حاسمًا في مساعدة الأطفال على تجاوز الفقدان. فالأبحاث تظهر أن نحو 90 في المئة من الأطفال الذين يعيشون في بيئة توفر الصدق في المعلومات وروتينًا يوميًا ثابتًا يتمكنون من تجاوز مرحلة الحزن الحاد دون الحاجة إلى تدخل علاجي طويل الأمد. كما تشير دراسات أخرى إلى أن أنشطة مثل الرسم واللعب تساعد الأطفال على التعبير عن مشاعرهم وتطوير قدراتهم على فهم العواطف في سن مبكرة.
الأميوني: آلية الأمان
من جهتها، ترى الأميوني أن فقدان الأطفال لأحد الوالدين أو الأشقاء أو الأصدقاء قد يشكّل حدثًا صادمًا يترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة، خصوصًا إذا حدث بشكل مفاجئ أو في ظروف صعبة مثل الحروب أو الكوارث.
وتوضح أن الطفل في هذه المرحلة العمرية لا يمتلك الأدوات النفسية أو المعرفية الكافية لفهم معنى الموت، لذلك غالبًا ما يظهر حزنه بطرق غير مباشرة، مثل القلق، الانطواء، اضطرابات النوم أو حتى السلوك العدواني. وفي بعض الحالات قد يشعر الطفل بالذنب، أو يعتقد أنه مسؤول بطريقة ما عمّا حدث، ما يزيد من تعقيد تجربته النفسية.
وتضيف الأميوني أن الفقدان قد يؤثر أيضًا في شعور الطفل بالأمان والاستقرار الاجتماعي، لأن الأسرة تمثل الإطار الأساسي للحماية النفسية. وعندما يحدث خلل في هذا الإطار نتيجة فقدان أحد أفرادها، قد يشعر الطفل بعدم اليقين تجاه المستقبل، وهو ما قد ينعكس على علاقاته في المدرسة ومع أقرانه.
لكنها تشدد على أن وجود بالغين داعمين في حياة الطفل — سواء كانوا من أفراد العائلة أو المعلمين أو الاختصاصيين — يمكن أن يخفف بشكل كبير من آثار الصدمة. فالدعم العاطفي المستمر، والحفاظ على الروتين اليومي، وإتاحة الفرصة للطفل للتعبير عن مشاعره، كلها عوامل تساعده على استعادة الشعور بالأمان وبناء قدرته على التكيف.
وفي المحصلة، يشير المختصون إلى أن التعامل مع فقدان الأطفال لا يجب أن يُنظر إليه كحدث عابر، بل كمرحلة حساسة تتطلب وعيًا أسريًا ومؤسساتيًا. فالأطفال قد لا يمتلكون الكلمات الكافية للتعبير عن ألمهم، لكنهم يحتاجون إلى بيئة آمنة وصادقة تمنحهم الوقت والمساحة لفهم ما حدث والتعايش معه.
وبين الصدق في الشرح، والاحتواء العاطفي، والحفاظ على استقرار الحياة اليومية، يمكن مساعدة الأطفال على تجاوز تجربة الفقدان القاسية وبناء قدرة نفسية تساعدهم على مواجهة تحديات الحياة في المستقبل.
بالإضافة إلى ذلك، فإن العوامل والأزمات التي تمر بها المنطقة، من حروب وضغوط اقتصادية وأمنية، وإغلاق المدارس، مما يجبر الأطفال على البقاء في المنزل بعيدًا عن الاختلاط مع رفاقهم وممارسة أنشطة تعليمية وبدنية وفكرية ومدرسية، تنعكس نفسيًا على قدراتهم ومزاجهم السلوكي واليومي وتأقلمهم مع الواقع الجديد.
كل ذلك يتطلب جهودًا إضافية من الأهل من أجل سلامة الأطفال نفسيًا وصحيًا واجتماعيًا، ليبقى الطفل في مأمن من تداعيات الحياة وسلوكياتها السلبية.
المصدر: موقع بيروت 2030
(https://beirut2030.me/?p=5041)


