
المفكر العربي د. عبد الحسين شعبان
أتلمّس في شخصيّة السيّد أحمد الحسني البغدادي جوانب إنسانيّة متعددة، ففيها ظَرف وبساطة وأريحيّة وخفّة دم ودعابة وتفكّه وسماحة، وهنا أستذكر جلال الدين الرومي، فلعلّ الأشياء البسيطة هي أكثر الأشياء تميّزًا وليست كل عين ترى، لذلك حين أتفحص تلك المواصفات أجدها مفتاح تواصل مع الآخرين، فحتى خصومه وربما أعداؤه يقرّون بتلك الميزات الشخصيّة له، إضافة إلى شجاعته وجرأته وعدم تردّده في قول الحق، وأحيانًا سرعان ما يندم على المواجهة المباشرة لأنه قد يستعجل اتخاذ الموقف، لكنه بعد حين يتأمل في المشهد، ولا سيّما بعد مضيّ الوقت، فيقول مع محدِّثه، لو كنت سكت لاعتبرت متواطئًا أو متخاذلًا، فالساكت عن الحق شيطان أخرس، وحتى لو لم يكن هناك تكافؤ، فقد كنتُ الأقوى لأنني واجهت من هو أقوى منّي، فانتصرت عليه بالمبادرة، حتى وإن أخطأت بالتوقيت.
ولظرافته وخفّة دمه يحب «القفشات» أحيانًا والمقالب، ولا سيّما ببعض من أصحابنا من «رجال الدين» الجامدين المتكلّفين المكفهّرين والحزبيين المتزمتين المتعجرفين المدّعين، وكنّا نؤشر لأولئك ولهؤلاء وأحيانًا يستدرجهم السيّد البغدادي بطريقته ليتمازح معهم ويسخر منهم بنكاته البريئة من دون الانتقاص من مقاماتهم.
في ظرافته ومجلسه الأنيس والتلقائي يخالف السيّد البغدادي صورة «رجل الدين» التقليدي المقطّب الحواجب العبوس القليل الكلام المنخفض الصوت بتكلّف، وهي صورة الحزبي النمطي المتخلّف والتقليدي الذي كنّا نسخر منه أيضًا ونحاول أن نوقعه في بعض المقالب، فتراه بضحكته المجلجلة يهتزّ بدنه النحيل وأحيانًا عمامته الكبيرة المتربّعة فوق رأسه حتى لتكاد تتحرّك فيمسكها ليضحك من القلب ويفصح عمّا في داخله، لا يريد الوقار الزائف أو الادعاء الفارغ أو الظهور بخلاف جوهره، وكنت أتلاطف معه حول تصريحه الشهير الذي قال فيه «لو خرجت عاهرة بتظاهرة ضد الاحتلال فسأسير خلفها» والأمر له معنى ودلالة رمزيّة بأن على الجميع الانخراط في مشروع مقاومة الاحتلال(1).
ظرافته تذكّرني بالشيخ «باقر الدين» وما كان ينظمه من قصائد بحق نفسه كما تذكّرني بالشيخ عبد الزهرة عاتي الشاعر والإنسان الجميل وجارنا العزيز وصديق الأخوال ناصر ورؤوف وجليل شعبان وكذلك صديق معين شعبان، وكان كثيرًا ما يتردد على بيته ومحل والده لبيع الأقمشة في السوق الكبير وعلى خان شعبان في سوق المراديّة ببغداد، حين كان مكتب جدي وشركته التجاريّة منذ مطلع الخمسينيات. ورغم فارق السنّ بيننا، حيث كنت صديق أبنائه علاء وسليم (وكلاهما كانا على ملاك الحزب الشيوعي) والدكتور ابراهيم لاحقًا، وقد جمعتني وإيّاه مواقف متعددة، ولا سيّما خلال زيارته لبنان في أواسط الستينيات، فقد تزاملنا وقضينا وقتًا طيبًا في بحمدون في فندق الكارلتون، وأتذكّر قصيدته عن زحلة التي يقول فيها:
ومليحٍ رمْتُ وصْلَه
ما رأت عيناي مثلَه
قال لي إن رمتَ وصلًا
موعدُ العشاق زحْلَه
فهنــــاك الأفقُ طلقٌ
والهوى ينشرُ ظِلّه
وربوعُ الخلدِ فيها
صنعت للحسنِ دولَه
كل حسناء تبنَّت
طلعةَ البدرِ وشكْلَه
خدها الوردُ وليس
الوردُ كالخدين صَوْلَه
تتغنى والهوى
يفعلُ بالأرواحِ فِعلَه
كما تذكّرني بالسيد محمد بحر العلوم وأجواء المرح والنكتة التي كان يشيعها حتى في الاجتماعات، وكذلك بالسيد مصطفى جمال الدين وقصائد الغزل التي كتبت عنها، لكن مواقفه السياسيّة كانت أكثر راديكاليّة من الجميع.
سألته إلى متى يبقى الفقه متخلفًا إزاء المرأة التي ما تزال أوساط غير قليلة تعدها عورة أو «شرًّا لا بدّ منه» مثلما هو الموقف السلبي من المجاميع الثقافيّة الأخرى التي تسمى مجازًا «الأقليات»، وهما قضيّتان لهما علاقة مباشرة بقضايا التمدّن والتحضّر والتقدّم، وسيبقى أي مجتمع من دون الإقرار بحقوقهما متأخّرًا، وأي فقه هذا الذي يمنع الزواج من الأقوام الأخرى كالأكراد والزنوج مثلًا؟ أوليس في ذلك تمييز وعنصريّة على أساس العِرق واللون؟ ألم يتعارض ذلك مع سورة الإسراء ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ سورة الاسراء، 70.
أليس في هذه الآية مساواة في الكرامة الإنسانيّة، ولا سيّما الحديث عن الإنسان ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾؟ فلم يقصد القرآن المسلمين أو العرب أو البيض، وإنما قصد الإنسان.
انتصب السيّد البغدادي وقال سجّل هذا الرأي وأنت الأمين(2) «إن هذا تخلّف وفضيحة أخلاقيّة وارتداد عن السلوك القويم وهو يتعارض مع منطق الكرامة الإنسانيّة والمساواة التي يدعو إليها الإسلام بين بني البشر»، وأضاف: وإذا كان ثمة نصوص فقهيّة فلم ينسب أي منها إلى «الأئمة الأطهار» تلك التي تقول: لا تنكحوا الزنج والخزر فإن لهم أرحامًا تدل على غير الوفاء»، وفي نص آخر «ولا تنكحوا من السند والهند والقند فليس فيهم نجيب»(3)، وفي نصّ ثالث «… ولا تنكحوا من الأكراد أحدًا فإنه جنس من الجن كشف عنهم الغطاء»(4).
وهذا الرأي مثل قانون الأحوال الشخصيّة الذي صدر في أيّام عبد الكريم قاسم؛ ارجع إلى ما حرّرته في كتابك القيم الإمام الحسني البغدادي وانشره بالنص لأهميّته بلا تغيير ولا تبديل.
لقد استنكر تلك النصوص والآراء وعدّها تخريبيّة وإساءة للإسلام قبل غيره، فالبشر متساوون في الكرامة الإنسانيّة وخلقهم الله وهو ربّ الكون «فكلهم لآدم وآدم من تراب» كما يقتبس السيّد البغدادي.
قلت له قبل أن أختم القضايا الثامنة عشرة المؤتلفة والمختلفة: هل تؤيّد قول توماس هوبز «كل إصلاح مفتاحه الفكر الديني» فكيف يمكن الإصلاح إن لم يصلح القانون بآليات دستوريّة فاعلة ومصالحة بين الفرد والدولة على أساس رابط المواطنة، فدولة القانون بحسب الفقيه القانوني بول كان في جامعة يال الأمريكيّة، هي دولة المواطنة وفق المفكر الألماني هابرماس، الأمر الذي ينبغي وضع حد لحقبة طويلة من اللاقانون التي كشف عنها ماكس فيبر، وخصوصًا بتسلّط جماعات ما قبل الدولة وما من دونها لتصبح ما فوقها باسم الدّين أو الطائفة أو غيرها، ثم ألا يكفي أن تخضع المدارس الدينيّة لمنهج تعليمي موحّد لعموم البلاد وعلى أساس عصري وحديث وينسجم مع التطوّر، بعيدًا من الموضوعات التي استهلكت وقتلت بحثًا مثل كتب النجاسة والطهارة والحلال والحرام وغيرها، والتوجّه صوب القضايا النظريّة والعمليّة التي تهمّ حياة الناس وحريّتهم ورفاههم وضمان مستقبلهم؟ وكانت ابتسامته العذبة جوابًا عن تساؤلاتي الأخيرة مع ترداده: صحيح وصحيح جدًا ما تقول.
الهوامش
(1) وقاعدة الشيء بالشيء يذكر فقد وجه إليه سؤالًا مفاده: نشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت، والصحافة العربيّة والإسلاميّة تصريح منسوب لسماحتكم تقول فيه: إذا خرجت عاهرات العراق في تظاهرة استنكاريّة لمناهضة الاحتلال الأمريكي، فأنا أول من يشارك معهن في هذه التظاهرة، وإذا كان هذا التصريح حقيقة واقعة. إذَنْ من حقنا أنْ نستفسرَ ـ كمؤمنين ـ أيجوز شرعًا وعرفًا التظاهر مع الساقطات، وما الدليل على ذلك؟! وكان جوابه أخطر من التصريح الأول ـ على سبيل التشبيه والدلالة ـ على هامش المؤتمر القومي العربي السادس عشر في الجزائر في فندق الأوراسي في 6-9 نيسان/أبريل 2005 في صحيفة السفير اللبنانيّة قائلًا: لو زنى شيخ كبير في أمه بالكعبة المشرفة، وهو محدودب الظهر رجله في قبره، وهو يتحسس بآلام المستضعفين أفضل من «مرجع ديني» متصد لقيادة المسلمين، وهو لم يفت حتى الآن في وجوب طرد المحتلين الكافرين، لأن هذا السكوت المطبق من وجهة شرعيّة من أعظم المنافيات الإسلاميّة، وفيه المردودات السلبيّة الخطيرة على مبادئ الأمة ومثلها السامية، من خلال تأكيدات القرآن والسنّة الصحيحة.
وثانيًا: إن هناك دعايات تضليليّة، وهجمات مشبوهة تصدر من مؤسسات «دينية» و«خيرية» هنا وهناك ضد هذا التصريح أو ذاك، بيد أن هؤلاء نسوا أو تناسوا أننا نحن لا نفعل شيئًا، ولا نقول تصريحًا خلاف الأدلة التشريعيّة القرآنيّة منها أو الحديثيّة الصحيحة.
وثالثًا: قال الشيخ مغنية في كتابه فلسفة الأخلاق في الإسلام: «ولست أشك في أن المومس، التي تبيع جسدها، وتعيش على فرجها أشرف من المرائي، الذي يتاجر بالدين، وأقرب إلى الله.. إنها تاجرت بمخرج البول، وتاجر هو بالوحي وقدس الأقداس، الذي به عظمة الرسل والأنبياء، ومن أجله يستميتون وفي سبيله يستشهدون.. وأيضاَ هي لا تغش ولا تكذب في مهنتها وتجارتها، وتظهر للناس عارية، ولا تطلب الإجلال والاحترام من أحد، بل تشعر بضعتها واحتقار الناس لها، أما المرائي، الذي يتاجر بالدين، فإنه يغش ويخدع في وظيفته، ويكذب وينافق في مظهره، والستر على عيوبه، ومع هذا يطلب من الناس التقدير والاحترام». انظر: فتاوى أحمد الحسني البغدادي في فقه المقاومة وثقافة الاستسلام، إعداد وتحقيق علي الحسني ([د. م.: د. ن]، 2010)، ج 1، ص 129.
(2) اقرأ بتوسّع ما كتبه السيّد البغدادي في الفصل الثاني: «الفتاوى الفقهيّة بين الاستغراب والتجاوز» في فقرة: «تقنين المعاشرة الزوجيّة بدعة الفقه أم قرار الشريعة» في كتابه: أحمد الحسني البغدادي، التفسير المقاصدي: تصحيح مفاهيم ونظرة وتجديد (النجف: منشورات مكتبة الإمام المجاهد السيّد البغدادي العامة، 2016)، ص 115 وما بعدها.
(3) انظر: محمد بن الحسن الحر العاملي، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1391هـ/1971م)، ج 14، ص 55.
(4) المصدر نفسه، ج 14، ص 56.
الرابط:
https://t.co/BNWJ8pikAd


