
د. عصام نعمان
(مفكر وقانوني ومناضل)
بدء الإحتفال بعيد الفطر في بلاد العرب صادف تاريخه هذه السنة يوم الجمعة الواقع فيه العشرون من شهر آذار/مارس 2026 م الموافق الأول من شهر شوال 1447 هـ لكنه صادف أيضاً تاريخ الإحتفال بعيد نوروز (الربيع) عند الإيرانيين. هكذا عيّد العرب مرةً واحدة فيما عيّد الإيرانيون مرتين. غير أن الإيرانيين والعرب إحتفلوا معاً في التاريخ ذاته بعيدٍ ثالث هو يوم إنكسار الهيبة العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية في سياق صراعهما الموصول ضد هيمنتها الكاملة، السياسية والإقتصادية، على دول غرب آسيا الممتدة أراضيها من شواطيء البحر الابيض المتوسط جنوباً الى شواطيء بحر قزوين في ايران شمالاً، ثم الى جبال باكستان شرقاً. ففي صباح يوم الجمعة الماضي كرّست موجات من الآف الصواريخ فرط الصوتية بعيدة المدى الإيرانية والمسيّرات الإنقضاضية على عشرات المواقع والقواعد العسكرية والمنشآت الإقتصادية في تل ابيب وحيفا والقدس المحتلة إنكسارَ هيبة امريكا فيما كانت صواريخ المقاومة الإسلامية (حزب الله) تنقضّ على البلدات والقرى اللبنانية الكائنة على حافة الحدود المحاذية لفلسطين المحتلة حيث أرسى فيها كيان الإحتلال مواقعَ وبؤراً في محاولةٍ فاشلة لتوسيع رقعة احتلاله في منطقة جنوب نهر الليطاني.
عزّزت هذه المكاسب العسكرية آمال الإيرانيين دولةً وشعباً كما حلفاءهم العرب، لكنها أحرجت الأمريكيين، لاسيما الرئيس دونالد ترامب الذي لم يتورع عن صبّ جام غضبه على حلفائه الأوروبيين المتخلفين عن مشاركته عدوانه الوحشي على ايران فوصفهم بأنهم جبناء، وأوحى بتصريحاته المتناقضة بأنه مصمم على متابعة الحرب من دونهم. المقرّبون منه سرّبوا معلومات غيرمؤكدة مفادها انه عزّز أسطوله المحتشد في المحيط الهندي على بُعد نحو الف كليومتر من ايران ببضعة الآف من الجنود قيل إنهم سيحاولون السيطرة على جزيرة خرج حيث تسعون في المئة من إحتياط ايران النفطي وذلك بقصد الضغط عليها من اجل رفع سيطرتها عن مضيق هرمز الذي يمر عبره 20 في المئة من صادرات النفط والغاز الى مختلف أنحاء العالم.
كلُ هذه الواقعات والتطورات والتسريبات تشير مباشرةً او مداورةً الى أن الحرب الامريكية-الاسرائيلية ضد ايران وقوى المقاومة العربية قد تطول، فكيف تراها تكون تفاعلاتها وتداعياتها ؟
بات واضحاً أن امريكا واسرائيل توافقتا على إنهاء حضور ايران كقوةٍ إقليمية كبرى لكونها تشكّل خطراً وجودياً على كيان الإحتلال كما على المصالح الامريكية في غرب آسيا. وإذ اخفقت الدولتان المعتديتان في بلوغ هذا الهدف من خلال إغتيال مرشد الجمهورية الإسلامية في ايران السيد علي خامنئي والصف الأول من قادة الجيش والحرس الثوري والباسيج (قوات التعبئة ) والإستخبارات والمواقع الرئيسة في هيكلية الدولة، فقد خلَصَتا الى إتخاذ قرار حاسم بتدمير ايران تدميراً شاملاً، وتفكيكها وتقسيمها وذلك بإستثارة وتأليب أعراقها الخمسة ( الفرس والعرب والبالوتش والكرد والأذريين) على بعضهم بعضاً، وتأجيج الإنقسام التقليدي بين السنّة والشيعة، وتعميق الخلافات بين الدول الإسلامية المجاورة، ووضع اليد على موارد ايران النفطية والغازية.
تنفيذُ هذا القرار البالغ الخطورة والتداعيات الناشئة عنه إقليمياً ودولياً يبدو مستحيلاً في سياق الصراع الحالي المتسم بالحساسية الشديدة وبتفاوت موازين القوى الدولية، وإحتمال تعزيز كل من الصين وروسيا دعمهما السياسي واللوجستي لإيران، فضلاً عن ضخامة التحديات والضغوط وعمق الحساسيات في الداخل الامريكي الذي يواجه إستحقاقاً بالغ الأهمية بسبب الإنتخابات النصفية المقررة في مطلع شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل في وقتٍ تشير معظم استطلاعات الرأي الى تراجعٍ كبير في تأييد الناخبين لترامب وحزبه الجمهوري ما قد يؤدي الى خسارته الاكثرية في مجلسيّ النواب والشيوخ.
أمام هذه المخاطر والتحديات والحساسيات يجد ترامب نفسه امام اربعة خيارات غير مضمونة النتائج :
- إحتلال جزيرة خرج الإيرانية الكائنة الى الشمال من مضيق هرمز بغية السيطرة على معظم إحتياط ايران من النفط والغاز والتهديد بالبقاء فيها الى ان تتراجع طهران عن إغلاق مضيق هرمز في وجه الولايات المتحدة وشركائها وحلفائها في الصراع المتصاعد حالياً.
- إستخدام احد أسلحة الدمار الشامل (كالسلاح النووي التكتيكي مثلاً ) لكسر صلابة ايران وصمودها بسرعةٍ قياسية ظنّا منه (ترامب) أن ذلك ينشيء أمراً واقعاً يحدّ من التفاعلات الدولية السلبية من جهة، كما يتيح له من جهة اخرى تدميراً قاسياً وشاملاً لإيران يحول دون نهوضها لمدة لا تقلّ عن عشر سنوات.
- إسناد تنفيذ المهمة النووية سالفة الذكر لبنيامين نتنياهو الذي لديه من الأسباب والحوافز والمخاوف والمطامع ما يدفعه الى القبول بإنجازها والمراهنة تالياً على إستعداد الرئيس الامريكي لتغطيته وحمايته من مفاعيلها وتداعياتها لاحقاً.
- العمل على هندسة تسويةٍ للخروج من المأزق الجيوسياسي والعسكري الراهن تتحمّل بموجبها امريكا وحلفاؤها الاقليميون خسارة القليل من المصالح مقابل المحافظة على الكثير منها.
أرى، وربما غيري كثر، أن أياً من الخيارات سالفة الذكر صعب إن لم يكن مستحيلَ التحقيق، وأن ايران وحلفاءها العرب وغير العرب بمقدورهم، مهما طالت الحرب، الحؤول دون إستمرار الهيمنة الامريكية في غرب آسيا وحتى في شرقها، وان إنكسار هيبة وهيمنة الولايات المتحدة هو السبيل الأقصر الى بناء نظام عالمي جديد عادل وفاعل من شأنه منع نشؤ احادية قطبية وهيمنة وغطرسة وعدوان في المجتمع الدولي.
نشرت في جريدة “القدس العربي”(لندن) بتاريخ 2026/3/23


