مأمون ملاعب

الحرب اليوم كما الأمس ومنذ ما قبل النكبة وبصرف النظر عن من يحمل لواءها هي حلقة من قضية فلسطين من جهتنا وقضية الكيان “اسرائيل” وديمومته وسيطرته من وجهة نظر الأعداء. وكل ما اتصل بهذه الحرب الطويلة من معطيات جغرافية استراتيجية (الممرات المائية، طريق الحرير، آبار النفط…) أو اقتصادية أو مراكز نفوذ، كلها ملحقات فرضتها التطورات والظروف. الحرب بدأت قبل النفط وقبل نمو الصين وقبل نفوذ الولايات المتحده وقبل الحرب الباردة. بدأت عبر التخطيط لها قبل الحرب العالمية الأولى. أبان السلطنة ومن ثم مع الهجرة اليهودية وتحرك عصاباتها تحت احتلال بريطانيا التي حملت مع فرنسا لواء الحرب إلى جانب اليهودية العالمية ثم انتقل هذا اللواء إلى الولايات المتحدة مع سيطرة اللوبي اليهودي هناك. بالمقابل كانت قضية فلسطين قضية عربية وحمل الصراع اسم عربي _ اسرائيلي ليتحول اليوم الى إيراني _ اسرائيلي كما يريد اليهود وأتباعهم، أما الأدق فهو محور المقاومة _ محور اليهود بينما انتقل معظم العرب إلى جهة محور اليهود وكم هذا مؤسف ومهين ومحزن. هذا الانتقال يمثل انتصاراً أساسياً لجبهة الأعداء وهزيمة كبرى لمجتمعاتنا أكبر من اي هزيمة عسكرية.

حين انتصرت الثورة الإسلامية في إيران أعلنت انتقالها من صديق وحليف للكيان الاغتصابي إلى خصم وأقفلت سفارته وأعلنتها سفارة فلسطين. كان من المفترض أن تتلقف الدول العربية المبادرة بصفتها صاحبة القضية وتعمل على التنسيق والتشبيك مع الحليف الجديد لكن ما حدث كان العكس. نجحت الولايات المتحدة في إيقاظ النزاعات المذهبية وما يعرف سابقاً بالشعوبية فسلط الضوء على فارسية وشيعية إيران بينما العرب سنة ولا يقبلون الروافض. هذا ما حدث سابقاً مع موارنة لبنان حين نجحت اليهودية العالمية عبر فرنسا من خلق هوية مسيحية لبنانية ضد العرب والمسلمين وجرتهم إلى اتفاقية بين اليهود والكنيسة وتبع ذلك أن الأحزاب المسيحية الانعزالية لم تر في “إسرائيل” عدواً في أي يوم لا كان العدو مَن يقف في مواجهتها من السوري العدو إلى محور المقاومة..

لقد كشفت سلسلة الحروب والأحداث حجم غباء الأنظمة العربية (عموماً) وشعوبها على حد سواء إلا القلة منهم.

* استثمرت الولايات المتحدة بالأكراد لتفتيت سورية والعراق ثم تركتهم لقمة سهلة للجولاني. واليوم تدفع اربيل الثمن. ولم يتعظوا.

* استثمرت “إسرائيل ” بالأحزاب الانعزالية وجيش لحد ثم تركتهم لمصير أسود ولم يتعظوا.

* استثمرت الولايات المتحدة بدول الخليج وامتصت مالهم حين وضعتهم بجبهة ضد العراق وكرّرت ذلك ضد إيران واليوم يدفعون الثمن. ولم يتعظوا.

* استثمرت الولايات المتحدة بالإسلام السياسي فخلقت القاعدة ثم النصرة ثم داعش. عملياً خلقت الإرهاب وألصقته بالإسلام واستغلته في حروب بالنيابة عنها وعن “إسرائيل” وما زالت.

يقف نتنياهو على المنابر يشرح على الخريطة عن حلمه او عن ما كافآه يهوه به أي قيام “إسرائيل الكبرى” غير متردّد ولا خائف من غضب أو من تراجع حلفائه العرب الجدد والمعنيين مباشرة بالتهديد. لم نسمع اعتراضاً ولا تعليقاً لا من إبن الحسين ولا من عون أو سلام ولا من أبو مازن ولا من الجولاني ولا حتى من ابن سلمان او السيسي وكأنهم في كوكب آخر. ويقف ترامب ويعلن أن إسرائيل أولاً ولم يراعِ لا شعور الأميركيين ولا شعور ناخبيه ولا الأوروبيين الصامتين العجزة، وحدها إسبانيا حافظت على كرامتها.

هذه الحرب طويلة وصعبة وفي طياتها انقلابات كثيرة على المستوى العالمي قبل المستوى العربي.

14-3-2026