
خضر ضيا
مربٍّ متقاعد
في زمنٍ تتهاوى فيه الأقنعة،
لا يعود الغموض حكمةً،
ولا الوقوف في المنطقة الرماديَّة حياداً،
بل انحناءةٌ خفيَّةٌ أمام القوَّة.
ما يجري ليس خلافاً سياسيًّا عابرًا،
بل مواجهةٌ مكشوفةٌ:
مشروعٌ إمبرياليٌّ يمدُّ يده على العالم،
بجيوشه، وأسواقه، ومنصَّاته،
ومشروعُ مقاومةٍ يحاول،
أن يحفظ حقَّ الوجود والكرامة.
الخطاب الذي تزيَّا بالحريَّة وحقوق الإنسان،
انكشف كقناعٍ مُتقَنٍ،
تحتَهُ تُدار الحروب،
وتُفرض العقوبات،
وتُجَوَّع الشعوب،
ويُعاد ترتيب العالم وفق مصالح ضيِّقة.
ليس الأمر ازدواجيَّةَ معاييرٍ فحسب،
بل نظامُ هيمنةٍ متكاملٍ:
قوّةٌ عسكريةٌ تُخضِع،
واقتصادٌ يبتزُّ،
وإعلامٌ يُعيد كتابة الحقيقة،
حتى يصبح الضحيَّةُ متَّهمًا،
والجلادُ حارسَ “النظام”.
شبكةُ نفوذٍ عابرةٌ للحدود،
تُمسك بخيوط الدول كما تُمسك بالأفراد،
تبتزُّ، تُطوِّع، وتُعيد تشكيل الإرادات —
لا في الظلِّ كما كان،
بل على مرأى العالم.
في هذا المشهد،
لا يعود الحياد موقفاً،
بل تواطؤاً صريحاً:
فثمَّة من يملك أدوات القهر ويفرض هيمنته،
وثمَّة من يقاوم كي لا يُمحى.
ومع ذلك،
يستمرُّ صوتٌ ضبابيٌّ
يُساوي بين الضحيَّة والجلَّاد،
ويطلب “عقلانيَّةً” بلا أخلاق،
عقلانيَّةً تُقنع المقهور
أن يتكيَّف مع قهره،
بدل أن يرفضه.
هذا الصوت لا يصنع وعيًا،
بل يُعيد إنتاج الهزيمة،
ويُطيل عمر السيطرة.
الانحياز هنا ليس انفعالاً،
بل قراءةٌ واضحة:
ما يجري ليس أخطاءً متفرِّقة،
بل استراتيجيةٌ لإعادة هندسة العالم،
ومن يواجهها،
إنما يدافع عن وجوده الجمعيِّ،
لا عن فكرةٍ مجرَّدة.
لهذا،
فالمطلوب ليس موقفاً عاطفياً،
بل انحيازٌ واعٍ:
ضدَّ الهيمنة،
والوقوف إلى جانب الحقِّ،
وبناء نموذجٍ أعدل،
أوضح، وأصدق.
اللَّحظة تفرض تسمية الأشياء بأسمائها:
هذا ظالم،
وهذا مظلوم،
وهذا يقاوم،
وذاك يفرض سيطرته.
لم يعد يكفي أن نقول إنَّنا ضدَّ الظلم،
بل أن نُعلن: أين نقف.
ففي زمن انكشاف الحقائق،
لا يعود السؤال: مَن على حق؟
بل: هل نحن مع مَن يُخضِع العالم،
أم مع مَن يحاول — رغم كل شيء—
أن يحرِّره؟
*****


