
ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ
ﺩﺭﺍﺳﺔ ﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻭﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻮﺿﻌﻲ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻭﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ
ﺗﺄﻟﻴﻒ
ﺩ. ﻣﺤﻤﺪ ﻛﻤﺎﻝ ﻋﺮﻓﻪ ﺍﻟﺮﺧﺎﻭﻱ
ﺍﻟﺒﺎﺣﺚ ﻭﺍﻟﻤﺴﺘﺸﺎﺭ ﻭﺍﻟﺨﺒﻴﺮ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ ﻭﺍﻟﻤﺤﺎﺿﺮ ﺍﻟﺪﻭﻟﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ
ﺍﻹﻫﺪﺍﺀ
ﺍﻟﻲ ﺭﻭﺡ ﺍﻣﻲ ﻭﺍﺑﻲ ﺍﻟﻄﺎﻫﺮﻩ ﺩﺍﻋﻴﺎ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻬﻢ ﺑﺎﻟﺮﺣﻤﻪ ﻭﺍﻟﻤﻐﻔﺮﻩ ﻭﺍﻟﺠﻨﻪ ﺑﻐﻴﺮ ﺣﺴﺎﺏ ﻳﺎﺭﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﻦ
ﻭﺍﻟﻲ ﺍﺑﻨﺘﻲ ﺍﻟﺤﺒﻴﺒﺒﻪ ﺻﺒﺮﻳﻨﺎﻝ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﻪ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﻪ ﻗﺮﻩ
ﻋﻴﻨﻲ ﻭﺟﻤﻴﻠﻪ ﺍﻟﺠﻤﻴﻼﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺠﻤﻊ ﺑﻴﻦ ﺟﻤﺎﻝ ﻭﺳﺤﺮ ﻧﻬﺮ ﺍﻟﻨﻴﻞ ﺍﻟﺨﺎﻟﺪ ﻭﺟﻤﺎﻝ ﺷﻂ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﺍﻟﻤﺘﻮﺳﻂ ﻭﺟﺒﺎﻝ ﺍﻻﻭﺭﺍﺱ ﺍﻟﺸﺎﻣﺨﻪ
ﻭﺇﻟﻰ ﺭﻭﺡ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻨﻴﺮ ﺩﺭﻭﺏ ﺍﻟﻘﻀﺎﺓ ﻭﺗﻮﺟﻪ ﺑﻮﺻﻠﺔ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﻭﺗﺤﺼﻦ ﺩﻓﺎﻉ ﺍﻟﻤﺤﺎﻣﻴﻦ
ﺇﻟﻰ ﺃﺳﺎﺗﺬﺓ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺎﺕ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺤﻤﻠﻮﻥ ﻣﺸﻌﻞ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻟﻴﻨﻴﺮ ﻋﻘﻮﻝ ﺍﻷﺟﻴﺎﻝ ﺍﻟﻘﺎﺩﻣﺔ
ﺇﻟﻰ ﺑﻠﺪﻱ ﻣﺼﺮ ﺍﻟﺤﺒﻴﺒﺔ ﻭﺇﻟﻰ ﺑﻠﺪﻱ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﺍﻟﺸﻘﻴﻘﺔ ﻭﺇﻟﻰ ﻓﺮﻧﺴﺎ ﻣﻨﺒﻊ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎﺕ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ
ﺃﻫﺪﻱ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺠﻬﺪ ﺍﻟﻤﺘﻮﺍﺿﻊ ﺭﺍﺟﻴﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻧﺎﻓﻌﺎً ﻷﻫﻞ ﺍﻻﺧﺘﺼﺎﺹ ﻭﺳﺒﺒﺎً ﻓﻲ ﺇﺭﺳﺎﺀ ﻣﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﺍﻹﻧﺼﺎﻑ ﻓﻲ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺗﻨﺎ
ﺍﻟﺘﻘﺪﻳﻢ
ﺇﻥ ﺩﺭﺍﺳﺔ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺗﻤﺜﻞ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻣﻦ ﺃﺭﻗﻰ ﻭﺃﺩﻕ ﻣﺠﺎﻻﺕ ﺍﻟﻌﻠﻮﻡ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﺸﺮﻋﻴﺔ ﻓﻬﻲ ﺍﻟﻨﻘﻄﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻠﺘﻘﻲ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺍﻟﻤﻘﺪﺳﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻲ ﺍﻟﻤﻌﺎﺵ ﻭﺗﺘﺸﺎﺑﻚ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﺍﻷﺧﻼﻗﻴﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺍﺕ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﻟﻠﺤﻴﺎﺓ ﻭﻗﺪ ﺍﺧﺘﺮﺕ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺃﻥ ﺃﻗﺪﻡ ﺩﺭﺍﺳﺔ ﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﺷﺎﻣﻠﺔ ﺗﺠﻤﻊ ﺑﻴﻦ ﻋﺒﻖ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﺑﺄﺻﻮﻟﻪ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻴﺔ ﻭﺍﻟﺤﻨﻔﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﺛﺮﺕ ﻓﻲ ﺗﺸﺮﻳﻌﺎﺗﻨﺎ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺑﻴﻦ ﺩﻗﺔ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻮﺿﻌﻲ ﺑﻤﺪﺭﺳﺘﻴﻪِ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﺍﻟﻤﺘﺄﺛﺮﺗﻴﻦ ﺑﺎﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺍﻟﻌﺮﻳﻖ
ﺇﻥ ﺍﻟﻬﺪﻑ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻟﻴﺲ ﻣﺠﺮﺩ ﺳﺮﺩ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺃﻭ ﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﺍﻟﻤﻮﺍﺩ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﺟﺎﻓﺎً ﺑﻞ ﻫﻮ ﺍﻟﻐﻮﺹ ﻓﻲ ﺭﻭﺡ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﻭﻓﻬﻢ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﻣﻦ ﻭﺭﺍﺀ ﺗﺠﺮﻳﻢ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺗﺎﺭﺓ ﻭﺇﺑﺎﺣﺘﻪ ﺗﺎﺭﺓ ﺃﺧﺮﻯ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﺘﻮﺍﻓﺮ ﻇﺮﻭﻑ ﺍﺳﺘﺜﻨﺎﺋﻴﺔ ﺗﺤﻮﻝ ﺩﻭﻥ ﺗﺤﻘﻖ ﺍﻟﺮﻛﻦ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱ ﻟﻠﺠﺮﻳﻤﺔ ﺃﻭ ﺗﺰﻳﻞ ﺍﻟﺼﻔﺔ ﺍﻟﺠﺮﻣﻴﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺗﻤﺎﻣﺎً ﻭﻗﺪ ﻭﺟﻬﺖ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺧﺼﻴﺼﺎً ﻷﻋﻀﺎﺀ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺘﺤﻤﻠﻮﻥ ﻋﺐﺀ ﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺍﻷﻭﻟﻲ ﻭﺗﻘﺪﻳﺮ ﻣﺪﻯ ﺗﻮﺍﻓﺮ ﺷﺮﻭﻁ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﻗﺒﻞ ﺇﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﻟﻠﻤﺤﺎﻛﻤﺔ ﻭﻛﺬﻟﻚ ﻟﻠﻘﻀﺎﺓ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﻘﻊ ﻋﻠﻰ ﻋﺎﺗﻘﻬﻢ ﻣﻴﺰﺍﻥ ﺍﻟﻌﺪﻝ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺸﺮﻭﻁ ﺗﻄﺒﻴﻘﺎً
ﻋﻠﻰ ﻭﻗﺎﺋﻊ ﻛﻞ ﻗﻀﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺣﺪﺓ ﻛﻤﺎ ﺃﻧﻪ ﻣﻮﺟﻪ ﻟﻠﻤﺤﺎﻣﻴﻦ ﻟﻴﻤﺪﻫﻢ ﺑﺎﻟﺤﺠﺞ ﻭﺍﻟﺪﻓﻮﻉ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ ﺍﻟﺮﺻﻴﻨﺔ ﻭﻷﺳﺎﺗﺬﺓ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺎﺕ ﻟﻴﻜﻮﻥ ﻣﺮﺟﻌﺎً ﺃﻛﺎﺩﻳﻤﻴﺎً ﻳﻐﻨﻲ ﺍﻟﺒﺤﺚ ﺍﻟﻌﻠﻤﻲ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻥ
ﻟﻘﺪ ﺍﻋﺘﻤﺪﺕ ﻓﻲ ﻣﻨﻬﺠﻴﺔ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻋﻠﻰ ﺃﺳﻠﻮﺏ ﺍﻟﺴﺮﺩ ﺍﻟﻤﺘﺼﻞ ﺍﻟﺨﺎﻟﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺮﻣﻴﺰ ﺃﻭ ﺍﻟﺘﺠﺰﺋﺔ ﺍﻟﻤﺨﻠﺔّ ﻟﻴﺨﺮﺝ ﺍﻟﻨﺺ ﻓﻲ ﺻﻮﺭﺓ ﻧﺴﻴﺞ ﻗﺎﻧﻮﻧﻲ ﻣﺘﻤﺎﺳﻚ ﻳﺴﻬﻞ ﻗﺮﺍﺀﺗﻪ ﻭﺍﻻﺳﺘﻔﺎﺩﺓ ﻣﻨﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﺍﻟﻌﻤﻠﻲ ﻭﻗﺪ ﺣﺮﺻﺖ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻧﺔ ﺑﻴﻦ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻭﻓﺮﻧﺴﺎ ﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﺣﻴﺔ ﺗﺴﺘﻌﺮﺽ ﺃﻭﺟﻪ ﺍﻻﺗﻔﺎﻕ ﻭﺍﻻﺧﺘﻼﻑ ﻭﺗﺴﺘﻨﺒﻂ ﻣﻨﻬﺎ ﻣﻮﺣﺪﺍً ﻗﺎﻧﻮﻧﻴﺎً ﻳﺼﻠﺢ ﻟﻠﺘﻄﻮﻳﺮ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻠﻲ ﺇﻧﻨﻲ ﺃﺩﻋﻮ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﺰ ﻭﺟﻞ ﺃﻥ ﻳﺠﻌﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺧﺎﻟﺼﺎً ﻟﻮﺟﻬﻪ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻭﺃﻥ ﻳﻨﻔﻊ ﺑﻪ ﻃﻼﺏ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺃﻫﻞ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻭﻟﻲ ﺍﻟﺘﻮﻓﻴﻖ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻷﻭﻝ
ﺍﻟﻤﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻷﺳﺒﺎﺏ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎﺕ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻧﺔ
ﺗﻌﺪ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻋﺎﺕ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮﻳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺸﻐﻞ ﺑﺎﻝ ﺍﻟﻔﻘﻬﺎﺀ ﻭﺍﻟﻤﺸﺮﻋﻴﻦ ﻋﻠﻰ ﺣﺪ ﺳﻮﺍﺀ ﻷﻧﻬﺎ ﺗﻤﺜﻞ ﺍﻟﺠﺴﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﺒﺮ ﻣﻦ ﺧﻼﻟﻪ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺍﻟﻤﻮﺻﻮﻑ ﺟﺮﻳﻤﺔ ﻓﻲ ﻇﺎﻫﺮﻩ ﻟﻴﺼﺒﺢ ﻋﻤﻼً ﻣﺸﺮﻭﻋﺎً ﻻ ﻋﻘﺎﺏ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺫﻟﻚ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﺘﻮﺍﻓﺮ ﺷﺮﻭﻁ ﻣﻌﻴﻨﺔ ﺗﺤﻮﻝ ﺩﻭﻥ ﺗﺤﻘﻖ ﺍﻟﺮﻛﻦ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱ ﺃﻭ ﺗﺰﻳﻞ ﺍﻟﺼﻔﺔ ﺍﻟﺠﺮﻣﻴﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻭﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻹﻃﺎﺭ ﻳﺒﺮﺯ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻭﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻛﺄﻫﻢ ﺳﺒﺒﻴﻦ ﻟﻺﺑﺎﺣﺔ ﺣﻴﺚ ﻳﻠﺘﻘﻲ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻣﻊ ﺍﻟﻘﻮﺍﻧﻴﻦ ﺍﻟﻮﺿﻌﻴﺔ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻭﻓﺮﻧﺴﺎ ﻋﻠﻰ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻟﺤﻘﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﺍﻟﺴﻼﻣﺔ ﺍﻟﺠﺴﺪﻳﺔ ﻭﺇﻥ ﺍﺧﺘﻠﻔﺖ ﺍﻟﺘﻔﺎﺻﻴﻞ ﺍﻟﺪﻗﻴﻘﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﻭﺍﻟﺘﻨﻈﻴﻢ
ﻳﻨﻄﻠﻖ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻓﻲ ﺗﻌﺮﻳﻒ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻣﻦ ﻣﺒﺪﺃ ﺩﺭﺀ ﺍﻟﻤﻔﺎﺳﺪ ﻣﻘﺪﻡ ﻋﻠﻰ ﺟﻠﺐ ﺍﻟﻤﺼﺎﻟﺢ ﻭﻳﺴﺘﻨﺪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺓ ﺍﻟﻔﻘﻬﻴﺔ ﺍﻟﺸﻬﻴﺮﺓ ﺃﻥ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺍﺕ ﺗﺒﻴﺢ ﺍﻟﻤﺤﻈﻮﺭﺍﺕ ﻭﻗﺪ ﻓﺼﻞ ﻓﻘﻬﺎﺀ ﺍﻟﻤﺬﺍﻫﺐ ﺍﻷﺭﺑﻌﺔ ﻭﺑﺨﺎﺻﺔ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻴﺔ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻭﺍﻟﻤﺼﺮﻳﻴﻦ ﻓﻲ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺃﺣﻜﺎﻣﻬﻢ ﺗﻔﺎﺻﻴﻞ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﺣﻮﻝ ﻣﺘﻰ ﻳﺠﻮﺯ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ ﺃﻥ ﻳﺰﻫﻖ ﺭﻭﺡ ﻣﻌﺘﺪٍ ﻹﻧﻘﺎﺫ ﻧﻔﺴﻪ ﺃﻭ ﻋﺮﺿﻪ ﺃﻭ ﻣﺎﻟﻪ ﻣﻌﺘﺒﺮﻳﻦ ﺃﻥ ﺩﻡ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ
ﻫﺪﺭ ﺑﺤﻜﻢ ﻓﻌﻠﻪ ﺍﻟﻌﺪﻭﺍﻧﻲ ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﻗﺪ ﻧﻈﻢ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺿﻤﻦ ﺍﻟﻤﻮﺍﺩ ﻣﻦ 122 ﺇﻟﻰ 126 ﻣﻦ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪ ﻣﺆﻛﺪﺍً ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﺴﺆﻭﻻً ﺟﻨﺎﺋﻴﺎً ﺇﺫﺍ acted ﺗﺤﺖ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﺣﺎﻟﺔ ﺿﺮﻭﺭﻳﺔ ﻣﻠﺤﺔ ﻟﺪﻓﻊ ﺧﻄﺮ ﺣﺎﻟﻲ ﻭﺷﺪﻳﺪ ﺍﻟﺤﺪﻭﺙ ﻳﻬﺪﺩ ﺷﺨﺼﻪ ﺃﻭ ﻏﻴﺮﻩ ﺃﻭ ﻣﺎﻟﻪ ﺑﺸﺮﻁ ﺃﻻ ﺗﻜﻮﻥ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻏﻴﺮ ﻣﺘﻨﺎﺳﺒﺔ ﻣﻊ ﺟﺴﺎﻣﺔ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ
ﻭﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻳﻨﺺ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺑﻮﺿﻮﺡ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ 249 ﻭﻣﺎ ﺑﻌﺪﻫﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻧﺘﻔﺎﺀ ﺍﻟﺠﺮﻳﻤﺔ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻣﺤﺪﺩﺍً ﺷﺮﻭﻃﺎً ﺻﺎﺭﻣﺔ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﻮﺟﻮﺩ ﺍﻋﺘﺪﺍﺀ ﺣﺎﻝ ﻭﻏﻴﺮ ﻣﺸﺮﻭﻉ ﻭﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻫﻮ ﺍﻟﺴﺒﻴﻞ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪ ﻟﺪﺭﺀ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﻭﻗﺪ ﺃﺛﺮﺕ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﺔ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﺑﺸﻜﻞ ﻛﺒﻴﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺼﻴﺎﻏﺔ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﻴﺔ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﻣﻨﺬ ﻋﺼﺮ ﺍﻟﺘﻘﻨﻴﻦ ﻓﻲ ﺃﻭﺍﺧﺮ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﺘﺎﺳﻊ ﻋﺸﺮ ﻣﻤﺎ ﺧﻠﻖ ﺗﻘﺎﺭﺑﺎً ﻛﺒﻴﺮﺍً ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺒﻠﺪﻳﻦ ﻏﻴﺮ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻏﺎﻟﺒﺎً ﻣﺎ ﻳﻤﻴﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﻔﺴﻴﺮ ﺍﻟﻀﻴﻖ ﻟﺸﺮﻭﻁ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﺧﻮﻓﺎً ﻣﻦ ﻓﺘﺢ ﺑﺎﺏ ﺍﻟﻔﻮﺿﻰ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﻈﻬﺮ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻣﻴﻼً ﺃﻛﺒﺮ ﻧﺤﻮ ﻣﺮﺍﻋﺎﺓ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﻟﻠﻤﺪﺍﻓﻊ ﻭﺗﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﺍﻟﻤﺤﻴﻄﺔ ﺑﻪ ﻭﻗﺖ ﺍﻟﺤﺎﺩﺙ ﺑﻤﻨﻄﻖ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﺮﻭﻧﺔ
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﺰﻳﺞ ﺑﻴﻦ ﺍﻷﺻﺎﻟﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺃﻧﺘﺞ ﻧﻈﺎﻣﺎً ﻓﺮﻳﺪﺍً ﺣﻴﺚ ﺗﺴﺘﻤﺪ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﻣﺒﺎﺩﺋﻬﺎ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﻓﻲ ﻓﻬﻢ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﺤﺮﻣﺔ ﻭﺍﻟﻀﺮﻭﺭﻳﺎﺕ ﺍﻟﺨﻤﺲ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺗﻄﺒﻖ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺍﻹﺟﺮﺍﺋﻴﺔ ﻭﺍﻹﺛﺒﺎﺗﻴﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﻤﺪﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﻼﺗﻴﻨﻲ ﻭﻫﺬﺍ ﻳﺘﻄﻠﺐ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻣﻬﺎﺭﺓ ﻋﺎﻟﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻮﻓﻴﻖ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻟﻠﻨﺺ ﻭﺍﻟﻐﺎﻳﺔ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻟﻠﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻓﻲ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﺮﺩﻉ ﻭﺍﻟﺤﻤﺎﻳﺔ ﻣﻌﺎً ﻭﻳﻼﺣﻆ ﺃﻥ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﺜﻼﺙ ﺗﻠﻌﺐ ﺩﻭﺭﺍً ﻣﺤﻮﺭﻳﺎً ﻓﻲ ﻣﺮﺣﻠﺔ ﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺍﻻﺑﺘﺪﺍﺋﻲ ﺣﻴﺚ ﻳﻘﻊ ﻋﻠﻰ ﻋﺎﺗﻘﻬﺎ ﻋﺐﺀ ﻧﻔﻲ ﻭﺟﻮﺩ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﺇﺫﺍ ﻣﺎ ﺗﻢ ﺍﻟﺘﻤﺴﻚ ﺑﻬﺎ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻤﺘﻬﻢ ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﻔﺮﺽ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺗﺤﺮﻱ ﺍﻟﺪﻗﺔ ﻓﻲ ﺟﻤﻊ ﺍﻷﺩﻟﺔ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ﻭﺍﻟﺸﻬﺎﺩﺍﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺜﺒﺖ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻷﺻﻠﻲ ﻭﻃﺮﻳﻘﺔ ﺭﺩ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻋﻠﻴﻪ
ﺇﻥ ﺩﺭﺍﺳﺔ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﺳﺒﺎﺏ ﻻ ﺗﻘﺘﺼﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﺎﻧﺐ ﺍﻟﻨﻈﺮﻱ ﺑﻞ ﺗﻤﺘﺪ ﻟﺘﺸﻤﻞ ﺍﻟﺠﺎﻧﺐ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻘﻲ ﺍﻟﻌﻤﻠﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻮﺍﺟﻬﻪ ﺍﻟﻤﺤﺎﻣﻮﻥ ﻓﻲ ﻗﺎﻋﺎﺕ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﻣﻮﻛﻠﻴﻬﻢ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺍﺭﺗﻜﺒﻮﺍ ﺃﻓﻌﺎﻻً ﺗﺒﺪﻭ ﺇﺟﺮﺍﻣﻴﺔ ﻭﻟﻜﻨﻬﺎ ﻓﻲ
ﺟﻮﻫﺮﻫﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺍﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻏﺮﻳﺰﻳﺔ ﺃﻭ ﻋﻘﻼﻧﻴﺔ ﻟﺨﻄﺮ ﻣﺤﺪﻕ ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺃﺳﺎﺗﺬﺓ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺎﺕ ﻳﺠﺪﻭﻥ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺠﺎﻝ ﺣﻘﻼً ﺧﺼﺒﺎً ﻟﻠﺒﺤﺚ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻜﺸﻒ ﻋﻦ ﻧﻘﺎﻁ ﺍﻻﻟﺘﻘﺎﺀ ﻭﺍﻻﺧﺘﻼﻑ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﺍﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ ﻓﺎﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻳﻤﺜﻞ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﻠﻴﺒﺮﺍﻟﻲ ﺍﻟﻐﺮﺑﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺮﻛﺰ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﻭﺣﺮﻳﺎﺗﻪ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﻤﺜﻞ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻭﺍﻟﻘﻮﺍﻧﻴﻦ ﺍﻟﻤﺴﺘﻤﺪﺓ ﻣﻨﻪ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻧﻤﻮﺫﺟﺎً ﻳﻮﺍﺯﻥ ﺑﻴﻦ ﺣﻘﻮﻕ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﻭﻗﻴﻢ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻭﺍﻟﺜﻮﺍﺑﺖ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﻣﻤﺎ ﻳﻨﺘﺞ ﻋﻨﻪ ﺍﺟﺘﻬﺎﺩﺍﺕ ﻗﻀﺎﺋﻴﺔ ﺛﺮﻳﺔ ﺗﺴﺘﺤﻖ ﺍﻟﺪﺭﺍﺳﺔ ﻭﺍﻟﺘﺤﻠﻴﻞ ﺍﻟﻤﻌﻤﻖ
ﻭﻳﺠﺐ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺒﺎﺣﺚ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺠﺎﻝ ﺃﻥ ﻳﺪﺭﻙ ﺃﻥ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﻟﻴﺲ ﻣﻄﻠﻘﺎً ﺑﻞ ﻫﻮ ﻣﻘﻴﺪ ﺑﺸﺮﻭﻁ ﺯﻣﻨﻴﺔ ﻭﻣﻜﺎﻧﻴﺔ ﻭﻧﻔﺴﻴﺔ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﻓﺎﻟﺪﻓﺎﻉ ﻳﺠﺐ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺁﻧﻴﺎً ﺃﻱ ﻳﻘﻊ ﻓﻲ ﻧﻔﺲ ﻟﺤﻈﺔ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺃﻭ ﻣﺎ ﻳﺴﺒﻘﻬﺎ ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ ﻭﻻ ﻳﺠﻮﺯ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻧﺘﻘﺎﻣﺎً ﻻﺣﻘﺎً ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻭﺳﻴﻠﺔ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻳﺠﺐ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻣﻼﺋﻤﺔ ﻟﻠﺨﻄﺮ ﻓﻼ ﻳﺠﻮﺯ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺳﻼﺡ ﻧﺎﺭﻱ ﻟﺼﺪ ﻟﻄﻤﺔ ﺑﺴﻴﻄﺔ ﺇﻻ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻧﺖ ﻫﻨﺎﻙ ﻗﺮﻳﻨﺔ ﻗﻮﻳﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﻠﻄﻤﺔ ﻗﺪ ﺗﺆﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﻣﻮﺕ ﺃﻭ ﺿﺮﺭ ﺟﺴﻴﻢ ﺩﺍﺋﻢ ﻭﻫﺬﺍ ﻣﺎ ﻳﺴﻤﻰ ﺑﻤﻌﻴﺎﺭ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﺍﻟﻨﺴﺒﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺨﺘﻠﻒ ﺗﻄﺒﻴﻘﻪ ﻣﻦ ﻗﺎﺽٍ ﻵﺧﺮ ﺣﺴﺐ ﻭﻗﺎﺋﻊ ﻛﻞ ﻗﻀﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺣﺪﺓ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ
ﺍﻷﺳﺎﺱ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﻲ ﻭﺍﻟﺪﻳﻨﻲ ﻟﺘﺒﺮﻳﺮ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺍﻟﺠﺮﻣﻲ ﻇﺎﻫﺮﺍً
ﻳﺴﺘﻨﺪ ﺗﺒﺮﻳﺮ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺒﺪﻭ ﻓﻲ ﻇﺎﻫﺮﻩ ﺟﺮﻣﺎً ﺇﻟﻰ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﻗﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﻭﺩﻳﻨﻴﺔ ﻋﻤﻴﻘﺔ ﺗﻬﺪﻑ ﺇﻟﻰ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﺘﻮﺍﺯﻥ ﺑﻴﻦ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﻭﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﺤﻘﻮﻕ ﺍﻟﻔﺮﺩﻳﺔ ﺍﻷﺳﺎﺳﻴﺔ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺃﺧﺮﻯ ﻓﻔﻲ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﺍﻟﻐﺮﺑﻴﺔ ﻭﺑﺨﺎﺻﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺛﺮ ﻓﻲ ﺗﺸﺮﻳﻌﺎﺕ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻳﻨُﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻛﻜﺎﺋﻦ ﻋﺎﻗﻞ ﻟﻪ ﺣﻖ ﻓﻄﺮﻱ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﻛﻴﺎﻧﻪ ﺿﺪ ﺃﻱ ﻋﺪﻭﺍﻥ ﺧﺎﺭﺟﻲ ﻭﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺍﻟﺪﻓﺎﻋﻲ ﻻ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﺍﺧﺘﺮﺍﻗﺎً ﻟﻠﻘﺎﻧﻮﻥ ﺑﻞ ﻫﻮ ﺗﺄﻛﻴﺪ ﻟﺴﻴﺎﺩﺓ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺴﺒﻖ ﺍﻟﻘﻮﺍﻧﻴﻦ ﺍﻟﻮﺿﻌﻴﺔ ﻭﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﺟﺎﺀ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﺍﻟﻘﺎﺋﻞ ﺑﺄﻥ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺗﻘﺪﺭ ﺑﻘﺪﺭﻫﺎ ﻭﺃﻥ ﺍﻟﺤﺎﺟﺔ ﺗﺒﻴﺢ ﺍﻟﻤﺤﻈﻮﺭ ﻓﻲ ﺃﺿﻴﻖ ﺍﻟﺤﺪﻭﺩ
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻷﺳﺎﺱ ﺍﻟﺪﻳﻨﻲ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺗﺄﺧﺬ
ﺑﻌﺪﺍً ﺭﻭﺣﺎﻧﻴﺎً ﻭﺃﺧﻼﻗﻴﺎً ﻳﺘﺠﺎﻭﺯ ﻣﺠﺮﺩ ﺍﻟﺤﻖ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ ﻟﻴﺸﻤﻞ ﺣﻔﻆ ﺍﻟﻜﻠﻴﺎﺕ ﺍﻟﺨﻤﺲ ﻭﻫﻲ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻭﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭﺍﻟﻨﺴﻞ ﻭﺍﻟﻤﺎﻝ ﻭﻗﺪ ﺃﺟﻤﻊ ﻓﻘﻬﺎﺀ ﺍﻷﻣﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺣﻔﻆ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻳﺄﺗﻲ ﻓﻲ ﻣﺮﺗﺒﺔ ﻋﻠﻴﺎ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻜﻠﻴﺎﺕ ﻣﻤﺎ ﻳﺒﻴﺢ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ ﺩﻓﻊ ﺍﻟﺼﺎﺋﻞ ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻪ ﺣﺘﻰ ﻭﻟﻮ ﺃﺩﻯ ﺫﻟﻚ ﺇﻟﻰ ﻗﺘﻠﻪ ﻣﺴﺘﻨﺪﻳﻦ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺇﻟﻰ ﻗﻮﻟﻪ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻣﻦ ﻗﺘﻞ ﺩﻭﻥ ﻣﺎﻟﻪ ﻓﻬﻮ ﺷﻬﻴﺪ ﻭﻣﺎ ﺭﻭﺍﻩ ﺍﻟﺒﺨﺎﺭﻱ ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﻫﺮﻳﺮﺓ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﺃﻥ ﺭﺟﻼً ﺟﺎﺀ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻓﻘﺎﻝ ﻳﺎ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﺭﺃﻳﺖ ﺇﻥ ﺟﺎﺀ ﺭﺟﻞ ﻳﺮﻳﺪ ﺃﺧﺬ ﻣﺎﻟﻲ ﻗﺎﻝ ﻓﻼ ﺗﻌﻄﻪ ﻣﺎﻟﻚ ﻗﺎﻝ ﺃﺭﺃﻳﺖ ﺇﻥ ﻗﺎﺗﻠﻨﻲ ﻗﺎﻝ ﻓﻘﺎﺗﻠﻪ ﻗﺎﻝ ﺃﺭﺃﻳﺖ ﺇﻥ ﻗﺘﻠﻨﻲ ﻗﺎﻝ ﻓﺄﻧﺖ ﺷﻬﻴﺪ ﻗﺎﻝ ﺃﺭﺃﻳﺖ ﺇﻥ ﻗﺘﻠﺘﻪ ﻗﺎﻝ ﻫﻮ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺎﺭ ﻣﻤﺎ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺍﻟﻤﺎﻝ ﻟﻴﺲ ﻓﻘﻂ ﺣﻘﺎً ﺑﻞ ﻫﻮ ﻭﺍﺟﺐ ﺷﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺼﻮﺭ ﻭﺃﻥ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﻳﺘﺤﻤﻞ ﻭﺯﺭ ﻋﺪﻭﺍﻧﻪ ﺑﺎﻟﻜﺎﻣﻞ
ﻭﻓﻲ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻧﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﻨﻈﻮﺭﻳﻦ ﻧﺠﺪ ﺃﻥ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻳﺮﻛﺰ ﻋﻠﻰ ﻋﻨﺼﺮ ﺍﻹﻛﺮﺍﻩ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﺎﺩﻱ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻔﻘﺪ ﺍﻹﺭﺍﺩﺓ ﺣﺮﻳﺘﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻻﺧﺘﻴﺎﺭ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﺮﻛﺰ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻋﻠﻰ ﻋﻨﺼﺮ ﺍﻟﻌﺪﻭﺍﻥ ﺍﻷﺻﻠﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺒﻴﺢ ﺍﻟﺪﻡ ﻭﻳﻬﺪﺭ ﺣﺮﻣﺔ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﻭﻣﻊ ﺫﻟﻚ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻨﺘﻴﺠﺔ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﻓﻲ ﻛﻼ
ﺍﻟﻨﻈﺎﻣﻴﻦ ﺗﺘﺠﻪ ﻧﺤﻮ ﺇﻋﻔﺎﺀ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻴﺔ ﻃﺎﻟﻤﺎ ﺗﻮﺍﻓﺮﺕ ﺷﺮﻭﻁ ﻣﺤﺪﺩﺓ ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻘﺎﺭﺏ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺘﺎﺋﺞ ﺭﻏﻢ ﺍﺧﺘﻼﻑ ﺍﻟﻤﻨﻄﻠﻘﺎﺕ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﻴﺔ ﻳﻌﻜﺲ ﻋﺎﻟﻤﻴﺔ ﻣﺒﺪﺃ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻛﻘﻴﻤﺔ ﺇﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻣﺸﺘﺮﻛﺔ ﺗﺘﺠﺎﻭﺯ ﺍﻟﺤﺪﻭﺩ ﺍﻟﺠﻐﺮﺍﻓﻴﺔ ﻭﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ
ﻭﻳﻼﺣﻆ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﺍﻟﺴﺎﺋﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻭﺑﻌﺾ ﻣﻨﺎﻃﻖ ﻣﺼﺮ ﻳﺘﻤﻴﺰ ﺑﺪﻗﺔ ﻣﺘﻨﺎﻫﻴﺔ ﻓﻲ ﺗﻔﺼﻴﻞ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﺣﻴﺚ ﻳﻤﻴﺰ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻭﻳﻌﻄﻲ ﻟﻜﻞ ﺣﺎﻟﺔ ﺣﻜﻤﺎً ﺧﺎﺻﺎً ﺑﻬﺎ ﺑﻨﺎﺀً ﻋﻠﻰ ﺩﺭﺟﺔ ﺍﻟﺨﻄﻮﺭﺓ ﺍﻟﻤﺘﺮﺗﺒﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﻤﻴﻞ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺇﻟﻰ ﺗﻮﺣﻴﺪ ﺍﻟﻤﻌﺎﻳﻴﺮ ﺗﺤﺖ ﻣﻈﻠﺔ ﻋﺎﻣﺔ ﻫﻲ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺍﻟﺤﺎﻟﻲ ﻭﺍﻟﺸﺪﻳﺪ ﻣﻤﺎ ﻗﺪ ﻳﺨﻠﻖ ﺑﻌﺾ ﺍﻹﺷﻜﺎﻟﻴﺎﺕ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻘﻴﺔ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﻣﺤﺪﺩﺓ ﻣﺜﻞ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﺃﻭ ﺍﻟﺸﺮﻑ ﻭﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﻻ ﺗﺠﺪ ﺻﺪﻯ ﻛﺎﻓﻴﺎً ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﺍﻟﻤﺠﺮﺩﺓ ﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﺑﺎﻟﺘﻔﺼﻴﻞ ﺍﻟﻔﻘﻬﻲ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ
ﺇﻥ ﻓﻬﻢ ﻫﺬﺍ ﺍﻷﺳﺎﺱ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﻲ ﻭﺍﻟﺪﻳﻨﻲ ﻳﻌﺪ ﺃﻣﺮﺍً ﺟﻮﻫﺮﻳﺎً ﻟﻠﻘﺎﺿﻲ ﻭﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﻭﺍﻟﻤﺤﺎﻣﻲ ﻷﻧﻪ ﻳﺴﺎﻋﺪ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺗﻔﺴﻴﺮﺍً ﺻﺤﻴﺤﺎً ﻳﺮﺍﻋﻲ ﺍﻟﻐﺎﻳﺔ ﻣﻦ
ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﻭﻻ ﻳﻘﻒ ﻋﻨﺪ ﺣﺮﻓﻴﺔ ﺍﻟﻨﺺ ﻓﺤﺴﺐ ﻓﺎﻟﻘﺎﺿﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺪﺭﻙ ﺃﻥ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻫﻮ ﺍﻣﺘﺪﺍﺩ ﻟﻠﺤﻖ ﺍﻹﻟﻬﻲ ﻓﻲ ﺣﻔﻆ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺳﻴﻜﻮﻥ ﺃﻛﺜﺮ ﺍﺳﺘﻌﺪﺍﺩﺍً ﻟﺘﻘﺪﻳﺮ ﻇﺮﻭﻑ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﺑﺘﻮﺳﻊ ﻣﻌﻘﻮﻝ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺍﻟﻤﺤﺎﻣﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺴﺘﺤﻀﺮ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﺳﺲ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺑﻨﺎﺀ ﺩﻓﻮﻋﻪ ﻋﻠﻰ ﺃﺳﺲ ﻣﺘﻴﻨﺔ ﺗﻼﻣﺲ ﻭﺟﺪﺍﻥ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﻭﺗﻮﺍﻓﻖ ﻣﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻴﺔ ﻭﺍﻟﺸﺮﻋﻴﺔ ﻓﻲ ﺁﻥ ﻭﺍﺣﺪ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ
ﺗﻄﻮﺭ ﺗﺎﺭﻳﺨﻲ ﻟﻤﺒﺪﺃ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﻭﺍﻟﺤﻨﺒﻠﻲ
ﻳﻌﻮﺩ ﺟﺬﻭﺭ ﻣﺒﺪﺃ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﺼﺮ ﺍﻟﻨﺒﻮﻱ ﺣﻴﺚ ﻭﺿﻌﺖ ﺍﻷﺳﺲ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﻋﺒﺮ ﺍﻷﺣﺎﺩﻳﺚ ﺍﻟﺼﺤﻴﺤﺔ ﻭﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﺛﻢ ﺗﻄﻮﺭ ﻋﺒﺮ ﺍﻟﻌﺼﻮﺭ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﺍﻟﻼﺣﻘﺔ ﻟﻴﺼﺒﺢ ﻋﻠﻤﺎً ﻗﺎﺋﻤﺎً ﺑﺬﺍﺗﻪ ﺿﻤﻦ ﻛﺘﺐ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﻭﺍﻷﻗﻀﻴﺔ ﻭﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻔﺼﻞ ﻧﺮﻛﺰ ﻋﻠﻰ ﻣﺪﺭﺳﺘﻴﻦ ﻓﻘﻬﻴﺘّﻴﻦ ﻟﻬﻤﺎ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﻣﺒﺎﺷﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﻄﻘﺔ ﻭﻫﻤﺎ ﺍﻟﻤﺬﻫﺐ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﺍﻟﺴﺎﺋﺪ ﻓﻲ
ﺷﻤﺎﻝ ﺃﻓﺮﻳﻘﻴﺎ ﺑﻤﺎ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻭﺃﺟﺰﺍﺀ ﻣﻦ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﻤﺬﻫﺐ ﺍﻟﺤﻨﺒﻠﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺛﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻘﺎﺕ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺸﺮﻕ ﺍﻷﻭﺳﻂ ﻭﻣﺼﺮ ﺃﻳﻀﺎً
ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺬﻫﺐ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻭﺿﻌﻪ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﺃﻧﺲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﺍﻟﻤﻨﻮﺭﺓ ﺛﻢ ﺗﺪﻭﻥ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺏ ﺍﻟﻤﻮﻃﺄ ﻭﺍﻧﺘﺸﺮ ﻓﻲ ﺍﻷﻧﺪﻟﺲ ﻭﺷﻤﺎﻝ ﺃﻓﺮﻳﻘﻴﺎ ﻧﺠﺪ ﺗﻔﺼﻴﻼً ﺩﻗﻴﻘﺎً ﻟﺤﺎﻻﺕ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺣﻴﺚ ﻣﻴﺰ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻴﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺼﺎﺋﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺍﻟﺼﺎﺋﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻭﺍﻟﺼﺎﺋﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﻭﻗﺪ ﺍﺷﺘﺮﻃﻮﺍ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺣﺎﻻً ﻭﺃﻥ ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﺳﺒﻴﻞ ﺁﺧﺮ ﻟﺪﻓﻌﻪ ﺇﻻ ﺑﺎﻟﻘﺘﺎﻝ ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻓﻘﺪ ﻗﻴﺪﻭﻩ ﺑﻌﺪﻡ ﺇﻣﻜﺎﻧﻴﺔ ﺍﺳﺘﺮﺩﺍﺩ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺑﻄﺮﻕ ﺃﺧﺮﻯ ﻭﺷﺪﺩﻭﺍ ﻋﻠﻰ ﺷﺮﻁ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﺑﺸﻜﻞ ﻛﺒﻴﺮ ﻭﻗﺪ ﻧﻘﻞ ﻋﻦ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﻣﺎﻟﻚ ﻗﻮﻟﻪ ﻓﻴﻤﻦ ﺩﺧﻞ ﺩﺍﺭ ﻏﻴﺮﻩ ﻟﻴﻼً ﻓﻘﺘﻠﻪ ﺻﺎﺣﺐ ﺍﻟﺪﺍﺭ ﺃﻧﻪ ﻻ ﺿﻤﺎﻥ ﻋﻠﻴﻪ ﺇﺫﺍ ﺧﺎﻑ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻪ ﺃﻭ ﻣﺎﻟﻪ ﻣﻤﺎ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺍﺗﺴﺎﻉ ﺩﺍﺋﺮﺓ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﻟﺤﻤﺎﻳﺔ ﺣﺮﻣﺔ ﺍﻟﻤﻨﺰﻝ
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺬﻫﺐ ﺍﻟﺤﻨﺒﻠﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺳﺴﻪ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﺃﺣﻤﺪ ﺑﻦ ﺣﻨﺒﻞ ﻓﻲ ﺑﻐﺪﺍﺩ ﻓﻨﺠﺪ ﻧﻬﺠﺎً ﻣﺸﺎﺑﻬﺎً ﻓﻲ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮ ﻟﻜﻨﻪ ﻳﺨﺘﻠﻒ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺘﻔﺎﺻﻴﻞ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻘﻴﺔ ﺣﻴﺚ ﺃﻛﺪ ﺍﻟﺤﻨﺎﺑﻠﺔ
ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺩﻡ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﻫﺪﺭ ﻣﻄﻠﻘﺎً ﻓﻲ ﺣﺎﻝ ﺻﻴﺎﺣﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺃﻭ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﺃﻣﻜﻦ ﺩﻓﻌﻪ ﺑﺄﻗﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﻭﺫﻟﻚ ﺗﻐﻠﻴﻈﺎً ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﻭﺭﺩﻋﺎً ﻷﻣﺜﺎﻟﻪ ﻭﻗﺪ ﻧﺺ ﺍﺑﻦ ﻗﺪﺍﻣﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻐﻨﻲ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻣﻦ ﻫﺠﻢ ﻋﻠﻰ ﺇﻧﺴﺎﻥ ﻟﻴﻘﺘﻠﻪ ﺃﻭ ﻟﻴﻘﻄﻊ ﻋﻀﻮﺍً ﻣﻦ ﺃﻋﻀﺎﺋﻪ ﻓﺪﻓﻌﻪ ﺍﻟﻢ ﻫﺠﻮﻡ ﻋﻨﻪ ﻓﻘﺘﻠﻪ ﻓﻼ ﺷﻲﺀ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺪﺍﻓﻊ ﺳﻮﺍﺀ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺪﻓﻊ ﺑﻴﺪﻩ ﺃﻭ ﺑﺴﻼﺣﻪ ﻭﺳﻮﺍﺀ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﺑﺄﻧﻪ ﺳﻴﻘُﺘﻞ ﺃﻡ ﻟﻢ ﻳﻌﻠﻢ ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻮﻗﻒ ﻳﻈﻬﺮ ﺗﺸﺪﺩﺍً ﻓﻲ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻯ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﺑﺒﻌﺾ ﺁﺭﺍﺀ ﺍﻟﻔﻘﻬﺎﺀ ﺍﻵﺧﺮﻳﻦ
ﻭﻋﻨﺪ ﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﺍﻟﺘﻄﻮﺭ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻲ ﻟﻬﺬﻳﻦ ﺍﻟﻤﺬﻫﺒﻴﻦ ﻧﺠﺪ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﺗﻔﺎﻋﻞ ﻛﺜﻴﺮﺍً ﻣﻊ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻓﻲ ﺍﻷﻧﺪﻟﺲ ﻭﺍﻟﻤﻐﺮﺏ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﻣﻤﺎ ﺃﺩﻯ ﺇﻟﻰ ﻇﻬﻮﺭ ﻓﺘﺎﻭﻯ ﻭﺃﺣﻜﺎﻡ ﺗﺮﺍﻋﻲ ﺍﻟﻌﺮﻑ ﺍﻟﻤﺤﻠﻲ ﻓﻲ ﺗﻘﺪﻳﺮ ﺧﻄﻮﺭﺓ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺣﺎﻓﻆ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﺤﻨﺒﻠﻲ ﻋﻠﻰ ﻧﺼﻴﺔ ﺃﻛﺒﺮ ﻓﻲ ﺗﻄﺒﻴﻘﺎﺗﻪ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﺛﻢ ﺗﻄﻮﺭ ﻻﺣﻘﺎً ﻟﻴﺘﻨﺎﺳﺐ ﻣﻊ ﺍﻟﻤﺴﺘﺠﺪﺍﺕ ﻭﻓﻲ ﺍﻟﻌﺼﺮ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺍﺳﺘﻔﺎﺩ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻣﻦ ﺧﻼﺻﺔ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﺭﺍﺀ ﻋﻨﺪ ﺻﻴﺎﻏﺔ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺧﺎﺻﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻮﺍﺩ ﺍﻟﻤﺘﻌﻠﻘﺔ ﺑﺎﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﺮﻣﺔ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﻛﻤﺎ ﺍﺳﺘﻔﺎﺩ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﻛﺄﺳﺎﺱ ﻣﺮﺟﻌﻲ ﻋﻨﺪ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ
ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﻤﺘﻌﻠﻘﺔ ﺑﺎﻷﻋﺮﺍﺽ ﻭﺍﻟﻤﻤﺘﻠﻜﺎﺕ
ﺇﻥ ﺗﺘﺒﻊ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻄﻮﺭ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻲ ﻳﻜﺸﻒ ﻋﻦ ﻣﺮﻭﻧﺔ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻭﻗﺪﺭﺗﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﺳﺘﻴﻌﺎﺏ ﻣﺨﺘﻠﻒ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﺍﻟﺰﻣﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﻜﺎﻧﻴﺔ ﻣﻤﺎ ﻳﺠﻌﻠﻪ ﻣﺼﺪﺭﺍً ﻏﻨﻴﺎً ﻟﻠﺘﺸﺮﻳﻊ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻭﻟﻴﺲ ﻣﺠﺮﺩ ﺗﺮﺍﺙ ﺗﺎﺭﻳﺨﻲ ﺟﺎﻣﺪ ﻓﺎﻟﻘﺎﺿﻲ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﻮﺍﺟﻪ ﻗﻀﻴﺔ ﺩﻓﺎﻉ ﺷﺮﻋﻲ ﻣﻌﻘﺪﺓ ﻳﻤﻜﻨﻪ ﺍﻟﻌﻮﺩﺓ ﺇﻟﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﺻﻮﻝ ﺍﻟﻔﻘﻬﻴﺔ ﻻﺳﺘﻨﺒﺎﻁ ﺍﻟﺤﻠﻮﻝ ﺍﻟﻌﺎﺩﻟﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﻻ ﺗﻐﻄﻴﻬﺎ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺍﻟﻮﺿﻌﻴﺔ ﺑﺸﻜﻞ ﻛﺎﻣﻞ ﺧﺎﺻﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﺍﻟﻤﺴﺘﺠﺪﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻟﻬﺎ ﻣﺜﻴﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﻣﺜﻞ ﺟﺮﺍﺋﻢ ﺍﻹﻧﺘﺮﻧﺖ ﺃﻭ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀﺍﺕ ﺍﻹﻟﻜﺘﺮﻭﻧﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﺗﻨﺪﺭﺝ ﺗﺤﺖ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺑﺼﻮﺭﺓ ﻣﻌﻨﻮﻳﺔ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺮﺍﺑﻊ
ﻧﺸﺄﺓ ﻭﺗﻄﻮﺭ ﺩﻓﺎﻉ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻣﻨﺬ ﺛﻮﺭﺓ 1789
ﺷﻬﺪ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺗﺤﻮﻻً ﺟﺬﺭﻳﺎً ﻓﻲ ﻣﻔﻬﻮﻡ
ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻭﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻣﻊ ﺍﻧﺪﻻﻉ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻋﺎﻡ 1789 ﺣﻴﺚ ﺍﻧﺘﻘﻞ ﻣﻦ ﻧﻈﺎﻡ ﺇﻗﻄﺎﻋﻲ ﻳﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻰ ﺍﻣﺘﻴﺎﺯﺍﺕ ﺍﻟﻄﺒﻘﺎﺕ ﺇﻟﻰ ﻧﻈﺎﻡ ﻗﺎﻧﻮﻧﻲ ﻣﻮﺣﺪ ﻳﻘﻮﻡ ﻋﻠﻰ ﻣﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﻤﺴﺎﻭﺍﺓ ﻭﺍﻟﺤﺮﻳﺔ ﺍﻟﻔﺮﺩﻳﺔ ﻭﻗﺪ ﺗﺒﻠﻮﺭ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺤﻮﻝ ﻓﻲ ﺇﻋﻼﻥ ﺣﻘﻮﻕ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻭﺍﻟﻤﻮﺍﻃﻦ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﻛﺪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻖ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻘﺎﻭﻣﺔ ﺿﺪ ﺍﻻﺿﻄﻬﺎﺩ ﻣﻤﺎ ﻣﻬﺪ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﻟﺘﻘﻨﻴﻦ ﻣﺒﺪﺃ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﻮﺍﻧﻴﻦ ﺍﻟﻼﺣﻘﺔ
ﻓﻲ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻟﻌﺎﻡ 1810 ﺍﻟﺬﻱ ﻇﻞ ﺳﺎﺭﻳﺎً ﻷﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻗﺮﻥ ﻭﻧﺼﻒ ﻧﺠﺪ ﺃﻭﻝ ﺗﻨﻈﻴﻢ ﺷﺎﻣﻞ ﻟﻤﺒﺪﺃ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺣﻴﺚ ﻧﺼﺖ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ 328 ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻻ ﺟﺮﻳﻤﺔ ﻭﻻ ﻋﻘﻮﺑﺔ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻧﺎﺗﺠﺎً ﻋﻦ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺃﻭ ﺍﻟﻐﻴﺮ ﻭﻗﺪ ﻓﺴﺮ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﺺ ﺑﺘﻮﺳﻊ ﻣﻠﺤﻮﻅ ﻟﻴﺸﻤﻞ ﻟﻴﺲ ﻓﻘﻂ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺑﻞ ﺃﻳﻀﺎً ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﻭﺍﻟﻤﺎﻝ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﺍﻻﺳﺘﺜﻨﺎﺋﻴﺔ ﻭﻣﻊ ﻣﺮﻭﺭ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﺗﻄﻮﺭ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻟﻴﺸﻤﻞ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﻤﻠﺤﺔ ﺍﻟﻨﺎﺗﺠﺔ ﻋﻦ ﻇﺮﻭﻑ ﻃﺒﻴﻌﻴﺔ ﺃﻭ ﺻﺤﻴﺔ ﺃﻭ ﺍﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﺗﻀﻄﺮ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻻﺭﺗﻜﺎﺏ ﻓﻌﻞ ﻣﻤﻨﻮﻉ ﻹﻧﻘﺎﺫ ﻣﺼﻠﺤﺔ ﺃﻋﻠﻰ
ﻭﻣﻊ ﺻﺪﻭﺭ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪ ﻓﻲ ﻋﺎﻡ 1994 ﺗﻢ ﺗﻌﺰﻳﺰ ﻭﺗﻨﻘﻴﺢ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﺣﻴﺚ ﺧﺼﺼﺖ ﺍﻟﻤﻮﺍﺩ ﻣﻦ 7-122 ﺇﻟﻰ 9-122 ﻟﺘﻨﻈﻴﻢ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺑﺸﻜﻞ ﺃﻛﺜﺮ ﻭﺿﻮﺣﺎً ﻭﺩﻗﺔ ﻓﻘﺪ ﻧﺼﺖ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ 7-122 ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﺴﺆﻭﻻً ﺟﻨﺎﺋﻴﺎً ﺇﺫﺍ acted ﺗﺤﺖ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﺣﺎﻟﺔ ﺿﺮﻭﺭﻳﺔ ﻣﻠﺤﺔ ﻟﺪﻓﻊ ﺧﻄﺮ ﺣﻘﻴﻘﻲ ﻭﺷﺪﻳﺪ ﺍﻟﺤﺪﻭﺙ ﻳﻬﺪﺩ ﺷﺨﺼﻪ ﺃﻭ ﻏﻴﺮﻩ ﺃﻭ ﻣﺎﻟﻪ ﺑﺸﺮﻁ ﺃﻻ ﺗﻜﻮﻥ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻏﻴﺮ ﻣﺘﻨﺎﺳﺒﺔ ﻣﻊ ﺟﺴﺎﻣﺔ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﻭﻗﺪ ﺃﺿﺎﻑ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺑﻌﺪﺍً ﺟﺪﻳﺪﺍً ﻳﺘﻤﺜﻞ ﻓﻲ ﻣﺮﺍﻋﺎﺓ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﻟﻠﻤﺪﺍﻓﻊ ﻭﺗﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﺍﻟﻤﺤﻴﻄﺔ ﺑﻪ ﺑﻌﻴﻦ ﺍﻟﺮﺿﺎ ﻋﻦ ﺍﻟﺨﻄﺄ ﺍﻟﺬﻱ ﻗﺪ ﻳﻘﻊ ﻓﻴﻪ ﻧﺘﻴﺠﺔ ﺍﻟﺬﻋﺮ ﺃﻭ ﺍﻟﻔﺰﻉ
ﻭﻗﺪ ﺃﺛﺮ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻄﻮﺭ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺑﺸﻜﻞ ﻣﺒﺎﺷﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎﺕ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﺣﻴﺚ ﺍﻗﺘﺒﺲ ﺍﻟﻤﺸﺮﻋﺎﻥ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻓﻲ ﺻﻴﺎﻏﺔ ﻧﺼﻮﺻﻬﻤﺎ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﺑﺎﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻏﻴﺮ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﻓﻲ ﻓﺮﻧﺴﺎ ﺷﻬﺪ ﺗﻮﺳﻌﺎً ﺃﻛﺒﺮ ﻓﻲ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻟﻴﺸﻤﻞ ﺣﺎﻻﺕ ﻣﺜﻞ ﺳﺮﻗﺔ ﺍﻟﻄﻌﺎﻡ ﺑﺴﺒﺐ ﺍﻟﺠﻮﻉ ﺍﻟﺸﺪﻳﺪ ﺃﻭ ﻗﻴﺎﺩﺓ ﺍﻟﺴﻴﺎﺭﺓ ﺑﺪﻭﻥ ﺭﺧﺼﺔ ﻟﻨﻘﻞ ﻣﺮﻳﺾ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﻃﺎﺭﺋﺔ
ﻭﻫﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﻗﺪ ﺗﻮﺍﺟﻪ ﺗﺤﻔﻈﺎً ﺃﻛﺒﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﺃﻭ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻤﻴﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﻻﻟﺘﺰﺍﻡ ﺍﻟﺤﺮﻓﻲ ﺑﺎﻟﻨﺺ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ
ﺇﻥ ﺩﺭﺍﺳﺔ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻄﻮﺭ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺗﻘﺪﻡ ﺩﺭﺳﺎً ﺑﻠﻴﻐﺎً ﻓﻲ ﻛﻴﻔﻴﺔ ﻣﻮﺍﺯﻧﺔ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﺑﻴﻦ ﺿﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﺤﻔﺎﻅ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻭﺿﺮﻭﺭﺓ ﻣﺮﺍﻋﺎﺓ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﺍﻻﺳﺘﺜﻨﺎﺋﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﺗﺪﻓﻊ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻟﻠﺨﺮﻭﺝ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﺠﺐ ﺃﻥ ﻳﺴﺘﻠﻬﻤﻪ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﻓﻲ ﺗﺤﺪﻳﺚ ﻧﺼﻮﺻﻪ ﻭﺗﻄﻮﻳﺮ ﺍﺟﺘﻬﺎﺩﺍﺗﻪ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﻟﺘﻜﻮﻥ ﺃﻛﺜﺮ ﺍﻧﺴﺠﺎﻣﺎً ﻣﻊ ﻣﺘﻄﻠﺒﺎﺕ ﺍﻟﻌﺼﺮ ﻭﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺨﺎﻣﺲ
ﻣﻜﺎﻧﺔ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻭﺗﻌﺪﻳﻼﺗﻪ
ﻳﺤﺘﻞ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻣﻜﺎﻧﺔ ﻣﺮﻛﺰﻳﺔ ﻓﻲ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﺣﻴﺚ ﻳﻌُﺪ ﻣﻦ ﺃﻫﻢ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ
ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻨﻔﻲ ﺍﻟﺼﻔﺔ ﺍﻟﺠﺮﻣﻴﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺗﻤﺎﻣﺎً ﻭﻗﺪ ﻧﻈﻢ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﻓﻲ ﻋﺪﺓ ﻣﻮﺍﺩ ﺃﺑﺮﺯﻫﺎ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ 249 ﻣﻦ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻨﺺ ﻋﻠﻰ ﻋﺪﻡ ﺍﻟﻌﻘﺎﺏ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺃﻭ ﺍﻟﻐﻴﺮ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺿﺪ ﺍﻋﺘﺪﺍﺀ ﺣﺎﻝ ﻭﻏﻴﺮ ﻣﺸﺮﻭﻉ ﻭﻗﺪ ﻣﺮ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻨﻈﻴﻢ ﺑﻌﺪﺓ ﻣﺮﺍﺣﻞ ﻭﺗﻌﺪﻳﻼﺕ ﺗﻌﻜﺲ ﺗﻄﻮﺭ ﺍﻟﻮﻋﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ ﻭﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺗﺄﺛﺮﻩ ﺑﺎﻟﻤﺪﺭﺳﺔ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻭﺑﺎﻟﻮﺍﻗﻊ ﺍﻟﻤﺤﻠﻲ
ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺪﺍﻳﺔ ﻭﻋﻨﺪ ﺻﺪﻭﺭ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻓﻲ ﻋﺎﻡ 1904 ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻨﺺ ﻣﻘﺘﺒﺴﺎً ﺑﺸﻜﻞ ﺷﺒﻪ ﺣﺮﻓﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻣﻤﺎ ﺟﻌﻞ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﻳﻌﺘﻤﺪ heavily ﻋﻠﻰ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩﺍﺕ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺷﺮﻭﻁ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﻭﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﺳﻴﻠﺔ ﻭﻣﻊ ﻣﺮﻭﺭ ﺍﻟﺰﻣﻦ ﺑﺪﺃﺕ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﺗﻄﻮﺭ ﺍﺟﺘﻬﺎﺩﺍﺗﻬﺎ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﺍﻟﺒﻴﺌﺔ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﺣﻴﺚ ﻇﻬﺮﺕ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﻣﻬﻤﺔ ﺣﺪﺩﺕ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﺑﺪﻗﺔ ﻭﺍﺷﺘﺮﻃﺖ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﻭﺷﻴﻜﺎً ﺟﺪﺍً ﺑﺤﻴﺚ ﻻ ﻳﺘﺴﻊ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻟﻠﺠﻮﺀ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺴﻠﻄﺎﺕ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ
ﻭﻣﻦ ﺃﻫﻢ ﺍﻟﺘﻌﺪﻳﻼﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺷﻬﺪﻫﺎ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻓﻲ
ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺸﺄﻥ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺘﻲ ﺟﺎﺀﺕ ﺑﺎﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺭﻗﻢ 58 ﻟﺴﻨﺔ 1937 ﺛﻢ ﺍﻟﺘﻌﺪﻳﻼﺕ ﺍﻟﻼﺣﻘﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺣﺎﻭﻟﺖ ﺗﻮﺿﻴﺢ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻐﻤﻮﺽ ﻓﻲ ﻧﺼﻮﺹ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺧﺎﺻﺔ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺣﻴﺚ ﻗﻴﺪ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﺍﻟﺤﻖ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺑﻌﺪﻡ ﺇﻣﻜﺎﻧﻴﺔ ﺍﺳﺘﺮﺩﺍﺩﻩ ﺑﻄﺮﻕ ﺃﺧﺮﻯ ﻭﺑﺸﺮﻁ ﺃﻻ ﻳﺘﺠﺎﻭﺯ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺣﺪﻭﺩ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻭﻗﺪ ﺃﺛﺎﺭ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻘﻴﺪ ﺟﺪﻻً ﻓﻘﻬﻴﺎً ﻭﺍﺳﻌﺎً ﺣﻮﻝ ﻣﺪﻯ ﻣﺸﺮﻭﻋﻴﺔ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻤﻤﻴﺘﺔ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺃﻣﻮﺍﻝ ﺗﺎﻓﻬﺔ ﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﺑﻘﻴﻤﺔ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ
ﻭﻓﻲ ﺍﻟﻌﻘﻮﺩ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ ﺷﻬﺪﺕ ﺍﻟﺴﺎﺣﺔ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﻧﻘﺎﺷﺎﺕ ﻣﺴﺘﻤﺮﺓ ﺣﻮﻝ ﺗﻮﺳﻴﻊ ﻧﻄﺎﻕ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻟﻴﺸﻤﻞ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﻌﻨﻒ ﺍﻷﺳﺮﻱ ﻭﺟﺮﺍﺋﻢ ﺍﻟﺸﺮﻑ ﺣﻴﺚ ﺩﻋﺎ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻔﻘﻬﺎﺀ ﻭﺍﻟﻘﻀﺎﺓ ﺇﻟﻰ ﺇﻋﺎﺩﺓ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﻧﺼﻮﺹ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻟﺘﺮﺍﻋﻲ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﻭﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻟﻠﻤﺮﺃﺓ ﺍﻟﻤﻌﻨﻔﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﺗﻠﺠﺄ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻓﻲ ﻟﺤﻈﺔ ﻳﺄﺱ ﺷﺪﻳﺪ ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﺘﻘﺎﻃﻊ ﻣﻊ ﻣﺒﺪﺃ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﻤﻠﺤﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻭﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻥ ﻭﺭﻏﻢ ﺃﻥ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﻟﻢ ﺗﺘﻐﻴﺮ ﺑﺸﻜﻞ ﺟﺬﺭﻱ ﺇﻻ ﺃﻥ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﺑﺪﺃ ﻳﻤﻴﻞ ﺷﻴﺌﺎً ﻓﺸﻴﺌﺎً ﻧﺤﻮ ﻣﺮﺍﻋﺎﺓ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﻓﻲ ﺗﻘﺪﻳﺮ ﻣﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﻤﺘﻬﻢ
ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﺗﻠﻌﺐ ﺩﻭﺭﺍً ﺣﺎﺳﻤﺎً ﻓﻲ ﺗﻄﺒﻴﻖ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺣﻴﺚ ﻳﻘﻊ ﻋﻠﻰ ﻋﺎﺗﻘﻬﺎ ﻓﻲ ﻣﺮﺣﻠﺔ ﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﺘﺤﻘﻖ ﻣﻦ ﺗﻮﺍﻓﺮ ﺷﺮﻭﻁ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻗﺒﻞ ﺇﺻﺪﺍﺭ ﻗﺮﺍﺭ ﺍﻟﺤﺒﺲ ﺃﻭ ﺍﻹﺣﺎﻟﺔ ﻟﻠﻤﺤﺎﻛﻤﺔ ﻭﻗﺪ ﺃﺻﺪﺭﺕ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﺍﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻌﻤﻴﻤﺎﺕ ﺍﻟﺪﺍﺧﻠﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻮﺟﻪ ﺃﻋﻀﺎﺀﻫﺎ ﺑﻜﻴﻔﻴﺔ ﺍﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ ﺑﻼﻏﺎﺕ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻭﺿﺮﻭﺭﺓ ﺟﻤﻊ ﺍﻷﺩﻟﺔ ﻓﻮﺭﺍً ﻗﺒﻞ ﺯﻭﺍﻝ ﺁﺛﺎﺭ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﻌﻜﺲ ﻭﻋﻴﺎً ﻣﺆﺳﺴﻴﺎً ﺑﺄﻫﻤﻴﺔ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﺎﺏ ﻣﻦ ﺃﺑﻮﺍﺏ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ
ﺇﻥ ﻣﻜﺎﻧﺔ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻟﻴﺴﺖ ﻣﺠﺮﺩ ﻧﺺ ﺟﺎﻣﺪ ﺑﻞ ﻫﻲ ﻣﺒﺪﺃ ﺣﻲ ﻳﺘﻔﺎﻋﻞ ﻣﻊ ﺗﻐﻴﺮﺍﺕ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻭﻳﺘﻄﻮﺭ ﻋﺒﺮ ﺍﺟﺘﻬﺎﺩﺍﺕ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﻭﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﻣﻤﺎ ﻳﺠﻌﻠﻪ ﺃﺩﺍﺓ ﻓﻌﺎﻟﺔ ﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﻭﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﺤﻘﻮﻕ ﺍﻷﺳﺎﺳﻴﺔ ﻟﻠﻤﻮﺍﻃﻨﻴﻦ ﻓﻲ ﻣﻮﺍﺟﻬﺔ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀﺍﺕ ﺍﻟﻤﻔﺎﺟﺌﺔ ﻭﺍﻟﺨﻄﺮﺓ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺴﺎﺩﺱ
ﺗﻨﻈﻴﻢ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺘﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻭﺍﻷﺻﻴﻞ
ﻳﻤﺜﻞ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻧﻤﻮﺫﺟﺎً ﻓﺮﻳﺪﺍً ﻣﻦ ﻧﻮﻋﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﻭﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﺣﻴﺚ ﻳﺠﻤﻊ ﺑﻴﻦ ﺃﺻﺎﻟﺔ ﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﻤﺪﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺬﻫﺐ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﺍﻟﺴﺎﺋﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻼﺩ ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﺪﻗﺔ ﺍﻟﺘﻘﻨﻴﺔ ﻭﺍﻟﺼﻴﺎﻏﺔ ﺍﻟﻤﻨﻬﺠﻴﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﻮﺣﺎﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺧﺎﺻﺔ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻟﻌﺎﻡ 1994 ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺛﺮ ﺑﺸﻜﻞ ﻣﺒﺎﺷﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﻌﺪﻳﻼﺕ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﻴﺔ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﻭﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻹﻃﺎﺭ ﻳﺄﺗﻲ ﺗﻨﻈﻴﻢ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻛﺤﺠﺮ ﺯﺍﻭﻳﺔ ﻓﻲ ﺑﻨﻴﺔ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻴﺔ ﺣﻴﺚ ﻧﺼﺖ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ 42 ﻣﻦ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﺻﺮﺍﺣﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻻ ﺟﺮﻳﻤﺔ ﻭﻻ ﻋﻘﻮﺑﺔ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻣﻔﺮﻭﺿﺎً ﺑﺎﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺃﻭ ﺍﻟﻐﻴﺮ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺿﺪ ﺍﻋﺘﺪﺍﺀ ﺣﺎﻝ ﻭﻏﻴﺮ ﻣﺸﺮﻭﻉ ﻭﻗﺪ ﺟﺎﺀﺕ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺼﻴﺎﻏﺔ ﻟﺘﻌﻜﺲ ﺍﻟﺘﻮﺍﺯﻥ ﺍﻟﺪﻗﻴﻖ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺤﺎﺟﺔ ﺇﻟﻰ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻭﺿﺮﻭﺭﺓ ﺿﻤﺎﻥ ﺣﻖ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﻛﻴﺎﻧﻪ
ﺇﻥ ﺍﻟﻤﺮﺟﻌﻴﺔ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﻟﻠﺘﺸﺮﻳﻊ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﺎﺏ ﺗﻌﻮﺩ ﺇﻟﻰ ﻓﺘﺮﺓ ﺍﻻﺳﺘﻌﻤﺎﺭ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺣﻴﺚ ﺗﻢ ﺗﻄﺒﻴﻖ
ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺣﺮﻓﻴﺎً ﻟﺴﻨﻮﺍﺕ ﻃﻮﻳﻠﺔ ﺇﻻ ﺃﻧﻪ ﺑﻌﺪ ﺍﻻﺳﺘﻘﻼﻝ ﺷﻬﺪﺕ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻋﻤﻠﻴﺔ ﺃﺳﻠﻤﺔ ﻟﻠﻘﺎﻧﻮﻥ ﻭﺗﺤﺪﻳﺚ ﻟﻪ ﻓﻲ ﺁﻥ ﻭﺍﺣﺪ ﻣﻤﺎ ﺃﺩﻯ ﺇﻟﻰ ﺇﻋﺎﺩﺓ ﻗﺮﺍﺀﺓ ﻧﺼﻮﺹ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻋﺒﺮ ﻋﺪﺳﺔ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﻄﻲ ﺃﻭﻟﻮﻳﺔ ﻗﺼﻮﻯ ﻟﺤﻔﻆ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺍﻟﻌﺮﺽ ﻭﺍﻟﻤﺎﻝ ﻭﻗﺪ ﻇﻬﺮ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺄﺛﻴﺮ ﺟﻠﻴﺎً ﻓﻲ ﺍﺟﺘﻬﺎﺩﺍﺕ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺑﺪﺃﺕ ﺗﺴﺘﻨﺪ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺃﺣﻜﺎﻣﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﻮﺍﻋﺪ ﺍﻟﻔﻘﻬﻴﺔ ﻣﺜﻞ ﻗﺎﻋﺪﺓ ﺍﻟﺪﺭﺀ ﻭﺗﻔﺴﻴﺮ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﺑﻤﺎ ﻳﺘﻮﺍﻓﻖ ﻣﻊ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﺍﻟﺬﻱ ﻗﺪ ﻳﺨﺘﻠﻒ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺗﻔﺎﺻﻴﻠﻪ ﻋﻦ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ
ﻓﻔﻲ ﺣﻴﻦ ﻳﺮﻛﺰ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻋﻠﻰ ﻣﻌﻴﺎﺭ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺍﻟﺤﺎﻟﻲ ﻭﺍﻟﺸﺪﻳﺪ ﻛﺸﺮﻁ ﺟﻮﻫﺮﻱ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﻳﻀﻴﻒ ﺑﻌُﺪﺍً ﺁﺧﺮ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﻨﻴﺔ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﻭﺧﻄﻮﺭﺓ ﻓﻌﻠﻪ ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﻭﺷﻴﻜﺎً ﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﺰﻣﻨﻲ ﺍﻟﺪﻗﻴﻖ ﺑﻞ ﻛﺎﻥ ﻣﺘﻮﻗﻌﺎً ﻭﻗﻮﻋﻪ ﻓﻲ ﻟﺤﻈﺔ ﻗﺮﻳﺒﺔ ﺟﺪﺍً ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﺃﺧﺬ ﺑﻪ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻓﻲ ﻋﺪﺓ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺣﺮﻣﺔ ﺍﻟﻤﻨﺰﻝ ﻟﻴﻼً ﺣﻴﺚ ﺍﻋﺘﺒﺮ ﺩﺧﻮﻝ ﺍﻟﺪﺍﺭ ﻟﻴﻼً ﻗﺮﻳﻨﺔ ﻗﻮﻳﺔ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﻧﻴﺔ ﻋﺪﻭﺍﻧﻴﺔ ﺗﺒﻴﺢ ﻟﺼﺎﺣﺐ ﺍﻟﺪﺍﺭ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻼﺯﻣﺔ ﻟﺪﻓﻊ ﺍﻟﻤﺘﺴﻠﻞ ﺣﺘﻰ ﻭﻟﻮ
ﻟﻢ ﻳﺒﺪﺃ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﺑﺎﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﺠﺴﺪﻱ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮ ﺑﻌﺪ ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻔﺴﻴﺮ ﻳﺘﺠﺎﻭﺯ ﺍﻟﺤﺮﻓﻴﺔ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻟﻴﻼﻣﺲ ﺭﻭﺡ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻓﻲ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﺤﺮﻣﺔ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ
ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺣﻴﺔ ﺍﻹﺟﺮﺍﺋﻴﺔ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﺗﻠﻌﺐ ﺩﻭﺭﺍً ﻣﺤﻮﺭﻳﺎً ﻓﻲ ﺗﻘﻴﻴﻢ ﺩﻓﻮﻉ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻣﻨﺬ ﻣﺮﺣﻠﺔ ﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺍﻻﺑﺘﺪﺍﺋﻲ ﺣﻴﺚ ﻳﻘﻊ ﻋﻠﻰ ﻋﺎﺗﻘﻬﺎ ﻋﺐﺀ ﺟﻤﻊ ﺍﻷﺩﻟﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺜﺒﺖ ﺃﻭ ﺗﻨﻔﻲ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻷﺻﻠﻲ ﻭﻃﺮﻳﻘﺔ ﺭﺩ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﻗﺪ ﻃﻮﺭﺕ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﻣﻨﻬﺠﻴﺔ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﺗﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺨﺒﺮﺓ ﺍﻟﻄﺒﻴﺔ ﺍﻟﺸﺮﻋﻴﺔ ﻟﺘﺤﺪﻳﺪ ﻃﺒﻴﻌﺔ ﺍﻹﺻﺎﺑﺎﺕ ﻭﻣﻄﺎﺑﻘﺘﻬﺎ ﻣﻊ ﺭﻭﺍﻳﺔ ﺍﻟﻤﺘﻬﻢ ﺣﻮﻝ ﻭﺳﻴﻠﺔ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﻤﺴﺘﺨﺪﻣﺔ ﻛﻤﺎ ﺗﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻰ ﻣﻌﺎﻳﻨﺔ ﻣﻜﺎﻥ ﺍﻟﺤﺎﺩﺙ ﺑﺪﻗﺔ ﻻﺳﺘﻨﺘﺎﺝ ﻣﺎ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺣﺎﻻً ﻓﻌﻼً ﺃﻡ ﺃﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﻓﺎﺻﻼً ﺯﻣﻨﻴﺎً ﻳﺴﻤﺢ ﺑﺎﻟﻠﺠﻮﺀ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺴﻠﻄﺎﺕ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﺑﺪﻻً ﻣﻦ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﺬﺍﺗﻴﺔ
ﺃﻣﺎ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﺸﺮﻁ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﺑﻴﻦ ﻭﺳﻴﻠﺔ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻭﺧﻄﻮﺭﺓ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻓﻘﺪ ﺗﺒﻨﺖ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﻣﻮﻗﻔﺎً ﻭﺳﻄﺎً ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺮﻭﻧﺔ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻭﺍﻟﺼﺮﺍﻣﺔ ﺍﻟﻔﻘﻬﻴﺔ ﻓﺎﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﻻ ﺗﺸﺘﺮﻁ ﺗﻄﺎﺑﻘﺎً ﺭﻳﺎﺿﻴﺎً ﺑﻴﻦ ﺃﺩﺍﺓ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ
ﻭﺃﺩﺍﺓ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺑﻞ ﺗﻜﺘﻔﻲ ﺑﻮﺟﻮﺩ ﺗﻨﺎﺳﺐ ﻧﺴﺒﻲ ﻳﺮﺍﻋﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﺬﻋﺮ ﻭﺍﻟﻔﺰﻉ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻨﺘﺎﺏ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻓﻲ ﻟﺤﻈﺔ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﻭﻗﺪ ﺃﻛﺪﺕ ﺍﻟﻐﺮﻓﺔ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻴﺔ ﻟﻠﻤﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﻓﻲ ﻋﺪﺓ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﺃﻥ ﺗﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﻫﻮ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻭﺍﻗﻌﻴﺔ ﺗﺘﺮﻙ ﻟﺘﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻋﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺤﻴﻂ ﺑﻤﻼﺑﺴﺎﺕ ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ ﻭﻻ ﺗﺨﻀﻊ ﻟﺮﻗﺎﺑﺔ ﻣﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺇﻻ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﺨﺮﻭﺝ ﺍﻟﻜﻠﻲ ﻋﻦ ﻣﻨﻄﻖ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﻤﻨﺢ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻫﺎﻣﺸﺎً ﻭﺍﺳﻌﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﻌﺎﺩﻝ
ﻭﻳﻼﺣﻆ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻗﺪ ﻭﺳﻊ ﺩﺍﺋﺮﺓ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻟﺘﺸﻤﻞ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﺑﺸﻜﻞ ﺻﺮﻳﺢ ﻭﻣﻔﺼﻞ ﻣﺴﺘﻠﻬﻤﺎً ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺍﻟﺸﺮﻋﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺠﻌﻞ honor of defense ﻭﺍﺟﺒﺎً ﻣﻘﺪﺳﺎً ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻇﻞ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺃﻛﺜﺮ ﺗﺠﺮﻳﺪﺍً ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺸﺄﻥ ﻣﻜﺘﻔﻴﺎً ﺑﺎﻹﺷﺎﺭﺓ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﻣﻤﺎ ﻳﺠﻌﻞ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻼﺀﻣﺔ ﻟﻠﺒﻴﺌﺔ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻭﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﻄﻘﺔ ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﺗﺨﻀﻊ ﻟﺸﺮﻭﻁ ﺃﺩﻕ ﺣﻴﺚ ﻻ ﻳﺒﻴﺢ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻤﻤﻴﺘﺔ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﻣﺎﻝ ﺗﺎﻓﻪ ﺍﻟﻘﻴﻤﺔ ﺇﻻ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻣﺼﺤﻮﺑﺎً ﺑﺘﻬﺪﻳﺪ ﻣﺒﺎﺷﺮ ﻟﻠﺤﻴﺎﺓ ﺃﻭ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺪﺧﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﺑﻘﺼﺪ ﺍﻟﺴﺮﻗﺔ ﻟﻴﻼً ﻭﻫﻮ
ﺗﻔﺼﻴﻞ ﻳﺴﺘﻤﺪ ﺟﺬﻭﺭﻩ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻣﻴﺰ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺴﺎﺭﻕ ﻟﻴﻼً ﻭﻧﻬﺎﺭﺍً
ﺇﻥ ﺍﻟﺘﻔﺎﻋﻞ ﺑﻴﻦ ﺍﻷﺻﺎﻟﺔ ﻭﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮﺓ ﻓﻲ ﺗﻨﻈﻴﻢ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻳﻨﺘﺞ ﻋﻨﻪ ﻗﻀﺎﺀ ﺣﻴﻮﻱ ﻗﺎﺩﺭ ﻋﻠﻰ ﻣﻮﺍﺟﻬﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﺠﺪﺍﺕ ﺍﻹﺟﺮﺍﻣﻴﺔ ﺍﻟﻤﻌﻘﺪﺓ ﻓﺎﻟﻘﺎﺿﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺃﻣﺎﻡ ﺗﺤﺪﻳﺎﺕ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﺠﺮﺍﺋﻢ ﺍﻹﻟﻜﺘﺮﻭﻧﻴﺔ ﻭﺍﻻﺑﺘﺰﺍﺯ ﺍﻹﻟﻜﺘﺮﻭﻧﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﺗﻨﺪﺭﺝ ﺗﺤﺖ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺑﺼﻮﺭﺓ ﻣﻌﻨﻮﻳﺔ ﻭﻫﻨﺎ ﻳﺒﺮﺯ ﺩﻭﺭ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﻓﻲ ﺗﻮﺳﻴﻊ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﻟﺘﺸﻤﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺼﻮﺭ ﺍﻟﻤﺴﺘﺠﺪﺓ ﻣﺴﺘﻨﺪﺍً ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﻘﺎﺻﺪ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻟﻠﺸﺮﻳﻌﺔ ﻭﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻟﻠﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻭﺍﻟﻤﻠﺤﺔ
ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺩﻭﺭ ﺍﻟﻤﺤﺎﻣﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻳﺘﻌﺰﺯ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺘﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﺑﻂ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻮﻗﺎﺋﻊ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ﻟﻠﻨﺰﺍﻉ ﻭﺍﻷﺳﺲ ﺍﻟﻔﻘﻬﻴﺔ ﻭﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﺎﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﻨﺎﺟﺢ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺇﻗﻨﺎﻉ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﺑﺄﻥ ﻓﻌﻞ ﻣﻮﻛﻠﻪ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻣﺠﺮﺩ ﺭﺩ ﻓﻌﻞ ﻋﺸﻮﺍﺋﻲ ﺑﻞ ﻛﺎﻥ ﺍﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻣﺸﺮﻭﻋﺔ ﻭﻣﺒﺮﺭﺓ ﻻﻧﺘﻬﺎﻙ ﺧﻄﻴﺮ ﻟﻠﺤﻘﻮﻕ ﺍﻟﻤﺤﻤﻴﺔ ﺷﺮﻋﺎً ﻭﻗﺎﻧﻮﻧﺎً ﻭﻟﺬﺍ ﻓﺈﻥ ﻓﻬﻢ ﺍﻟﻌﻤﻖ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻲ ﻭﺍﻟﻔﻠﺴﻔﻲ ﻟﻨﺼﻮﺹ
ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻳﻌﺪ ﺳﻼﺣﺎً ﻓﻌﺎﻻً ﻓﻲ ﻳﺪ ﺍﻟﻤﺤﺎﻣﻲ ﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﺒﺮﺍﺀﺓ ﻟﻤﻮﻛﻠﻪ ﺃﻭ ﺗﺨﻔﻴﻒ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺔ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﺗﺠﺎﻭﺯ ﺣﺪﻭﺩ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ
ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺨﺘﺎﻡ ﻳﻤﻜﻦ ﺍﻟﻘﻮﻝ ﺇﻥ ﺍﻟﺘﻨﻈﻴﻢ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻳﻤﺜﻞ ﺟﺴﺮﺍً ﺣﻀﺎﺭﻳﺎً ﻳﺮﺑﻂ ﺑﻴﻦ ﺗﺮﺍﺙ ﻓﻘﻬﻲ ﻋﺮﻳﻖ ﻭﻣﻨﻈﻮﻣﺔ ﻗﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﺣﺪﻳﺜﺔ ﻗﺎﺩﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﻣﻮﺍﻛﺒﺔ ﺍﻟﺘﻄﻮﺭﺍﺕ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﻭﻗﺪ ﺃﺛﺒﺘﺖ ﺍﻟﺘﺠﺮﺑﺔ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﻧﺠﺎﺡ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﻬﺠﻴﻦ ﻓﻲ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﻭﺭﺩﻉ ﺍﻟﺠﺮﻳﻤﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﺤﻔﺎﻅ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﻴﻢ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﻴﺔ ﻭﺍﻟﺜﻮﺍﺑﺖ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﺠﻌﻞ ﻣﻦ ﺩﺭﺍﺳﺔ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﻣﺼﺪﺭ ﺇﻟﻬﺎﻡ ﻟﻠﺘﺸﺮﻳﻌﺎﺕ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺍﻷﺧﺮﻯ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺴﻌﻰ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﺤﺪﻳﺚ ﺩﻭﻥ ﺍﻟﻘﻄﻴﻌﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﺘﺮﺍﺙ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺴﺎﺑﻊ
ﺷﺮﻁ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﺤﺎﻟﻲ ﺃﻭ ﺍﻟﻮﺷﻴﻚ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ
ﻳﻌُﺪ ﺷﺮﻁ ﺍﻟﺤﺎﻟﻴﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﻮﺷﻮﻛﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﺮﻛﻦ ﺍﻟﺰﻣﻨﻲ ﺍﻷﻫﻢ ﻓﻲ ﺑﻨﺎﺀ ﺩﻓﺎﻉ ﺷﺮﻋﻲ ﺻﺤﻴﺢ ﻭﻓﻘﺎً
ﻟﻠﺘﺸﺮﻳﻊ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﺣﻴﺚ ﺍﺷﺘﺮﻁ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ 249 ﻣﻦ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺣﺎﻻً ﻟﻜﻲ ﻳﺒﻴﺢ ﻟﻠﻤﻌﺘﺪﻯ ﻋﻠﻴﻪ ﺩﻓﻌﻪ ﺑﺎﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻼﺯﻣﺔ ﻭﻗﺪ ﺃﺛﺎﺭ ﺗﻄﺒﻴﻖ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺸﺮﻁ ﺟﺪﻻً ﻓﻘﻬﻴﺎً ﻭﻗﻀﺎﺋﻴﺎً ﻭﺍﺳﻌﺎً ﺣﻮﻝ ﺗﺤﺪﻳﺪ ﺍﻟﻠﺤﻈﺔ ﺍﻟﺪﻗﻴﻘﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺒﺪﺃ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻭﻣﺘﻰ ﻳﻨﺘﻬﻲ ﻭﻣﺎ ﻫﻲ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﻭﺷﻴﻜﺎً ﻟﺪﺭﺟﺔ ﺗﺒﺮﺭ ﺍﻟﺘﺪﺧﻞ ﺍﻟﺪﻓﺎﻋﻲ ﻗﺒﻞ ﻭﻗﻮﻉ ﺍﻟﻀﺮﺭ ﺍﻟﻔﻌﻠﻲ
ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻋﺮﻑ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﺑﺄﻧﻪ ﺫﻟﻚ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﺬﻱ ﻭﻗﻊ ﺑﺎﻟﻔﻌﻞ ﻭﺑﺪﺃ ﺗﻨﻔﻴﺬﻩُ ﺃﻭ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺻﺒﺢ ﻭﻗﻮﻋﻪ ﻭﺷﻴﻜﺎً ﺟﺪﺍً ﺑﺤﻴﺚ ﻻ ﻳﺘﺴﻊ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻟﻠﺠﻮﺀ ﺇﻟﻰ ﺳﻠﻄﺎﺕ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺍﻟﻤﺨﺘﺼﺔ ﻟﻠﺪﻓﻊ ﻋﻨﻪ ﻭﻗﺪ ﻣﻴﺰﺕ ﻣﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﺑﻴﻦ ﺣﺎﻟﺘﻴﻦ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﻫﻲ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻜﻮﻥ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﻗﺪ ﺑﺪﺃ ﻓﻲ ﺗﻨﻔﻴﺬ ﻓﻌﻠﻪ ﺍﻟﻌﺪﻭﺍﻧﻲ ﻣﺜﻞ ﺭﻓﻊ ﺍﻟﺴﻼﺡ ﺃﻭ ﺗﻮﺟﻴﻪ ﺍﻟﻠﻜﻤﺔ ﻭﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﻳﺘﺤﻘﻖ ﺷﺮﻁ ﺍﻟﺤﺎﻟﻴﺔ ﺑﻮﺿﻮﺡ ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻓﻬﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺍﻟﻮﺷﻴﻚ ﺣﻴﺚ ﻟﻢ ﻳﺒﺪﺃ ﺍﻟﺘﻨﻔﻴﺬ ﺍﻟﻔﻌﻠﻲ ﺑﻌﺪ ﻭﻟﻜﻦ ﻇﻬﺮﺕ ﺑﻮﺍﺩﺭ ﻣﺆﻛﺪﺓ ﺗﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﻋﺰﻡ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻬﺠﻮﻡ ﻓﻮﺭﺍً ﻣﺜﻞ ﺍﻟﺘﻬﺪﻳﺪ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮ ﺑﺎﻟﺴﻼﺡ ﻣﻊ ﺍﻻﻗﺘﺮﺍﺏ ﻣﻦ ﺍﻟﻀﺤﻴﺔ ﺃﻭ ﻣﺤﺎﻭﻟﺔ ﺍﻗﺘﺤﺎﻡ ﺍﻟﻤﻨﺰﻝ ﻟﻴﻼً ﺑﻘﻮﺓ
ﻭﻗﺪ ﺍﺧﺘﻠﻒ ﺍﻟﻔﻘﻬﺎﺀ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﻮﻥ ﻓﻲ ﻣﺪﻯ ﺍﺗﺴﺎﻉ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﻮﺷﻮﻛﻴﺔ ﻓﺒﻴﻨﻤﺎ ﻳﺬﻫﺐ ﻓﺮﻳﻖ ﺇﻟﻰ ﺿﺮﻭﺭﺓ ﺗﻀﻴﻴﻖ ﻧﻄﺎﻗﻪ ﺧﻮﻓﺎً ﻣﻦ ﺇﺳﺎﺀﺓ ﺍﻻﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﻭﺍﻟﺘﺤﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﺍﻧﺘﻘﺎﻡ ﻣﺴﺒﻖ ﻳﺬﻫﺐ ﻓﺮﻳﻖ ﺁﺧﺮ ﻳﺘﺒﻨﻰ ﺭﺅﻳﺔ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﺮﻭﻧﺔ ﻣﺴﺘﻠﻬﻤﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻭﻣﻦ ﺑﻌﺾ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩﺍﺕ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻧﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻋﺘﺒﺎﺭ ﺃﻥ ﺍﻟﻮﺷﻮﻛﻴﺔ ﺗﺘﺤﻘﻖ ﺑﻤﺠﺮﺩ ﺗﻮﺍﻓﺮ ﺍﻟﻘﺮﺍﺋﻦ ﺍﻟﻘﻮﻳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﺪﻉ ﻣﺠﺎﻻً ﻟﻠﺸﻚ ﻓﻲ ﻭﻗﻮﻉ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺧﻼﻝ ﻟﺤﻈﺎﺕ ﻣﻌﺪﻭﺩﺓ ﺧﺎﺻﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺮﺍﺋﻢ ﺍﻟﺨﻄﻴﺮﺓ ﻣﺜﻞ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﺃﻭ ﺍﻻﻏﺘﺼﺎﺏ ﺣﻴﺚ ﺃﻥ ﺍﻧﺘﻈﺎﺭ ﺑﺪﺀ ﺍﻟﺘﻨﻔﻴﺬ ﺍﻟﻔﻌﻠﻲ ﻗﺪﻋﻨﻮﺍﻥ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ
ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺩﺭﺍﺳﺔ ﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻭﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻮﺿﻌﻲ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻭﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ
ﺗﺄﻟﻴﻒ
ﺍﻟﺪﻛﺘﻮﺭ ﻣﺤﻤﺪ ﻛﻤﺎﻝ ﻋﺮﻓﻪ ﺍﻟﺮﺧﺎﻭﻱ
ﺍﻹﻫﺪﺍﺀ
ﺇﻟﻰ ﺭﻭﺡ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻨﻴﺮ ﺩﺭﻭﺏ ﺍﻟﻘﻀﺎﺓ ﻭﺗﻮﺟﻪ ﺑﻮﺻﻠﺔ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﻭﺗﺤﺼﻦ ﺩﻓﺎﻉ ﺍﻟﻤﺤﺎﻣﻴﻦ
ﺇﻟﻰ ﺃﺳﺎﺗﺬﺓ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺎﺕ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺤﻤﻠﻮﻥ ﻣﺸﻌﻞ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻟﻴﻨﻴﺮ ﻋﻘﻮﻝ ﺍﻷﺟﻴﺎﻝ ﺍﻟﻘﺎﺩﻣﺔ
ﺇﻟﻰ ﺑﻠﺪﻱ ﻣﺼﺮ ﺍﻟﺤﺒﻴﺒﺔ ﻭﺇﻟﻰ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﺍﻟﺸﻘﻴﻘﺔ ﻭﺇﻟﻰ ﻓﺮﻧﺴﺎ ﻣﻨﺒﻊ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎﺕ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ
ﺃﻫﺪﻱ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺠﻬﺪ ﺍﻟﻤﺘﻮﺍﺿﻊ ﺭﺍﺟﻴﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻧﺎﻓﻌﺎً ﻷﻫﻞ ﺍﻻﺧﺘﺼﺎﺹ ﻭﺳﺒﺒﺎً ﻓﻲ ﺇﺭﺳﺎﺀ ﻣﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﺍﻹﻧﺼﺎﻑ ﻓﻲ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺗﻨﺎ
ﺍﻟﺘﻘﺪﻳﻢ
ﺑﺴﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﺮﺣﻤﻦ ﺍﻟﺮﺣﻴﻢ ﻭﺍﻟﺼﻼﺓ ﻭﺍﻟﺴﻼﻡ ﻋﻠﻰ ﺃﺷﺮﻑ ﺍﻟﻤﺮﺳﻠﻴﻦ
ﺇﻥ ﺩﺭﺍﺳﺔ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺗﻤﺜﻞ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻣﻦ ﺃﺭﻗﻰ ﻭﺃﺩﻕ ﻣﺠﺎﻻﺕ ﺍﻟﻌﻠﻮﻡ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﺸﺮﻋﻴﺔ ﻓﻬﻲ ﺍﻟﻨﻘﻄﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻠﺘﻘﻲ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺍﻟﻤﻘﺪﺳﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻲ ﺍﻟﻤﻌﺎﺵ ﻭﺗﺘﺸﺎﺑﻚ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﺍﻷﺧﻼﻗﻴﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺍﺕ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﻟﻠﺤﻴﺎﺓ ﻭﻗﺪ ﺍﺧﺘﺮﺕ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺃﻥ ﺃﻗﺪﻡ ﺩﺭﺍﺳﺔ ﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﺷﺎﻣﻠﺔ ﺗﺠﻤﻊ ﺑﻴﻦ ﻋﺒﻖ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﺑﺄﺻﻮﻟﻪ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻴﺔ ﻭﺍﻟﺤﻨﻔﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﺛﺮﺕ ﻓﻲ ﺗﺸﺮﻳﻌﺎﺗﻨﺎ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺑﻴﻦ ﺩﻗﺔ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻮﺿﻌﻲ ﺑﻤﺪﺭﺳﺘﻴﻪِ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﺍﻟﻤﺘﺄﺛﺮﺗﻴﻦ ﺑﺎﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺍﻟﻌﺮﻳﻖ
ﺇﻥ ﺍﻟﻬﺪﻑ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻟﻴﺲ ﻣﺠﺮﺩ ﺳﺮﺩ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺃﻭ ﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﺍﻟﻤﻮﺍﺩ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﺟﺎﻓﺎً ﺑﻞ ﻫﻮ ﺍﻟﻐﻮﺹ ﻓﻲ ﺭﻭﺡ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﻭﻓﻬﻢ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﻣﻦ ﻭﺭﺍﺀ ﺗﺠﺮﻳﻢ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺗﺎﺭﺓ ﻭﺇﺑﺎﺣﺘﻪ ﺗﺎﺭﺓ ﺃﺧﺮﻯ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﺘﻮﺍﻓﺮ ﻇﺮﻭﻑ ﺍﺳﺘﺜﻨﺎﺋﻴﺔ ﺗﺤﻮﻝ ﺩﻭﻥ ﺗﺤﻘﻖ ﺍﻟﺮﻛﻦ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱ ﻟﻠﺠﺮﻳﻤﺔ ﺃﻭ ﺗﺰﻳﻞ ﺍﻟﺼﻔﺔ ﺍﻟﺠﺮﻣﻴﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺗﻤﺎﻣﺎً ﻭﻗﺪ ﻭﺟﻬﺖ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺧﺼﻴﺼﺎً ﻷﻋﻀﺎﺀ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺘﺤﻤﻠﻮﻥ ﻋﺐﺀ ﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺍﻷﻭﻟﻲ ﻭﺗﻘﺪﻳﺮ ﻣﺪﻯ ﺗﻮﺍﻓﺮ ﺷﺮﻭﻁ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﻗﺒﻞ ﺇﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﻟﻠﻤﺤﺎﻛﻤﺔ ﻭﻛﺬﻟﻚ ﻟﻠﻘﻀﺎﺓ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﻘﻊ ﻋﻠﻰ ﻋﺎﺗﻘﻬﻢ ﻣﻴﺰﺍﻥ ﺍﻟﻌﺪﻝ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺸﺮﻭﻁ ﺗﻄﺒﻴﻘﺎً
ﻋﻠﻰ ﻭﻗﺎﺋﻊ ﻛﻞ ﻗﻀﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺣﺪﺓ ﻛﻤﺎ ﺃﻧﻪ ﻣﻮﺟﻪ ﻟﻠﻤﺤﺎﻣﻴﻦ ﻟﻴﻤﺪﻫﻢ ﺑﺎﻟﺤﺠﺞ ﻭﺍﻟﺪﻓﻮﻉ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ ﺍﻟﺮﺻﻴﻨﺔ ﻭﻷﺳﺎﺗﺬﺓ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺎﺕ ﻟﻴﻜﻮﻥ ﻣﺮﺟﻌﺎً ﺃﻛﺎﺩﻳﻤﻴﺎً ﻳﻐﻨﻲ ﺍﻟﺒﺤﺚ ﺍﻟﻌﻠﻤﻲ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻥ
ﻟﻘﺪ ﺍﻋﺘﻤﺪﺕ ﻓﻲ ﻣﻨﻬﺠﻴﺔ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻋﻠﻰ ﺃﺳﻠﻮﺏ ﺍﻟﺴﺮﺩ ﺍﻟﻤﺘﺼﻞ ﺍﻟﺨﺎﻟﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺮﻣﻴﺰ ﺃﻭ ﺍﻟﺘﺠﺰﺋﺔ ﺍﻟﻤﺨﻠﺔّ ﻟﻴﺨﺮﺝ ﺍﻟﻨﺺ ﻓﻲ ﺻﻮﺭﺓ ﻧﺴﻴﺞ ﻗﺎﻧﻮﻧﻲ ﻣﺘﻤﺎﺳﻚ ﻳﺴﻬﻞ ﻗﺮﺍﺀﺗﻪ ﻭﺍﻻﺳﺘﻔﺎﺩﺓ ﻣﻨﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﺍﻟﻌﻤﻠﻲ ﻭﻗﺪ ﺣﺮﺻﺖ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻧﺔ ﺑﻴﻦ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻭﻓﺮﻧﺴﺎ ﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﺣﻴﺔ ﺗﺴﺘﻌﺮﺽ ﺃﻭﺟﻪ ﺍﻻﺗﻔﺎﻕ ﻭﺍﻻﺧﺘﻼﻑ ﻭﺗﺴﺘﻨﺒﻂ ﻣﻨﻬﺎ ﻣﻮﺣﺪﺍً ﻗﺎﻧﻮﻧﻴﺎً ﻳﺼﻠﺢ ﻟﻠﺘﻄﻮﻳﺮ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻠﻲ ﺇﻧﻨﻲ ﺃﺩﻋﻮ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﺰ ﻭﺟﻞ ﺃﻥ ﻳﺠﻌﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺧﺎﻟﺼﺎً ﻟﻮﺟﻬﻪ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻭﺃﻥ ﻳﻨﻔﻊ ﺑﻪ ﻃﻼﺏ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺃﻫﻞ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻭﻟﻲ ﺍﻟﺘﻮﻓﻴﻖ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻷﻭﻝ
ﺍﻟﻤﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻷﺳﺒﺎﺏ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎﺕ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻧﺔ
ﺗﻌﺪ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻋﺎﺕ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮﻳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺸﻐﻞ ﺑﺎﻝ ﺍﻟﻔﻘﻬﺎﺀ ﻭﺍﻟﻤﺸﺮﻋﻴﻦ ﻋﻠﻰ ﺣﺪ ﺳﻮﺍﺀ ﻷﻧﻬﺎ ﺗﻤﺜﻞ ﺍﻟﺠﺴﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﺒﺮ ﻣﻦ ﺧﻼﻟﻪ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺍﻟﻤﻮﺻﻮﻑ ﺟﺮﻳﻤﺔ ﻓﻲ ﻇﺎﻫﺮﻩ ﻟﻴﺼﺒﺢ ﻋﻤﻼً ﻣﺸﺮﻭﻋﺎً ﻻ ﻋﻘﺎﺏ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺫﻟﻚ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﺘﻮﺍﻓﺮ ﺷﺮﻭﻁ ﻣﻌﻴﻨﺔ ﺗﺤﻮﻝ ﺩﻭﻥ ﺗﺤﻘﻖ ﺍﻟﺮﻛﻦ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱ ﺃﻭ ﺗﺰﻳﻞ ﺍﻟﺼﻔﺔ ﺍﻟﺠﺮﻣﻴﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻭﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻹﻃﺎﺭ ﻳﺒﺮﺯ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻭﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻛﺄﻫﻢ ﺳﺒﺒﻴﻦ ﻟﻺﺑﺎﺣﺔ ﺣﻴﺚ ﻳﻠﺘﻘﻲ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻣﻊ ﺍﻟﻘﻮﺍﻧﻴﻦ ﺍﻟﻮﺿﻌﻴﺔ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻭﻓﺮﻧﺴﺎ ﻋﻠﻰ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻟﺤﻘﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﺍﻟﺴﻼﻣﺔ ﺍﻟﺠﺴﺪﻳﺔ ﻭﺇﻥ ﺍﺧﺘﻠﻔﺖ ﺍﻟﺘﻔﺎﺻﻴﻞ ﺍﻟﺪﻗﻴﻘﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﻭﺍﻟﺘﻨﻈﻴﻢ
ﻳﻨﻄﻠﻖ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻓﻲ ﺗﻌﺮﻳﻒ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻣﻦ ﻣﺒﺪﺃ ﺩﺭﺀ ﺍﻟﻤﻔﺎﺳﺪ ﻣﻘﺪﻡ ﻋﻠﻰ ﺟﻠﺐ ﺍﻟﻤﺼﺎﻟﺢ ﻭﻳﺴﺘﻨﺪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺓ ﺍﻟﻔﻘﻬﻴﺔ ﺍﻟﺸﻬﻴﺮﺓ ﺃﻥ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺍﺕ ﺗﺒﻴﺢ ﺍﻟﻤﺤﻈﻮﺭﺍﺕ ﻭﻗﺪ ﻓﺼﻞ ﻓﻘﻬﺎﺀ ﺍﻟﻤﺬﺍﻫﺐ ﺍﻷﺭﺑﻌﺔ ﻭﺑﺨﺎﺻﺔ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻴﺔ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻭﺍﻟﻤﺼﺮﻳﻴﻦ ﻓﻲ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺃﺣﻜﺎﻣﻬﻢ ﺗﻔﺎﺻﻴﻞ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﺣﻮﻝ ﻣﺘﻰ ﻳﺠﻮﺯ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ ﺃﻥ ﻳﺰﻫﻖ ﺭﻭﺡ ﻣﻌﺘﺪٍ ﻹﻧﻘﺎﺫ ﻧﻔﺴﻪ ﺃﻭ ﻋﺮﺿﻪ ﺃﻭ ﻣﺎﻟﻪ ﻣﻌﺘﺒﺮﻳﻦ ﺃﻥ ﺩﻡ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ
ﻫﺪﺭ ﺑﺤﻜﻢ ﻓﻌﻠﻪ ﺍﻟﻌﺪﻭﺍﻧﻲ ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﻗﺪ ﻧﻈﻢ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺿﻤﻦ ﺍﻟﻤﻮﺍﺩ ﻣﻦ 122 ﺇﻟﻰ 126 ﻣﻦ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪ ﻣﺆﻛﺪﺍً ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﺴﺆﻭﻻً ﺟﻨﺎﺋﻴﺎً ﺇﺫﺍ acted ﺗﺤﺖ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﺣﺎﻟﺔ ﺿﺮﻭﺭﻳﺔ ﻣﻠﺤﺔ ﻟﺪﻓﻊ ﺧﻄﺮ ﺣﺎﻟﻲ ﻭﺷﺪﻳﺪ ﺍﻟﺤﺪﻭﺙ ﻳﻬﺪﺩ ﺷﺨﺼﻪ ﺃﻭ ﻏﻴﺮﻩ ﺃﻭ ﻣﺎﻟﻪ ﺑﺸﺮﻁ ﺃﻻ ﺗﻜﻮﻥ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻏﻴﺮ ﻣﺘﻨﺎﺳﺒﺔ ﻣﻊ ﺟﺴﺎﻣﺔ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ
ﻭﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻳﻨﺺ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺑﻮﺿﻮﺡ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ 249 ﻭﻣﺎ ﺑﻌﺪﻫﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻧﺘﻔﺎﺀ ﺍﻟﺠﺮﻳﻤﺔ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻣﺤﺪﺩﺍً ﺷﺮﻭﻃﺎً ﺻﺎﺭﻣﺔ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﻮﺟﻮﺩ ﺍﻋﺘﺪﺍﺀ ﺣﺎﻝ ﻭﻏﻴﺮ ﻣﺸﺮﻭﻉ ﻭﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻫﻮ ﺍﻟﺴﺒﻴﻞ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪ ﻟﺪﺭﺀ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﻭﻗﺪ ﺃﺛﺮﺕ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﺔ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﺑﺸﻜﻞ ﻛﺒﻴﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺼﻴﺎﻏﺔ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﻴﺔ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﻣﻨﺬ ﻋﺼﺮ ﺍﻟﺘﻘﻨﻴﻦ ﻓﻲ ﺃﻭﺍﺧﺮ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﺘﺎﺳﻊ ﻋﺸﺮ ﻣﻤﺎ ﺧﻠﻖ ﺗﻘﺎﺭﺑﺎً ﻛﺒﻴﺮﺍً ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺒﻠﺪﻳﻦ ﻏﻴﺮ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻏﺎﻟﺒﺎً ﻣﺎ ﻳﻤﻴﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﻔﺴﻴﺮ ﺍﻟﻀﻴﻖ ﻟﺸﺮﻭﻁ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﺧﻮﻓﺎً ﻣﻦ ﻓﺘﺢ ﺑﺎﺏ ﺍﻟﻔﻮﺿﻰ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﻈﻬﺮ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻣﻴﻼً ﺃﻛﺒﺮ ﻧﺤﻮ ﻣﺮﺍﻋﺎﺓ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﻟﻠﻤﺪﺍﻓﻊ ﻭﺗﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﺍﻟﻤﺤﻴﻄﺔ ﺑﻪ ﻭﻗﺖ ﺍﻟﺤﺎﺩﺙ ﺑﻤﻨﻄﻖ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﺮﻭﻧﺔ
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﺰﻳﺞ ﺑﻴﻦ ﺍﻷﺻﺎﻟﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺃﻧﺘﺞ ﻧﻈﺎﻣﺎً ﻓﺮﻳﺪﺍً ﺣﻴﺚ ﺗﺴﺘﻤﺪ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﻣﺒﺎﺩﺋﻬﺎ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﻓﻲ ﻓﻬﻢ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﺤﺮﻣﺔ ﻭﺍﻟﻀﺮﻭﺭﻳﺎﺕ ﺍﻟﺨﻤﺲ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺗﻄﺒﻖ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺍﻹﺟﺮﺍﺋﻴﺔ ﻭﺍﻹﺛﺒﺎﺗﻴﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﻤﺪﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﻼﺗﻴﻨﻲ ﻭﻫﺬﺍ ﻳﺘﻄﻠﺐ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻣﻬﺎﺭﺓ ﻋﺎﻟﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻮﻓﻴﻖ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻟﻠﻨﺺ ﻭﺍﻟﻐﺎﻳﺔ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻟﻠﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻓﻲ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﺮﺩﻉ ﻭﺍﻟﺤﻤﺎﻳﺔ ﻣﻌﺎً ﻭﻳﻼﺣﻆ ﺃﻥ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﺜﻼﺙ ﺗﻠﻌﺐ ﺩﻭﺭﺍً ﻣﺤﻮﺭﻳﺎً ﻓﻲ ﻣﺮﺣﻠﺔ ﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺍﻻﺑﺘﺪﺍﺋﻲ ﺣﻴﺚ ﻳﻘﻊ ﻋﻠﻰ ﻋﺎﺗﻘﻬﺎ ﻋﺐﺀ ﻧﻔﻲ ﻭﺟﻮﺩ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﺇﺫﺍ ﻣﺎ ﺗﻢ ﺍﻟﺘﻤﺴﻚ ﺑﻬﺎ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻤﺘﻬﻢ ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﻔﺮﺽ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺗﺤﺮﻱ ﺍﻟﺪﻗﺔ ﻓﻲ ﺟﻤﻊ ﺍﻷﺩﻟﺔ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ﻭﺍﻟﺸﻬﺎﺩﺍﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺜﺒﺖ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻷﺻﻠﻲ ﻭﻃﺮﻳﻘﺔ ﺭﺩ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻋﻠﻴﻪ
ﺇﻥ ﺩﺭﺍﺳﺔ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﺳﺒﺎﺏ ﻻ ﺗﻘﺘﺼﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﺎﻧﺐ ﺍﻟﻨﻈﺮﻱ ﺑﻞ ﺗﻤﺘﺪ ﻟﺘﺸﻤﻞ ﺍﻟﺠﺎﻧﺐ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻘﻲ ﺍﻟﻌﻤﻠﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻮﺍﺟﻬﻪ ﺍﻟﻤﺤﺎﻣﻮﻥ ﻓﻲ ﻗﺎﻋﺎﺕ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﻣﻮﻛﻠﻴﻬﻢ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺍﺭﺗﻜﺒﻮﺍ ﺃﻓﻌﺎﻻً ﺗﺒﺪﻭ ﺇﺟﺮﺍﻣﻴﺔ ﻭﻟﻜﻨﻬﺎ ﻓﻲ
ﺟﻮﻫﺮﻫﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺍﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻏﺮﻳﺰﻳﺔ ﺃﻭ ﻋﻘﻼﻧﻴﺔ ﻟﺨﻄﺮ ﻣﺤﺪﻕ ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺃﺳﺎﺗﺬﺓ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺎﺕ ﻳﺠﺪﻭﻥ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺠﺎﻝ ﺣﻘﻼً ﺧﺼﺒﺎً ﻟﻠﺒﺤﺚ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻜﺸﻒ ﻋﻦ ﻧﻘﺎﻁ ﺍﻻﻟﺘﻘﺎﺀ ﻭﺍﻻﺧﺘﻼﻑ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﺍﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ ﻓﺎﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻳﻤﺜﻞ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﻠﻴﺒﺮﺍﻟﻲ ﺍﻟﻐﺮﺑﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺮﻛﺰ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﻭﺣﺮﻳﺎﺗﻪ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﻤﺜﻞ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻭﺍﻟﻘﻮﺍﻧﻴﻦ ﺍﻟﻤﺴﺘﻤﺪﺓ ﻣﻨﻪ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻧﻤﻮﺫﺟﺎً ﻳﻮﺍﺯﻥ ﺑﻴﻦ ﺣﻘﻮﻕ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﻭﻗﻴﻢ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻭﺍﻟﺜﻮﺍﺑﺖ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﻣﻤﺎ ﻳﻨﺘﺞ ﻋﻨﻪ ﺍﺟﺘﻬﺎﺩﺍﺕ ﻗﻀﺎﺋﻴﺔ ﺛﺮﻳﺔ ﺗﺴﺘﺤﻖ ﺍﻟﺪﺭﺍﺳﺔ ﻭﺍﻟﺘﺤﻠﻴﻞ ﺍﻟﻤﻌﻤﻖ
ﻭﻳﺠﺐ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺒﺎﺣﺚ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺠﺎﻝ ﺃﻥ ﻳﺪﺭﻙ ﺃﻥ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﻟﻴﺲ ﻣﻄﻠﻘﺎً ﺑﻞ ﻫﻮ ﻣﻘﻴﺪ ﺑﺸﺮﻭﻁ ﺯﻣﻨﻴﺔ ﻭﻣﻜﺎﻧﻴﺔ ﻭﻧﻔﺴﻴﺔ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﻓﺎﻟﺪﻓﺎﻉ ﻳﺠﺐ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺁﻧﻴﺎً ﺃﻱ ﻳﻘﻊ ﻓﻲ ﻧﻔﺲ ﻟﺤﻈﺔ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺃﻭ ﻣﺎ ﻳﺴﺒﻘﻬﺎ ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ ﻭﻻ ﻳﺠﻮﺯ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻧﺘﻘﺎﻣﺎً ﻻﺣﻘﺎً ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻭﺳﻴﻠﺔ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻳﺠﺐ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻣﻼﺋﻤﺔ ﻟﻠﺨﻄﺮ ﻓﻼ ﻳﺠﻮﺯ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺳﻼﺡ ﻧﺎﺭﻱ ﻟﺼﺪ ﻟﻄﻤﺔ ﺑﺴﻴﻄﺔ ﺇﻻ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻧﺖ ﻫﻨﺎﻙ ﻗﺮﻳﻨﺔ ﻗﻮﻳﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﻠﻄﻤﺔ ﻗﺪ ﺗﺆﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﻣﻮﺕ ﺃﻭ ﺿﺮﺭ ﺟﺴﻴﻢ ﺩﺍﺋﻢ ﻭﻫﺬﺍ ﻣﺎ ﻳﺴﻤﻰ ﺑﻤﻌﻴﺎﺭ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﺍﻟﻨﺴﺒﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺨﺘﻠﻒ ﺗﻄﺒﻴﻘﻪ ﻣﻦ ﻗﺎﺽٍ ﻵﺧﺮ ﺣﺴﺐ ﻭﻗﺎﺋﻊ ﻛﻞ ﻗﻀﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺣﺪﺓ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ
ﺍﻷﺳﺎﺱ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﻲ ﻭﺍﻟﺪﻳﻨﻲ ﻟﺘﺒﺮﻳﺮ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺍﻟﺠﺮﻣﻲ ﻇﺎﻫﺮﺍً
ﻳﺴﺘﻨﺪ ﺗﺒﺮﻳﺮ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺒﺪﻭ ﻓﻲ ﻇﺎﻫﺮﻩ ﺟﺮﻣﺎً ﺇﻟﻰ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﻗﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﻭﺩﻳﻨﻴﺔ ﻋﻤﻴﻘﺔ ﺗﻬﺪﻑ ﺇﻟﻰ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﺘﻮﺍﺯﻥ ﺑﻴﻦ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﻭﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﺤﻘﻮﻕ ﺍﻟﻔﺮﺩﻳﺔ ﺍﻷﺳﺎﺳﻴﺔ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺃﺧﺮﻯ ﻓﻔﻲ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﺍﻟﻐﺮﺑﻴﺔ ﻭﺑﺨﺎﺻﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺛﺮ ﻓﻲ ﺗﺸﺮﻳﻌﺎﺕ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻳﻨُﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻛﻜﺎﺋﻦ ﻋﺎﻗﻞ ﻟﻪ ﺣﻖ ﻓﻄﺮﻱ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﻛﻴﺎﻧﻪ ﺿﺪ ﺃﻱ ﻋﺪﻭﺍﻥ ﺧﺎﺭﺟﻲ ﻭﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺍﻟﺪﻓﺎﻋﻲ ﻻ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﺍﺧﺘﺮﺍﻗﺎً ﻟﻠﻘﺎﻧﻮﻥ ﺑﻞ ﻫﻮ ﺗﺄﻛﻴﺪ ﻟﺴﻴﺎﺩﺓ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺴﺒﻖ ﺍﻟﻘﻮﺍﻧﻴﻦ ﺍﻟﻮﺿﻌﻴﺔ ﻭﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﺟﺎﺀ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﺍﻟﻘﺎﺋﻞ ﺑﺄﻥ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺗﻘﺪﺭ ﺑﻘﺪﺭﻫﺎ ﻭﺃﻥ ﺍﻟﺤﺎﺟﺔ ﺗﺒﻴﺢ ﺍﻟﻤﺤﻈﻮﺭ ﻓﻲ ﺃﺿﻴﻖ ﺍﻟﺤﺪﻭﺩ
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻷﺳﺎﺱ ﺍﻟﺪﻳﻨﻲ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺗﺄﺧﺬ
ﺑﻌﺪﺍً ﺭﻭﺣﺎﻧﻴﺎً ﻭﺃﺧﻼﻗﻴﺎً ﻳﺘﺠﺎﻭﺯ ﻣﺠﺮﺩ ﺍﻟﺤﻖ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ ﻟﻴﺸﻤﻞ ﺣﻔﻆ ﺍﻟﻜﻠﻴﺎﺕ ﺍﻟﺨﻤﺲ ﻭﻫﻲ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻭﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭﺍﻟﻨﺴﻞ ﻭﺍﻟﻤﺎﻝ ﻭﻗﺪ ﺃﺟﻤﻊ ﻓﻘﻬﺎﺀ ﺍﻷﻣﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺣﻔﻆ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻳﺄﺗﻲ ﻓﻲ ﻣﺮﺗﺒﺔ ﻋﻠﻴﺎ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻜﻠﻴﺎﺕ ﻣﻤﺎ ﻳﺒﻴﺢ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ ﺩﻓﻊ ﺍﻟﺼﺎﺋﻞ ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻪ ﺣﺘﻰ ﻭﻟﻮ ﺃﺩﻯ ﺫﻟﻚ ﺇﻟﻰ ﻗﺘﻠﻪ ﻣﺴﺘﻨﺪﻳﻦ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺇﻟﻰ ﻗﻮﻟﻪ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻣﻦ ﻗﺘﻞ ﺩﻭﻥ ﻣﺎﻟﻪ ﻓﻬﻮ ﺷﻬﻴﺪ ﻭﻣﺎ ﺭﻭﺍﻩ ﺍﻟﺒﺨﺎﺭﻱ ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﻫﺮﻳﺮﺓ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﺃﻥ ﺭﺟﻼً ﺟﺎﺀ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻓﻘﺎﻝ ﻳﺎ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﺭﺃﻳﺖ ﺇﻥ ﺟﺎﺀ ﺭﺟﻞ ﻳﺮﻳﺪ ﺃﺧﺬ ﻣﺎﻟﻲ ﻗﺎﻝ ﻓﻼ ﺗﻌﻄﻪ ﻣﺎﻟﻚ ﻗﺎﻝ ﺃﺭﺃﻳﺖ ﺇﻥ ﻗﺎﺗﻠﻨﻲ ﻗﺎﻝ ﻓﻘﺎﺗﻠﻪ ﻗﺎﻝ ﺃﺭﺃﻳﺖ ﺇﻥ ﻗﺘﻠﻨﻲ ﻗﺎﻝ ﻓﺄﻧﺖ ﺷﻬﻴﺪ ﻗﺎﻝ ﺃﺭﺃﻳﺖ ﺇﻥ ﻗﺘﻠﺘﻪ ﻗﺎﻝ ﻫﻮ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺎﺭ ﻣﻤﺎ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺍﻟﻤﺎﻝ ﻟﻴﺲ ﻓﻘﻂ ﺣﻘﺎً ﺑﻞ ﻫﻮ ﻭﺍﺟﺐ ﺷﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺼﻮﺭ ﻭﺃﻥ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﻳﺘﺤﻤﻞ ﻭﺯﺭ ﻋﺪﻭﺍﻧﻪ ﺑﺎﻟﻜﺎﻣﻞ
ﻭﻓﻲ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻧﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﻨﻈﻮﺭﻳﻦ ﻧﺠﺪ ﺃﻥ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻳﺮﻛﺰ ﻋﻠﻰ ﻋﻨﺼﺮ ﺍﻹﻛﺮﺍﻩ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﺎﺩﻱ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻔﻘﺪ ﺍﻹﺭﺍﺩﺓ ﺣﺮﻳﺘﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻻﺧﺘﻴﺎﺭ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﺮﻛﺰ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻋﻠﻰ ﻋﻨﺼﺮ ﺍﻟﻌﺪﻭﺍﻥ ﺍﻷﺻﻠﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺒﻴﺢ ﺍﻟﺪﻡ ﻭﻳﻬﺪﺭ ﺣﺮﻣﺔ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﻭﻣﻊ ﺫﻟﻚ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻨﺘﻴﺠﺔ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﻓﻲ ﻛﻼ
ﺍﻟﻨﻈﺎﻣﻴﻦ ﺗﺘﺠﻪ ﻧﺤﻮ ﺇﻋﻔﺎﺀ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻴﺔ ﻃﺎﻟﻤﺎ ﺗﻮﺍﻓﺮﺕ ﺷﺮﻭﻁ ﻣﺤﺪﺩﺓ ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻘﺎﺭﺏ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺘﺎﺋﺞ ﺭﻏﻢ ﺍﺧﺘﻼﻑ ﺍﻟﻤﻨﻄﻠﻘﺎﺕ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﻴﺔ ﻳﻌﻜﺲ ﻋﺎﻟﻤﻴﺔ ﻣﺒﺪﺃ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻛﻘﻴﻤﺔ ﺇﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻣﺸﺘﺮﻛﺔ ﺗﺘﺠﺎﻭﺯ ﺍﻟﺤﺪﻭﺩ ﺍﻟﺠﻐﺮﺍﻓﻴﺔ ﻭﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ
ﻭﻳﻼﺣﻆ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﺍﻟﺴﺎﺋﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻭﺑﻌﺾ ﻣﻨﺎﻃﻖ ﻣﺼﺮ ﻳﺘﻤﻴﺰ ﺑﺪﻗﺔ ﻣﺘﻨﺎﻫﻴﺔ ﻓﻲ ﺗﻔﺼﻴﻞ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﺣﻴﺚ ﻳﻤﻴﺰ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻭﻳﻌﻄﻲ ﻟﻜﻞ ﺣﺎﻟﺔ ﺣﻜﻤﺎً ﺧﺎﺻﺎً ﺑﻬﺎ ﺑﻨﺎﺀً ﻋﻠﻰ ﺩﺭﺟﺔ ﺍﻟﺨﻄﻮﺭﺓ ﺍﻟﻤﺘﺮﺗﺒﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﻤﻴﻞ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺇﻟﻰ ﺗﻮﺣﻴﺪ ﺍﻟﻤﻌﺎﻳﻴﺮ ﺗﺤﺖ ﻣﻈﻠﺔ ﻋﺎﻣﺔ ﻫﻲ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺍﻟﺤﺎﻟﻲ ﻭﺍﻟﺸﺪﻳﺪ ﻣﻤﺎ ﻗﺪ ﻳﺨﻠﻖ ﺑﻌﺾ ﺍﻹﺷﻜﺎﻟﻴﺎﺕ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻘﻴﺔ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﻣﺤﺪﺩﺓ ﻣﺜﻞ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﺃﻭ ﺍﻟﺸﺮﻑ ﻭﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﻻ ﺗﺠﺪ ﺻﺪﻯ ﻛﺎﻓﻴﺎً ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﺍﻟﻤﺠﺮﺩﺓ ﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﺑﺎﻟﺘﻔﺼﻴﻞ ﺍﻟﻔﻘﻬﻲ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ
ﺇﻥ ﻓﻬﻢ ﻫﺬﺍ ﺍﻷﺳﺎﺱ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﻲ ﻭﺍﻟﺪﻳﻨﻲ ﻳﻌﺪ ﺃﻣﺮﺍً ﺟﻮﻫﺮﻳﺎً ﻟﻠﻘﺎﺿﻲ ﻭﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﻭﺍﻟﻤﺤﺎﻣﻲ ﻷﻧﻪ ﻳﺴﺎﻋﺪ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺗﻔﺴﻴﺮﺍً ﺻﺤﻴﺤﺎً ﻳﺮﺍﻋﻲ ﺍﻟﻐﺎﻳﺔ ﻣﻦ
ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﻭﻻ ﻳﻘﻒ ﻋﻨﺪ ﺣﺮﻓﻴﺔ ﺍﻟﻨﺺ ﻓﺤﺴﺐ ﻓﺎﻟﻘﺎﺿﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺪﺭﻙ ﺃﻥ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻫﻮ ﺍﻣﺘﺪﺍﺩ ﻟﻠﺤﻖ ﺍﻹﻟﻬﻲ ﻓﻲ ﺣﻔﻆ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺳﻴﻜﻮﻥ ﺃﻛﺜﺮ ﺍﺳﺘﻌﺪﺍﺩﺍً ﻟﺘﻘﺪﻳﺮ ﻇﺮﻭﻑ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﺑﺘﻮﺳﻊ ﻣﻌﻘﻮﻝ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺍﻟﻤﺤﺎﻣﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺴﺘﺤﻀﺮ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﺳﺲ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺑﻨﺎﺀ ﺩﻓﻮﻋﻪ ﻋﻠﻰ ﺃﺳﺲ ﻣﺘﻴﻨﺔ ﺗﻼﻣﺲ ﻭﺟﺪﺍﻥ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﻭﺗﻮﺍﻓﻖ ﻣﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻴﺔ ﻭﺍﻟﺸﺮﻋﻴﺔ ﻓﻲ ﺁﻥ ﻭﺍﺣﺪ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ
ﺗﻄﻮﺭ ﺗﺎﺭﻳﺨﻲ ﻟﻤﺒﺪﺃ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﻭﺍﻟﺤﻨﺒﻠﻲ
ﻳﻌﻮﺩ ﺟﺬﻭﺭ ﻣﺒﺪﺃ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﺼﺮ ﺍﻟﻨﺒﻮﻱ ﺣﻴﺚ ﻭﺿﻌﺖ ﺍﻷﺳﺲ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﻋﺒﺮ ﺍﻷﺣﺎﺩﻳﺚ ﺍﻟﺼﺤﻴﺤﺔ ﻭﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﺛﻢ ﺗﻄﻮﺭ ﻋﺒﺮ ﺍﻟﻌﺼﻮﺭ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﺍﻟﻼﺣﻘﺔ ﻟﻴﺼﺒﺢ ﻋﻠﻤﺎً ﻗﺎﺋﻤﺎً ﺑﺬﺍﺗﻪ ﺿﻤﻦ ﻛﺘﺐ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﻭﺍﻷﻗﻀﻴﺔ ﻭﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻔﺼﻞ ﻧﺮﻛﺰ ﻋﻠﻰ ﻣﺪﺭﺳﺘﻴﻦ ﻓﻘﻬﻴﺘّﻴﻦ ﻟﻬﻤﺎ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﻣﺒﺎﺷﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﻄﻘﺔ ﻭﻫﻤﺎ ﺍﻟﻤﺬﻫﺐ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﺍﻟﺴﺎﺋﺪ ﻓﻲ
ﺷﻤﺎﻝ ﺃﻓﺮﻳﻘﻴﺎ ﺑﻤﺎ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻭﺃﺟﺰﺍﺀ ﻣﻦ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﻤﺬﻫﺐ ﺍﻟﺤﻨﺒﻠﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺛﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻘﺎﺕ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺸﺮﻕ ﺍﻷﻭﺳﻂ ﻭﻣﺼﺮ ﺃﻳﻀﺎً
ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺬﻫﺐ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻭﺿﻌﻪ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﺃﻧﺲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﺍﻟﻤﻨﻮﺭﺓ ﺛﻢ ﺗﺪﻭﻥ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺏ ﺍﻟﻤﻮﻃﺄ ﻭﺍﻧﺘﺸﺮ ﻓﻲ ﺍﻷﻧﺪﻟﺲ ﻭﺷﻤﺎﻝ ﺃﻓﺮﻳﻘﻴﺎ ﻧﺠﺪ ﺗﻔﺼﻴﻼً ﺩﻗﻴﻘﺎً ﻟﺤﺎﻻﺕ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺣﻴﺚ ﻣﻴﺰ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻴﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺼﺎﺋﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺍﻟﺼﺎﺋﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻭﺍﻟﺼﺎﺋﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﻭﻗﺪ ﺍﺷﺘﺮﻃﻮﺍ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺣﺎﻻً ﻭﺃﻥ ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﺳﺒﻴﻞ ﺁﺧﺮ ﻟﺪﻓﻌﻪ ﺇﻻ ﺑﺎﻟﻘﺘﺎﻝ ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻓﻘﺪ ﻗﻴﺪﻭﻩ ﺑﻌﺪﻡ ﺇﻣﻜﺎﻧﻴﺔ ﺍﺳﺘﺮﺩﺍﺩ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺑﻄﺮﻕ ﺃﺧﺮﻯ ﻭﺷﺪﺩﻭﺍ ﻋﻠﻰ ﺷﺮﻁ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﺑﺸﻜﻞ ﻛﺒﻴﺮ ﻭﻗﺪ ﻧﻘﻞ ﻋﻦ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﻣﺎﻟﻚ ﻗﻮﻟﻪ ﻓﻴﻤﻦ ﺩﺧﻞ ﺩﺍﺭ ﻏﻴﺮﻩ ﻟﻴﻼً ﻓﻘﺘﻠﻪ ﺻﺎﺣﺐ ﺍﻟﺪﺍﺭ ﺃﻧﻪ ﻻ ﺿﻤﺎﻥ ﻋﻠﻴﻪ ﺇﺫﺍ ﺧﺎﻑ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻪ ﺃﻭ ﻣﺎﻟﻪ ﻣﻤﺎ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺍﺗﺴﺎﻉ ﺩﺍﺋﺮﺓ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﻟﺤﻤﺎﻳﺔ ﺣﺮﻣﺔ ﺍﻟﻤﻨﺰﻝ
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺬﻫﺐ ﺍﻟﺤﻨﺒﻠﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺳﺴﻪ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﺃﺣﻤﺪ ﺑﻦ ﺣﻨﺒﻞ ﻓﻲ ﺑﻐﺪﺍﺩ ﻓﻨﺠﺪ ﻧﻬﺠﺎً ﻣﺸﺎﺑﻬﺎً ﻓﻲ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮ ﻟﻜﻨﻪ ﻳﺨﺘﻠﻒ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺘﻔﺎﺻﻴﻞ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻘﻴﺔ ﺣﻴﺚ ﺃﻛﺪ ﺍﻟﺤﻨﺎﺑﻠﺔ
ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺩﻡ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﻫﺪﺭ ﻣﻄﻠﻘﺎً ﻓﻲ ﺣﺎﻝ ﺻﻴﺎﺣﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺃﻭ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﺃﻣﻜﻦ ﺩﻓﻌﻪ ﺑﺄﻗﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﻭﺫﻟﻚ ﺗﻐﻠﻴﻈﺎً ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﻭﺭﺩﻋﺎً ﻷﻣﺜﺎﻟﻪ ﻭﻗﺪ ﻧﺺ ﺍﺑﻦ ﻗﺪﺍﻣﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻐﻨﻲ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻣﻦ ﻫﺠﻢ ﻋﻠﻰ ﺇﻧﺴﺎﻥ ﻟﻴﻘﺘﻠﻪ ﺃﻭ ﻟﻴﻘﻄﻊ ﻋﻀﻮﺍً ﻣﻦ ﺃﻋﻀﺎﺋﻪ ﻓﺪﻓﻌﻪ ﺍﻟﻢ ﻫﺠﻮﻡ ﻋﻨﻪ ﻓﻘﺘﻠﻪ ﻓﻼ ﺷﻲﺀ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺪﺍﻓﻊ ﺳﻮﺍﺀ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺪﻓﻊ ﺑﻴﺪﻩ ﺃﻭ ﺑﺴﻼﺣﻪ ﻭﺳﻮﺍﺀ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﺑﺄﻧﻪ ﺳﻴﻘُﺘﻞ ﺃﻡ ﻟﻢ ﻳﻌﻠﻢ ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻮﻗﻒ ﻳﻈﻬﺮ ﺗﺸﺪﺩﺍً ﻓﻲ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻯ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﺑﺒﻌﺾ ﺁﺭﺍﺀ ﺍﻟﻔﻘﻬﺎﺀ ﺍﻵﺧﺮﻳﻦ
ﻭﻋﻨﺪ ﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﺍﻟﺘﻄﻮﺭ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻲ ﻟﻬﺬﻳﻦ ﺍﻟﻤﺬﻫﺒﻴﻦ ﻧﺠﺪ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﺗﻔﺎﻋﻞ ﻛﺜﻴﺮﺍً ﻣﻊ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻓﻲ ﺍﻷﻧﺪﻟﺲ ﻭﺍﻟﻤﻐﺮﺏ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﻣﻤﺎ ﺃﺩﻯ ﺇﻟﻰ ﻇﻬﻮﺭ ﻓﺘﺎﻭﻯ ﻭﺃﺣﻜﺎﻡ ﺗﺮﺍﻋﻲ ﺍﻟﻌﺮﻑ ﺍﻟﻤﺤﻠﻲ ﻓﻲ ﺗﻘﺪﻳﺮ ﺧﻄﻮﺭﺓ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺣﺎﻓﻆ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﺤﻨﺒﻠﻲ ﻋﻠﻰ ﻧﺼﻴﺔ ﺃﻛﺒﺮ ﻓﻲ ﺗﻄﺒﻴﻘﺎﺗﻪ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﺛﻢ ﺗﻄﻮﺭ ﻻﺣﻘﺎً ﻟﻴﺘﻨﺎﺳﺐ ﻣﻊ ﺍﻟﻤﺴﺘﺠﺪﺍﺕ ﻭﻓﻲ ﺍﻟﻌﺼﺮ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺍﺳﺘﻔﺎﺩ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻣﻦ ﺧﻼﺻﺔ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﺭﺍﺀ ﻋﻨﺪ ﺻﻴﺎﻏﺔ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺧﺎﺻﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻮﺍﺩ ﺍﻟﻤﺘﻌﻠﻘﺔ ﺑﺎﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﺮﻣﺔ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﻛﻤﺎ ﺍﺳﺘﻔﺎﺩ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﻛﺄﺳﺎﺱ ﻣﺮﺟﻌﻲ ﻋﻨﺪ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ
ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﻤﺘﻌﻠﻘﺔ ﺑﺎﻷﻋﺮﺍﺽ ﻭﺍﻟﻤﻤﺘﻠﻜﺎﺕ
ﺇﻥ ﺗﺘﺒﻊ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻄﻮﺭ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻲ ﻳﻜﺸﻒ ﻋﻦ ﻣﺮﻭﻧﺔ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻭﻗﺪﺭﺗﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﺳﺘﻴﻌﺎﺏ ﻣﺨﺘﻠﻒ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﺍﻟﺰﻣﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﻜﺎﻧﻴﺔ ﻣﻤﺎ ﻳﺠﻌﻠﻪ ﻣﺼﺪﺭﺍً ﻏﻨﻴﺎً ﻟﻠﺘﺸﺮﻳﻊ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻭﻟﻴﺲ ﻣﺠﺮﺩ ﺗﺮﺍﺙ ﺗﺎﺭﻳﺨﻲ ﺟﺎﻣﺪ ﻓﺎﻟﻘﺎﺿﻲ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﻮﺍﺟﻪ ﻗﻀﻴﺔ ﺩﻓﺎﻉ ﺷﺮﻋﻲ ﻣﻌﻘﺪﺓ ﻳﻤﻜﻨﻪ ﺍﻟﻌﻮﺩﺓ ﺇﻟﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﺻﻮﻝ ﺍﻟﻔﻘﻬﻴﺔ ﻻﺳﺘﻨﺒﺎﻁ ﺍﻟﺤﻠﻮﻝ ﺍﻟﻌﺎﺩﻟﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﻻ ﺗﻐﻄﻴﻬﺎ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺍﻟﻮﺿﻌﻴﺔ ﺑﺸﻜﻞ ﻛﺎﻣﻞ ﺧﺎﺻﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﺍﻟﻤﺴﺘﺠﺪﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻟﻬﺎ ﻣﺜﻴﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﻣﺜﻞ ﺟﺮﺍﺋﻢ ﺍﻹﻧﺘﺮﻧﺖ ﺃﻭ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀﺍﺕ ﺍﻹﻟﻜﺘﺮﻭﻧﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﺗﻨﺪﺭﺝ ﺗﺤﺖ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺑﺼﻮﺭﺓ ﻣﻌﻨﻮﻳﺔ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺮﺍﺑﻊ
ﻧﺸﺄﺓ ﻭﺗﻄﻮﺭ ﺩﻓﺎﻉ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻣﻨﺬ ﺛﻮﺭﺓ 1789
ﺷﻬﺪ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺗﺤﻮﻻً ﺟﺬﺭﻳﺎً ﻓﻲ ﻣﻔﻬﻮﻡ
ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻭﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻣﻊ ﺍﻧﺪﻻﻉ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻋﺎﻡ 1789 ﺣﻴﺚ ﺍﻧﺘﻘﻞ ﻣﻦ ﻧﻈﺎﻡ ﺇﻗﻄﺎﻋﻲ ﻳﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻰ ﺍﻣﺘﻴﺎﺯﺍﺕ ﺍﻟﻄﺒﻘﺎﺕ ﺇﻟﻰ ﻧﻈﺎﻡ ﻗﺎﻧﻮﻧﻲ ﻣﻮﺣﺪ ﻳﻘﻮﻡ ﻋﻠﻰ ﻣﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﻤﺴﺎﻭﺍﺓ ﻭﺍﻟﺤﺮﻳﺔ ﺍﻟﻔﺮﺩﻳﺔ ﻭﻗﺪ ﺗﺒﻠﻮﺭ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺤﻮﻝ ﻓﻲ ﺇﻋﻼﻥ ﺣﻘﻮﻕ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻭﺍﻟﻤﻮﺍﻃﻦ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﻛﺪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻖ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻘﺎﻭﻣﺔ ﺿﺪ ﺍﻻﺿﻄﻬﺎﺩ ﻣﻤﺎ ﻣﻬﺪ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﻟﺘﻘﻨﻴﻦ ﻣﺒﺪﺃ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﻮﺍﻧﻴﻦ ﺍﻟﻼﺣﻘﺔ
ﻓﻲ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻟﻌﺎﻡ 1810 ﺍﻟﺬﻱ ﻇﻞ ﺳﺎﺭﻳﺎً ﻷﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻗﺮﻥ ﻭﻧﺼﻒ ﻧﺠﺪ ﺃﻭﻝ ﺗﻨﻈﻴﻢ ﺷﺎﻣﻞ ﻟﻤﺒﺪﺃ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺣﻴﺚ ﻧﺼﺖ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ 328 ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻻ ﺟﺮﻳﻤﺔ ﻭﻻ ﻋﻘﻮﺑﺔ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻧﺎﺗﺠﺎً ﻋﻦ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺃﻭ ﺍﻟﻐﻴﺮ ﻭﻗﺪ ﻓﺴﺮ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﺺ ﺑﺘﻮﺳﻊ ﻣﻠﺤﻮﻅ ﻟﻴﺸﻤﻞ ﻟﻴﺲ ﻓﻘﻂ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺑﻞ ﺃﻳﻀﺎً ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﻭﺍﻟﻤﺎﻝ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﺍﻻﺳﺘﺜﻨﺎﺋﻴﺔ ﻭﻣﻊ ﻣﺮﻭﺭ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﺗﻄﻮﺭ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻟﻴﺸﻤﻞ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﻤﻠﺤﺔ ﺍﻟﻨﺎﺗﺠﺔ ﻋﻦ ﻇﺮﻭﻑ ﻃﺒﻴﻌﻴﺔ ﺃﻭ ﺻﺤﻴﺔ ﺃﻭ ﺍﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﺗﻀﻄﺮ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻻﺭﺗﻜﺎﺏ ﻓﻌﻞ ﻣﻤﻨﻮﻉ ﻹﻧﻘﺎﺫ ﻣﺼﻠﺤﺔ ﺃﻋﻠﻰ
ﻭﻣﻊ ﺻﺪﻭﺭ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪ ﻓﻲ ﻋﺎﻡ 1994 ﺗﻢ ﺗﻌﺰﻳﺰ ﻭﺗﻨﻘﻴﺢ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﺣﻴﺚ ﺧﺼﺼﺖ ﺍﻟﻤﻮﺍﺩ ﻣﻦ 7-122 ﺇﻟﻰ 9-122 ﻟﺘﻨﻈﻴﻢ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺑﺸﻜﻞ ﺃﻛﺜﺮ ﻭﺿﻮﺣﺎً ﻭﺩﻗﺔ ﻓﻘﺪ ﻧﺼﺖ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ 7-122 ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﺴﺆﻭﻻً ﺟﻨﺎﺋﻴﺎً ﺇﺫﺍ acted ﺗﺤﺖ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﺣﺎﻟﺔ ﺿﺮﻭﺭﻳﺔ ﻣﻠﺤﺔ ﻟﺪﻓﻊ ﺧﻄﺮ ﺣﻘﻴﻘﻲ ﻭﺷﺪﻳﺪ ﺍﻟﺤﺪﻭﺙ ﻳﻬﺪﺩ ﺷﺨﺼﻪ ﺃﻭ ﻏﻴﺮﻩ ﺃﻭ ﻣﺎﻟﻪ ﺑﺸﺮﻁ ﺃﻻ ﺗﻜﻮﻥ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻏﻴﺮ ﻣﺘﻨﺎﺳﺒﺔ ﻣﻊ ﺟﺴﺎﻣﺔ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﻭﻗﺪ ﺃﺿﺎﻑ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺑﻌﺪﺍً ﺟﺪﻳﺪﺍً ﻳﺘﻤﺜﻞ ﻓﻲ ﻣﺮﺍﻋﺎﺓ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﻟﻠﻤﺪﺍﻓﻊ ﻭﺗﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﺍﻟﻤﺤﻴﻄﺔ ﺑﻪ ﺑﻌﻴﻦ ﺍﻟﺮﺿﺎ ﻋﻦ ﺍﻟﺨﻄﺄ ﺍﻟﺬﻱ ﻗﺪ ﻳﻘﻊ ﻓﻴﻪ ﻧﺘﻴﺠﺔ ﺍﻟﺬﻋﺮ ﺃﻭ ﺍﻟﻔﺰﻉ
ﻭﻗﺪ ﺃﺛﺮ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻄﻮﺭ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺑﺸﻜﻞ ﻣﺒﺎﺷﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎﺕ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﺣﻴﺚ ﺍﻗﺘﺒﺲ ﺍﻟﻤﺸﺮﻋﺎﻥ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻓﻲ ﺻﻴﺎﻏﺔ ﻧﺼﻮﺻﻬﻤﺎ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﺑﺎﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻏﻴﺮ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﻓﻲ ﻓﺮﻧﺴﺎ ﺷﻬﺪ ﺗﻮﺳﻌﺎً ﺃﻛﺒﺮ ﻓﻲ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻟﻴﺸﻤﻞ ﺣﺎﻻﺕ ﻣﺜﻞ ﺳﺮﻗﺔ ﺍﻟﻄﻌﺎﻡ ﺑﺴﺒﺐ ﺍﻟﺠﻮﻉ ﺍﻟﺸﺪﻳﺪ ﺃﻭ ﻗﻴﺎﺩﺓ ﺍﻟﺴﻴﺎﺭﺓ ﺑﺪﻭﻥ ﺭﺧﺼﺔ ﻟﻨﻘﻞ ﻣﺮﻳﺾ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﻃﺎﺭﺋﺔ
ﻭﻫﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﻗﺪ ﺗﻮﺍﺟﻪ ﺗﺤﻔﻈﺎً ﺃﻛﺒﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﺃﻭ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻤﻴﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﻻﻟﺘﺰﺍﻡ ﺍﻟﺤﺮﻓﻲ ﺑﺎﻟﻨﺺ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ
ﺇﻥ ﺩﺭﺍﺳﺔ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻄﻮﺭ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺗﻘﺪﻡ ﺩﺭﺳﺎً ﺑﻠﻴﻐﺎً ﻓﻲ ﻛﻴﻔﻴﺔ ﻣﻮﺍﺯﻧﺔ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﺑﻴﻦ ﺿﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﺤﻔﺎﻅ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻭﺿﺮﻭﺭﺓ ﻣﺮﺍﻋﺎﺓ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﺍﻻﺳﺘﺜﻨﺎﺋﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﺗﺪﻓﻊ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻟﻠﺨﺮﻭﺝ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﺠﺐ ﺃﻥ ﻳﺴﺘﻠﻬﻤﻪ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﻓﻲ ﺗﺤﺪﻳﺚ ﻧﺼﻮﺻﻪ ﻭﺗﻄﻮﻳﺮ ﺍﺟﺘﻬﺎﺩﺍﺗﻪ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﻟﺘﻜﻮﻥ ﺃﻛﺜﺮ ﺍﻧﺴﺠﺎﻣﺎً ﻣﻊ ﻣﺘﻄﻠﺒﺎﺕ ﺍﻟﻌﺼﺮ ﻭﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺨﺎﻣﺲ
ﻣﻜﺎﻧﺔ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻭﺗﻌﺪﻳﻼﺗﻪ
ﻳﺤﺘﻞ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻣﻜﺎﻧﺔ ﻣﺮﻛﺰﻳﺔ ﻓﻲ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﺣﻴﺚ ﻳﻌُﺪ ﻣﻦ ﺃﻫﻢ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ
ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻨﻔﻲ ﺍﻟﺼﻔﺔ ﺍﻟﺠﺮﻣﻴﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺗﻤﺎﻣﺎً ﻭﻗﺪ ﻧﻈﻢ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﻓﻲ ﻋﺪﺓ ﻣﻮﺍﺩ ﺃﺑﺮﺯﻫﺎ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ 249 ﻣﻦ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻨﺺ ﻋﻠﻰ ﻋﺪﻡ ﺍﻟﻌﻘﺎﺏ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺃﻭ ﺍﻟﻐﻴﺮ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺿﺪ ﺍﻋﺘﺪﺍﺀ ﺣﺎﻝ ﻭﻏﻴﺮ ﻣﺸﺮﻭﻉ ﻭﻗﺪ ﻣﺮ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻨﻈﻴﻢ ﺑﻌﺪﺓ ﻣﺮﺍﺣﻞ ﻭﺗﻌﺪﻳﻼﺕ ﺗﻌﻜﺲ ﺗﻄﻮﺭ ﺍﻟﻮﻋﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ ﻭﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺗﺄﺛﺮﻩ ﺑﺎﻟﻤﺪﺭﺳﺔ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻭﺑﺎﻟﻮﺍﻗﻊ ﺍﻟﻤﺤﻠﻲ
ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺪﺍﻳﺔ ﻭﻋﻨﺪ ﺻﺪﻭﺭ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻓﻲ ﻋﺎﻡ 1904 ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻨﺺ ﻣﻘﺘﺒﺴﺎً ﺑﺸﻜﻞ ﺷﺒﻪ ﺣﺮﻓﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻣﻤﺎ ﺟﻌﻞ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﻳﻌﺘﻤﺪ heavily ﻋﻠﻰ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩﺍﺕ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺷﺮﻭﻁ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﻭﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﺳﻴﻠﺔ ﻭﻣﻊ ﻣﺮﻭﺭ ﺍﻟﺰﻣﻦ ﺑﺪﺃﺕ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﺗﻄﻮﺭ ﺍﺟﺘﻬﺎﺩﺍﺗﻬﺎ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﺍﻟﺒﻴﺌﺔ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﺣﻴﺚ ﻇﻬﺮﺕ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﻣﻬﻤﺔ ﺣﺪﺩﺕ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﺑﺪﻗﺔ ﻭﺍﺷﺘﺮﻃﺖ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﻭﺷﻴﻜﺎً ﺟﺪﺍً ﺑﺤﻴﺚ ﻻ ﻳﺘﺴﻊ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻟﻠﺠﻮﺀ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺴﻠﻄﺎﺕ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ
ﻭﻣﻦ ﺃﻫﻢ ﺍﻟﺘﻌﺪﻳﻼﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺷﻬﺪﻫﺎ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻓﻲ
ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺸﺄﻥ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺘﻲ ﺟﺎﺀﺕ ﺑﺎﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺭﻗﻢ 58 ﻟﺴﻨﺔ 1937 ﺛﻢ ﺍﻟﺘﻌﺪﻳﻼﺕ ﺍﻟﻼﺣﻘﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺣﺎﻭﻟﺖ ﺗﻮﺿﻴﺢ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻐﻤﻮﺽ ﻓﻲ ﻧﺼﻮﺹ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺧﺎﺻﺔ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺣﻴﺚ ﻗﻴﺪ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﺍﻟﺤﻖ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺑﻌﺪﻡ ﺇﻣﻜﺎﻧﻴﺔ ﺍﺳﺘﺮﺩﺍﺩﻩ ﺑﻄﺮﻕ ﺃﺧﺮﻯ ﻭﺑﺸﺮﻁ ﺃﻻ ﻳﺘﺠﺎﻭﺯ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺣﺪﻭﺩ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻭﻗﺪ ﺃﺛﺎﺭ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻘﻴﺪ ﺟﺪﻻً ﻓﻘﻬﻴﺎً ﻭﺍﺳﻌﺎً ﺣﻮﻝ ﻣﺪﻯ ﻣﺸﺮﻭﻋﻴﺔ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻤﻤﻴﺘﺔ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺃﻣﻮﺍﻝ ﺗﺎﻓﻬﺔ ﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﺑﻘﻴﻤﺔ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ
ﻭﻓﻲ ﺍﻟﻌﻘﻮﺩ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ ﺷﻬﺪﺕ ﺍﻟﺴﺎﺣﺔ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﻧﻘﺎﺷﺎﺕ ﻣﺴﺘﻤﺮﺓ ﺣﻮﻝ ﺗﻮﺳﻴﻊ ﻧﻄﺎﻕ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻟﻴﺸﻤﻞ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﻌﻨﻒ ﺍﻷﺳﺮﻱ ﻭﺟﺮﺍﺋﻢ ﺍﻟﺸﺮﻑ ﺣﻴﺚ ﺩﻋﺎ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻔﻘﻬﺎﺀ ﻭﺍﻟﻘﻀﺎﺓ ﺇﻟﻰ ﺇﻋﺎﺩﺓ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﻧﺼﻮﺹ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻟﺘﺮﺍﻋﻲ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﻭﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻟﻠﻤﺮﺃﺓ ﺍﻟﻤﻌﻨﻔﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﺗﻠﺠﺄ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻓﻲ ﻟﺤﻈﺔ ﻳﺄﺱ ﺷﺪﻳﺪ ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﺘﻘﺎﻃﻊ ﻣﻊ ﻣﺒﺪﺃ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﻤﻠﺤﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻭﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻥ ﻭﺭﻏﻢ ﺃﻥ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﻟﻢ ﺗﺘﻐﻴﺮ ﺑﺸﻜﻞ ﺟﺬﺭﻱ ﺇﻻ ﺃﻥ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﺑﺪﺃ ﻳﻤﻴﻞ ﺷﻴﺌﺎً ﻓﺸﻴﺌﺎً ﻧﺤﻮ ﻣﺮﺍﻋﺎﺓ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﻓﻲ ﺗﻘﺪﻳﺮ ﻣﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﻤﺘﻬﻢ
ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﺗﻠﻌﺐ ﺩﻭﺭﺍً ﺣﺎﺳﻤﺎً ﻓﻲ ﺗﻄﺒﻴﻖ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺣﻴﺚ ﻳﻘﻊ ﻋﻠﻰ ﻋﺎﺗﻘﻬﺎ ﻓﻲ ﻣﺮﺣﻠﺔ ﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﺘﺤﻘﻖ ﻣﻦ ﺗﻮﺍﻓﺮ ﺷﺮﻭﻁ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻗﺒﻞ ﺇﺻﺪﺍﺭ ﻗﺮﺍﺭ ﺍﻟﺤﺒﺲ ﺃﻭ ﺍﻹﺣﺎﻟﺔ ﻟﻠﻤﺤﺎﻛﻤﺔ ﻭﻗﺪ ﺃﺻﺪﺭﺕ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﺍﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻌﻤﻴﻤﺎﺕ ﺍﻟﺪﺍﺧﻠﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻮﺟﻪ ﺃﻋﻀﺎﺀﻫﺎ ﺑﻜﻴﻔﻴﺔ ﺍﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ ﺑﻼﻏﺎﺕ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻭﺿﺮﻭﺭﺓ ﺟﻤﻊ ﺍﻷﺩﻟﺔ ﻓﻮﺭﺍً ﻗﺒﻞ ﺯﻭﺍﻝ ﺁﺛﺎﺭ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﻌﻜﺲ ﻭﻋﻴﺎً ﻣﺆﺳﺴﻴﺎً ﺑﺄﻫﻤﻴﺔ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﺎﺏ ﻣﻦ ﺃﺑﻮﺍﺏ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ
ﺇﻥ ﻣﻜﺎﻧﺔ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻟﻴﺴﺖ ﻣﺠﺮﺩ ﻧﺺ ﺟﺎﻣﺪ ﺑﻞ ﻫﻲ ﻣﺒﺪﺃ ﺣﻲ ﻳﺘﻔﺎﻋﻞ ﻣﻊ ﺗﻐﻴﺮﺍﺕ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻭﻳﺘﻄﻮﺭ ﻋﺒﺮ ﺍﺟﺘﻬﺎﺩﺍﺕ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﻭﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﻣﻤﺎ ﻳﺠﻌﻠﻪ ﺃﺩﺍﺓ ﻓﻌﺎﻟﺔ ﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﻭﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﺤﻘﻮﻕ ﺍﻷﺳﺎﺳﻴﺔ ﻟﻠﻤﻮﺍﻃﻨﻴﻦ ﻓﻲ ﻣﻮﺍﺟﻬﺔ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀﺍﺕ ﺍﻟﻤﻔﺎﺟﺌﺔ ﻭﺍﻟﺨﻄﺮﺓ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺴﺎﺩﺱ
ﺗﻨﻈﻴﻢ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺘﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻭﺍﻷﺻﻴﻞ
ﻳﻤﺜﻞ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻧﻤﻮﺫﺟﺎً ﻓﺮﻳﺪﺍً ﻣﻦ ﻧﻮﻋﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﻭﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﺣﻴﺚ ﻳﺠﻤﻊ ﺑﻴﻦ ﺃﺻﺎﻟﺔ ﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﻤﺪﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺬﻫﺐ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﺍﻟﺴﺎﺋﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻼﺩ ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﺪﻗﺔ ﺍﻟﺘﻘﻨﻴﺔ ﻭﺍﻟﺼﻴﺎﻏﺔ ﺍﻟﻤﻨﻬﺠﻴﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﻮﺣﺎﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺧﺎﺻﺔ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻟﻌﺎﻡ 1994 ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺛﺮ ﺑﺸﻜﻞ ﻣﺒﺎﺷﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﻌﺪﻳﻼﺕ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﻴﺔ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﻭﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻹﻃﺎﺭ ﻳﺄﺗﻲ ﺗﻨﻈﻴﻢ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻛﺤﺠﺮ ﺯﺍﻭﻳﺔ ﻓﻲ ﺑﻨﻴﺔ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻴﺔ ﺣﻴﺚ ﻧﺼﺖ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ 42 ﻣﻦ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﺻﺮﺍﺣﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻻ ﺟﺮﻳﻤﺔ ﻭﻻ ﻋﻘﻮﺑﺔ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻣﻔﺮﻭﺿﺎً ﺑﺎﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺃﻭ ﺍﻟﻐﻴﺮ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺿﺪ ﺍﻋﺘﺪﺍﺀ ﺣﺎﻝ ﻭﻏﻴﺮ ﻣﺸﺮﻭﻉ ﻭﻗﺪ ﺟﺎﺀﺕ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺼﻴﺎﻏﺔ ﻟﺘﻌﻜﺲ ﺍﻟﺘﻮﺍﺯﻥ ﺍﻟﺪﻗﻴﻖ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺤﺎﺟﺔ ﺇﻟﻰ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻭﺿﺮﻭﺭﺓ ﺿﻤﺎﻥ ﺣﻖ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﻛﻴﺎﻧﻪ
ﺇﻥ ﺍﻟﻤﺮﺟﻌﻴﺔ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﻟﻠﺘﺸﺮﻳﻊ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﺎﺏ ﺗﻌﻮﺩ ﺇﻟﻰ ﻓﺘﺮﺓ ﺍﻻﺳﺘﻌﻤﺎﺭ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺣﻴﺚ ﺗﻢ ﺗﻄﺒﻴﻖ
ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺣﺮﻓﻴﺎً ﻟﺴﻨﻮﺍﺕ ﻃﻮﻳﻠﺔ ﺇﻻ ﺃﻧﻪ ﺑﻌﺪ ﺍﻻﺳﺘﻘﻼﻝ ﺷﻬﺪﺕ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻋﻤﻠﻴﺔ ﺃﺳﻠﻤﺔ ﻟﻠﻘﺎﻧﻮﻥ ﻭﺗﺤﺪﻳﺚ ﻟﻪ ﻓﻲ ﺁﻥ ﻭﺍﺣﺪ ﻣﻤﺎ ﺃﺩﻯ ﺇﻟﻰ ﺇﻋﺎﺩﺓ ﻗﺮﺍﺀﺓ ﻧﺼﻮﺹ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻋﺒﺮ ﻋﺪﺳﺔ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﻄﻲ ﺃﻭﻟﻮﻳﺔ ﻗﺼﻮﻯ ﻟﺤﻔﻆ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺍﻟﻌﺮﺽ ﻭﺍﻟﻤﺎﻝ ﻭﻗﺪ ﻇﻬﺮ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺄﺛﻴﺮ ﺟﻠﻴﺎً ﻓﻲ ﺍﺟﺘﻬﺎﺩﺍﺕ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺑﺪﺃﺕ ﺗﺴﺘﻨﺪ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺃﺣﻜﺎﻣﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﻮﺍﻋﺪ ﺍﻟﻔﻘﻬﻴﺔ ﻣﺜﻞ ﻗﺎﻋﺪﺓ ﺍﻟﺪﺭﺀ ﻭﺗﻔﺴﻴﺮ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﺑﻤﺎ ﻳﺘﻮﺍﻓﻖ ﻣﻊ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﺍﻟﺬﻱ ﻗﺪ ﻳﺨﺘﻠﻒ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺗﻔﺎﺻﻴﻠﻪ ﻋﻦ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ
ﻓﻔﻲ ﺣﻴﻦ ﻳﺮﻛﺰ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻋﻠﻰ ﻣﻌﻴﺎﺭ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺍﻟﺤﺎﻟﻲ ﻭﺍﻟﺸﺪﻳﺪ ﻛﺸﺮﻁ ﺟﻮﻫﺮﻱ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﻳﻀﻴﻒ ﺑﻌُﺪﺍً ﺁﺧﺮ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﻨﻴﺔ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﻭﺧﻄﻮﺭﺓ ﻓﻌﻠﻪ ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﻭﺷﻴﻜﺎً ﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﺰﻣﻨﻲ ﺍﻟﺪﻗﻴﻖ ﺑﻞ ﻛﺎﻥ ﻣﺘﻮﻗﻌﺎً ﻭﻗﻮﻋﻪ ﻓﻲ ﻟﺤﻈﺔ ﻗﺮﻳﺒﺔ ﺟﺪﺍً ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﺃﺧﺬ ﺑﻪ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻓﻲ ﻋﺪﺓ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺣﺮﻣﺔ ﺍﻟﻤﻨﺰﻝ ﻟﻴﻼً ﺣﻴﺚ ﺍﻋﺘﺒﺮ ﺩﺧﻮﻝ ﺍﻟﺪﺍﺭ ﻟﻴﻼً ﻗﺮﻳﻨﺔ ﻗﻮﻳﺔ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﻧﻴﺔ ﻋﺪﻭﺍﻧﻴﺔ ﺗﺒﻴﺢ ﻟﺼﺎﺣﺐ ﺍﻟﺪﺍﺭ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻼﺯﻣﺔ ﻟﺪﻓﻊ ﺍﻟﻤﺘﺴﻠﻞ ﺣﺘﻰ ﻭﻟﻮ
ﻟﻢ ﻳﺒﺪﺃ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﺑﺎﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﺠﺴﺪﻱ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮ ﺑﻌﺪ ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻔﺴﻴﺮ ﻳﺘﺠﺎﻭﺯ ﺍﻟﺤﺮﻓﻴﺔ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻟﻴﻼﻣﺲ ﺭﻭﺡ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻓﻲ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﺤﺮﻣﺔ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ
ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺣﻴﺔ ﺍﻹﺟﺮﺍﺋﻴﺔ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﺗﻠﻌﺐ ﺩﻭﺭﺍً ﻣﺤﻮﺭﻳﺎً ﻓﻲ ﺗﻘﻴﻴﻢ ﺩﻓﻮﻉ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻣﻨﺬ ﻣﺮﺣﻠﺔ ﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺍﻻﺑﺘﺪﺍﺋﻲ ﺣﻴﺚ ﻳﻘﻊ ﻋﻠﻰ ﻋﺎﺗﻘﻬﺎ ﻋﺐﺀ ﺟﻤﻊ ﺍﻷﺩﻟﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺜﺒﺖ ﺃﻭ ﺗﻨﻔﻲ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻷﺻﻠﻲ ﻭﻃﺮﻳﻘﺔ ﺭﺩ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﻗﺪ ﻃﻮﺭﺕ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﻣﻨﻬﺠﻴﺔ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﺗﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺨﺒﺮﺓ ﺍﻟﻄﺒﻴﺔ ﺍﻟﺸﺮﻋﻴﺔ ﻟﺘﺤﺪﻳﺪ ﻃﺒﻴﻌﺔ ﺍﻹﺻﺎﺑﺎﺕ ﻭﻣﻄﺎﺑﻘﺘﻬﺎ ﻣﻊ ﺭﻭﺍﻳﺔ ﺍﻟﻤﺘﻬﻢ ﺣﻮﻝ ﻭﺳﻴﻠﺔ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﻤﺴﺘﺨﺪﻣﺔ ﻛﻤﺎ ﺗﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻰ ﻣﻌﺎﻳﻨﺔ ﻣﻜﺎﻥ ﺍﻟﺤﺎﺩﺙ ﺑﺪﻗﺔ ﻻﺳﺘﻨﺘﺎﺝ ﻣﺎ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺣﺎﻻً ﻓﻌﻼً ﺃﻡ ﺃﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﻓﺎﺻﻼً ﺯﻣﻨﻴﺎً ﻳﺴﻤﺢ ﺑﺎﻟﻠﺠﻮﺀ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺴﻠﻄﺎﺕ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﺑﺪﻻً ﻣﻦ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﺬﺍﺗﻴﺔ
ﺃﻣﺎ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﺸﺮﻁ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﺑﻴﻦ ﻭﺳﻴﻠﺔ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻭﺧﻄﻮﺭﺓ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻓﻘﺪ ﺗﺒﻨﺖ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﻣﻮﻗﻔﺎً ﻭﺳﻄﺎً ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺮﻭﻧﺔ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻭﺍﻟﺼﺮﺍﻣﺔ ﺍﻟﻔﻘﻬﻴﺔ ﻓﺎﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﻻ ﺗﺸﺘﺮﻁ ﺗﻄﺎﺑﻘﺎً ﺭﻳﺎﺿﻴﺎً ﺑﻴﻦ ﺃﺩﺍﺓ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ
ﻭﺃﺩﺍﺓ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺑﻞ ﺗﻜﺘﻔﻲ ﺑﻮﺟﻮﺩ ﺗﻨﺎﺳﺐ ﻧﺴﺒﻲ ﻳﺮﺍﻋﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﺬﻋﺮ ﻭﺍﻟﻔﺰﻉ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻨﺘﺎﺏ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻓﻲ ﻟﺤﻈﺔ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﻭﻗﺪ ﺃﻛﺪﺕ ﺍﻟﻐﺮﻓﺔ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻴﺔ ﻟﻠﻤﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﻓﻲ ﻋﺪﺓ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﺃﻥ ﺗﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﻫﻮ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻭﺍﻗﻌﻴﺔ ﺗﺘﺮﻙ ﻟﺘﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻋﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺤﻴﻂ ﺑﻤﻼﺑﺴﺎﺕ ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ ﻭﻻ ﺗﺨﻀﻊ ﻟﺮﻗﺎﺑﺔ ﻣﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺇﻻ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﺨﺮﻭﺝ ﺍﻟﻜﻠﻲ ﻋﻦ ﻣﻨﻄﻖ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﻤﻨﺢ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻫﺎﻣﺸﺎً ﻭﺍﺳﻌﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﻌﺎﺩﻝ
ﻭﻳﻼﺣﻆ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻗﺪ ﻭﺳﻊ ﺩﺍﺋﺮﺓ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻟﺘﺸﻤﻞ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﺑﺸﻜﻞ ﺻﺮﻳﺢ ﻭﻣﻔﺼﻞ ﻣﺴﺘﻠﻬﻤﺎً ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺍﻟﺸﺮﻋﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺠﻌﻞ honor of defense ﻭﺍﺟﺒﺎً ﻣﻘﺪﺳﺎً ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻇﻞ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺃﻛﺜﺮ ﺗﺠﺮﻳﺪﺍً ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺸﺄﻥ ﻣﻜﺘﻔﻴﺎً ﺑﺎﻹﺷﺎﺭﺓ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﻣﻤﺎ ﻳﺠﻌﻞ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻼﺀﻣﺔ ﻟﻠﺒﻴﺌﺔ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻭﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﻄﻘﺔ ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﺗﺨﻀﻊ ﻟﺸﺮﻭﻁ ﺃﺩﻕ ﺣﻴﺚ ﻻ ﻳﺒﻴﺢ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻤﻤﻴﺘﺔ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﻣﺎﻝ ﺗﺎﻓﻪ ﺍﻟﻘﻴﻤﺔ ﺇﻻ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻣﺼﺤﻮﺑﺎً ﺑﺘﻬﺪﻳﺪ ﻣﺒﺎﺷﺮ ﻟﻠﺤﻴﺎﺓ ﺃﻭ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺪﺧﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﺑﻘﺼﺪ ﺍﻟﺴﺮﻗﺔ ﻟﻴﻼً ﻭﻫﻮ
ﺗﻔﺼﻴﻞ ﻳﺴﺘﻤﺪ ﺟﺬﻭﺭﻩ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻣﻴﺰ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺴﺎﺭﻕ ﻟﻴﻼً ﻭﻧﻬﺎﺭﺍً
ﺇﻥ ﺍﻟﺘﻔﺎﻋﻞ ﺑﻴﻦ ﺍﻷﺻﺎﻟﺔ ﻭﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮﺓ ﻓﻲ ﺗﻨﻈﻴﻢ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻳﻨﺘﺞ ﻋﻨﻪ ﻗﻀﺎﺀ ﺣﻴﻮﻱ ﻗﺎﺩﺭ ﻋﻠﻰ ﻣﻮﺍﺟﻬﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﺠﺪﺍﺕ ﺍﻹﺟﺮﺍﻣﻴﺔ ﺍﻟﻤﻌﻘﺪﺓ ﻓﺎﻟﻘﺎﺿﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺃﻣﺎﻡ ﺗﺤﺪﻳﺎﺕ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﺠﺮﺍﺋﻢ ﺍﻹﻟﻜﺘﺮﻭﻧﻴﺔ ﻭﺍﻻﺑﺘﺰﺍﺯ ﺍﻹﻟﻜﺘﺮﻭﻧﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﺗﻨﺪﺭﺝ ﺗﺤﺖ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺑﺼﻮﺭﺓ ﻣﻌﻨﻮﻳﺔ ﻭﻫﻨﺎ ﻳﺒﺮﺯ ﺩﻭﺭ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﻓﻲ ﺗﻮﺳﻴﻊ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﻟﺘﺸﻤﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺼﻮﺭ ﺍﻟﻤﺴﺘﺠﺪﺓ ﻣﺴﺘﻨﺪﺍً ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﻘﺎﺻﺪ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻟﻠﺸﺮﻳﻌﺔ ﻭﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻟﻠﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻭﺍﻟﻤﻠﺤﺔ
ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺩﻭﺭ ﺍﻟﻤﺤﺎﻣﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻳﺘﻌﺰﺯ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺘﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﺑﻂ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻮﻗﺎﺋﻊ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ﻟﻠﻨﺰﺍﻉ ﻭﺍﻷﺳﺲ ﺍﻟﻔﻘﻬﻴﺔ ﻭﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﺎﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﻨﺎﺟﺢ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺇﻗﻨﺎﻉ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﺑﺄﻥ ﻓﻌﻞ ﻣﻮﻛﻠﻪ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻣﺠﺮﺩ ﺭﺩ ﻓﻌﻞ ﻋﺸﻮﺍﺋﻲ ﺑﻞ ﻛﺎﻥ ﺍﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻣﺸﺮﻭﻋﺔ ﻭﻣﺒﺮﺭﺓ ﻻﻧﺘﻬﺎﻙ ﺧﻄﻴﺮ ﻟﻠﺤﻘﻮﻕ ﺍﻟﻤﺤﻤﻴﺔ ﺷﺮﻋﺎً ﻭﻗﺎﻧﻮﻧﺎً ﻭﻟﺬﺍ ﻓﺈﻥ ﻓﻬﻢ ﺍﻟﻌﻤﻖ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻲ ﻭﺍﻟﻔﻠﺴﻔﻲ ﻟﻨﺼﻮﺹ
ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻳﻌﺪ ﺳﻼﺣﺎً ﻓﻌﺎﻻً ﻓﻲ ﻳﺪ ﺍﻟﻤﺤﺎﻣﻲ ﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﺒﺮﺍﺀﺓ ﻟﻤﻮﻛﻠﻪ ﺃﻭ ﺗﺨﻔﻴﻒ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺔ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﺗﺠﺎﻭﺯ ﺣﺪﻭﺩ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ
ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺨﺘﺎﻡ ﻳﻤﻜﻦ ﺍﻟﻘﻮﻝ ﺇﻥ ﺍﻟﺘﻨﻈﻴﻢ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻳﻤﺜﻞ ﺟﺴﺮﺍً ﺣﻀﺎﺭﻳﺎً ﻳﺮﺑﻂ ﺑﻴﻦ ﺗﺮﺍﺙ ﻓﻘﻬﻲ ﻋﺮﻳﻖ ﻭﻣﻨﻈﻮﻣﺔ ﻗﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﺣﺪﻳﺜﺔ ﻗﺎﺩﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﻣﻮﺍﻛﺒﺔ ﺍﻟﺘﻄﻮﺭﺍﺕ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﻭﻗﺪ ﺃﺛﺒﺘﺖ ﺍﻟﺘﺠﺮﺑﺔ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﻧﺠﺎﺡ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﻬﺠﻴﻦ ﻓﻲ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﻭﺭﺩﻉ ﺍﻟﺠﺮﻳﻤﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﺤﻔﺎﻅ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﻴﻢ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﻴﺔ ﻭﺍﻟﺜﻮﺍﺑﺖ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﺠﻌﻞ ﻣﻦ ﺩﺭﺍﺳﺔ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﻣﺼﺪﺭ ﺇﻟﻬﺎﻡ ﻟﻠﺘﺸﺮﻳﻌﺎﺕ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺍﻷﺧﺮﻯ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺴﻌﻰ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﺤﺪﻳﺚ ﺩﻭﻥ ﺍﻟﻘﻄﻴﻌﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﺘﺮﺍﺙ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺴﺎﺑﻊ
ﺷﺮﻁ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﺤﺎﻟﻲ ﺃﻭ ﺍﻟﻮﺷﻴﻚ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ
ﻳﻌُﺪ ﺷﺮﻁ ﺍﻟﺤﺎﻟﻴﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﻮﺷﻮﻛﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﺮﻛﻦ ﺍﻟﺰﻣﻨﻲ ﺍﻷﻫﻢ ﻓﻲ ﺑﻨﺎﺀ ﺩﻓﺎﻉ ﺷﺮﻋﻲ ﺻﺤﻴﺢ ﻭﻓﻘﺎً
ﻟﻠﺘﺸﺮﻳﻊ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﺣﻴﺚ ﺍﺷﺘﺮﻁ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ 249 ﻣﻦ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺣﺎﻻً ﻟﻜﻲ ﻳﺒﻴﺢ ﻟﻠﻤﻌﺘﺪﻯ ﻋﻠﻴﻪ ﺩﻓﻌﻪ ﺑﺎﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻼﺯﻣﺔ ﻭﻗﺪ ﺃﺛﺎﺭ ﺗﻄﺒﻴﻖ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺸﺮﻁ ﺟﺪﻻً ﻓﻘﻬﻴﺎً ﻭﻗﻀﺎﺋﻴﺎً ﻭﺍﺳﻌﺎً ﺣﻮﻝ ﺗﺤﺪﻳﺪ ﺍﻟﻠﺤﻈﺔ ﺍﻟﺪﻗﻴﻘﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺒﺪﺃ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻭﻣﺘﻰ ﻳﻨﺘﻬﻲ ﻭﻣﺎ ﻫﻲ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﻭﺷﻴﻜﺎً ﻟﺪﺭﺟﺔ ﺗﺒﺮﺭ ﺍﻟﺘﺪﺧﻞ ﺍﻟﺪﻓﺎﻋﻲ ﻗﺒﻞ ﻭﻗﻮﻉ ﺍﻟﻀﺮﺭ ﺍﻟﻔﻌﻠﻲ
ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻋﺮﻑ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﺑﺄﻧﻪ ﺫﻟﻚ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﺬﻱ ﻭﻗﻊ ﺑﺎﻟﻔﻌﻞ ﻭﺑﺪﺃ ﺗﻨﻔﻴﺬﻩُ ﺃﻭ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺻﺒﺢ ﻭﻗﻮﻋﻪ ﻭﺷﻴﻜﺎً ﺟﺪﺍً ﺑﺤﻴﺚ ﻻ ﻳﺘﺴﻊ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻟﻠﺠﻮﺀ ﺇﻟﻰ ﺳﻠﻄﺎﺕ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺍﻟﻤﺨﺘﺼﺔ ﻟﻠﺪﻓﻊ ﻋﻨﻪ ﻭﻗﺪ ﻣﻴﺰﺕ ﻣﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﺑﻴﻦ ﺣﺎﻟﺘﻴﻦ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﻫﻲ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻜﻮﻥ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﻗﺪ ﺑﺪﺃ ﻓﻲ ﺗﻨﻔﻴﺬ ﻓﻌﻠﻪ ﺍﻟﻌﺪﻭﺍﻧﻲ ﻣﺜﻞ ﺭﻓﻊ ﺍﻟﺴﻼﺡ ﺃﻭ ﺗﻮﺟﻴﻪ ﺍﻟﻠﻜﻤﺔ ﻭﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﻳﺘﺤﻘﻖ ﺷﺮﻁ ﺍﻟﺤﺎﻟﻴﺔ ﺑﻮﺿﻮﺡ ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻓﻬﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺍﻟﻮﺷﻴﻚ ﺣﻴﺚ ﻟﻢ ﻳﺒﺪﺃ ﺍﻟﺘﻨﻔﻴﺬ ﺍﻟﻔﻌﻠﻲ ﺑﻌﺪ ﻭﻟﻜﻦ ﻇﻬﺮﺕ ﺑﻮﺍﺩﺭ ﻣﺆﻛﺪﺓ ﺗﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﻋﺰﻡ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻬﺠﻮﻡ ﻓﻮﺭﺍً ﻣﺜﻞ ﺍﻟﺘﻬﺪﻳﺪ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮ ﺑﺎﻟﺴﻼﺡ ﻣﻊ ﺍﻻﻗﺘﺮﺍﺏ ﻣﻦ ﺍﻟﻀﺤﻴﺔ ﺃﻭ ﻣﺤﺎﻭﻟﺔ ﺍﻗﺘﺤﺎﻡ ﺍﻟﻤﻨﺰﻝ ﻟﻴﻼً ﺑﻘﻮﺓ
ﻭﻗﺪ ﺍﺧﺘﻠﻒ ﺍﻟﻔﻘﻬﺎﺀ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﻮﻥ ﻓﻲ ﻣﺪﻯ ﺍﺗﺴﺎﻉ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﻮﺷﻮﻛﻴﺔ ﻓﺒﻴﻨﻤﺎ ﻳﺬﻫﺐ ﻓﺮﻳﻖ ﺇﻟﻰ ﺿﺮﻭﺭﺓ ﺗﻀﻴﻴﻖ ﻧﻄﺎﻗﻪ ﺧﻮﻓﺎً ﻣﻦ ﺇﺳﺎﺀﺓ ﺍﻻﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﻭﺍﻟﺘﺤﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﺍﻧﺘﻘﺎﻡ ﻣﺴﺒﻖ ﻳﺬﻫﺐ ﻓﺮﻳﻖ ﺁﺧﺮ ﻳﺘﺒﻨﻰ ﺭﺅﻳﺔ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﺮﻭﻧﺔ ﻣﺴﺘﻠﻬﻤﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻭﻣﻦ ﺑﻌﺾ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩﺍﺕ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻧﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻋﺘﺒﺎﺭ ﺃﻥ ﺍﻟﻮﺷﻮﻛﻴﺔ ﺗﺘﺤﻘﻖ ﺑﻤﺠﺮﺩ ﺗﻮﺍﻓﺮ ﺍﻟﻘﺮﺍﺋﻦ ﺍﻟﻘﻮﻳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﺪﻉ ﻣﺠﺎﻻً ﻟﻠﺸﻚ ﻓﻲ ﻭﻗﻮﻉ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺧﻼﻝ ﻟﺤﻈﺎﺕ ﻣﻌﺪﻭﺩﺓ ﺧﺎﺻﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺮﺍﺋﻢ ﺍﻟﺨﻄﻴﺮﺓ ﻣﺜﻞ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﺃﻭ ﺍﻻﻏﺘﺼﺎﺏ ﺣﻴﺚ ﺃﻥ ﺍﻧﺘﻈﺎﺭ ﺑﺪﺀ ﺍﻟﺘﻨﻔﻴﺬ ﺍﻟﻔﻌﻠﻲ ﻗﺪ ﻳﻌﻨﻲ ﻓﻮﺍﺕ ﺍﻷﻭﺍﻥ ﻭﻋﺪﻡ ﺇﻣﻜﺎﻧﻴﺔ ﺩﻓﻊ
effectively ﺍﻟﺨﻄﺮ
ﻭﻣﻦ ﺍﻷﻣﺜﻠﺔ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻘﻴﺔ ﺍﻟﻬﺎﻣﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻗﻀﻴﺔ ﺍﻗﺘﺤﺎﻡ ﺍﻟﻤﻨﺎﺯﻝ ﻟﻴﻼً ﺣﻴﺚ ﺍﺳﺘﻘﺮ ﺍﻟﺮﺃﻱ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻣﺠﺮﺩ ﺩﺧﻮﻝ ﺷﺨﺺ ﺩﺍﺭ ﻏﻴﺮﻩ ﻟﻴﻼً ﺩﻭﻥ ﺇﺫﻥ ﻭﺑﻄﺮﻳﻘﺔ ﺧﻠﺴﺔ ﺃﻭ ﻗﻮﺓ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﺍﻋﺘﺪﺍﺀً ﺣﺎﻻً ﻭﺷﻴﻜﺎً ﻳﺒﻴﺢ ﻟﺼﺎﺣﺐ ﺍﻟﺪﺍﺭ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻼﺯﻣﺔ ﻟﺪﻓﻌﻪ ﺣﺘﻰ ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﻳﺒﺎﺷﺮ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﺃﻱ ﻓﻌﻞ ﻋﺪﻭﺍﻧﻲ ﻣﺒﺎﺷﺮ ﻭﺫﻟﻚ ﺍﺳﺘﻨﺎﺩﺍً ﺇﻟﻰ ﻗﺮﻳﻨﺔ ﺍﻟﺨﻄﻮﺭﺓ ﺍﻟﻜﺎﻣﻨﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺴﻠﻞ ﻟﻴﻼً ﻭﻫﻲ ﻗﺮﻳﻨﺔ ﻣﺴﺘﻤﺪﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻭﻣﻨﻄﻖ ﺍﻟﺤﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﺬﺍﺗﻴﺔ ﻭﻣﻊ ﺫﻟﻚ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﺗﺸﺘﺮﻁ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺭﺩ
ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻣﺘﺰﺍﻣﻨﺎً ﻣﻊ ﻟﺤﻈﺔ ﺍﻟﺪﺧﻮﻝ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﺤﺎﻭﻟﺔ ﻭﻻ ﻳﺠﻮﺯ ﺗﺄﺟﻴﻠﻪ ﺇﻟﻰ ﻣﺎ ﺑﻌﺪ ﺯﻭﺍﻝ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺃﻭ ﻫﺮﻭﺏ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﻠﻔﻈﻲ ﺃﻭ ﺍﻟﺘﻬﺪﻳﺪ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﻘﺮﻭﻥ ﺑﺈﺟﺮﺍﺀ ﺗﻨﻔﻴﺬﻱ ﻓﻘﺪ ﺭﻓﻀﺖ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻐﺎﻟﺐ ﺍﻋﺘﺒﺎﺭﻫﺎ ﺍﻋﺘﺪﺍﺀً ﺣﺎﻻً ﻳﺒﻴﺢ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﺠﺴﺪﻳﺔ ﺇﻻ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﺼﺤﻮﺑﺔ ﺑﻈﺮﻭﻑ ﺧﺎﺻﺔ ﺗﺰﻳﺪ ﻣﻦ ﺧﻄﻮﺭﺗﻬﺎ ﻣﺜﻞ ﻭﺟﻮﺩ ﺳﻼﺡ ﻓﻲ ﻳﺪ ﺍﻟﻤﻬﺪﻳﺪ ﺃﻭ ﺗﻮﺍﺟﺪ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﺴﻠﺤﺔ ﺗﺤﻴﻂ ﺑﺎﻟﻀﺤﻴﺔ ﻣﻤﺎ ﻳﺤﻮﻝ ﺍﻟﺘﻬﺪﻳﺪ ﺍﻟﻠﻔﻈﻲ ﺇﻟﻰ ﺧﻄﺮ ﻣﺤﺪﻕ ﻭﺣﻘﻴﻘﻲ ﻭﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﻳﺼﺒﺢ ﺍﻟﺘﻘﺪﻳﺮ ﻣﻮﻛﻮﻻً ﻟﻘﻨﺎﻋﺔ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﺑﻨﺎﺀً ﻋﻠﻰ ﻣﻼﺑﺴﺎﺕ ﻛﻞ ﻗﻀﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺣﺪﺓ
ﻭﻳﻮﺍﺟﻪ ﺃﻋﻀﺎﺀ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﺗﺤﺪﻳﺎً ﻛﺒﻴﺮﺍً ﻋﻨﺪ ﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻳﺘﻤﺜﻞ ﻓﻲ ﺇﺛﺒﺎﺕ ﺗﻮﻗﻴﺖ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺑﺪﻗﺔ ﻓﻬﻞ ﻛﺎﻥ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻓﻌﻠﻴﺎً ﺣﺎﻻً ﺃﻡ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺘﻬﻢ ﺍﺳﺘﻐﻞ ﻣﻮﻗﻔﺎً ﺳﺎﺑﻘﺎً ﻟﻼﻧﺘﻘﺎﻡ؟ ﻭﻫﻨﺎ ﺗﺒﺮﺯ ﺃﻫﻤﻴﺔ ﺍﻷﺩﻟﺔ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ﻭﺍﻟﺸﻬﺎﺩﺍﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﺪﺩ ﺍﻟﺘﺴﻠﺴﻞ ﺍﻟﺰﻣﻨﻲ ﻟﻸﺣﺪﺍﺙ ﺑﺪﻗﺔ ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺗﻘﺎﺭﻳﺮ ﺍﻟﺨﺒﺮﺓ ﺍﻟﻄﺒﻴﺔ ﺗﻠﻌﺐ ﺩﻭﺭﺍً ﺣﺎﺳﻤﺎً ﻓﻲ ﺗﺤﺪﻳﺪ ﻃﺒﻴﻌﺔ ﺍﻹﺻﺎﺑﺎﺕ ﻭﺍﺗﺠﺎﻫﻬﺎ ﻭﺯﺍﻭﻳﺔ ﻭﺭﻭﺩﻫﺎ ﻣﻤﺎ ﻗﺪ ﻳﻜﺸﻒ ﻋﻤﺎ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻗﺪ
ﺑﺪﺃ ﻓﻌﻼً ﻣﻦ ﺟﺎﻧﺐ ﺍﻟﻤﺠﻨﻲ ﻋﻠﻴﻪ ﺃﻡ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺘﻬﻢ ﻫﻮ ﺍﻟﺒﺎﺩﺉ ﺑﺎﻟﻌﺪﻭﺍﻥ ﺗﺤﺖ ﺫﺭﻳﻌﺔ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ
ﺇﻥ ﺍﻟﺘﻔﺴﻴﺮ ﺍﻟﺼﺤﻴﺢ ﻟﺸﺮﻁ ﺍﻟﺤﺎﻟﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻳﺘﻄﻠﺐ ﻣﻮﺍﺯﻧﺔ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﺑﻴﻦ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺣﻖ ﺍﻟﻤﻮﺍﻃﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻪ ﻭﺑﻴﻦ ﻣﻨﻊ ﺗﺤﻮﻝ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﻖ ﺇﻟﻰ ﻏﻄﺎﺀ ﻟﻺﺟﺮﺍﻡ ﺃﻭ ﺗﺼﻔﻴﺔ ﺍﻟﺤﺴﺎﺑﺎﺕ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﻭﻟﺬﺍ ﻓﺈﻥ ﺍﻻﺗﺠﺎﻩ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻓﻲ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻳﻤﻴﻞ ﺇﻟﻰ ﻣﺮﺍﻋﺎﺓ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﻟﻠﻤﺪﺍﻓﻊ ﻭﺗﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﺍﻟﻤﺤﻴﻄﺔ ﺑﻪ ﻓﻲ ﻟﺤﻈﺔ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺑﻤﻨﻄﻖ ﺇﻧﺴﺎﻧﻲ ﻣﺮﻥ ﻻ ﻳﻘﻒ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﺤﺮﻓﻴﺔ ﺍﻟﺠﺎﻣﺪﺓ ﻟﻠﻨﺺ ﺑﻞ ﻳﻐﻮﺹ ﻓﻲ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﻮﺍﻗﻌﺔ ﻟﻀﻤﺎﻥ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﺍﻟﻨﺎﺟﺰﺓ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺜﺎﻣﻦ
ﺷﺮﻁ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﺤﺎﻟﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻭﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ
ﻳﺘﻘﺎﻃﻊ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻣﻊ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻓﻲ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﺤﺎﻟﻲ ﻋﻨﺪ ﻧﻘﻄﺔ ﺟﻮﻫﺮﻳﺔ ﺗﺘﻤﺜﻞ ﻓﻲ
ﺿﺮﻭﺭﺓ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﻗﺎﺋﻤﺎً ﻓﻌﻠﻴﺎً ﺃﻭ ﻋﻠﻰ ﻭﺷﻚ ﺍﻟﺘﺤﻘﻖ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮ ﻏﻴﺮ ﺃﻥ ﻛﻼ ﺍﻟﻨﻈﺎﻣﻴﻦ ﻳﻄﻮﺭﺍﻥ ﺗﻄﺒﻴﻘﺎﺕ ﺧﺎﺻﺔ ﺑﻬﻤﺎ ﺗﻨﺒﻊ ﻣﻦ ﺧﺼﻮﺻﻴﺔ ﺍﻟﺒﻴﺌﺔ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﻭﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻓﻔﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻳﻔُﺴﺮ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﺤﺎﻟﻲ actuelle) (Attaque ﺗﻔﺴﻴﺮﺍً ﻭﺍﺳﻌﺎً ﻧﺴﺒﻴﺎً ﻟﻴﺸﻤﻞ ﻟﻴﺲ ﻓﻘﻂ ﺍﻟﻠﺤﻈﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺒﺪﺃ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻌﺪﻭﺍﻥ ﺍﻟﺠﺴﺪﻱ ﺑﻞ ﺃﻳﻀﺎً ﺍﻟﻤﺮﺣﻠﺔ ﺍﻟﺘﺤﻀﻴﺮﻳﺔ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺴﺒﻘﻪ ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﻘﺮﺍﺋﻦ ﺗﺆﻛﺪ ﺣﺘﻤﻴﺔ ﻭﻗﻮﻋﻪ ﻓﻲ ﺛﻮﺍﻥٍ ﻣﻌﺪﻭﺩﺓ ﻭﻗﺪ ﺃﻛﺪﺕ ﻣﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ ﺃﺣﻜﺎﻣﻬﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﺸﺮﻭﻋﺎً ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﺳﺒﻖ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺍﻟﺪﻓﺎﻋﻲ ﺑﺪﺍﻳﺔ ﺍﻟﺘﻨﻔﻴﺬ ﺍﻟﻔﻌﻠﻲ ﻟﻼﻋﺘﺪﺍﺀ ﻃﺎﻟﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﺄﺧﺮ ﻓﻲ ﺭﺩ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻛﺎﻥ ﺳﻴﻌﺮﺽ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻟﺨﻄﺮ ﺟﺴﻴﻢ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺗﺪﺍﺭﻛﻪ
ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻳﺄﺧﺬ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻔﻬﻮﻡ ﺧﻄﻮﺓ ﺃﺑﻌﺪ ﻣﺴﺘﻠﻬﻤﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﺣﻴﺚ ﻳﻮﻟﻲ ﺍﻫﺘﻤﺎﻣﺎً ﺧﺎﺻﺎً ﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﻭﺍﻟﺰﻣﺎﻥ ﻓﻲ ﺗﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﺤﺎﻟﻴﺔ ﻓﻤﺜﻼً ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﺃﻭ ﺣﺮﻣﺔ ﺍﻟﻤﻨﺰﻝ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﺃﻥ ﻣﺤﺎﻭﻟﺔ ﺍﻟﺪﺧﻮﻝ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻉ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺴﻜﻦ ﻟﻴﻼً ﺗﺸﻜﻞ ﺑﺤﺪ ﺫﺍﺗﻬﺎ ﺍﻋﺘﺪﺍﺀً ﺣﺎﻻً ﻳﺒﻴﺢ ﺍﻟﺪﻓﻊ ﺣﺘﻰ ﻭﻟﻮ ﻟﻢ ﻳﺮﻓﻊ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﻳﺪﻩ ﺑﺎﻟﺴﻼﺡ ﺑﻌﺪ ﻭﺫﻟﻚ ﻷﻥ
ﺍﻟﻈﻼﻡ ﻭﻃﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﺘﺴﻠﻞ ﺗﻮﻓﺮﺍﻥ ﻗﺮﻳﻨﺔ ﻗﻮﻳﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﻴﺔ ﺍﻹﺟﺮﺍﻣﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻬﺪﺩ ﺍﻟﺴﻼﻣﺔ ﺍﻟﺠﺴﺪﻳﺔ ﻭﺍﻟﻌﺮﺽ ﻓﻲ ﺁﻥ ﻭﺍﺣﺪ ﻭﻗﺪ ﺻﺪﺭﺕ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﺟﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﻣﻬﻤﺔ ﺑﺮﺃﺕ ﻣﺘﻬﻤﻴﻦ ﻗﺘﻠﻮﺍ ﻣﺘﺴﻠﻠﻴﻦ ﻟﻴﻠﻴﻴﻦ ﻣﻌﺘﺒﺮﺓ ﺃﻥ ﺍﻻﻧﺘﻈﺎﺭ ﺣﺘﻰ ﻳﺒﺪﺃ ﺍﻟﻤﺘﺴﻠﻞ ﺑﺎﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮ ﻗﺪ ﻳﻌﺮﺽ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺒﻴﺖ ﻟﻠﺨﻄﺮ ﺍﻟﻘﺎﺗﻞ ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﺘﻮﺍﻓﻖ ﻣﻊ ﻣﺒﺪﺃ ﺩﺭﺀ ﺍﻟﻤﻔﺎﺳﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ
ﻭﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻨﻈﺎﻣﻴﻦ ﻧﺠﺪ ﺃﻥ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻳﺮﻛﺰ ﻛﺜﻴﺮﺍً ﻋﻠﻰ ﻋﻨﺼﺮ “ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﻤﻠﺤﺔ” Nécessité) (actuelle ﻛﻤﻌﻴﺎﺭ ﻣﻮﺿﻮﻋﻲ ﺑﺤﺖ ﻳﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻰ ﺗﺤﻠﻴﻞ ﺳﻠﻮﻙ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﻭﻇﺮﻭﻑ ﺍﻟﻤﺸﻬﺪ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﺪﻣﺞ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻓﻲ ﺗﺤﻠﻴﻠﻪ ﻋﻨﺎﺻﺮ ﺫﺍﺗﻴﺔ ﻭﺍﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﻘﺪﺳﻴﺔ ﺍﻟﻤﻨﺰﻝ ﻭﺣﺮﻣﺔ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﻓﻲ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﻤﺤﻠﻴﺔ ﻣﻤﺎ ﻳﻮﺳﻊ ﺩﺍﺋﺮﺓ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﻣﻌﻴﻨﺔ ﻗﺪ ﻻ ﺗﺠﺪ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﺘﻮﺳﻴﻊ ﻓﻲ ﻓﺮﻧﺴﺎ ﻓﻤﺜﻼً ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻗﺪ ﻳﻔُﻬﻢ ﺑﺸﻜﻞ ﺃﻭﺳﻊ ﻟﻴﺸﻤﻞ ﺍﻟﺮﺩ ﻋﻠﻰ ﺍﻋﺘﺪﺍﺀﺍﺕ ﻣﻌﻨﻮﻳﺔ ﺷﺪﻳﺪﺓ ﺗﺮﻗﻰ ﻟﻤﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻜﺮﺍﻣﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻓﻲ ﻇﺮﻭﻑ ﺍﺳﺘﺜﻨﺎﺋﻴﺔ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﻘﺘﺼﺮ ﺍﻟﻔﻬﻢ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻏﺎﻟﺒﺎً ﻋﻠﻰ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀﺍﺕ ﺍﻟﺠﺴﺪﻳﺔ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮﺓ ﺃﻭ ﺍﻟﺘﻬﺪﻳﺪﺍﺕ ﺍﻟﻤﺼﺤﻮﺑﺔ ﺑﺄﺩﻭﺍﺕ ﻗﺘﻞ
ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺍﻧﺘﻬﺎﺀ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﺤﺎﻟﻲ ﺗﻄﺮﺡ ﺇﺷﻜﺎﻟﻴﺎﺕ ﻣﺸﺘﺮﻛﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺒﻠﺪﻳﻦ ﻓﻤﺘﻰ ﻳﺘﺤﻮﻝ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺇﻟﻰ ﺍﻧﺘﻘﺎﻡ؟ ﻳﺠﻴﺐ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺑﺄﻥ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻳﺘﻮﻗﻒ ﺑﻤﺠﺮﺩ ﺯﻭﺍﻝ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺃﻭ ﻋﺠﺰ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﻋﻦ ﻣﻮﺍﺻﻠﺔ ﻫﺠﻮﻣﻪ ﻓﺈﺫﺍ ﺍﺳﺘﻤﺮ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻓﻲ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻋﻠﻰ ﻣﻬﺎﺟﻤﻪ ﺑﻌﺪ ﺃﻥ ﺳﻘﻂ ﺳﻼﺣﻪ ﺃﻭ ﻓﺮّ ﻫﺎﺭﺑﺎً ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻳﻔﻘﺪ ﺻﻔﺔ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻭﻳﺘﺤﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﺟﺮﻳﻤﺔ ﺍﻧﺘﻘﺎﻣﻴﺔ ﻭﻳﻌﺘﻤﺪ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﻭﻟﻜﻨﻪ ﻳﻀﻴﻒ ﺍﻋﺘﺒﺎﺭﺍً ﺇﺿﺎﻓﻴﺎً ﻭﻫﻮ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻬﻠﻊ ﻭﺍﻟﻔﺰﻉ ﺍﻟﺸﺪﻳﺪ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﺗﻔﻘﺪ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻭﻋﻴﻪ ﺑﺰﻭﺍﻝ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺗﻤﺎﻣﺎً ﻓﻲ ﺍﻟﻠﺤﻈﺎﺕ ﺍﻷﻭﻟﻰ following ﻟﻠﻬﺠﻮﻡ ﻓﻔﻲ ﻣﺜﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﻗﺪ ﻳﻘﺒﻞ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﺑﺘﻮﺳﻴﻊ ﺑﺴﻴﻂ ﻓﻲ ﺍﻹﻃﺎﺭ ﺍﻟﺰﻣﻨﻲ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﻟﻴﺮﺍﻋﻲ ﺍﻟﺼﺪﻣﺔ ﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻌﺮﺽ ﻟﻬﺎ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﻌﺮﻑ ﺑـ “ﺍﺳﺘﻤﺮﺍﺭ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﺬﻋﺮ”
ﺇﻥ ﺩﻭﺭ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻓﻲ ﻛﻼ ﺍﻟﺒﻠﺪﻳﻦ ﻳﻨﺼﺐ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺤﻘﻖ ﺍﻟﺪﻗﻴﻖ ﻣﻦ ﺗﺰﺍﻣﻦ ﻓﻌﻞ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻣﻊ ﻟﺤﻈﺔ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﺤﺎﻟﻲ ﻭﺫﻟﻚ ﻋﺒﺮ ﻓﺤﺺ ﺩﻗﻴﻖ ﻷﺩﻟﺔ ﺍﻟﺠﺮﻳﻤﺔ ﻭﻣﻜﺎﻥ ﺍﻟﻮﺍﻗﻌﺔ ﻭﺷﻬﺎﺩﺍﺕ ﺍﻟﺸﻬﻮﺩ ﻭﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﺸﻚ ﻓﻲ ﺗﻮﻗﻴﺖ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻳﻄﺒﻖ ﻣﺒﺪﺃ “ﺍﻟﺸﻚ ﻳﻔﺴﺮ ﻟﺼﺎﻟﺢ
ﺍﻟﻤﺘﻬﻢ” ﺧﺎﺻﺔ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﺮﻭﺍﻳﺔ ﺗﺸﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﺧﻄﺮ ﺣﺎﻝ ﻭﻣﺤﺘﻤﻞ ﻭﻗﺪ ﺳﺎﻫﻢ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﻓﻲ ﺗﺒﺮﺋﺔ ﺍﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺘﻬﻤﻴﻦ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﻣﻌﻘﺪﺓ ﺣﻴﺚ ﺗﻌﺬﺭ ﺇﺛﺒﺎﺕ ﺍﻟﻌﻜﺲ ﺑﺸﻜﻞ ﻗﺎﻃﻊ
ﻭﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻼﺟﺘﻬﺎﺩ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻓﻘﺪ ﺑﺪﺃ ﻳﻤﻴﻞ ﻧﺤﻮ ﺍﻻﻋﺘﺮﺍﻑ ﺑﺤﺎﻻﺕ “ﺍﻟﻌﻨﻒ ﺍﻟﻤﺰﻣﻦ” ﻛﻈﺮﻑ ﻗﺪ ﻳﺨﻠﻖ ﺣﺎﻟﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺍﻟﺤﺎﻟﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻤﺮ ﻓﻲ ﺃﺫﻫﺎﻥ ﺿﺤﺎﻳﺎ ﺍﻟﻌﻨﻒ ﺍﻷﺳﺮﻱ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻗﺪ ﻳﻠﺠﺆﻭﻥ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺃﻧﻔﺴﻬﻢ ﻓﻲ ﻟﺤﻈﺔ ﻫﺪﻭﺀ ﻧﺴﺒﻲ ﺧﻮﻓﺎً ﻣﻦ ﻫﺠﻮﻡ ﻭﺷﻴﻚ ﻣﺘﻮﻗﻊ ﺑﻨﺎﺀً ﻋﻠﻰ ﺧﺒﺮﺓ ﺳﺎﺑﻘﺔ ﻣﺆﻟﻤﺔ ﻭﺭﻏﻢ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻮﺟﻪ ﻻ ﻳﺰﺍﻝ ﻣﺤﺪﻭﺩﺍً ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﺇﻻ ﺃﻧﻪ ﻳﻔﺘﺢ ﺁﻓﺎﻗﺎً ﺟﺪﻳﺪﺓ ﻟﺘﻔﺴﻴﺮ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﺤﺎﻟﻴﺔ ﺑﻤﺎ ﻳﺘﻨﺎﺳﺐ ﻣﻊ ﻭﺍﻗﻊ ﺍﻟﺠﺮﺍﺋﻢ ﺍﻷﺳﺮﻳﺔ ﻭﻫﻮ ﺍﺗﺠﺎﻩ ﺑﺪﺃﺕ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺪﻭﺍﺋﺮ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﺗﻠﻤﺤﻪ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﻣﻤﺎﺛﻠﺔ ﻣﻤﺎ ﻳﺸﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﺗﻘﺎﺭﺏ ﻣﺴﺘﻘﺒﻠﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻔﺴﻴﺮ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﻟﻠﻤﻔﺎﻫﻴﻢ ﺍﻟﺰﻣﻨﻴﺔ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺘﺎﺳﻊ
ﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﺷﺮﻭﻁ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﺑﻴﻦ ﻭﺳﻴﻠﺔ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻭﺧﻄﻮﺭﺓ
ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ
ﻳﻌُﺪ ﺷﺮﻁ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﺑﻴﻦ ﻭﺳﻴﻠﺔ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻭﺧﻄﻮﺭﺓ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺃﺣﺪ ﺃﻫﻢ ﺍﻟﺸﺮﻭﻁ ﻭﺃﻛﺜﺮﻫﺎ ﺇﺛﺎﺭﺓ ﻟﻠﺠﺪﻝ ﻓﻲ ﺗﻄﺒﻴﻘﺎﺕ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻭﻓﺮﻧﺴﺎ ﺣﻴﺚ ﻳﺘﻄﻠﺐ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﺃﻻ ﺗﺘﺠﺎﻭﺯ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﻤﺴﺘﺨﺪﻣﺔ ﺍﻟﺤﺪ ﺍﻟﻼﺯﻡ ﻟﺪﻓﻊ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻭﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻣﺘﻨﺎﺳﺒﺔ ﻣﻊ ﺟﺴﺎﻣﺔ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺍﻟﻤﺤﺪﻕ ﻏﻴﺮ ﺃﻥ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﻟﻴﺲ ﻣﻌﺎﺩﻟﺔ ﺭﻳﺎﺿﻴﺔ ﺛﺎﺑﺘﺔ ﺑﻞ ﻫﻮ ﻣﻌﻴﺎﺭ ﻣﺮﻥ ﻳﺨﻀﻊ ﻟﺘﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﺑﻨﺎﺀً ﻋﻠﻰ ﻣﻼﺑﺴﺎﺕ ﻛﻞ ﻗﻀﻴﺔ ﻭﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ﺍﻟﻤﺤﻴﻄﺔ ﺑﺎﻟﺤﺎﺩﺙ
ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻳﻨﺺ ﺻﺮﺍﺣﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻳﺠﺐ ﺃﻻ ﺗﻜﻮﻥ ﻏﻴﺮ ﻣﺘﻨﺎﺳﺒﺔ ﻣﻊ ﺟﺴﺎﻣﺔ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻭﻗﺪ ﻓﺴﺮ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺸﺮﻁ ﺑﺘﻮﺳﻊ ﻣﻠﺤﻮﻅ ﺣﻴﺚ ﺃﻛﺪ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﻻ ﻳﻌﻨﻲ ﺍﻟﺘﻄﺎﺑﻖ ﺑﻴﻦ ﺃﺩﺍﺓ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﻭﺃﺩﺍﺓ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻓﻤﺜﻼً ﻳﺠﻮﺯ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺳﻼﺡ ﻧﺎﺭﻱ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻪ ﺿﺪ ﻣﻌﺘﺪٍ ﺃﻋﺰﻝ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻔﺎﺭﻕ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﺠﺴﺪﻳﺔ ﻛﺒﻴﺮﺍً ﺟﺪﺍً ﺃﻭ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﻳﻤﻠﻚ ﻣﻬﺎﺭﺓ ﻗﺘﺎﻟﻴﺔ ﻋﺎﻟﻴﺔ ﺃﻭ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﺍﻣﺮﺃﺓ ﺗﻮﺍﺟﻪ ﺭﺟﻼً ﻗﻮﻳﺎً ﻭﻗﺪ ﺍﻋﺘﻤﺪﺕ ﻣﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻣﻌﻴﺎﺭ
“ﺍﻟﺨﻮﻑ ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻉ” ﻛﺄﺳﺎﺱ ﻟﺘﻘﻴﻴﻢ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﻣﻌﺘﺒﺮﺓ ﺃﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﺬﻋﺮ ﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺣﺴﺎﺏ ﺿﺮﺑﺎﺗﻪ ﺑﺪﻗﺔ ﻣﺘﻨﺎﻫﻴﺔ ﻭﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻳﻐُﻔﺮ ﻟﻪ ﺍﻟﺘﺠﺎﻭﺯ ﺍﻟﺒﺴﻴﻂ ﻓﻲ ﻭﺳﻴﻠﺔ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﻧﺎﺗﺠﺎً ﻋﻦ ﻓﺰﻉ ﻃﺒﻴﻌﻲ
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻨﺺ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ ﻳﺸﺘﺮﻁ ﺃﻻ ﻳﺠﺎﻭﺯ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺣﺪﻭﺩ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻭﻗﺪ ﺫﻫﺐ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﻴﺮﻩ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﻳﻘُﺎﺱ ﺑﻤﺪﻯ ﺍﻟﺤﺎﺟﺔ ﺍﻟﻔﻌﻠﻴﺔ ﻟﺪﻓﻊ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﻓﺈﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺑﺈﻣﻜﺎﻥ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﺩﻓﻊ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﺑﻌﺼﺎ ﻓﻼ ﻳﺠﻮﺯ ﻟﻪ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﺴﻜﻴﻦ ﻭﺇﺫﺍ ﺃﻣﻜﻦ ﺩﻓﻌﻪ ﺑﺎﻟﺴﻜﻴﻦ ﻓﻼ ﻳﺠﻮﺯ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﺴﻼﺡ ﺍﻟﻨﺎﺭﻱ ﺇﻻ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﻳﻬﺪﺩ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ ﻭﻣﻊ ﺫﻟﻚ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﺑﺪﺃﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻨﻮﺍﺕ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ ﺗﺄﺧﺬ ﺑﻌﻴﻦ ﺍﻻﻋﺘﺒﺎﺭ ﺍﻟﻔﻮﺍﺭﻕ ﺍﻟﺠﺴﺪﻳﺔ ﻭﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻄﺮﻓﻴﻦ ﻣﺸﺎﺑﻬﺔ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻻﺗﺠﺎﻩ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺧﺎﺻﺔ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﺍﻟﻠﻮﺍﺗﻲ ﻳﺪﺍﻓﻌﻦ ﻋﻦ ﺃﻧﻔﺴﻬﻦ ﺿﺪ ﺃﺯﻭﺍﺟﻬﻦ ﺃﻭ ﺃﻗﺎﺭﺑﻬﻦ ﺫﻭﻱ ﺍﻟﺒﻨﻴﺔ ﺍﻟﺠﺴﺪﻳﺔ ﺍﻷﻗﻮﻯ
ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻳﻤﺰﺝ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﻌﻴﺎﺭﻳﻦ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻭﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﺣﻴﺚ ﻳﺴﺘﻨﺪ ﻓﻲ ﺗﻘﻴﻴﻢ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﺇﻟﻰ ﻗﺎﻋﺪﺓ “ﺩﻓﻊ ﺃﻋﻈﻢ ﺍﻟﻀﺮﺭﻳﻦ ﺑﺎﺣﺘﻤﺎﻝ ﺃﺧﻔﻬﻤﺎ” ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻘﻪ
ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﻣﻤﺎ ﻳﺒﻴﺢ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﻗﻮﺓ ﺃﻛﺒﺮ ﻗﻠﻴﻼً ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺫﻟﻚ ﺿﺮﻭﺭﻳﺎً ﻟﻀﻤﺎﻥ ﺩﻓﻊ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺑﺸﻜﻞ ﻧﻬﺎﺋﻲ ﻭﻣﻨﻊ ﺗﻜﺮﺍﺭﻩ ﻭﻗﺪ ﺃﻇﻬﺮﺕ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩﺍﺕ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﻣﺮﻭﻧﺔ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﻨﺰﻝ ﻟﻴﻼً ﺣﻴﺚ ﺍﻋﺘﺒﺮﺕ ﺃﻥ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﺴﻼﺡ ﺍﻟﻨﺎﺭﻱ ﺿﺪ ﻣﺘﺴﻠﻞ ﻟﻴﻼً ﻫﻮ ﺇﺟﺮﺍﺀ ﻣﺘﻨﺎﺳﺐ ﺑﻄﺒﻴﻌﺘﻪ ﻧﻈﺮﺍً ﻟﻠﻐﻤﻮﺽ ﻭﺍﻟﺨﻄﻮﺭﺓ ﺍﻟﻜﺎﻣﻨﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻈﻼﻡ ﻭﺍﺣﺘﻤﺎﻝ ﺗﺴﻠﺢ ﺍﻟﻤﺘﺴﻠﻞ ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﻟﻢ ﻳﻈﻬﺮ ﺳﻼﺣﻪ ﻭﻗﺪ ﺑﺮﺭﺕ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺫﻟﻚ ﺑﺄﻥ ﺍﻟﻤﺒﺎﻟﻐﺔ ﻓﻲ ﺍﻻﺣﺘﻴﺎﻁ ﻟﺤﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺍﻟﻌﺮﺽ ﻓﻲ ﻣﺜﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﻻ ﺗﻌﺘﺒﺮ ﺗﺠﺎﻭﺯﺍً ﻟﻠﺤﺪﻭﺩ ﺍﻟﻤﻌﻘﻮﻟﺔ
ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻨﻘﺎﻁ ﺍﻟﻬﺎﻣﺔ ﻓﻲ ﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﺷﺮﻭﻁ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﻫﻮ ﺍﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﺨﻄﺄ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻘﺪﻳﺮ ﻓﺠﻤﻴﻊ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎﺕ ﺍﻟﺜﻼﺛﺔ ﺗﻘﺮ ﺑﺄﻥ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻗﺪ ﻳﺨﻄﺊ ﻓﻲ ﺗﻘﺪﻳﺮ ﺩﺭﺟﺔ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺃﻭ ﺍﻟﻮﺳﻴﻠﺔ ﺍﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺔ ﻧﺘﻴﺠﺔ ﻟﻠﻔﺰﻉ ﺍﻟﻤﻔﺎﺟﺊ ﻭﻓﻲ ﻓﺮﻧﺴﺎ ﻳﻌُﻔﻰ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﺗﻤﺎﻣﺎً ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺨﻄﺄ ﻧﺎﺷﺌﺎً ﻋﻦ ﺣﺎﻟﺔ ﺇﻛﺮﺍﻩ ﻣﻌﻨﻮﻱ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻗﺪ ﻳﺆﺩﻱ ﺍﻟﺨﻄﺄ ﺍﻟﺠﺴﻴﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻘﺪﻳﺮ ﺇﻟﻰ ﺗﺨﻔﻴﻒ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺔ ﺑﺪﻻً ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺮﺍﺀﺓ ﺍﻟﻜﺎﻣﻠﺔ ﺇﻻ ﺇﺫﺍ ﺛﺒﺖ ﺃﻥ ﺍﻟﺨﻄﺄ ﻛﺎﻥ ﻣﻌﺬﻭﺭﺍً ﺗﻤﺎﻣﺎً ﺑﺴﺒﺐ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﺍﻟﻄﺎﺭﺋﺔ
ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻃﺒﻴﻌﺔ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺗﺆﺛﺮ ﺑﺸﻜﻞ ﻣﺒﺎﺷﺮ ﻋﻠﻰ ﺗﻘﻴﻴﻢ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﻓﺎﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻳﺤﻈﻰ ﺑﺄﻭﺳﻊ ﺩﺍﺋﺮﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺮﻭﻧﺔ ﻓﻲ ﻗﺒﻮﻝ ﺍﻟﻮﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﻘﻮﻳﺔ ﻳﻠﻴﻪ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﺛﻢ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺣﻴﺚ ﺗﺸُﺪﺩ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﺜﻼﺙ ﻋﻠﻰ ﻋﺪﻡ ﺟﻮﺍﺯ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻤﻤﻴﺘﺔ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺃﻣﻮﺍﻝ ﺗﺎﻓﻬﺔ ﺍﻟﻘﻴﻤﺔ ﺇﻻ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻣﺼﺤﻮﺑﺎً ﺑﺘﻬﺪﻳﺪ ﻣﺒﺎﺷﺮ ﻟﻠﺤﻴﺎﺓ ﺃﻭ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺴﺎﺭﻕ ﻣﺴﻠﺤﺎً ﻭﻣﻘﺎﻭﻣﺎً ﺑﻌﻨﻒ
ﺇﻥ ﺗﻄﻮﻳﺮ ﻣﻌﻴﺎﺭ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎﺕ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻧﺔ ﻳﺘﺠﻪ ﻧﺤﻮ ﻣﺰﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻭﻣﺮﺍﻋﺎﺓ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﻓﻲ ﻟﺤﻈﺎﺕ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﻓﺒﺪﻻً ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻄﺎﻟﺒﺔ ﺑﺒﺮﻭﺩﺓ ﺃﻋﺼﺎﺏ ﻏﻴﺮ ﻭﺍﻗﻌﻴﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺗﻤﻴﻞ ﺇﻟﻰ ﻭﺿﻊ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻣﻜﺎﻥ ﺍﻟﻤﺘﻬﻢ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻠﺤﻈﺔ ﺍﻟﺮﻫﻴﺒﺔ ﻭﺗﻘﺪﻳﺮ ﺭﺩﻭﺩ ﺃﻓﻌﺎﻟﻪ ﺍﻟﻐﺮﻳﺰﻳﺔ ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻄﻮﺭ ﻳﻌﻜﺲ ﻧﻀﺠﺎً ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻋﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ ﻳﺪﺭﻙ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﻻ ﺗﻜﻤﻦ ﻓﻘﻂ ﻓﻲ ﺗﻄﺒﻴﻖ ﺍﻟﻨﺺ ﺣﺮﻓﻴﺎً ﺑﻞ ﻓﻲ ﻓﻬﻢ ﺍﻟﺴﻴﺎﻕ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻲ ﺍﻟﻤﻌﻘﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﻭﻗﻌﺖ ﻓﻴﻪ ﺍﻟﺠﺮﻳﻤﺔ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﻌﺎﺷﺮ
ﺧﻄﺄ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻓﻲ ﺗﻘﺪﻳﺮ ﻇﺮﻭﻑ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ
ﺗﺸﻜﻞ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺧﻄﺄ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻓﻲ ﺗﻘﺪﻳﺮ ﻇﺮﻭﻑ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻣﻦ ﺃﺩﻕ ﺍﻹﺷﻜﺎﻟﻴﺎﺕ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻮﺍﺟﻪ ﺍﻟﻘﻀﺎﺓ ﻭﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﻭﺍﻟﻤﺤﺎﻣﻴﻦ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻭﻓﺮﻧﺴﺎ ﺣﻴﺚ ﻗﺪ ﻳﺤﺪﺙ ﺃﻥ ﻳﻌﺘﻘﺪ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﺧﻄﺄً ﺃﻧﻪ ﻳﺘﻌﺮﺽ ﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺣﺎﻝ ﻭﻏﻴﺮ ﻣﺸﺮﻭﻉ ﻓﻴﺪﺍﻓﻊ ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻪ ﻣﺘﺴﺒﺒﺎً ﻓﻲ ﺿﺮﺭ ﻟﻠﻐﻴﺮ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﻳﺜﺒﺖ ﻋﺪﻡ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻋﺘﺪﺍﺀ ﺃﺻﻼً ﺃﻭ ﺃﻥ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﺑﺎﻟﺸﺪﺓ ﺃﻭ ﺍﻟﺤﺎﻟﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺨﻴﻠﻬﺎ ﻭﻳﺜﻮﺭ ﻫﻨﺎ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮﻱ: ﻫﻞ ﻳﻌﺎﻗﺐ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺧﻄﺄ ﻓﻲ ﺗﻘﺪﻳﺮﻩ ﺃﻡ ﻳﻌُﻔﻰ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭﻩ ﺣﺴﻦ ﺍﻟﻨﻴﺔ؟
ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺗﻢ ﺗﻨﻈﻴﻢ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺑﺸﻜﻞ ﻣﺘﻄﻮﺭ ﺿﻤﻦ ﻧﻈﺮﻳﺔ “ﺍﻟﺨﻄﺄ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻗﺎﺋﻊ” ﺣﻴﺚ ﺗﻤﻴﺰ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺨﻄﺄ ﺍﻟﻤﻌﺬﻭﺭ ﻭﺍﻟﺨﻄﺄ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﻌﺬﻭﺭ ﻓﺈﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺧﻄﺄ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻧﺎﺷﺌﺎً ﻋﻦ ﻇﺮﻭﻑ ﻣﻮﺿﻮﻋﻴﺔ ﺃﺩﺕ ﺇﻟﻴﻪ ﺑﺸﻜﻞ ﻃﺒﻴﻌﻲ ﻣﺜﻞ ﺍﻟﻈﻼﻡ ﺍﻟﺪﺍﻣﺲ ﺃﻭ ﺍﻟﻀﺠﻴﺞ ﺍﻟﺸﺪﻳﺪ ﺃﻭ ﺗﺼﺮﻓﺎﺕ ﻏﺎﻣﻀﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻄﺮﻑ ﺍﻵﺧﺮ ﺗﻮﺣﻲ ﺑﺎﻟﻌﺪﻭﺍﻥ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻳﻤﻴﻞ ﺇﻟﻰ ﺇﻋﻔﺎﺀ ﺍﻟﻤﺘﻬﻢ ﻣﻦ
ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻴﺔ ﻻﻧﻌﺪﺍﻡ ﺍﻟﻘﺼﺪ ﺍﻟﺠﺮﻣﻲ ﻭﺍﻋﺘﺒﺎﺭ ﺃﻥ ﺇﺭﺍﺩﺗﻪ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﻮﺟﻬﺔ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻉ ﻭﻟﻴﺲ ﻟﻺﻳﺬﺍﺀ ﻭﻗﺪ ﺍﺳﺘﻨﺪﺕ ﻣﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﺇﻟﻰ ﻣﺒﺪﺃ ﺃﻥ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﻻ ﻳﻜﻠﻒ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻓﻮﻕ ﻃﺎﻗﺘﻪ ﻓﻲ ﻟﺤﻈﺔ ﺍﻟﺬﻋﺮ ﻭﺍﻟﻔﺰﻉ
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ ﺧﻄﺄ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻳﺄﺧﺬ ﻣﻨﺤﻰ ﻣﺨﺘﻠﻔﺎً ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺸﻲﺀ ﺣﻴﺚ ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﻧﺺ ﺻﺮﻳﺢ ﻓﻲ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﻳﻨﻈﻢ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﺨﻄﺄ ﻓﻲ ﺗﻘﺪﻳﺮ ﻇﺮﻭﻑ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺑﺸﻜﻞ ﻣﺴﺘﻘﻞ ﻟﺬﺍ ﻟﺠﺄ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﻭﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺇﻟﻰ ﺗﻄﺒﻴﻖ ﺍﻟﻘﻮﺍﻋﺪ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻟﻠﺨﻄﺄ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺼﺪ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻲ ﻓﺈﺫﺍ ﺛﺒﺖ ﺃﻥ ﺧﻄﺄ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻛﺎﻥ ﻣﻌﺬﻭﺭﺍً ﻭﻟﻢ ﻳﻨﻢ ﻋﻦ ﺗﻬﻮﺭ ﺃﻭ ﺇﻫﻤﺎﻝ ﺟﺴﻴﻢ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﻗﺪ ﺗﺤﻜﻢ ﺑﺎﻧﺘﻔﺎﺀ ﺍﻟﻘﺼﺪ ﺍﻟﺠﺮﻣﻲ ﻭﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﺍﻟﺒﺮﺍﺀﺓ ﺃﻣﺎ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺨﻄﺄ ﻧﺎﺗﺠﺎً ﻋﻦ ﺇﻫﻤﺎﻝ ﺃﻭ ﺭﻋﻮﻧﺔ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﺘﻬﻢ ﻗﺪ ﻳﺤُﻜﻢ ﻋﻠﻴﻪ ﺑﺎﻟﻌﻘﻮﺑﺔ ﺍﻟﻤﻘﺮﺭﺓ ﻟﻠﺠﺮﻳﻤﺔ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﺨﻄﺄ ﻣﻊ ﺗﻄﺒﻴﻖ ﻇﺮﻭﻑ ﺍﻟﺘﺨﻔﻴﻒ ﻭﻗﺪ ﺷﻬﺪﺕ ﺍﻟﺴﺎﺣﺔ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﻣﺘﻌﺪﺩﺓ ﺣﻴﺚ ﺗﻢ ﺗﺨﻔﻴﻒ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﻋﻦ ﺃﺷﺨﺎﺹ ﺃﻃﻠﻘﻮﺍ ﺍﻟﻨﺎﺭ ﻇﻨﺎً ﻣﻨﻬﻢ ﺃﻧﻬﻢ ﻳﺘﻌﺮﺿﻮﻥ ﻟﻠﺴﺮﻗﺔ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻀﺤﻴﺔ ﻣﺠﺮﺩ ﻋﺎﺑﺮ ﺳﺒﻴﻞ ﺃﻭ ﺟﺎﺭ ﻋﺎﺩ ﻓﻲ ﻭﻗﺖ ﻣﺘﺄﺧﺮ
ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻳﺠﻤﻊ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﻨﻬﺠﻴﻦ ﻣﺴﺘﻨﺪﺍً ﺇﻟﻰ
ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻔﺮﻕ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺨﻄﺄ ﺍﻟﻌﻤﺪ ﻭﺷﺒﻪ ﺍﻟﻌﻤﺪ ﻭﺍﻟﺨﻄﺄ ﺍﻟﻤﺤﺾ ﻓﻔﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﺨﻄﺄ ﺍﻟﻤﺤﺾ ﺍﻟﻨﺎﺗﺞ ﻋﻦ ﻭﻫﻢ ﻻ ﺩﺧﻞ ﻟﻺﺭﺍﺩﺓ ﻓﻴﻪ ﻣﺜﻞ ﺃﻥ ﻳﻈﻦ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﺃﻥ ﻇﻞ ﺷﺠﺮﺓ ﻫﻮ ﻣﻌﺘﺪٍ ﻓﻲ ﺍﻟﻈﻼﻡ ﻓﻴﻄﻠﻖ ﺍﻟﻨﺎﺭ ﻋﻠﻴﻪ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﻭﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻳﻤﻴﻼﻥ ﺇﻟﻰ ﺇﺳﻘﺎﻁ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺔ ﺍﻷﺻﻠﻴﺔ ﻭﺍﻗﺘﺼﺎﺭ ﺍﻷﻣﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺪﻳﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﺘﻌﻮﻳﺾ ﺍﻟﻤﺪﻧﻲ ﺇﺫﺍ ﺗﺮﺗﺐ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺿﺮﺭ ﺃﻣﺎ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻮﻫﻢ ﻧﺎﺗﺠﺎً ﻋﻦ ﺳﻮﺀ ﺗﻘﺪﻳﺮ ﻛﺎﻥ ﻳﻤﻜﻦ ﺗﺠﻨﺒﻪ ﺑﺎﻟﺤﺬﺭ ﺍﻟﻮﺍﺟﺐ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻴﺔ ﻗﺪ ﺗﺜﻮﺭ ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﺨﻔﻔﺔ ﻭﻗﺪ ﺃﻛﺪﺕ ﺍﻟﻐﺮﻓﺔ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻴﺔ ﺑﺎﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﻓﻲ ﻋﺪﺓ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﺃﻥ ﺗﻘﺪﻳﺮ ﻣﻌﺬﻭﺭﻳﺔ ﺍﻟﺨﻄﺄ ﻫﻮ ﺃﻣﺮ ﻭﺍﻗﻌﻲ ﻳﻌﻮﺩ ﻟﻠﻘﺎﺿﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺤﻴﻂ ﺑﻤﻼﺑﺴﺎﺕ ﺍﻟﺤﺎﺩﺙ
ﻭﺗﻠﻌﺐ ﺍﻟﺨﺒﺮﺓ ﺍﻟﻔﻨﻴﺔ ﻭﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﺩﻭﺭﺍً ﻛﺒﻴﺮﺍً ﻓﻲ ﺗﻘﻴﻴﻢ ﻣﻌﺬﻭﺭﻳﺔ ﺍﻟﺨﻄﺄ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﺜﻼﺙ ﺣﻴﺚ ﻳﺘﻢ ﺍﻻﺳﺘﻌﺎﻧﺔ ﺑﺨﺒﺮﺍﺀ ﻟﺘﺤﻠﻴﻞ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﻭﻗﺖ ﺍﻟﺤﺎﺩﺙ ﻭﻣﺪﻯ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﻌﻮﺍﻣﻞ ﺍﻟﺒﻴﺌﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺇﺩﺭﺍﻛﻪ ﻟﻠﻮﺍﻗﻊ ﻓﺈﺫﺍ ﺃﺛﺒﺘﺖ ﺍﻟﺘﻘﺎﺭﻳﺮ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻛﺎﻥ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺭﻋﺐ ﺷﺪﻳﺪ ﺃﻓﻘﺪﺗﻪ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﻤﻴﻴﺰ ﺍﻟﺪﻗﻴﻖ ﻓﺈﻥ ﺫﻟﻚ ﻳﻌﺰﺯ ﻓﺮﺿﻴﺔ ﺍﻟﺨﻄﺄ ﺍﻟﻤﻌﺬﻭﺭ ﻭﻳﻘﺘﺮﺏ ﻣﻦ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻹﻛﺮﺍﻩ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺒﻴﺢ ﺍﻟﻔﻌﻞ
ﻭﻣﻦ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻘﺎﺕ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﺍﻟﻬﺎﻣﺔ ﻗﻀﻴﺔ ﻣﻦ ﺍﻋﺘﻘﺪ ﺃﻥ ﺷﺨﺼﺎً ﻳﻘﺘﺤﻢ ﻣﻨﺰﻟﻪ ﻟﻴﻼً ﻫﻮ ﻟﺺ ﺧﻄﻴﺮ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺗﺒﻴﻦ ﻻﺣﻘﺎً ﺃﻧﻪ ﺍﺑﻨﻪ ﺍﻟﺬﻱ ﻋﺎﺩ ﻣﻦ ﺳﻔﺮ ﻭﻧﺴﻲ ﺍﻟﻤﻔﺘﺎﺡ ﻓﻔﻲ ﻣﺜﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﺗﺨﺘﻠﻒ ﺍﻷﺣﻜﺎﻡ ﺑﺎﺧﺘﻼﻑ ﺩﺭﺟﺔ ﺍﻹﻫﻤﺎﻝ ﺍﻟﻤﻨﺴﻮﺑﺔ ﻟﻠﻤﺪﺍﻓﻊ ﻭﻫﻞ ﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻤﻜﻦ ﺍﻟﺘﺄﻛﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻬﻮﻳﺔ ﻗﺒﻞ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﻭﻗﺪ ﻣﺎﻝ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻣﺆﺧﺮﺍً ﺇﻟﻰ ﺗﻐﻠﻴﺐ ﺟﺎﻧﺐ ﺍﻟﺸﻚ ﻟﺼﺎﻟﺢ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻐﻠﺐ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺍﻟﻄﺎﺑﻊ ﺍﻟﻐﺮﻳﺰﻱ ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻋﻲ ﺧﺎﺻﺔ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻘﻊ ﻓﻲ ﺃﻭﻗﺎﺕ ﻣﺘﺄﺧﺮﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻴﻞ ﻭﻓﻲ ﺃﻣﺎﻛﻦ ﻣﻌﺰﻭﻟﺔ
ﺇﻥ ﻣﻌﺎﻟﺠﺔ ﺧﻄﺄ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﺗﺘﻄﻠﺐ ﺗﻮﺍﺯﻧﺎً ﺩﻗﻴﻘﺎً ﺑﻴﻦ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻣﻦ ﺍﻷﺧﻄﺎﺀ ﺍﻟﻤﺘﻬﻮﺭﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﺗﺰﻫﻖ ﺍﻷﺭﻭﺍﺡ ﺑﻼ ﻣﺒﺮﺭ ﻭﺑﻴﻦ ﻋﺪﻡ ﺗﺤﻤﻴﻞ ﺍﻷﻓﺮﺍﺩ ﻋﺐﺀً ﺛﻘﻴﻼً ﻣﻦ ﺍﻟﺤﺬﺭ ﺍﻟﻤﻔﺮﻁ ﻓﻲ ﻟﺤﻈﺎﺕ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻗﺪ ﻳﺠﻌﻠﻬﻢ ﻋﺎﺟﺰﻳﻦ ﻋﻦ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺃﻧﻔﺴﻬﻢ ﻭﻟﺬﺍ ﻓﺈﻥ ﺍﻻﺗﺠﺎﻩ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻥ ﻳﺪﻋﻮ ﺇﻟﻰ ﺗﺒﻨﻲ ﻣﻌﻴﺎﺭ “ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﻌﺎﺩﻱ ﻓﻲ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ” ﻟﺘﻘﻴﻴﻢ ﺍﻟﺨﻄﺄ ﻓﺈﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺃﻱ ﺷﺨﺺ ﻋﺎﺩﻱ placé ﻓﻲ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻤﻮﻗﻒ ﻛﺎﻥ ﺳﻴﺨﻄﺊ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﺨﻄﺄ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻳﺠﺐ ﺃﻥ ﻳﻌُﻔﻰ ﻣﻦ
ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺔ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻴﺔ fully
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺤﺎﺩﻱ ﻋﺸﺮ
ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻣﻘﺎﺑﻞ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻐﻴﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﻭﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ
ﻳﻤﺜﻞ ﺍﻟﺘﻤﻴﻴﺰ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻐﻴﺮ ﺃﺣﺪ ﺍﻟﻔﺮﻭﻕ ﺍﻟﺪﻗﻴﻘﺔ ﻭﺍﻟﻤﻬﻤﺔ ﻓﻲ ﻧﻈﺮﻳﺔ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﺣﻴﺚ ﻳﺘﻔﻖ ﺍﻟﻔﻘﻬﺎﺀ ﻭﺍﻟﻤﺸﺮﻋﻮﻥ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻭﻓﺮﻧﺴﺎ ﻋﻠﻰ ﻣﺸﺮﻭﻋﻴﺔ ﻛﻼ ﺍﻟﻨﻮﻋﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻏﻴﺮ ﺃﻥ ﻟﻜﻞ ﻣﻨﻬﻤﺎ ﺷﺮﻭﻃﺎً ﻭﺍﻋﺘﺒﺎﺭﺍﺕ ﺧﺎﺻﺔ ﺗﻨﺒﻊ ﻣﻦ ﻃﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻭﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻯ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﻣﻦ ﺩﺭﺟﺔ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺍﻟﻤﺤﺪﻕ ﺑﻜﻞ ﻣﻨﻬﻤﺎ ﻓﻔﻲ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻣﺪﺍﻓﻌﺎً ﻋﻦ ﻛﻴﺎﻧﻪ ﺍﻟﺨﺎﺹ ﻭﺣﻘﻪ ﺍﻟﻔﻄﺮﻱ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﺍﻟﺴﻼﻣﺔ ﺍﻟﺠﺴﺪﻳﺔ ﻣﻤﺎ ﻳﺠﻌﻞ ﻏﺮﻳﺰﺓ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ ﺩﺍﻓﻌﺎً ﻃﺒﻴﻌﻴﺎً ﻭﻣﻘﺒﻮﻻً ﻟﺘﺒﺮﻳﺮ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻼﺯﻣﺔ ﻟﺪﻓﻊ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻐﻴﺮ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻳﺘﺪﺧﻞ ﻟﺤﻤﺎﻳﺔ
ﺷﺨﺺ ﺁﺧﺮ ﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﻗﺮﻳﺒﺎً ﻟﻪ ﺃﻭ ﻏﺮﻳﺒﺎً ﺗﻤﺎﻣﺎً ﻭﻫﻨﺎ ﺗﺒﺮﺯ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺍﻟﺸﺮﻋﻴﺔ ﻭﺍﻻﻟﺘﺰﺍﻡ ﺍﻷﺧﻼﻗﻲ ﻟﻠﺘﺪﺧﻞ ﻓﻘﺪ ﺃﺟﻤﻊ ﺍﻟﻔﻘﻬﺎﺀ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﺟﻮﺍﺯ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻐﻴﺮ ﺑﻞ ﻭﺍﺳﺘﺤﺒﻮﻩ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﺧﺎﺻﺔ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻯ ﻋﻠﻴﻪ ﻋﺎﺟﺰﺍً ﻋﻦ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻪ ﻛﻄﻔﻞ ﺃﻭ ﺍﻣﺮﺃﺓ ﺃﻭ ﺷﻴﺦ ﻛﺒﻴﺮ ﻭﻗﺪ ﺍﺳﺘﻨﺪﻭﺍ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺇﻟﻰ ﻣﺒﺪﺃ ﺍﻟﺘﻜﺎﻓﻞ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻭﺍﻷﻣﺮ ﺑﺎﻟﻤﻌﺮﻭﻑ ﻭﺍﻟﻨﻬﻲ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﻨﻜﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﺪ ﺭﻛﻴﺰﺓ ﺃﺳﺎﺳﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻭﻓﻲ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﺍﻟﺴﺎﺋﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻭﻣﺼﺮ ﺗﻔﺼﻴﻞ ﻣﻬﻢ ﺣﻴﺚ ﻳﻤﻴﺰ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻴﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺴﻠﻢ ﻭﻋﻦ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﺴﻠﻢ ﻓﻲ ﺩﺍﺭ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻓﺎﻷﻭﻝ ﻭﺍﺟﺐ ﺷﺮﻋﻲ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﺟﺎﺋﺰ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﻳﻘﻴﻢ ﻣﻊ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻓﻲ ﺫﻣﺔ ﺃﻭ ﻋﻬﺪ
ﻭﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻳﻨﺺ ﺻﺮﺍﺣﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ 5-122 ﻣﻦ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﺴﺆﻭﻻً ﺟﻨﺎﺋﻴﺎً ﺇﺫﺍ acted ﺩﻓﺎﻋﺎً ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻪ ﺃﻭ ﻋﻦ ﻏﻴﺮﻩ ﺿﺪ ﺍﻋﺘﺪﺍﺀ ﺣﺎﻝ ﻭﻏﻴﺮ ﻣﺸﺮﻭﻉ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﻭﻗﺪ ﻭﺳﻊ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺩﺍﺋﺮﺓ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻐﻴﺮ ﻟﺘﺸﻤﻞ ﺃﻱ ﺷﺨﺺ ﺑﻐﺾ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻋﻦ ﺻﻠﺔ ﺍﻟﻘﺮﺍﺑﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﻣﻤﺎ ﻳﻌﻜﺲ ﻗﻴﻤﺔ ﺍﻟﺘﻀﺎﻣﻦ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ
ﺍﻟﻐﺮﺑﻲ ﻭﻣﻊ ﺫﻟﻚ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻳﺸﺘﺮﻁ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺗﺪﺧﻞ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﺿﺮﻭﺭﻳﺎً ﻓﻌﻠﻴﺎً ﻭﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻯ ﻋﻠﻴﻪ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﻋﺠﺰ ﺣﻘﻴﻘﻲ ﺃﻭ ﻇﺎﻫﺮ ﻋﻦ ﺩﻓﻊ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺑﻨﻔﺴﻪ ﻭﺇﻻ ﺍﻋﺘﺒﺮ ﺍﻟﺘﺪﺧﻞ ﺗﻌﺪﻳﺎً ﻋﻠﻰ ﺣﻖ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﻓﻲ ﺇﺩﺍﺭﺓ ﺷﺆﻭﻧﻪ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ 249 ﻣﻦ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺗﺸﻤﻞ ﺻﺮﺍﺣﺔ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺍﻟﻐﻴﺮ ﻋﻠﻰ ﺣﺪ ﺳﻮﺍﺀ ﻭﻗﺪ ﻓﺴﺮ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﺺ ﺑﺘﻮﺳﻊ ﻟﻴﺸﻤﻞ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺃﻱ ﺷﺨﺺ ﻳﺘﻌﺮﺽ ﻟﺨﻄﺮ ﺣﺎﻝ ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﻛﺎﻥ ﻏﺮﻳﺒﺎً ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﺗﻤﺎﻣﺎً ﻏﻴﺮ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﺗﻄﻠﺐ ﺇﺛﺒﺎﺗﺎً ﺃﻗﻮﻯ ﻟﺸﺮﻁ ﺍﻟﺤﺎﻟﻴﺔ ﻭﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻐﻴﺮ ﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﺑﺎﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺫﻟﻚ ﻟﺘﻔﺎﺩﻱ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺬﺭﻳﻊ ﻓﻲ ﺗﺼﻔﻴﺔ ﺍﻟﺤﺴﺎﺑﺎﺕ ﺃﻭ ﺍﻟﺘﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﻣﺸﺎﺟﺮﺍﺕ ﻻ ﻣﺒﺮﺭ ﻟﻬﺎ ﻭﻗﺪ ﺃﻛﺪﺕ ﻣﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﻓﻲ ﻋﺪﺓ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻋﻦ ﺍﻟﻐﻴﺮ ﻳﺠﺐ ﺃﻥ ﻳﺘﺼﺮﻑ ﺑﻤﻨﻄﻖ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻻ ﺑﺎﻟﻌﺎﻃﻔﺔ ﺃﻭ ﺍﻻﻧﺪﻓﺎﻉ
ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻳﺠﻤﻊ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻨﺺ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻤﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻭﺍﻟﺮﻭﺡ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﺚ
ﻋﻠﻰ ﻧﺼﺮﺓ ﺍﻟﻤﻈﻠﻮﻡ ﻣﻤﺎ ﻳﻨﺘﺞ ﻋﻨﻪ ﺍﺟﺘﻬﺎﺩﺍﺕ ﻗﻀﺎﺋﻴﺔ ﺗﻮﺍﺯﻥ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺤﺮﻓﻴﺔ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﻘﻴﻤﺔ ﺍﻷﺧﻼﻗﻴﺔ ﻓﻔﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﺍﻟﻤﻌﻨﻔﺎﺕ ﺃﻭ ﺍﻷﻃﻔﺎﻝ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻯ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻳﻤﻴﻞ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﺇﻟﻰ ﻗﺒﻮﻝ ﺩﻓﻮﻉ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻐﻴﺮ ﺑﺘﻮﺳﻊ ﻣﻌﻘﻮﻝ ﻣﺮﺍﻋﺎﺓ ﻟﻠﻌﺠﺰ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲ ﻟﻬﺬﻩ ﺍﻟﻔﺌﺎﺕ ﻭﻗﺪﺭﺗﻬﻢ ﺍﻟﻤﺤﺪﻭﺩﺓ ﻋﻠﻰ ﺩﻓﻊ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺑﺄﻧﻔﺴﻬﻢ ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﺗﻮﻟﻲ ﻋﻨﺎﻳﺔ ﺧﺎﺻﺔ ﻟﻠﺘﺤﻘﻖ ﻣﻦ ﻧﻴﺔ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻋﻦ ﺍﻟﻐﻴﺮ ﻫﻞ ﻛﺎﻧﺖ ﺧﺎﻟﺼﺔ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﺃﻡ ﻛﺎﻧﺖ ﺳﺘﺎﺭﺍً ﻟﻼﻧﺘﻘﺎﻡ ﺃﻭ ﺍﻟﺘﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺷﺆﻭﻥ ﺍﻵﺧﺮﻳﻦ
ﻭﻣﻦ ﺍﻹﺷﻜﺎﻟﻴﺎﺕ ﺍﻟﻤﺸﺘﺮﻛﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎﺕ ﺍﻟﺜﻼﺛﺔ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺗﺠﺎﻭﺯ ﺣﺪﻭﺩ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﺘﺪﺧﻞ ﻟﺤﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻐﻴﺮ ﻓﺒﻴﻨﻤﺎ ﻳﻐُﻔﺮ ﻟﻠﻤﺪﺍﻓﻊ ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻪ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺘﺠﺎﻭﺯ ﺍﻟﻨﺎﺗﺞ ﻋﻦ ﺍﻟﻔﺰﻉ ﻭﺍﻟﺬﻋﺮ ﺍﻟﺸﺨﺼﻲ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻋﻦ ﺍﻟﻐﻴﺮ ﻳﺘُﻮﻗﻊ ﻣﻨﻪ ﺩﺭﺟﺔ ﺃﻋﻠﻰ ﻣﻦ ﺍﻟﻬﺪﻭﺀ ﻭﺍﻟﺘﻌﻘﻞ ﻧﻈﺮﺍً ﻷﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﻃﺮﻓﺎً ﻣﺒﺎﺷﺮﺍً ﻓﻲ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﻭﻗﺪ ﻳﺆﺩﻱ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻮﻗﻊ ﺇﻟﻰ ﺗﺸﺪﻳﺪ ﺍﻟﺮﻗﺎﺑﺔ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻓﻌﺎﻟﻪ ﻭﺗﻘﻴﻴﻢ ﺃﻛﺜﺮ ﺻﺮﺍﻣﺔ ﻟﺸﺮﻁ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﻓﻲ ﻭﺳﻴﻠﺘﻪ ﻭﻣﻊ ﺫﻟﻚ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﺍﻟﻨﻔﺴﻲ ﻗﺪ ﻳﻔﺮﺽ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻋﻦ ﻗﺮﻳﺐ ﻟﻪ ﻛﺎﻟﺰﻭﺟﺔ ﺃﻭ ﺍﻻﺑﻦ ﻗﺪ ﻳﺼﺎﺏ ﺑﺬﻋﺮ ﻻ ﻳﻘﻞ ﻋﻦ ﺫﻋﺮ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻯ ﻋﻠﻴﻪ
ﻧﻔﺴﻪ ﻣﻤﺎ ﻳﺴﺘﻮﺟﺐ ﻣﺮﺍﻋﺎﺓ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻋﻨﺪ ﺗﻘﻴﻴﻢ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ
ﻛﻤﺎ ﺗﺒﺮﺯ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺍﻟﺘﻌﻮﻳﺾ ﺍﻟﻤﺪﻧﻲ ﻓﻲ ﺣﺎﻝ ﺧﻄﺄ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻋﻦ ﺍﻟﻐﻴﺮ ﻓﺈﺫﺍ ﺗﺴﺒﺐ ﺩﻓﺎﻋﻪ ﻓﻲ ﺿﺮﺭ ﻟﺒﺮﻱﺀ ﺃﻭ ﺗﺠﺎﻭﺯ ﺍﻟﺤﺪﻭﺩ ﺍﻟﻤﺒﺎﺣﺔ ﻓﻤﻦ ﻳﺘﺤﻤﻞ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ؟ ﻓﻲ ﻓﺮﻧﺴﺎ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺘﺤﻤﻞ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻣﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﻣﺪﻧﻴﺔ ﺇﺫﺍ ﺛﺒﺖ ﺇﻫﻤﺎﻟﻪ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻗﺪ ﺗﻨﺘﻘﻞ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺘﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺇﻃﺎﺭ ﻭﺍﺟﺐ ﺍﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﺃﻭ ﺃﺧﻼﻗﻲ ﻣﻘﺪﺭ ﻭﻗﺪ ﻧﻈﻢ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻓﻲ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻹﺟﺮﺍﺀﺍﺕ ﺍﻟﻤﺪﻧﻴﺔ ﻭﺍﻹﺩﺍﺭﻳﺔ ﺑﻌﺾ ﺍﻷﺣﻜﺎﻡ ﺍﻟﻤﺘﻌﻠﻘﺔ ﺑﺎﻟﺘﻌﻮﻳﺾ ﻋﻦ ﺍﻷﺿﺮﺍﺭ ﺍﻟﻨﺎﺗﺠﺔ ﻋﻦ ﺃﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻉ ﻣﻤﺎ ﻳﻮﻓﺮ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﻗﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﻟﻠﻤﺪﺍﻓﻊ ﺣﺴﻦ ﺍﻟﻨﻴﺔ
ﺇﻥ ﺗﻄﻮﺭ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻐﻴﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎﺕ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻧﺔ ﻳﻌﻜﺲ ﺗﺰﺍﻳﺪ ﺍﻟﻮﻋﻲ ﺑﺄﻫﻤﻴﺔ ﺍﻟﺘﻀﺎﻣﻦ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻓﻲ ﻣﻮﺍﺟﻬﺔ ﺍﻟﺠﺮﻳﻤﺔ ﻭﺍﻟﻌﻨﻒ ﻓﺒﺪﻻً ﻣﻦ ﺗﺮﻙ ﺍﻟﻀﺤﺎﻳﺎ ﻳﻮﺍﺟﻬﻮﻥ ﻣﻌﺘﺪﻳﻬﻢ ﻭﺣﻴﺪﻳﻦ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﺗﺸﺠﻊ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺪﺧﻞ ﺍﻹﻳﺠﺎﺑﻲ ﻹﻧﻘﺎﺫ ﺍﻵﺧﺮﻳﻦ ﻣﻊ ﻭﺿﻊ ﺿﻮﺍﺑﻂ ﺗﻤﻨﻊ ﺇﺳﺎﺀﺓ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﻫﺬﺍ
ﺍﻟﺘﻮﺍﺯﻥ ﺍﻟﺪﻗﻴﻖ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺘﺸﺠﻴﻊ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﺼﺮﺓ ﻭﻣﻨﻊ ﺍﻟﻔﻮﺿﻰ ﻫﻮ ﺟﻮﻫﺮ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﻓﻲ ﻧﻈﺮﻳﺔ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻋﺸﺮ
ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻭﺍﻟﻌﺮﺽ ﻭﺣﺪﻭﺩ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ
ﻳﺤﺘﻞ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻭﺍﻟﻌﺮﺽ ﻣﻜﺎﻧﺔ ﺧﺎﺻﺔ ﻓﻲ ﻧﻈﺮﻳﺔ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﺣﻴﺚ ﻳﺨﺘﻠﻒ ﺍﻟﺤﻜﻢ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ ﻭﺍﻟﻔﻘﻬﻲ ﺣﻮﻟﻬﻤﺎ ﺍﺧﺘﻼﻓﺎً ﺟﻮﻫﺮﻳﺎً ﻋﻦ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻧﻈﺮﺍً ﻟﺘﺒﺎﻳﻦ ﻗﻴﻤﺔ ﺍﻟﻤﺼﺎﻟﺢ ﺍﻟﻤﺤﻤﻴﺔ ﻭﺩﺭﺟﺔ ﺍﻟﺨﻄﻮﺭﺓ ﺍﻟﻤﺘﺮﺗﺒﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻋﻠﻴﻬﻤﺎ ﻓﻔﻲ ﺣﻴﻦ ﺃﻥ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﻣﺼﻮﻧﺔ ﻭﻻ ﺗﻌﻮﺽ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻭﺍﻟﻌﺮﺽ ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻧﺎ ﻣﺤﻤﻴﻴﻦ ﺷﺮﻋﺎً ﻭﻗﺎﻧﻮﻧﺎً ﺇﻻ ﺃﻥ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻨﻬﻤﺎ ﻳﺨﻀﻊ ﻟﻘﻴﻮﺩ ﺃﺷﺪ ﻭﺍﺷﺘﺮﺍﻃﺎﺕ ﺃﺩﻕ ﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﺘﻮﺍﺯﻥ ﺑﻴﻦ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﺤﻘﻮﻕ
ﺍﻟﻌﻨﻒ escalation ﻭﻣﻨﻊ
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻭﺑﺨﺎﺻﺔ ﺍﻟﻤﺬﻫﺐ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﻭﺍﻟﺤﻨﺒﻠﻲ ﻓﻘﺪ ﻓﺼﻞ ﺍﻟﻔﻘﻬﺎﺀ ﺗﻔﺼﻴﻼً ﺩﻗﻴﻘﺎً ﻓﻲ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻭﺍﻟﻌﺮﺽ ﻓﺄﻣﺎ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﻭﻫﻮ ﻳﺸﻤﻞ
ﺍﻟﺸﺮﻑ ﻭﺍﻟﻜﺮﺍﻣﺔ ﻭﺍﻟﺠﺴﺪ ﻣﻦ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀﺍﺕ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ ﻭﺍﻟﺠﻨﺴﻴﺔ ﻓﻘﺪ ﺃﺟﻤﻊ ﺍﻟﻔﻘﻬﺎﺀ ﻋﻠﻰ ﺟﻮﺍﺯ ﺩﻓﻊ ﺍﻟﺼﺎﺋﻞ ﻋﻨﻪ ﺑﻜﻞ ﻭﺳﻴﻠﺔ ﺑﻤﺎ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﺇﺫﺍ ﻟﻢ ﻳﻤﻜﻦ ﺩﻓﻌﻪ ﺑﺄﻗﻞ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﻣﺴﺘﻨﺪﻳﻦ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺍﻟﻨﺒﻮﻱ ﻣﻦ ﻗﺘﻞ ﺩﻭﻥ ﻋﺮﺿﻪ ﻓﻬﻮ ﺷﻬﻴﺪ ﻭﺃﻣﺎ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻓﻘﺪ ﺍﺧﺘﻠﻒ ﺍﻟﻔﻘﻬﺎﺀ ﻓﻲ ﺟﻮﺍﺯ ﻗﺘﺎﻝ ﺍﻟﺴﺎﺋﻞ ﻋﻨﻪ ﻓﺬﻫﺐ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻴﺔ ﺇﻟﻰ ﺟﻮﺍﺯ ﻗﺘﺎﻝ ﻣﻦ ﻳﺪﺧﻞ ﺍﻟﺪﺍﺭ ﻟﻴﻼً ﺑﻘﺼﺪ ﺍﻟﺴﺮﻗﺔ ﺣﺘﻰ ﻭﻟﻮ ﻟﻢ ﻳﺒﺪِ ﻋﺪﻭﺍﻧﺎً ﻣﺒﺎﺷﺮﺍً ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺫﻟﻚ ﻟﻘﺮﻳﻨﺔ ﺍﻟﺨﻄﻮﺭﺓ ﺍﻟﻜﺎﻣﻨﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺴﻠﻞ ﻟﻴﻼً ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻗﻴﺪﻭﺍ ﺫﻟﻚ ﻧﻬﺎﺭﺍً ﺑﻀﺮﻭﺭﺓ ﻭﺟﻮﺩ ﻣﻘﺎﻭﻣﺔ ﻓﻌﻠﻴﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﺎﺭﻕ ﺃﻭ ﺗﻬﺪﻳﺪ ﻣﺒﺎﺷﺮ ﻟﻠﺤﻴﺎﺓ
ﻭﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻳﻨﻈﻢ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺿﻤﻦ ﺍﻹﻃﺎﺭ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻟﻜﻦ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻳﻔﺮﺽ ﺷﺮﻭﻃﺎً ﺃﺷﺪ ﻟﺼﺤﺔ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﺑﺎﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻓﻴﺸﺘﺮﻁ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻣﺼﺤﻮﺑﺎً ﺑﻌﻨﻒ ﺃﻭ ﺗﻬﺪﻳﺪ ﺑﺎﻟﻌﻨﻒ ﺃﻭ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﺪﺧﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻉ ﻣﺼﺤﻮﺑﺎً ﺑﻈﺮﻭﻑ ﺗﺰﻳﺪ ﻣﻦ ﺧﻄﻮﺭﺗﻪ ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﻓﻲ ﻭﺳﻴﻠﺔ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻳﻘُﺎﺱ ﺑﺪﻗﺔ ﺃﻛﺒﺮ ﻓﻼ ﻳﺠﻮﺯ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﺴﻼﺡ ﺍﻟﻨﺎﺭﻱ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺃﺷﻴﺎﺀ ﺗﺎﻓﻬﺔ ﺍﻟﻘﻴﻤﺔ ﺇﻻ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺫﻟﻚ ﺿﺮﻭﺭﻳﺎً ﻟﺪﻓﻊ ﺧﻄﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﻣﺼﺎﺣﺐ ﻟﻠﺴﺮﻗﺔ ﻭﻗﺪ
ﺃﻛﺪﺕ ﻣﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﺃﻥ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻤﺼﺎﻟﺢ ﺍﻟﻤﺎﻟﻴﺔ ﻻ ﺗﺒﺮﺭ ﺍﻟﺘﻀﺤﻴﺔ ﺑﺎﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﺇﻻ ﻓﻲ ﺃﺿﻴﻖ ﺍﻟﺤﺪﻭﺩ
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ 249 ﻣﻦ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺗﺸﻤﻞ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺻﺮﺍﺣﺔ ﻟﻜﻦ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻗﻴﺪ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﻖ ﺑﺸﺮﻭﻁ ﺻﺎﺭﻣﺔ ﺃﻫﻤﻬﺎ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺣﺎﻻً ﻭﻏﻴﺮ ﻣﺸﺮﻭﻉ ﻭﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻫﻮ ﺍﻟﺴﺒﻴﻞ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪ ﻟﺤﻤﺎﻳﺘﻪ ﻭﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﺍﻟﻮﺳﻴﻠﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﺨﺪﻣﺔ ﻣﺘﻨﺎﺳﺒﺔ ﻣﻊ ﻗﻴﻤﺔ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻭﺧﻄﻮﺭﺓ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻭﻗﺪ ﺭﻓﻀﺖ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﻓﻲ ﻣﻌﻈﻢ ﺍﻷﺣﻜﺎﻡ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻤﻤﻴﺘﺔ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺃﻣﻮﺍﻝ ﻏﻴﺮ ﺟﻮﻫﺮﻳﺔ ﺇﻻ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﺴﺮﻗﺔ ﺑﺎﻹﻛﺮﺍﻩ ﺃﻭ ﺍﻟﻠﻴﺎﻟﻴﺔ ﺍﻟﻤﻘﺘﺮﻧﺔ ﺑﺎﻟﻌﻨﻒ ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻳﻔُﻬﻢ ﺑﺸﻜﻞ ﻭﺍﺳﻊ ﻟﻴﺸﻤﻞ ﺍﻟﺤﻤﺎﻳﺔ ﻣﻦ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀﺍﺕ ﺍﻟﺠﻨﺴﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﻬﺪﻳﺪﺍﺕ ﺍﻟﻤﺎﺳﺔ ﺑﺎﻟﻜﺮﺍﻣﺔ ﻭﻗﺪ ﺑﺮﺃﺕ ﻣﺤﺎﻛﻢ ﻣﺼﺮﻳﺔ ﻣﺘﻬﻤﻴﻦ ﺍﺳﺘﺨﺪﻣﻮﺍ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺃﻋﺮﺍﺿﻬﻢ ﺃﻭ ﺃﻋﺮﺍﺽ ﺫﻭﻳﻬﻢ ﻓﻲ ﻇﺮﻭﻑ ﺍﺳﺘﺜﻨﺎﺋﻴﺔ
ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻳﻤﺰﺝ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﻭﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺑﻴﻦ ﺍﻷﺻﺎﻟﺔ ﺍﻟﻔﻘﻬﻴﺔ ﻭﺍﻟﺪﻗﺔ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻓﻲ ﺗﻨﻈﻴﻢ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ
ﻭﺍﻟﻌﺮﺽ ﻓﺒﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻠﻌﺮﺽ ﻳﺄﺧﺬ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﺑﻤﻨﻈﻮﺭ ﻭﺍﺳﻊ ﻣﺴﺘﻤﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻳﺠﻌﻞ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻨﻪ ﻭﺍﺟﺒﺎً ﻣﻘﺪﺳﺎً ﻳﺒﻴﺢ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻼﺯﻣﺔ ﺑﻤﺎ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺫﻟﻚ ﻫﻮ ﺍﻟﺴﺒﻴﻞ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪ ﻟﺪﺭﺀ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﺠﻨﺴﻲ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱ ﺍﻟﺸﺪﻳﺪ ﻭﺃﻣﺎ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻓﻴﺨﻀﻊ ﻟﺘﻘﻴﻴﻢ ﺩﻗﻴﻖ ﻟﻘﻴﻤﺘﻪ ﻭﻇﺮﻭﻑ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻋﻠﻴﻪ ﻓﻘﺪ ﺑﺮﺃﺕ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﻣﺘﻬﻤﻴﻦ ﻗﺘﻠﻮﺍ ﻟﺼﻮﺻﺎً ﻟﻴﻼً ﺩﺧﻠﻮﺍ ﻣﻨﺎﺯﻟﻬﻢ ﻣﺴﻠﺤﻴﻦ ﻣﻌﺘﺒﺮﺓ ﺃﻥ ﺍﻟﻈﻼﻡ ﻭﺍﻟﺘﺴﻠﺢ ﻳﻮﻓﺮﺍﻥ ﻗﺮﻳﻨﺔ ﺧﻄﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺗﺒﺮﺭ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻘﺼﻮﻯ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺷﺪﺩﺕ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﺴﺮﻗﺔ ﺍﻟﺒﺴﻴﻄﺔ ﻧﻬﺎﺭﺍً ﺩﻭﻥ ﺗﻬﺪﻳﺪ ﻣﺒﺎﺷﺮ
ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺸﺎﺋﻜﺔ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﺎﺏ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﺃﻭ ﺃﻣﻮﺍﻝ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺣﻴﺚ ﺗﺜﺎﺭ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻣﺎ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﻟﻸﻓﺮﺍﺩ ﺣﻖ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﻤﺘﻠﻜﺎﺕ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﺑﻨﻔﺲ ﺍﻟﻘﺪﺭ ﺍﻟﻤﻤﻨﻮﺡ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﻤﺘﻠﻜﺎﺕ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﻭﻗﺪ ﻣﺎﻝ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﺇﻟﻰ ﺗﻘﻴﻴﺪ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﺍﻗﺘﺼﺎﺭﻩ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻮﻇﻔﻴﻦ ﺍﻟﻤﻜﻠﻔﻴﻦ ﺑﺤﺮﺍﺳﺔ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻣﻮﺍﻝ ﻓﻲ ﺇﻃﺎﺭ ﻭﻇﺎﺋﻔﻬﻢ ﺍﻟﺮﺳﻤﻴﺔ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﺒﻘﻰ ﻟﻸﻓﺮﺍﺩ ﺣﻖ ﺍﻹﺑﻼﻍ ﻭﺍﻟﻤﻘﺎﻭﻣﺔ ﺍﻟﺴﻠﻤﻴﺔ ﺩﻭﻥ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻤﻤﻴﺘﺔ ﺇﻻ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻣﺼﺤﻮﺑﺎً ﺑﺘﻬﺪﻳﺪ ﻣﺒﺎﺷﺮ ﻟﺤﻴﺎﺗﻬﻢ
ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﻄﻮﺭ ﺍﻟﺘﻜﻨﻮﻟﻮﺟﻲ ﺃﺿﺎﻑ ﺑﻌﺪﺍً ﺟﺪﻳﺪﺍً ﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻭﺍﻟﻌﺮﺽ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺼﺮ ﺍﻟﺮﻗﻤﻲ ﻓﺎﻻﻋﺘﺪﺍﺀﺍﺕ ﺍﻹﻟﻜﺘﺮﻭﻧﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺒﻴﺎﻧﺎﺕ ﺍﻟﻤﺎﻟﻴﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﺴﻤﻌﺔ ﻋﺒﺮ ﺍﻹﻧﺘﺮﻧﺖ ﺗﻄﺮﺡ ﺇﺷﻜﺎﻟﻴﺎﺕ ﺣﻮﻝ ﻣﺸﺮﻭﻋﻴﺔ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﻤﺘﺎﺣﺔ ﻓﻬﻞ ﻳﺠﻮﺯ ﻟﻠﻤﻌﺘﺪﻯ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﺧﺘﺮﺍﻕ ﻧﻈﺎﻡ ﺍﻟﻤﻬﺎﺟﻢ ﺍﻹﻟﻜﺘﺮﻭﻧﻲ ﺭﺩﺍً ﻋﻠﻰ ﻫﺠﻮﻣﻪ؟ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺴﺎﺋﻞ ﻻ ﺗﺰﺍﻝ ﻓﻲ ﻃﻮﺭ ﺍﻟﺘﻜﻮﻳﻦ ﺍﻟﻔﻘﻬﻲ ﻭﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﺜﻼﺙ ﻭﺗﺘﻄﻠﺐ ﺗﻄﻮﻳﺮﺍً ﺗﺸﺮﻳﻌﻴﺎً ﻳﻮﺍﻛﺐ ﺍﻟﻤﺴﺘﺠﺪﺍﺕ ﺍﻟﺘﻘﻨﻴﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﺤﻔﺎﻅ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ
ﺇﻥ ﺗﺤﺪﻳﺪ ﺣﺪﻭﺩ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻭﺍﻟﻌﺮﺽ ﻳﺘﻄﻠﺐ ﻣﻮﺍﺯﻧﺔ ﺣﻜﻴﻤﺔ ﺑﻴﻦ ﻗﻴﻤﺔ ﺍﻟﻤﺼﻠﺤﺔ ﺍﻟﻤﺤﻤﻴﺔ ﻭﺧﻄﻮﺭﺓ ﺍﻟﻮﺳﻴﻠﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﺨﺪﻣﺔ ﻓﺒﻴﻨﻤﺎ ﺗﺒﻴﺢ ﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻭﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﺘﻀﺤﻴﺔ ﺑﺎﻟﻤﺎﻝ ﻹﻧﻘﺎﺫ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻻ ﻳﺒﻴﺤﺎﻥ ﺍﻟﺘﻀﺤﻴﺔ ﺑﺎﻟﻨﻔﺲ ﻹﻧﻘﺎﺫ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﺇﻻ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﺳﺘﺜﻨﺎﺋﻴﺔ ﻣﺤﺪﺩﺓ ﻭﻫﺬﻩ ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺓ ﺍﻟﺬﻫﺒﻴﺔ ﻫﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺠﺐ ﺃﻥ ﻳﺴﺘﺮﺷﺪ ﺑﻬﺎ ﺍﻟﻘﻀﺎﺓ ﻭﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﻭﺍﻟﻤﺤﺎﻣﻴﻦ ﻋﻨﺪ ﺗﻄﺒﻴﻖ ﻧﺼﻮﺹ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺠﺎﻝ ﺍﻟﺤﺴﺎﺱ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ ﻋﺸﺮ
ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻛﺴﺒﺐ ﻣﻦ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ
ﺗﻌُﺪ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻣﻦ ﺃﻭﺳﻊ ﻭﺃﺩﻕ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﺣﻴﺚ ﺗﺒﻴﺢ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ ﺍﺭﺗﻜﺎﺏ ﻓﻌﻞ ﻣﻤﻨﻮﻉ ﻓﻲ ﺍﻷﺻﻞ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﻮﺍﺟﻪ ﻇﺮﻭﻓﺎً ﺍﺳﺘﺜﻨﺎﺋﻴﺔ ﺗﻬﺪﺩ ﻣﺼﻠﺤﺔ ﺃﻋﻠﻰ ﻭﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺩﻓﻊ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺇﻻ ﺑﺎﺭﺗﻜﺎﺏ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻭﻗﺪ ﺍﺳﺘﻨﺪ ﺍﻟﻔﻘﻬﺎﺀ ﻓﻲ ﺗﺄﺻﻴﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﺇﻟﻰ ﻧﺼﻮﺹ ﻗﺮﺁﻧﻴﺔ ﺻﺮﻳﺤﺔ ﻣﺜﻞ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻓﻤﻦ ﺍﺿﻄﺮ ﻏﻴﺮ ﺑﺎﻍ ﻭﻻ ﻋﺎﺩ ﻓﻼ ﺇﺛﻢ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﻗﺎﻋﺪﺓ ﻓﻘﻬﻴﺔ ﻛﻠﻴﺔ ﻫﻲ ﺃﻥ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺍﺕ ﺗﺒﻴﺢ ﺍﻟﻤﺤﻈﻮﺭﺍﺕ ﻭﺃﻥ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺗﻘﺪﺭ ﺑﻘﺪﺭﻫﺎ
ﻭﻓﻲ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺆﺛﺮ ﺑﺸﻜﻞ ﻣﺒﺎﺷﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻭﺃﺟﺰﺍﺀ ﻣﻦ ﻣﺼﺮ ﻧﺠﺪ ﺗﻔﺼﻴﻼً ﺛﺮﻳﺎً ﻟﺤﺎﻻﺕ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺣﻴﺚ ﻳﻤﻴﺰ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻴﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻬﺪﺩ ﺣﻴﺎﺓ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﺃﻭ ﺳﻼﻣﺘﻪ ﺍﻟﺠﺴﺪﻳﺔ ﻭﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻬﺪﺩ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﺼﺎﻟﺢ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﻟﻸﻣﺔ ﻓﺄﻣﺎ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﻓﺘﺒﻴﺢ ﺃﻛﻞ ﺍﻟﻤﻴﺘﺔ ﺃﻭ
ﺷﺮﺏ ﺍﻟﺨﻤﺮ ﻟﻠﺘﺪﺍﻭﻱ ﺃﻭ ﺇﺗﻼﻑ ﻣﺎﻝ ﺍﻟﻐﻴﺮ ﻹﻧﻘﺎﺫ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻣﻦ ﺍﻟﻬﻼﻙ ﺑﺸﺮﻁ ﺃﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﺑﺪﻳﻞ ﻣﺒﺎﺡ ﻭﺃﻻ ﻳﺘﺠﺎﻭﺯ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺣﺪ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﻘﺼﻮﻯ ﻭﺃﻣﺎ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻓﺘﺒﻴﺢ ﻟﻺﻣﺎﻡ ﺃﻭ ﻭﻟﻲ ﺍﻷﻣﺮ ﺍﺗﺨﺎﺫ ﺇﺟﺮﺍﺀﺍﺕ ﺍﺳﺘﺜﻨﺎﺋﻴﺔ ﻗﺪ ﺗﺨﺎﻟﻒ ﺍﻟﻘﻮﺍﻋﺪ ﺍﻟﻌﺎﺩﻳﺔ ﻟﺤﻤﺎﻳﺔ ﻛﻴﺎﻥ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺃﻭ ﺩﻓﻊ ﻓﺘﻨﺔ ﻋﺎﻣﺔ
ﻭﻣﻦ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻘﺎﺕ ﺍﻟﻤﻬﻤﺔ ﻟﺤﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﻳﺎﺕ ﺍﻟﺨﻤﺲ ﻭﻫﻲ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻭﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭﺍﻟﻨﺴﻞ ﻭﺍﻟﻤﺎﻝ ﻓﻘﺪ ﺃﺟﻤﻊ ﺍﻟﻔﻘﻬﺎﺀ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺣﻔﻆ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻜﻠﻴﺎﺕ ﻫﻮ ﺍﻟﻬﺪﻑ ﺍﻷﺳﻤﻰ ﻟﻠﺸﺮﻳﻌﺔ ﻭﺃﻥ ﺃﻱ ﻓﻌﻞ ﻳﻬﺪﻑ ﺇﻟﻰ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺇﺣﺪﺍﻫﺎ ﻣﻦ ﺧﻄﺮ ﺩﺍﻫﻢ ﻳﻜﺘﺴﺐ ﺻﻔﺔ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﺇﺫﺍ ﺗﻮﺍﻓﺮﺕ ﺷﺮﻭﻁ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻴﺔ ﻭﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﻧﺸﺄ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﺠﻬﺎﺩ ﺍﻟﺪﻓﺎﻋﻲ ﻛﺼﻮﺭﺓ ﺟﻤﺎﻋﻴﺔ ﻟﻠﻀﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺒﻴﺢ ﺍﻟﻘﺘﺎﻝ ﻟﺪﻓﻊ ﺍﻟﻌﺪﻭﺍﻥ ﻋﻦ ﺍﻷﻣﺔ
ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻳﻔﺮﻕ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﻤﻠﺤﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﺤﺘﻤﻞ ﺍﻟﺘﺄﺧﻴﺮ ﻭﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﻤﺘﻮﻗﻌﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻤﻜﻦ ﺗﺪﺍﺭﻛﻬﺎ ﺑﻮﺳﺎﺋﻞ ﻋﺎﺩﻳﺔ ﻓﺎﻷﻭﻟﻰ ﺗﺒﻴﺢ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻓﻮﺭﺍً ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﺗﺘﻄﻠﺐ ﺍﺳﺘﻨﻔﺎﺩ ﺍﻟﻮﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻋﺔ ﺃﻭﻻً ﻭﻗﺪ ﺭﺑﻂ ﺍﻟﻔﻘﻬﺎﺀ ﺑﻴﻦ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻭﺣﺴﻦ ﺍﻟﻨﻴﺔ ﻓﻼﺑﺪ ﺃﻥ
ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﺪﺍﻓﻊ ﻟﻠﻔﻌﻞ ﺍﻟﻤﺒﺎﺡ ﻫﻮ ﺩﻓﻊ ﺍﻟﻀﺮﺭ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﻻ ﺍﺳﺘﻐﻼﻝ ﺍﻟﻈﺮﻑ ﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﻣﺂﺭﺏ ﺷﺨﺼﻴﺔ ﺃﻭ ﺇﻟﺤﺎﻕ ﺍﻟﻀﺮﺭ ﺑﺎﻟﻐﻴﺮ
ﻭﻓﻲ ﻣﺠﺎﻝ ﺍﻟﻄﺐ ﻭﺍﻟﻌﻠﻮﻡ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﺃﺛﺎﺭ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮ ﺗﻄﺒﻴﻘﺎﺕ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﻟﺤﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻣﺜﻞ ﺟﻮﺍﺯ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﺢ ﻷﻏﺮﺍﺽ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﺍﻟﻄﺒﻲ ﺃﻭ ﺍﻟﺒﺤﺚ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻲ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺗﻘﺘﻀﻲ ﺫﻟﻚ ﻭﺟﻮﺍﺯ ﻧﻘﻞ ﺍﻷﻋﻀﺎﺀ ﻣﻦ ﻣﻴﺖ ﺇﻟﻰ ﺣﻲ ﻹﻧﻘﺎﺫ ﺣﻴﺎﺓ ﺍﻟﻤﺤﺘﺎﺝ ﻭﺟﻮﺍﺯ ﺍﻹﺟﻬﺎﺽ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﻋﻠﻰ ﺣﻴﺎﺓ ﺍﻷﻡ ﻭﻗﺪ ﺍﺳﺘﻨﺪ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻔﺘﺎﻭﻯ ﺇﻟﻰ ﻗﺎﻋﺪﺓ ﺍﻟﻤﺼﺎﻟﺢ ﺍﻟﻤﺮﺳﻠﺔ ﻭﺍﻻﺳﺘﺤﺴﺎﻥ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺘﻤﻴﺰ ﺑﻬﺎ ﺍﻟﻤﺬﻫﺐ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﻣﻤﺎ ﻳﻈﻬﺮ ﻣﺮﻭﻧﺔ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻭﻗﺪﺭﺗﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﺳﺘﻴﻌﺎﺏ ﺍﻟﻤﺴﺘﺠﺪﺍﺕ ﺍﻟﻌﺼﺮﻳﺔ
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺎﻧﺐ ﺍﻹﺟﺮﺍﺋﻲ ﻭﺍﻹﺛﺒﺎﺗﻲ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻳﺸﺘﺮﻁ ﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺇﺛﺒﺎﺗﺎً ﻗﻮﻳﺎً ﻟﻮﺟﻮﺩ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﻭﻋﺪﻡ ﻭﺟﻮﺩ ﺑﺪﻳﻞ ﻣﺒﺎﺡ ﻭﻗﺪ ﻛﻠﻒ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺑﻮﺍﺟﺐ ﺍﻟﺘﺤﻘﻖ ﺍﻟﺪﻗﻴﻖ ﻣﻦ ﺍﺩﻋﺎﺀﺍﺕ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻟﺌﻼ ﺗﺘﺤﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﺫﺭﻳﻌﺔ ﻟﻺﻓﻼﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﻭﻗﺪ ﻃﻮﺭ ﻓﻘﻬﺎﺀ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻣﻨﻬﺠﻴﺔ
ﺩﻗﻴﻘﺔ ﻟﺘﻘﻴﻴﻢ ﻇﺮﻭﻑ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺗﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺨﺒﺮﺓ ﻭﺍﻟﺸﻬﺎﺩﺓ ﻭﺍﻟﻘﺮﺍﺋﻦ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ
ﺇﻥ ﻓﻬﻢ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻻ ﻳﻘﺘﺼﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﺎﻧﺐ ﺍﻟﻨﻈﺮﻱ ﺑﻞ ﻳﻤﺘﺪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﺍﻟﻌﻤﻠﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﺸﺮﻋﻴﺔ ﻭﺍﻟﻮﺿﻌﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺴﺘﻠﻬﻢ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﻣﺒﺎﺩﺋﻬﺎ ﻓﺎﻟﻘﺎﺿﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺪﺭﻙ ﺃﻥ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺗﻘﺪﺭ ﺑﻘﺪﺭﻫﺎ ﺳﻴﻜﻮﻥ ﺃﻛﺜﺮ ﻗﺪﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﻤﻌﻘﺪﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﺸﺎﺑﻚ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻤﺼﺎﻟﺢ ﺍﻟﻤﺘﻌﺎﺭﺿﺔ ﻭﺍﻟﻤﺨﺎﻃﺮ ﺍﻟﻤﺘﻌﺪﺩﺓ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺮﺍﺑﻊ ﻋﺸﺮ
ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻤﺪﻧﻲ ﻭﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻲ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ
ﺗﻨﻈﻢ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺿﻤﻦ ﺇﻃﺎﺭ ﻧﻈﺮﻳﺔ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﺍﻟﻤﺨﻔﻔﺔ ﻭﺍﻟﻤﺴﺒﺒﺎﺕ ﺍﻟﻤﺒﺮﺭﺓ ﻟﻺﻋﻔﺎﺀ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻴﺔ ﻭﻗﺪ ﺗﻄﻮﺭﺕ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻨﻈﺮﻳﺔ ﻋﺒﺮ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻟﺘﺼﺒﺢ ﻣﺒﺪﺃً ﺭﺍﺳﺨﺎً ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﻈﻮﻣﺔ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﺭﻏﻢ
ﻋﺪﻡ ﻭﺟﻮﺩ ﻧﺺ ﺗﺸﺮﻳﻌﻲ ﻣﻮﺣﺪ ﻳﺤﺪﺩ ﺟﻤﻴﻊ ﺗﻄﺒﻴﻘﺎﺗﻬﺎ ﺑﺸﻜﻞ ﺣﺼﺮﻯ ﻓﻔﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻲ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺗﺸﻴﺮ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ 7-122 ﻣﻦ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪ ﺻﺮﺍﺣﺔ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﺴﺆﻭﻻً ﺟﻨﺎﺋﻴﺎً ﺇﺫﺍ acted ﺗﺤﺖ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﺣﺎﻟﺔ ﺿﺮﻭﺭﻳﺔ ﻣﻠﺤﺔ ﻟﺪﻓﻊ ﺧﻄﺮ ﺣﻘﻴﻘﻲ ﻭﺷﺪﻳﺪ ﺍﻟﺤﺪﻭﺙ ﻳﻬﺪﺩ ﺷﺨﺼﻪ ﺃﻭ ﻏﻴﺮﻩ ﺃﻭ ﻣﺎﻟﻪ ﺑﺸﺮﻁ ﺃﻻ ﺗﻜﻮﻥ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻏﻴﺮ ﻣﺘﻨﺎﺳﺒﺔ ﻣﻊ ﺟﺴﺎﻣﺔ ﺍﻟﺨﻄﺮ
ﻭﻗﺪ ﻓﺴﺮ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺷﺮﻁ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﻭﺍﻟﺸﺪﻳﺪ ﺗﻔﺴﻴﺮﺍً ﻭﺍﺳﻌﺎً ﻟﻴﺸﻤﻞ ﻟﻴﺲ ﻓﻘﻂ ﺍﻷﺧﻄﺎﺭ ﺍﻟﺠﺴﺪﻳﺔ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮﺓ ﺑﻞ ﺃﻳﻀﺎً ﺍﻷﺧﻄﺎﺭ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ ﻭﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﺍﻟﺸﺪﻳﺪﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻬﺪﺩ ﺍﻟﺴﻼﻣﺔ ﺍﻟﻌﻘﻠﻴﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﻜﺮﺍﻣﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻛﻤﺎ ﺷﻤﻞ ﺍﻷﺧﻄﺎﺭ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻳﺔ ﺍﻟﻜﺎﺭﺛﻴﺔ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﻣﺤﺪﻭﺩﺓ ﺟﺪﺍً ﻭﻗﺪ ﺃﻛﺪﺕ ﻣﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﺃﻥ ﺗﻘﺪﻳﺮ ﻭﺟﻮﺩ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻫﻮ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻭﺍﻗﻌﻴﺔ ﺗﺘﺮﻙ ﻟﺘﻘﺪﻳﺮ ﻗﺎﺿﻲ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻉ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺤﻴﻂ ﺑﻤﻼﺑﺴﺎﺕ ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ ﻭﻻ ﺗﺨﻀﻊ ﻟﺮﻗﺎﺑﺔ ﻣﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺇﻻ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﺘﺤﺮﻳﻒ ﺍﻟﺼﺮﻳﺢ ﻟﻠﻮﻗﺎﺋﻊ
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻤﺪﻧﻲ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻓﺈﻥ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺗﻨﻈﻢ ﺿﻤﻦ ﻧﻈﺮﻳﺔ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﺘﻘﺼﻴﺮﻳﺔ ﺣﻴﺚ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ
ﺗﺸﻜﻞ ﺳﺒﺒﺎً ﻟﻺﻋﻔﺎﺀ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺃﻭ ﺗﺨﻔﻴﻔﻬﺎ ﺇﺫﺍ ﺃﺛﺒﺖ ﺍﻟﻤﺪﻋﻰ ﻋﻠﻴﻪ ﺃﻧﻪ acted ﺗﺤﺖ ﺇﻛﺮﺍﻩ ﺿﺮﻭﺭﻱ ﻻ ﺩﺧﻞ ﻹﺭﺍﺩﺗﻪ ﻓﻴﻪ ﻭﻗﺪ ﻃﻮﺭ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﻤﺪﻧﻲ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻣﻌﻴﺎﺭﺍً ﺩﻗﻴﻘﺎً ﻟﺘﻘﻴﻴﻢ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻳﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻰ ﺛﻼﺙ ﻋﻨﺎﺻﺮ ﻫﻲ ﺣﺘﻤﻴﺔ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﻭﻋﺪﻡ ﻭﺟﻮﺩ ﺑﺪﻳﻞ ﻣﻌﻘﻮﻝ ﻭﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺍﻟﻤﺮﺗﻜﺐ ﻭﺍﻟﻤﺼﻠﺤﺔ ﺍﻟﻤﺤﻤﻴﺔ
ﻭﻣﻦ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻘﺎﺕ ﺍﻟﻬﺎﻣﺔ ﻟﺤﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﻄﺒﻴﺔ ﺣﻴﺚ ﻳﺒﻴﺢ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﻟﻸﻃﺒﺎﺀ ﺍﻟﺘﺪﺧﻞ ﺩﻭﻥ ﻣﻮﺍﻓﻘﺔ ﺍﻟﻤﺮﻳﺾ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﻄﻮﺍﺭﺉ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻬﺪﺩ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻤﺮﻳﺾ ﻋﺎﺟﺰﺍً ﻋﻦ ﺍﻹﻓﺼﺎﺡ ﻋﻦ ﺇﺭﺍﺩﺗﻪ ﻛﻤﺎ ﺗﺒﻴﺢ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺇﺟﺮﺍﺀ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺘﺠﺎﺭﺏ ﺍﻟﻄﺒﻴﺔ ﺃﻭ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺃﺩﻭﻳﺔ ﻏﻴﺮ ﻣﺮﺧﺼﺔ ﺭﺳﻤﻴﺎً ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻧﺖ ﻫﻲ ﺍﻟﺴﺒﻴﻞ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪ ﻹﻧﻘﺎﺫ ﺣﻴﺎﺓ ﺍﻟﻤﺮﻳﺾ ﻭﻗﺪ ﻧﻈﻢ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﻓﻲ ﻗﻮﺍﻧﻴﻦ ﺧﺎﺻﺔ ﺗﻀﻤﻦ ﺍﻟﺘﻮﺍﺯﻥ ﺑﻴﻦ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﺼﺤﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻭﺍﺣﺘﺮﺍﻡ ﺍﻟﺤﻘﻮﻕ ﺍﻟﻔﺮﺩﻳﺔ
ﻭﻓﻲ ﻣﺠﺎﻝ ﺍﻟﺒﻴﺌﺔ ﻭﺍﻟﻜﻮﺍﺭﺙ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻴﺔ ﺍﻋﺘﺮﻑ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺑﺤﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻛﻤﺒﺮﺭ ﻟﺒﻌﺾ ﺍﻹﺟﺮﺍﺀﺍﺕ ﺍﻻﺳﺘﺜﻨﺎﺋﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﺨﺬﻫﺎ ﺍﻟﺴﻠﻄﺎﺕ ﺍﻟﻤﺤﻠﻴﺔ ﺃﻭ ﺍﻷﻓﺮﺍﺩ ﻟﺤﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﺴﻜﺎﻥ ﻣﻦ ﺃﺧﻄﺎﺭ ﺍﻟﻔﻴﻀﺎﻧﺎﺕ ﺃﻭ ﺍﻟﺤﺮﺍﺋﻖ ﺃﻭ
ﺍﻟﺘﻠﻮﺙ ﺍﻟﺸﺪﻳﺪ ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﻛﺎﻧﺖ ﻫﺬﻩ ﺍﻹﺟﺮﺍﺀﺍﺕ ﺗﺘﻀﻤﻦ ﺇﺗﻼﻑ ﻣﻤﺘﻠﻜﺎﺕ ﺧﺎﺻﺔ ﺃﻭ ﺗﻘﻴﻴﺪ ﺣﺮﻳﺎﺕ ﻓﺮﺩﻳﺔ ﻣﺆﻗﺘﺎً ﻭﻗﺪ ﺍﺳﺘﻨﺪ ﻫﺬﺍ ﺍﻻﺗﺠﺎﻩ ﺇﻟﻰ ﻣﺒﺪﺃ ﺍﻟﺘﻀﺎﻣﻦ ﺍﻟﻮﻃﻨﻲ ﻭﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻤﺼﺎﻟﺢ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﻟﻠﻤﺠﺘﻤﻊ
ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺗﺘﻘﺎﻃﻊ ﻣﻊ ﻣﻔﺎﻫﻴﻢ ﺃﺧﺮﻯ ﻣﺜﻞ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻘﺎﻫﺮﺓ ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻏﻴﺮ ﺃﻧﻬﺎ ﺗﺘﻤﻴﺰ ﺑﺨﺎﺻﻴﺔ ﻓﺮﻳﺪﺓ ﺗﺘﻤﺜﻞ ﻓﻲ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺍﻟﻤﺮﺗﻜﺐ ﺗﺤﺖ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻮﺟﻬﺎً ﺿﺪ ﺷﺨﺺ ﺑﺮﻱﺀ ﺗﻤﺎﻣﺎً ﻟﻴﺲ ﻟﻪ ﻋﻼﻗﺔ ﺑﺎﻟﺨﻄﺮ ﺍﻷﺻﻠﻲ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﺮﺩ ﻣﻮﺟﻬﺎً ﺿﺪ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﻧﻔﺴﻪ ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﻔﺮﻕ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮﻱ ﻳﻔﺴﺮ ﺍﻟﺘﺸﺪﻳﺪ ﺍﻷﻛﺒﺮ ﻓﻲ ﺷﺮﻭﻁ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﻭﺍﻹﺛﺒﺎﺕ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﺑﺎﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ
ﺇﻥ ﺗﻄﻮﺭ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻳﻌﻜﺲ ﺗﺰﺍﻳﺪ ﺍﻻﻋﺘﺮﺍﻑ ﺑﺎﻟﻈﺮﻭﻑ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﺍﻻﺳﺘﺜﻨﺎﺋﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﺗﺪﻓﻊ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻟﻠﺨﺮﻭﺝ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﻮﺍﻋﺪ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﺍﻟﻌﺎﺩﻳﺔ ﻭﻗﺪ ﺃﺛﺮ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻄﻮﺭ ﺑﺸﻜﻞ ﻣﺒﺎﺷﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎﺕ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﺣﻴﺚ ﺍﺳﺘﻠﻬﻢ ﺍﻟﻤﺸﺮﻋﺎﻥ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻓﻲ ﺗﻨﻈﻴﻢ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻣﻊ ﺗﻜﻴﻴﻔﻬﺎ
ﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﺍﻟﺨﺼﻮﺻﻴﺎﺕ ﺍﻟﻤﺤﻠﻴﺔ ﻭﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﻄﻘﺔ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺨﺎﻣﺲ ﻋﺸﺮ
ﺗﻄﺒﻴﻖ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﻄﺒﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﺸﺮﻳﺢ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ
ﺗﺸﻜﻞ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﻄﺒﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﺸﺮﻳﺢ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻣﻦ ﺃﻛﺜﺮ ﺍﻟﻤﺠﺎﻻﺕ ﺗﻌﻘﻴﺪﺍً ﻓﻲ ﺗﻄﺒﻴﻖ ﻧﻈﺮﻳﺔ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻛﺴﺒﺐ ﻣﻦ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﺣﻴﺚ ﺗﺘﺸﺎﺑﻚ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻻﻋﺘﺒﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﺸﺮﻋﻴﺔ ﻭﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﻭﺍﻷﺧﻼﻗﻴﺔ ﻭﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ ﻓﻲ ﻧﺴﻴﺞ ﺩﻗﻴﻖ ﻳﺘﻄﻠﺐ ﻣﻮﺍﺯﻧﺔ ﺣﻜﻴﻤﺔ ﺑﻴﻦ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﻭﺍﺣﺘﺮﺍﻡ ﺣﺮﻣﺔ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻭﺍﻟﻤﺤﺎﻓﻈﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻜﺮﺍﻣﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻭﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻹﻃﺎﺭ ﺗﺨﺘﻠﻒ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻘﺎﺕ ﺑﻴﻦ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﺭﻏﻢ ﺍﺷﺘﺮﺍﻛﻬﻤﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺟﻌﻴﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ
ﻓﻔﻲ ﻣﺼﺮ ﻳﻨﻈﻢ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺗﻨﻈﻴﻢ ﺍﻟﻤﻬﻨﺔ ﺍﻟﻄﺒﻴﺔ ﻭﻻﺋﺤﺘﻪ ﺍﻟﺘﻨﻔﻴﺬﻳﺔ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﺘﺪﺧﻞ ﺍﻟﻄﺒﻲ ﺩﻭﻥ ﻣﻮﺍﻓﻘﺔ ﺍﻟﻤﺮﻳﺾ ﺗﺤﺖ ﻣﺒﺮﺭ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﻘﺼﻮﻯ ﻹﻧﻘﺎﺫ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺣﻴﺚ ﻳﺒﻴﺢ
ﻟﻠﻄﺒﻴﺐ ﺇﺟﺮﺍﺀ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺎﺕ ﺍﻟﻌﺎﺟﻠﺔ ﺃﻭ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﻌﻼﺟﺎﺕ ﺍﻟﺘﺠﺮﻳﺒﻴﺔ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻤﺮﻳﺾ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﻏﻴﺒﻮﺑﺔ ﺃﻭ ﻋﺎﺟﺰﺍً ﻋﻦ ﺍﻹﻓﺼﺎﺡ ﻋﻦ ﺇﺭﺍﺩﺗﻪ ﻭﻛﺎﻥ ﺍﻟﺘﺄﺧﻴﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺪﺧﻞ ﺳﻴﺆﺩﻱ ﺣﺘﻤﺎً ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻮﻓﺎﺓ ﺃﻭ ﺿﺮﺭ ﺟﺴﻴﻢ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺗﺪﺍﺭﻛﻪ ﻭﻗﺪ ﺃﻛﺪﺕ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﺍﻹﺩﺍﺭﻳﺔ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﻓﻲ ﻋﺪﺓ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻹﺟﺮﺍﺀ ﻻ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﺗﻌﺪﻳﺎً ﻋﻠﻰ ﺣﻖ ﺍﻟﻤﺮﻳﺾ ﻓﻲ ﺗﻘﺮﻳﺮ ﻣﺼﻴﺮﻩ ﺑﻞ ﻫﻮ ﺗﻨﻔﻴﺬ ﻟﻮﺍﺟﺐ ﻣﻬﻨﻲ ﻭﺇﻧﺴﺎﻧﻲ ﻳﻔﺮﺿﻪ ﻗﺴﻢ ﺍﻟﻄﺐ ﻭﻣﺒﺎﺩﺉ ﺍﻷﺧﻼﻕ ﺍﻟﻄﺒﻴﺔ
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﻣﺠﺎﻝ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﺢ ﻷﻏﺮﺍﺽ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﺍﻟﻄﺒﻲ ﺃﻭ ﺍﻟﺒﺤﺚ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻲ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻳﻘﻒ ﻣﻮﻗﻔﺎً ﺣﺬﺭﺍً ﺣﻴﺚ ﻳﺸﺘﺮﻁ ﻣﻮﺍﻓﻘﺔ ﻛﺘﺎﺑﻴﺔ ﻣﺴﺒﻘﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺘﻮﻓﻰ ﻓﻲ ﺣﻴﺎﺗﻪ ﺃﻭ ﻣﻦ ﻭﺭﺛﺘﻪ ﺑﻌﺪ ﻭﻓﺎﺗﻪ ﻹﺟﺮﺍﺀ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﺢ ﺇﻻ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﻘﺼﻮﻯ ﺍﻟﻤﺘﻤﺜﻠﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻘﺎﺕ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﻄﻠﺐ ﺗﺤﺪﻳﺪ ﺳﺒﺐ ﺍﻟﻮﻓﺎﺓ ﻟﻜﺸﻒ ﺟﺮﻳﻤﺔ ﺃﻭ ﺗﺒﺮﺋﺔ ﻣﺘﻬﻢ ﻭﻗﺪ ﻧﻈﻢ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻹﺟﺮﺍﺀﺍﺕ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻴﺔ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﺑﺪﻗﺔ ﻟﻀﻤﺎﻥ ﻋﺪﻡ ﺇﺳﺎﺀﺓ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺳﻠﻄﺔ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﺢ ﻣﻊ ﺍﻟﺤﻔﺎﻅ ﻋﻠﻰ ﻛﺮﺍﻣﺔ ﺍﻟﻤﺘﻮﻓﻰ ﻭﺣﻘﻮﻕ ﺃﺳﺮﺗﻪ
ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻳﺄﺧﺬ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﺑﻌﺪﺍً ﺇﺿﺎﻓﻴﺎً ﻣﺴﺘﻤﺪﺍً ﻣﻦ
ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﻄﻲ ﺃﻫﻤﻴﺔ ﺧﺎﺻﺔ ﻟﺤﺮﻣﺔ ﺍﻟﻤﻴﺖ ﻭﻭﺟﻮﺏ ﺩﻓﻨﻪ ﺳﺮﻳﻌﺎً ﻭﺍﺣﺘﺮﺍﻡ ﺟﺴﺪﻩ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﻟﺬﺍ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻳﺸﺪﺩ ﺃﻛﺜﺮ ﻓﻲ ﺷﺮﻭﻁ ﺇﺟﺮﺍﺀ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﺢ ﺣﻴﺚ ﻻ ﻳﺒﻴﺤﻪ ﺇﻻ ﺑﺄﻣﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻓﻲ ﺇﻃﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﻓﻲ ﺟﺮﺍﺋﻢ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﺃﻭ ﺍﻟﻮﻓﺎﺓ ﺍﻟﻤﺸﺒﻮﻫﺔ ﻭﻳﺸﺘﺮﻁ ﺃﻥ ﻳﺘﻢ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﺢ ﺑﺄﻗﻞ ﻗﺪﺭ ﻣﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺸﻮﻳﻪ ﻭﺑﺈﺷﺮﺍﻑ ﻃﺒﻲ ﺩﻗﻴﻖ ﻛﻤﺎ ﻳﻮﺟﺐ ﺇﻋﺎﺩﺓ ﺍﻟﺠﺜﻤﺎﻥ ﺇﻟﻰ ﺃﻫﻠﻪ ﻓﻮﺭ ﺍﻻﻧﺘﻬﺎﺀ ﻣﻦ ﺍﻹﺟﺮﺍﺀﺍﺕ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﻳﺔ
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﻣﺠﺎﻝ ﺯﺭﺍﻋﺔ ﺍﻷﻋﻀﺎﺀ ﻭﻧﻘﻠﻬﺎ ﻓﺈﻥ ﻛﻼ ﺍﻟﺒﻠﺪﻳﻦ ﻳﻨﻈﻤﺎﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺠﺎﻝ ﺗﺤﺖ ﻣﺒﺮﺭ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﻄﺒﻴﺔ ﻹﻧﻘﺎﺫ ﺣﻴﺎﺓ ﺍﻟﻤﺮﺿﻰ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﻌﺎﻧﻮﻥ ﻣﻦ ﻓﺸﻞ ﻋﻀﻮﻱ ﻧﻬﺎﺋﻲ ﻓﻔﻲ ﻣﺼﺮ ﺻﺪﺭ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺗﻨﻈﻴﻢ ﺯﺭﺍﻋﺔ ﺍﻷﻋﻀﺎﺀ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺒﻴﺢ ﻧﻘﻞ ﺍﻷﻋﻀﺎﺀ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺘﻮﻓﻴﻦ ﺩﻣﺎﻏﻴﺎً ﺑﺸﺮﻁ ﺗﻮﺍﻓﺮ ﺷﺮﻭﻁ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﻣﻨﻬﺎ ﺛﺒﻮﺕ ﺍﻟﻮﻓﺎﺓ ﺍﻟﺪﻣﺎﻏﻴﺔ ﺑﺘﻘﺎﺭﻳﺮ ﻃﺒﻴﺔ ﻣﺘﻌﺪﺩﺓ ﻭﻣﻮﺍﻓﻘﺔ ﺍﻷﺳﺮﺓ ﺃﻭ ﺍﻟﻮﺻﻴﺔ ﺍﻟﻤﺴﺒﻘﺔ ﻟﻠﻤﺘﻮﻓﻰ ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻳﺴﻴﺮ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﻓﻲ ﻧﻔﺲ ﺍﻻﺗﺠﺎﻩ ﻟﻜﻦ ﻣﻊ ﺗﺸﺪﻳﺪ ﺃﻛﺒﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﻮﺍﻧﺐ ﺍﻟﺸﺮﻋﻴﺔ ﺣﻴﺚ ﻳﺸﺘﺮﻁ ﻓﺘﻮﻯ ﻣﻦ ﺍﻟﻬﻴﺌﺔ ﺍﻟﻮﻃﻨﻴﺔ ﻟﻺﻓﺘﺎﺀ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﺍﻟﻤﺴﺘﺠﺪﺓ ﻟﻀﻤﺎﻥ ﺗﻮﺍﻓﻖ ﺍﻹﺟﺮﺍﺀﺍﺕ ﻣﻊ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ
ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺸﺎﺋﻜﺔ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﺎﺏ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺍﻹﺟﻬﺎﺽ ﺍﻟﻌﻼﺟﻲ ﺣﻴﺚ ﺗﺒﻴﺢ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎﺕ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﺇﻧﻬﺎﺀ ﺍﻟﺤﻤﻞ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﺳﺘﻤﺮﺍﺭﻩ ﻳﺸﻜﻞ ﺧﻄﺮﺍً ﺟﺴﻴﻤﺎً ﻋﻠﻰ ﺣﻴﺎﺓ ﺍﻷﻡ ﻭﻗﺪ ﻓﺴﺮ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻠﺪﻳﻦ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺍﻟﺠﺴﻴﻤﺎً ﺗﻔﺴﻴﺮﺍً ﻭﺍﺳﻌﺎً ﻟﻴﺸﻤﻞ ﻟﻴﺲ ﻓﻘﻂ ﺍﻷﺧﻄﺎﺭ ﺍﻟﺠﺴﺪﻳﺔ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮﺓ ﺑﻞ ﺃﻳﻀﺎً ﺍﻷﺧﻄﺎﺭ ﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﺍﻟﺸﺪﻳﺪﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﺗﺆﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﺍﻧﺘﺤﺎﺭ ﺍﻷﻡ ﺃﻭ ﺗﺪﻫﻮﺭ ﺻﺤﺘﻬﺎ ﺍﻟﻌﻘﻠﻴﺔ ﺑﺸﻜﻞ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﻋﻼﺟﻪ ﻭﻣﻊ ﺫﻟﻚ ﻓﺈﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻹﺟﺮﺍﺀ ﻳﺨﻀﻊ ﻟﺮﻗﺎﺑﺔ ﻃﺒﻴﺔ ﻭﻗﻀﺎﺋﻴﺔ ﺻﺎﺭﻣﺔ ﻟﻀﻤﺎﻥ ﻋﺪﻡ ﺗﺤﻮﻳﻠﻪ ﺇﻟﻰ ﺫﺭﻳﻌﺔ ﻟﻺﺟﻬﺎﺽ ﺍﻻﺧﺘﻴﺎﺭﻱ ﺍﻟﻤﺤﻈﻮﺭ
ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﻄﻮﺭ ﺍﻟﻌﻠﻤﻲ ﻓﻲ ﻣﺠﺎﻻﺕ ﻣﺜﻞ ﺍﻻﺳﺘﻨﺴﺎﺥ ﻭﺍﻟﻌﻼﺝ ﺍﻟﺠﻴﻨﻲ ﻳﻄﺮﺡ ﺗﺤﺪﻳﺎﺕ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺠﺎﻝ ﺍﻟﻄﺒﻲ ﺣﻴﺚ ﺗﺜﺎﺭ ﺃﺳﺌﻠﺔ ﺣﻮﻝ ﻣﺸﺮﻭﻋﻴﺔ ﺍﻟﺘﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺮﻛﻴﺐ ﺍﻟﺠﻴﻨﻲ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ ﻟﻌﻼﺝ ﺃﻣﺮﺍﺽ ﻭﺭﺍﺛﻴﺔ ﺧﻄﻴﺮﺓ ﻭﻫﻞ ﻳﻤﻜﻦ ﺍﻋﺘﺒﺎﺭ ﺫﻟﻚ ﺿﺮﻭﺭﺓ ﺗﺒﻴﺢ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﻣﺤﻈﻮﺭﺍً ﻓﻲ ﺍﻷﺻﻞ؟ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺴﺎﺋﻞ ﻻ ﺗﺰﺍﻝ ﻓﻲ ﻃﻮﺭ ﺍﻟﺪﺭﺍﺳﺔ ﺍﻟﻔﻘﻬﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﻴﺔ ﻓﻲ ﻛﻼ ﺍﻟﺒﻠﺪﻳﻦ ﻭﺗﺘﻄﻠﺐ ﺣﻮﺍﺭﺍً ﻣﺴﺘﻤﺮﺍً ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ ﻭﺍﻟﻔﻘﻬﺎﺀ ﻭﺍﻟﻤﺸﺮﻋﻴﻦ ﻟﻠﻮﺻﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﺣﻠﻮﻝ ﺗﻮﺍﺯﻥ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺘﻘﺪﻡ
ﺍﻟﻌﻠﻤﻲ ﻭﺍﻟﺜﻮﺍﺑﺖ ﺍﻷﺧﻼﻗﻴﺔ ﻭﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ
ﺇﻥ ﺗﻄﺒﻴﻖ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﻄﺒﻴﺔ ﻳﺘﻄﻠﺐ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻀﺎﺓ ﻭﺃﻋﻀﺎﺀ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﻭﺍﻷﻃﺒﺎﺀ ﻓﻬﻤﺎً ﻋﻤﻴﻘﺎً ﻟﻠﻤﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻴﺔ ﻭﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﺍﻟﻤﻨﻈﻤﺔ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﻤﺠﺎﻝ ﻭﻗﺪﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻮﺍﺯﻧﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺼﺎﻟﺢ ﺍﻟﻤﺘﻌﺎﺭﺿﺔ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺣﺎﻟﺔ ﻋﻠﻰ ﺣﺪﺓ ﻓﺎﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺠﺎﻝ ﺍﻟﺤﺴﺎﺱ ﻻ ﺗﻜﻤﻦ ﻓﻘﻂ ﻓﻲ ﺗﻄﺒﻴﻖ ﺍﻟﻨﺺ ﺣﺮﻓﻴﺎً ﺑﻞ ﻓﻲ ﻓﻬﻢ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﻜﻢ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻄﺐ ﻭﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﺍﻟﻤﻮﺕ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺴﺎﺩﺱ ﻋﺸﺮ
ﺗﻨﻔﻴﺬ ﺍﻷﻭﺍﻣﺮ ﺍﻟﺮﺋﺎﺳﻴﺔ ﻛﺴﺒﺐ ﻟﻺﺑﺎﺣﺔ ﻓﻲ ﺍﻷﻧﻈﻤﺔ ﺍﻟﺜﻼﺛﺔ
ﻳﻌُﺪ ﺗﻨﻔﻴﺬ ﺍﻷﻭﺍﻣﺮ ﺍﻟﺼﺎﺩﺭﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﺅﺳﺎﺀ ﺃﻭ ﺍﻟﻘﺎﺩﺓ ﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻳﻴﻦ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﻦ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﻴﻴﻦ ﺳﺒﺒﺎً ﻣﻦ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺜﻴﺮ ﺟﺪﻻً ﻗﺎﻧﻮﻧﻴﺎً ﻭﺃﺧﻼﻗﻴﺎً ﻋﻤﻴﻘﺎً ﺧﺎﺻﺔ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺘﻀﻤﻦ ﺍﻷﻣﺮ ﺍﺭﺗﻜﺎﺏ ﻓﻌﻞ ﻳﺸﻜﻞ ﺟﺮﻳﻤﺔ ﻓﻲ ﻇﺎﻫﺮﻩ ﻓﻘﺪ ﻭﺟﺪ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﻧﻔﺴﻪ ﺃﻣﺎﻡ ﻣﻌﻀﻠﺔ ﺻﻌﺒﺔ
ﺗﺘﻤﺜﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻮﺍﺯﻧﺔ ﺑﻴﻦ ﺿﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﺤﻔﺎﻅ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺴﻠﺴﻞ ﺍﻟﻬﺮﻣﻲ ﻭﺍﻻﻧﻀﺒﺎﻁ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﻬﺎﺯ ﺍﻹﺩﺍﺭﻱ ﻭﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻱ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﻭﺑﻴﻦ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﺤﻘﻮﻕ ﺍﻷﺳﺎﺳﻴﺔ ﻟﻸﻓﺮﺍﺩ ﻭﻣﻨﻊ ﺍﺳﺘﻐﻼﻝ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻻﺭﺗﻜﺎﺏ ﺍﻟﺠﺮﺍﺋﻢ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺃﺧﺮﻯ ﻭﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻹﻃﺎﺭ ﺍﺧﺘﻠﻔﺖ ﻣﻌﺎﻟﺠﺔ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎﺕ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻭﻓﺮﻧﺴﺎ ﻟﻬﺬﻩ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﻭﺇﻥ ﺍﺗﻔﻘﺖ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﺑﻌﺪﻡ ﻣﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﻤﻨﻔﺬ ﺇﺫﺍ ﺗﻮﺍﻓﺮﺕ ﺷﺮﻭﻁ ﻣﺤﺪﺩﺓ
ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻳﻨﺺ ﺻﺮﺍﺣﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ 4-122 ﻣﻦ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﺴﺆﻭﻻً ﺟﻨﺎﺋﻴﺎً ﺇﺫﺍ ﻧﻔﺬ ﺃﻣﺮﺍً ﺻﺎﺩﺭﺍً ﻣﻦ ﺳﻠﻄﺔ ﻣﺸﺮﻭﻋﺔ ﻣﺎ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﺍﻷﻣﺮ ﻏﻴﺮ ﻣﺸﺮﻭﻉ ﺑﺸﻜﻞ ﻇﺎﻫﺮ ﻭﻗﺪ ﻃﻮﺭ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻣﻌﻴﺎﺭ “ﺍﻟﺨﻄﺄ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮ” manifeste) (Erreur ﻛﻤﻌﻴﺎﺭ ﺣﺎﺳﻢ ﻟﺘﻘﻴﻴﻢ ﻣﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﻤﻨﻔﺬ ﻓﺈﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻷﻣﺮ ﻳﺘﻀﻤﻦ ﺍﻧﺘﻬﺎﻛﺎً ﺻﺎﺭﺧﺎً ﻟﻠﻘﺎﻧﻮﻥ ﺃﻭ ﻟﺤﻘﻮﻕ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻣﺜﻞ ﺃﻣﺮ ﺑﺈﻃﻼﻕ ﺍﻟﻨﺎﺭ ﻋﻠﻰ ﻣﺘﻈﺎﻫﺮﻳﻦ ﻋﺰﻝ ﺩﻭﻥ ﻣﺒﺮﺭ ﺃﻭ ﺗﻌﺬﻳﺐ ﻣﻌﺘﻘﻠﻴﻦ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﻨﻔﺬ ﻳﻔﻘﺪ ﺣﺼﺎﻧﺘﻪ ﻭﻳﺼﺒﺢ ﻣﺴﺆﻭﻻً ﺷﺨﺼﻴﺎً ﻋﻦ ﺟﺮﻳﻤﺘﻪ ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﻛﺎﻥ ﻣﺠﺮﺩ ﻣﻨﻔﺬ ﻟﻸﻣﺮ ﻭﻗﺪ ﺃﻛﺪﺕ ﻣﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﺃﻥ ﺍﻟﻄﺎﻋﺔ ﺍﻟﻌﻤﻴﺎﺀ ﻟﻴﺴﺖ ﻋﺬﺭﺍً ﻣﻘﺒﻮﻻً ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺘﺠﺎﻭﺯ ﺍﻷﻣﺮ ﺣﺪﻭﺩ
ﺍﻟﻤﻌﻘﻮﻟﻴﺔ ﻭﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ 63 ﻣﻦ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺗﻨﺺ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻪ ﻻ ﻋﻘﺎﺏ ﻋﻠﻰ ﻣﻦ ﺍﺭﺗﻜﺐ ﻓﻌﻼً ﺑﺄﻣﺮ ﺻﺎﺩﺭ ﻣﻦ ﺳﻠﻄﺔ ﻋﺎﻣﺔ ﻣﺨﺘﺼﺔ ﻣﺎ ﺩﺍﻡ ﻗﺪ ﺍﻋﺘﻘﺪ ﺑﺤﺴﻦ ﻧﻴﺔ ﺃﻥ ﻟﻪ ﺣﻖ ﻃﺎﻋﺔ ﺍﻷﻣﺮ ﻭﺃﻥ ﺍﻷﻣﺮ ﻟﻴﺲ ﻇﺎﻫﺮﺍً ﻋﺪﻡ ﻣﺸﺮﻭﻋﻴﺘﻪ ﻭﻗﺪ ﻓﺴﺮ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﺷﺮﻁ “ﻋﺪﻡ ﺍﻟﻈﻬﻮﺭ” ﺑﺘﻮﺳﻊ ﻧﺴﺒﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻳﺔ ﻭﺍﻷﻣﻨﻴﺔ ﺣﻴﺚ ﻣﻴﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﻓﺘﺮﺍﺽ ﺣﺴﻦ ﻧﻴﺔ ﺍﻟﺠﻨﻮﺩ ﻭﺍﻟﻀﺒﺎﻁ ﻓﻲ ﺗﻨﻔﻴﺬ ﺍﻷﻭﺍﻣﺮ ﻓﻲ ﻇﺮﻭﻑ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺎﺕ ﺍﻟﺤﺮﺑﻴﺔ ﺃﻭ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﻄﻮﺍﺭﺉ ﺇﻻ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﺑﺪﺃﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻨﻮﺍﺕ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ ﺗﺸﺪﺩ ﻓﻲ ﺗﻄﺒﻴﻖ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺸﺮﻁ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺣﻘﻮﻕ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻣﺆﻛﺪﺓ ﺃﻥ ﺑﻌﺾ ﺍﻷﻓﻌﺎﻝ ﻣﺜﻞ ﺍﻟﺘﻌﺬﻳﺐ ﺃﻭ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﺍﻟﻌﻤﺪ ﺗﻜﻮﻥ ﺩﺍﺋﻤﺎً ﻇﺎﻫﺮﺓ ﻋﺪﻡ ﻣﺸﺮﻭﻋﻴﺘﻬﺎ ﻭﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﻷﻱ ﺃﻣﺮ ﺭﺋﺎﺳﻲ ﺃﻭ ﻗﻴﺎﺩﻱ ﺃﻥ ﻳﺒﻴﺤﻬﺎ
ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻳﺠﻤﻊ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻨﺺ ﺍﻟﻤﺴﺘﻤﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻭﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﺮﻡ ﻇﻠﻢ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺗﻌﻄﻲ ﺃﻭﻟﻮﻳﺔ ﻟﻠﻀﻤﻴﺮ ﺍﻟﺤﻲ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻄﺎﻋﺔ ﺍﻟﻌﻤﻴﺎﺀ ﻓﺎﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻳﺸﺘﺮﻁ ﻟﺘﻨﻔﻴﺬ ﺍﻷﻭﺍﻣﺮ ﻛﺴﺒﺐ
ﻟﻺﺑﺎﺣﺔ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻷﻣﺮ ﺻﺎﺩﺭﺍً ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﻣﺨﺘﺼﺔ ﻭﻓﻲ ﺣﺪﻭﺩ ﺍﺧﺘﺼﺎﺻﻬﺎ ﻭﺃﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﺨﺎﻟﻔﺎً ﻟﻠﺪﺳﺘﻮﺭ ﺃﻭ ﺍﻟﻘﻮﺍﻧﻴﻦ ﺍﻟﻨﺎﻓﺬﺓ ﺑﺸﻜﻞ ﻭﺍﺿﺢ ﻭﻗﺪ ﺃﻛﺪﺕ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﻓﻲ ﻋﺪﺓ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻴﺔ ﺗﻨﺘﻘﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﻵﻣﺮ ﻭﺍﻟﻤﻨﻔﺬ ﻣﻌﺎً ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺟﺴﻴﻤﺎً ﻭﻇﺎﻫﺮ ﺍﻹﺟﺮﺍﻡ ﻣﺴﺘﻨﺪﺓ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺓ ﺍﻟﻔﻘﻬﻴﺔ “ﻻ ﻃﺎﻋﺔ ﻟﻤﺨﻠﻮﻕ ﻓﻲ ﻣﻌﺼﻴﺔ ﺍﻟﺨﺎﻟﻖ” ﻣﻤﺎ ﻳﻌﻄﻲ ﺑﻌﺪﺍً ﺃﺧﻼﻗﻴﺎً ﻭﺩﻳﻨﻴﺎً ﻗﻮﻳﺎً ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ
ﻭﺗﻠﻌﺐ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﺩﻭﺭﺍً ﻣﺤﻮﺭﻳﺎً ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﺣﻴﺚ ﻳﻘﻊ ﻋﻠﻰ ﻋﺎﺗﻘﻬﺎ ﺗﺤﺪﻳﺪ ﻣﺎ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻷﻣﺮ ﺻﺎﺩﺭﺍً ﻓﻌﻼً ﻭﻣﺎ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻤﻨﻔﺬ ﻗﺪ ﺗﺠﺎﻭﺯ ﺣﺪﻭﺩﻩ ﺃﻭ ﺃﺳﺎﺀ ﺗﻔﺴﻴﺮﻩ ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺇﺛﺒﺎﺕ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻷﻣﺮ ﻛﺘﺎﺑﻴﺎً ﺃﻭ ﺷﻔﺎﻫﺔ ﻳﻤﺜﻞ ﺗﺤﺪﻳﺎً ﻛﺒﻴﺮﺍً ﻓﻲ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻷﺣﻴﺎﻥ ﺧﺎﺻﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺘﻢ ﻓﻴﻬﺎ ﺇﻧﻜﺎﺭ ﺻﺪﻭﺭ ﺍﻷﻣﺮ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻝ ﺍﻷﻋﻠﻰ ﻭﻟﺬﺍ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﺜﻼﺙ ﻳﻤﻴﻞ ﺇﻟﻰ ﺗﺤﻤﻴﻞ ﺍﻟﻘﺎﺋﺪ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺍﻷﻛﺒﺮ ﺇﺫﺍ ﺗﻌﺬﺭ ﺇﺛﺒﺎﺕ ﺗﻔﺎﺻﻴﻞ ﺍﻷﻣﺮ ﺑﺪﻗﺔ ﺗﻄﺒﻴﻘﺎً ﻟﻤﺒﺪﺃ ﺍﻟﺸﻚ ﻟﺼﺎﻟﺢ ﺍﻟﻤﺘﻬﻢ ﺍﻟﻤﺮﺅﻭﺱ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ
ﻭﻣﻦ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻘﺎﺕ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﺍﻟﻬﺎﻣﺔ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺎﺕ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﻭﺍﻷﻣﻦ ﺍﻟﻘﻮﻣﻲ ﺣﻴﺚ ﻏﺎﻟﺒﺎً ﻣﺎ ﻳﺘﻢ ﺍﻟﺘﻤﺴﻚ ﺑﺘﻨﻔﻴﺬ ﺍﻷﻭﺍﻣﺮ ﻛﺪﻓﺎﻉ ﺭﺋﻴﺴﻲ ﻟﻠﻤﺘﻬﻤﻴﻦ ﻣﻦ ﺃﻓﺮﺍﺩ ﺍﻟﻘﻮﺍﺕ ﺍﻟﻤﺴﻠﺤﺔ ﺃﻭ ﺃﺟﻬﺰﺓ ﺍﻷﻣﻦ ﻭﻫﻨﺎ ﺗﺒﺮﺯ ﺃﻫﻤﻴﺔ ﺍﻟﺮﻗﺎﺑﺔ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﻠﺔ ﻓﻲ ﺗﻘﻴﻴﻢ ﻣﺸﺮﻭﻋﻴﺔ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻭﺍﻣﺮ ﻭﻣﺪﻯ ﺗﻨﺎﺳﺒﻬﺎ ﻣﻊ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺍﻟﻤﺤﺪﻕ ﻭﻗﺪ ﺷﻬﺪﺕ ﺍﻟﺴﺎﺣﺔ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﻓﻲ ﻓﺮﻧﺴﺎ ﻭﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻧﻘﺎﺷﺎﺕ ﻣﺴﺘﻤﺮﺓ ﺣﻮﻝ ﺣﺪﻭﺩ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺼﺎﻧﺔ ﺧﺎﺻﺔ ﻓﻲ ﻇﻞ ﺍﻻﺗﻔﺎﻗﻴﺎﺕ ﺍﻟﺪﻭﻟﻴﺔ ﻟﺤﻘﻮﻕ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺆﻛﺪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﻔﺮﺩﻳﺔ ﻋﻦ ﺟﺮﺍﺋﻢ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﻭﺍﻟﺠﺮﺍﺋﻢ ﺿﺪ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﺑﻐﺾ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻋﻦ ﺻﻔﺔ ﺍﻟﺮﺳﻤﻴﺔ ﺃﻭ ﺗﻨﻔﻴﺬ ﺍﻷﻭﺍﻣﺮ
ﺇﻥ ﺗﻄﻮﺭ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺗﻨﻔﻴﺬ ﺍﻷﻭﺍﻣﺮ ﻛﺴﺒﺐ ﻟﻺﺑﺎﺣﺔ ﻳﺘﺠﻪ ﻧﺤﻮ ﺗﻀﻴﻴﻖ ﺩﺍﺋﺮﺓ ﺍﻹﻋﻔﺎﺀ ﻭﺯﻳﺎﺩﺓ ﻣﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺍﻷﻓﺮﺍﺩ ﻋﻦ ﺃﻓﻌﺎﻟﻬﻢ ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﺗﺤﺖ ﻗﻴﺎﺩﺓ ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ ﻭﺫﻟﻚ ﻟﺘﻌﺰﻳﺰ ﺛﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﻤﺴﺎﺀﻟﺔ ﻭﺭﺩﻉ ﺍﺳﺘﻐﻼﻝ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻄﻮﺭ ﻳﻌﻜﺲ ﻧﻀﺠﺎً ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻋﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻲ ﻳﺪﺭﻙ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﻻ ﺗﺘﺤﻘﻖ ﺇﻻ ﺑﻤﺤﺎﺳﺒﺔ ﻛﻞ ﻣﺸﺎﺭﻙ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺮﻳﻤﺔ ﺳﻮﺍﺀ ﻛﺎﻥ ﺁﻣﺮﺍً ﺃﻭ ﻣﻨﻔﺬﺍً ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺘﺠﺎﻭﺯ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺣﺪﻭﺩ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺴﺎﺑﻊ ﻋﺸﺮ
ﻣﻤﺎﺭﺳﺔ ﺍﻟﺤﻖ ﻛﺴﺒﺐ ﻣﻦ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﺣﺪﻭﺩﻩ ﻭﺿﻮﺍﺑﻄﻪ
ﺗﻌُﺪ ﻣﻤﺎﺭﺳﺔ ﺍﻟﺤﻖ ﺳﺒﺒﺎً ﻣﻦ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺒﻴﺢ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ ﺍﺭﺗﻜﺎﺏ ﻓﻌﻞ ﻗﺪ ﻳﺒﺪﻭ ﻓﻲ ﻇﺎﻫﺮﻩ ﺍﻋﺘﺪﺍﺀً ﻋﻠﻰ ﺣﻘﻮﻕ ﺍﻟﻐﻴﺮ ﻃﺎﻟﻤﺎ ﺃﻧﻪ ﻳﻤﺎﺭﺱ ﺣﻘﺎً ﻣﻘﺮﺭﺍً ﻟﻪ ﺷﺮﻋﺎً ﻭﻗﺎﻧﻮﻧﺎً ﺿﻤﻦ ﺍﻟﺤﺪﻭﺩ ﺍﻟﻤﺮﺳﻮﻣﺔ ﻟﻪ ﻓﻘﺪ ﺍﻋﺘﺮﻑ ﺍﻟﻤﺸﺮﻋﻮﻥ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻭﻓﺮﻧﺴﺎ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﻛﺪﺭﻉ ﻳﺤﻤﻲ ﺍﻷﻓﺮﺍﺩ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻼﺣﻘﺔ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻴﺔ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺘﺼﺮﻓﻮﻥ ﻓﻲ ﺇﻃﺎﺭ ﺣﻘﻮﻗﻬﻢ ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻋﺔ ﻏﻴﺮ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴﺒﺐ ﻳﺨﻀﻊ ﻟﻀﻮﺍﺑﻂ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﺗﻤﻨﻊ ﺗﺤﻮﻳﻠﻪ ﺇﻟﻰ ﺃﺩﺍﺓ ﻟﻺﻳﺬﺍﺀ ﺃﻭ ﺍﻟﺘﻌﺴﻒ
ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﻣﻤﺎﺭﺳﺔ ﺍﻟﺤﻖ ﺃﺻﻼً ﻣﺒﺎﺣﺎً ﻣﺎ ﻟﻢ ﻳﻘﺘﺮﻥ ﺑﻨﻴﺔ ﺍﻹﺿﺮﺍﺭ ﺑﺎﻟﻐﻴﺮ ﺃﻭ ﻳﺘﺠﺎﻭﺯ ﺣﺪﻭﺩ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﻝ ﻓﻘﺪ ﻭﺿﻊ ﺍﻟﻔﻘﻬﺎﺀ ﻗﺎﻋﺪﺓ “ﻻ ﺿﺮﺭ ﻭﻻ ﺿﺮﺍﺭ” ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻘﻴﺪ ﺇﻃﻼﻕ ﺍﻟﻴﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺼﺮﻑ ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺘﺼﺮﻑ ﻓﻲ ﻣﻠﻚ ﺧﺎﺹ ﺃﻭ ﺑﺤﻖ ﻣﻜﻔﻮﻝ ﻭﻗﺪ ﻣﻴﺰ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻴﺔ ﻭﺍﻟﺤﻨﺎﺑﻠﺔ ﺑﻴﻦ
ﻣﻤﺎﺭﺳﺔ ﺍﻟﺤﻖ ﻓﻲ ﺻﻮﺭﺗﻪ ﺍﻟﻌﺎﺩﻳﺔ ﻭﻣﻤﺎﺭﺳﺘﻪ ﺑﻘﺼﺪ ﺍﻟﻀﺮﺭ ﻓﻔﻲ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻣﺒﺎﺣﺎً ﺗﻤﺎﻣﺎً ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻳﻔﻘﺪ ﺻﻔﺔ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﻭﻳﺼﺒﺢ ﻓﻌﻼً ﺿﺎﺭﺍً ﻳﺴﺘﻮﺟﺐ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﻭﻗﺪ ﻃﺒﻖ ﺍﻟﻔﻘﻬﺎﺀ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﻣﺜﻞ ﻣﻨﻊ ﺍﻟﻤﺎﺀ ﻋﻦ ﺍﻟﺠﺎﺭ ﺃﻭ ﺇﻏﻼﻕ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﺍﻟﻤﺸﺘﺮﻙ ﺃﻭ ﺭﻓﻊ ﺍﻟﺒﻨﺎﺀ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺤﺠﺐ ﺍﻟﻀﻮﺀ ﻭﺍﻟﻬﻮﺍﺀ
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻓﺈﻥ ﻧﻈﺮﻳﺔ “ﺗﻌﺴﻒ ﺍﺳﺘﻌﻤﺎﻝ ﺍﻟﺤﻖ” droit) de (Abus ﻫﻲ ﺍﻟﺮﻛﻴﺰﺓ ﺍﻷﺳﺎﺳﻴﺔ ﻟﺘﻨﻈﻴﻢ ﻣﻤﺎﺭﺳﺔ ﺍﻟﺤﻖ ﻛﺴﺒﺐ ﻟﻺﺑﺎﺣﺔ ﺣﻴﺚ ﺍﺳﺘﻘﺮ ﻗﻀﺎﺀ ﻣﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﺤﻖ ﻻ ﻳﺤﻤﻲ ﺻﺎﺣﺒﻪ ﺇﺫﺍ ﺍﺳﺘﺨﺪﻣﻪ ﺑﻨﻴﺔ ﺍﻹﺿﺮﺍﺭ ﺑﺎﻟﻐﻴﺮ ﺃﻭ ﻟﻐﺮﺽ ﻣﺨﺎﻟﻒ ﻟﻠﻐﺮﺽ ﺍﻟﺬﻱ ﺷﺮُﻉ ﻣﻦ ﺃﺟﻠﻪ ﺃﻭ ﺑﺪﻭﻥ ﻣﺼﻠﺤﺔ ﻣﺸﺮﻭﻋﺔ ﻭﻗﺪ ﻃﺒﻘﺖ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻨﻈﺮﻳﺔ ﻓﻲ ﻣﺠﺎﻻﺕ ﻣﺘﻌﺪﺩﺓ ﻣﺜﻞ ﺣﻖ ﺍﻹﺿﺮﺍﺏ ﻭﺣﻖ ﺍﻟﻤﻠﻜﻴﺔ ﻭﺣﺮﻳﺔ ﺍﻟﺘﻌﺒﻴﺮ ﺣﻴﺚ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﺘﺤﻮﻝ ﻣﻤﺎﺭﺳﺔ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﻘﻮﻕ ﺇﻟﻰ ﺟﺮﻳﻤﺔ ﺇﺫﺍ ﺗﺠﺎﻭﺯﺕ ﺍﻟﺤﺪﻭﺩ ﺍﻟﻤﻌﻘﻮﻟﺔ ﻭﺗﺴﺒﺒﺖ ﻓﻲ ﺿﺮﺭ ﺟﺴﻴﻢ ﻏﻴﺮ ﻣﺒﺮﺭ
ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻟﻢ ﻳﻨﺺ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺻﺮﺍﺣﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﻤﺎﺭﺳﺔ ﺍﻟﺤﻖ ﻛﺴﺒﺐ ﻋﺎﻡ ﻟﻺﺑﺎﺣﺔ ﻟﻜﻦ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ
ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﺃﺧﺬ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻟﻨﻈﺮﻳﺔ ﺍﺟﺘﻬﺎﺩﺍً ﻣﺴﺘﻠﻬﻤﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻭﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻥ ﺣﻴﺚ ﺃﻛﺪﺕ ﻣﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺍﻟﺼﺎﺩﺭ ﻋﻦ ﺻﺎﺣﺐ ﺣﻖ ﻻ ﻳﻌﺪ ﺟﺮﻳﻤﺔ ﻣﺎ ﺩﺍﻡ ﻗﺪ ﺍﻟﺘﺰﻡ ﺑﺎﻟﺤﺪﻭﺩ ﺍﻟﺘﻲ ﺭﺳﻤﻬﺎ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﻭﻟﻢ ﻳﻨﺤﺮﻑ ﻋﻦ ﺍﻟﻐﺮﺽ ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻉ ﻟﻠﺤﻖ ﻭﻗﺪ ﻃﺒﻘﺖ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﻨﺸﺮ ﻭﺍﻟﻨﻘﺪ ﺣﻴﺚ ﺃﺑﺎﺣﺖ ﻧﺸﺮ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﺴﻴﺌﺔ ﻟﺴﻤﻌﺔ ﺍﻷﺷﺨﺎﺹ ﻃﺎﻟﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺻﺤﻴﺤﺔ ﻭﺫﺍﺕ ﻣﺼﻠﺤﺔ ﻋﺎﻣﺔ ﻭﺑﺪﻭﻥ ﻧﻴﺔ ﺍﻟﺘﺸﻬﻴﺮ ﺍﻟﻜﻴﺪﻱ
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﺰﻳﺞ ﺑﻴﻦ ﺍﻷﺻﺎﻟﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺃﻧﺘﺞ ﻧﻈﺎﻣﺎً ﻣﺘﻮﺍﺯﻧﺎً ﻓﻲ ﺗﻨﻈﻴﻢ ﻣﻤﺎﺭﺳﺔ ﺍﻟﺤﻖ ﺣﻴﺚ ﻳﺴﺘﻨﺪ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺇﻟﻰ ﻣﺒﺪﺃ “ﻋﺪﻡ ﺟﻮﺍﺯ ﺍﻟﻀﺮﺭ” ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﻭﺇﻟﻰ ﻧﻈﺮﻳﺔ “ﺗﻌﺴﻒ ﺍﺳﺘﻌﻤﺎﻝ ﺍﻟﺤﻖ” ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻓﻲ ﺁﻥ ﻭﺍﺣﺪ ﻭﻗﺪ ﻇﻬﺮﺕ ﺗﻄﺒﻴﻘﺎﺕ ﻭﺍﺿﺤﺔ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﻨﺰﺍﻋﺎﺕ ﺍﻟﻌﻘﺎﺭﻳﺔ ﻭﺣﻘﻮﻕ ﺍﻟﺠﻮﺍﺭ ﺣﻴﺚ ﺭﻓﻀﺖ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺗﺼﺮﻓﺎﺕ ﻣﺎﻟﻜﻲ ﺍﻟﻌﻘﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻬﺪﻑ ﻓﻘﻂ ﺇﻟﻰ ﺇﻳﺬﺍﺀ ﺟﻴﺮﺍﻧﻬﻢ ﺩﻭﻥ ﻓﺎﺋﺪﺓ ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ ﻟﻬﻢ ﻣﻌﺘﺒﺮﺓ ﺃﻥ ﻣﺜﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺘﺼﺮﻓﺎﺕ ﺗﻔﻘﺪ ﺻﻔﺔ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﻭﺗﺼﺒﺢ ﺃﻓﻌﺎﻻً ﺿﺎﺭﺓ ﺗﺴﺘﻮﺟﺐ ﺍﻟﺘﻌﻮﻳﺾ ﻭﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺔ
ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻀﻮﺍﺑﻂ ﺍﻟﻤﺸﺘﺮﻛﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻷﻧﻈﻤﺔ ﺍﻟﺜﻼﺛﺔ ﺷﺮﻁ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﻭﻋﺪﻡ ﺍﻟﻤﺠﺎﻭﺯﺓ ﻓﻤﻤﺎﺭﺳﺔ ﺍﻟﺤﻖ ﻳﺠﺐ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻣﺘﻨﺎﺳﺒﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﻬﺪﻑ ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻉ ﻭﺃﻻ ﺗﺘﺴﺒﺐ ﻓﻲ ﺿﺮﺭ ﻳﻔﻮﻕ ﺍﻟﻔﺎﺋﺪﺓ ﺍﻟﻤﺮﺟﻮﺓ ﻣﻨﻬﺎ ﻛﻤﺎ ﻳﺸﺘﺮﻁ ﺣﺴﻦ ﺍﻟﻨﻴﺔ ﻭﺧﻠﻮ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺼﺪ ﺍﻹﺟﺮﺍﻣﻲ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮ ﻓﺈﺫﺍ ﺛﺒﺖ ﺃﻥ ﺍﻟﺪﺍﻓﻊ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪ ﻟﻠﻔﻌﻞ ﻫﻮ ﺍﻹﻳﺬﺍﺀ ﺃﻭ ﺍﻻﻧﺘﻘﺎﻡ ﻓﺈﻥ ﺳﺒﺐ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﻳﻨﺘﻔﻲ ﺗﻤﺎﻣﺎً
ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺩﻭﺭ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻳﺘﻌﺰﺯ ﻓﻲ ﺭﺻﺪ ﺣﺎﻻﺕ ﺗﻌﺴﻒ ﺍﺳﺘﻌﻤﺎﻝ ﺍﻟﺤﻖ ﺣﻴﺚ ﻳﻘﻊ ﻋﻠﻰ ﻋﺎﺗﻘﻬﺎ ﺍﻟﺘﺤﻘﻖ ﻣﻦ ﻧﻴﺔ ﺍﻟﻤﺘﻬﻢ ﻭﺍﻟﻐﺮﺽ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﻣﻦ ﻓﻌﻠﻪ ﻭﻟﻴﺲ ﻓﻘﻂ ﻣﻦ ﺷﻜﻠﻪ ﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻲ ﻭﻗﺪ ﻃﻮﺭﺕ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﺜﻼﺙ ﻣﻨﻬﺠﻴﺎﺕ ﻟﻠﺘﺤﻘﻴﻖ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﺗﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻰ ﺗﺤﻠﻴﻞ ﺍﻟﺴﻴﺎﻕ ﻭﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﺍﻟﻤﺤﻴﻄﺔ ﻭﺍﻟﻔﻌﻞ ﺍﻟﺴﺎﺑﻖ ﻭﺍﻟﻼﺣﻖ ﻟﻠﻤﺘﻬﻢ ﻻﺳﺘﻨﺘﺎﺝ ﻧﻴﺘﻪ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻴﺔ
ﺇﻥ ﺗﻄﺒﻴﻖ ﻣﺒﺪﺃ ﻣﻤﺎﺭﺳﺔ ﺍﻟﺤﻖ ﻛﺴﺒﺐ ﻟﻺﺑﺎﺣﺔ ﻳﺘﻄﻠﺐ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻀﺎﺓ ﻣﻬﺎﺭﺓ ﻋﺎﻟﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻮﻓﻴﻖ ﺑﻴﻦ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﺤﻘﻮﻕ ﺍﻟﻔﺮﺩﻳﺔ ﻭﻣﻨﻊ ﺗﺤﻮﻟﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﺃﺩﻭﺍﺕ ﻟﻠﻈﻠﻢ ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻮﺍﺯﻥ ﺍﻟﺪﻗﻴﻖ ﻫﻮ ﺟﻮﻫﺮ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ
ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﺘﺮﻡ ﺍﻟﺤﺮﻳﺎﺕ ﻭﻟﻜﻨﻬﺎ ﺗﻀﻊ ﻟﻬﺎ ﺿﻮﺍﺑﻂ ﺗﺤﻤﻲ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻣﻦ ﻓﻮﺿﻰ ﺍﻷﻧﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﻔﺮﺩﻳﺔ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺜﺎﻣﻦ ﻋﺸﺮ
ﺭﺿﺎ ﺍﻟﻤﺠﻨﻲ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺃﺛﺮﻩ ﻓﻲ ﺇﺳﻘﺎﻁ ﺍﻟﺼﻔﺔ ﺍﻟﺠﺮﻣﻴﺔ
ﻳﻌُﺪ ﺭﺿﺎ ﺍﻟﻤﺠﻨﻲ ﻋﻠﻴﻪ ﺃﺣﺪ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﺍﻟﻤﺜﻴﺮﺓ ﻟﻠﺠﺪﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﻭﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺣﻴﺚ ﻳﻄﺮﺡ ﺳﺆﺍﻻً ﺟﻮﻫﺮﻳﺎً: ﻫﻞ ﻳﻤﻠﻚ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﺤﻖ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻨﺎﺯﻝ ﻋﻦ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﻟﺠﺴﺪﻩ ﺃﻭ ﻣﺎﻟﻪ ﺃﻭ ﻋﺮﺿﻪ؟ ﻭﻗﺪ ﺍﺧﺘﻠﻔﺖ ﺍﻹﺟﺎﺑﺔ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎﺕ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻭﻓﺮﻧﺴﺎ ﺑﻨﺎﺀً ﻋﻠﻰ ﻃﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﺤﻖ ﺍﻟﻤﺘﻨﺎﺯﻝ ﻋﻨﻪ ﻭﺩﺭﺟﺔ ﺧﻄﻮﺭﺓ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺍﻟﻤﺮﺗﻜﺐ
ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻳﻨُﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺭﺿﺎ ﺍﻟﻤﺠﻨﻲ ﻋﻠﻴﻪ ﻧﻈﺮﺓ ﺗﻔﺼﻴﻠﻴﺔ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﻓﺄﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﻮﻕ ﺍﻟﻤﺎﻟﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﻌﺎﻣﻼﺕ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺮﺿﺎ ﺭﻛﻦ ﺃﺳﺎﺳﻲ ﻟﺼﺤﺔ ﺍﻟﺘﺼﺮﻑ ﻭﻳﺴﻘﻂ ﺍﻟﻀﻤﺎﻥ ﻭﺍﻹﺛﻢ ﺗﻤﺎﻣﺎً ﻓﺄﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﻮﻕ ﺍﻟﺒﺪﻧﻴﺔ ﻛﺎﻟﻘﺼﺎﺹ ﻭﺍﻟﺪﻳﺎﺕ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺮﺿﺎ ﻳﺴﻘﻂ ﺍﻟﺤﻖ ﺍﻟﺨﺎﺹ
ﻟﻠﻤﺠﻨﻲ ﻋﻠﻴﻪ ﺃﻭ ﻭﺭﺛﺘﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻄﺎﻟﺒﺔ ﺑﺎﻟﻘﺼﺎﺹ ﺃﻭ ﺍﻟﺪﻳﺔ ﻟﻜﻨﻪ ﻻ ﻳﺴﻘﻂ ﺍﻟﺤﻖ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻟﻠﻪ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺘﻤﺜﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻌﺰﻳﺮ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻳﻤﺲ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﺃﻭ ﻳﻬﺪﺩ ﺍﻟﺴﻼﻣﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻭﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﻮﻕ ﺍﻟﻤﺘﻌﻠﻘﺔ ﺑﺎﻟﻨﻔﺲ ﻣﺜﻞ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺮﺿﺎ ﻻ ﻳﺒﻴﺢ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﺃﺑﺪﺍً ﻓﻼ ﻳﺠﻮﺯ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ ﺃﻥ ﻳﻄﻠﺐ ﻣﻦ ﺁﺧﺮ ﻗﺘﻠﻪ ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﻭﺍﻓﻖ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ ﻷﻥ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻣﻠﻚ ﻟﻠﻪ ﻭﻟﻴﺴﺖ ﻣﻠﻜﺎً ﻟﺼﺎﺣﺒﻬﺎ ﻳﺘﺼﺮﻑ ﻓﻴﻬﺎ ﻛﻴﻒ ﺷﺎﺀ ﻭﻗﺪ ﺃﺟﻤﻊ ﺍﻟﻔﻘﻬﺎﺀ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﺑﺮﺿﺎ ﺍﻟﻤﻘﺘﻮﻝ ﻳﺒﻘﻰ ﺟﺮﻳﻤﺔ ﻳﻌﺎﻗﺐ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺍﻟﻘﺎﺗﻞ ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺔ ﻗﺪ ﺗﺨﻔﻒ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻵﺭﺍﺀ ﺍﻟﻔﻘﻬﻴﺔ
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻓﺈﻥ ﻣﺒﺪﺃ “ﻻ ﺟﺮﻳﻤﺔ ﺑﺪﻭﻥ ﻣﺠﻨﻲ ﻋﻠﻴﻪ” ﻳﻠﻌﺐ ﺩﻭﺭﺍً ﻛﺒﻴﺮﺍً ﻓﻲ ﺗﻘﻴﻴﻢ ﺃﺛﺮ ﺍﻟﺮﺿﺎ ﻓﻔﻲ ﺍﻟﺠﺮﺍﺋﻢ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻤﺲ ﺍﻷﻓﺮﺍﺩ ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ ﻣﺜﻞ ﺍﻟﻀﺮﺏ ﺍﻟﺒﺴﻴﻂ ﺃﻭ ﺍﻟﺴﺮﻗﻪ ﺃﻭ ﺇﺗﻼﻑ ﺍﻟﻤﺎﻝ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﺭﺿﺎ ﺍﻟﻤﺠﻨﻲ ﻋﻠﻴﻪ ﺳﺒﺒﺎً ﻛﺎﻣﻼً ﻹﺳﻘﺎﻁ ﺍﻟﺼﻔﺔ ﺍﻟﺠﺮﻣﻴﺔ ﻟﻠﻔﻌﻞ ﻣﺎ ﺩﺍﻡ ﺍﻟﺮﺿﺎ ﺣﺮﺍً ﻭﺻﺮﻳﺤﺎً ﻭﻏﻴﺮ ﻧﺎﺗﺞ ﻋﻦ ﺇﻛﺮﺍﻩ ﺃﻭ ﻏﺶ ﻏﻴﺮ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﻳﺘﻮﻗﻒ ﻋﻨﺪ ﺣﺪﻭﺩ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻭﺍﻵﺩﺍﺏ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻓﻼ ﻳﺒﻴﺢ ﺍﻟﺮﺿﺎ ﺍﻷﻓﻌﺎﻝ ﺍﻟﺨﻄﻴﺮﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻬﺪﺩ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺃﻭ ﺗﺴﺒﺐ ﻋﺎﻫﺎﺕ ﻣﺴﺘﺪﻳﻤﺔ ﺃﻭ ﺗﻤﺲ ﺍﻟﻜﺮﺍﻣﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﺑﺸﻜﻞ ﺟﻮﻫﺮﻱ ﻣﺜﻞ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﺍﻟﺮﺣﻴﻢ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﺒﺎﺭﺯﺍﺕ ﺍﻟﺪﻣﻮﻳﺔ
ﺃﻭ ﺍﻟﺘﺸﻮﻳﻪ ﺍﻟﺠﺴﺪﻱ ﺍﻟﺪﺍﺋﻢ ﺣﻴﺚ ﻳﺒﻘﻰ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺟﺮﻳﻤﺔ ﻳﻌﺎﻗﺐ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺑﻐﺾ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻋﻦ ﺭﺿﺎ ﺍﻟﻀﺤﻴﺔ
ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻳﺄﺧﺬ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﻣﻮﻗﻔﺎً ﻣﺸﺎﺑﻬﺎً ﻟﻠﻤﻮﻗﻒ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻣﻊ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﻭﺍﺿﺢ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺪﻡ ﻭﺍﻟﻌﺮﺽ ﻓﻔﻲ ﺍﻟﺠﺮﺍﺋﻢ ﺍﻟﻤﺎﻟﻴﺔ ﻭﺟﺮﺍﺋﻢ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﺒﺴﻴﻂ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺷﺨﺎﺹ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﺍﻟﺮﺿﺎ ﻣﺎﻧﻌﺎً ﻟﻠﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻴﺔ ﺃﻭ ﺳﺒﺒﺎً ﻻﻧﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﺪﻋﻮﻯ ﺇﺫﺍ ﺗﻢ ﺍﻟﺼﻠﺢ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺮﺍﺋﻢ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺠﻮﺯ ﺍﻟﺼﻠﺢ ﻓﻴﻬﺎ ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺟﺮﺍﺋﻢ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﻭﺍﻹﻳﺬﺍﺀ ﺍﻟﺠﺴﻴﻢ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺮﺿﺎ ﻻ ﻳﺴﻘﻂ ﺍﻟﺼﻔﺔ ﺍﻟﺠﺮﻣﻴﺔ ﻟﻠﻔﻌﻞ ﺑﻞ ﻳﺆﺛﺮ ﻓﻘﻂ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺨﻔﻴﻒ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺔ ﺃﻭ ﻓﻲ ﺇﺳﻘﺎﻁ ﺍﻟﺤﻖ ﺍﻟﺨﺎﺹ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺼﺎﺹ ﺃﻭ ﺍﻟﺪﻳﺔ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺗﺒﻘﻰ ﺍﻟﺪﻋﻮﻯ ﺍﻟﻌﻤﻮﻣﻴﺔ ﻗﺎﺋﻤﺔ ﻟﻤﺤﺎﻛﻤﺔ ﺍﻟﺠﺎﻧﻲ ﺣﻔﺎﻇﺎً ﻋﻠﻰ ﻫﻴﺒﺔ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﻭﺳﻼﻣﺔ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ ﻳﻤﺰﺝ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﻨﻈﻮﺭﻳﻦ ﺣﻴﺚ ﻳﻌﺘﺮﻑ ﺑﺎﻟﺮﺿﺎ ﻛﺴﺒﺐ ﻟﻺﺑﺎﺣﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺪﻭﺩ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﻤﺲ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻭﺍﻟﺜﻮﺍﺑﺖ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﻓﻔﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺸﺮﻑ ﻭﺍﻟﻌﺮﺽ ﻗﺪ ﻳﻠﻌﺐ ﺭﺿﺎ ﺍﻟﻤﺠﻨﻲ ﻋﻠﻴﻪ ﺩﻭﺭﺍً ﻓﻲ ﺗﺨﻔﻴﻒ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺔ ﺃﻭ ﺍﻋﺘﺒﺎﺭ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺃﻗﻞ ﺟﺴﺎﻣﺔ ﻓﻲ ﻧﻈﺮ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻭﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﻟﻜﻨﻪ ﻻ ﻳﺒﻴﺢ ﺍﻷﻓﻌﺎﻝ ﺍﻟﻤﺤﺮﻣﺔ
ﺷﺮﻋﺎً ﻭﻗﺎﻧﻮﻧﺎً ﺑﺸﻜﻞ ﻗﺎﻃﻊ ﻭﻗﺪ ﺃﻛﺪﺕ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﺃﻥ ﺍﻟﺮﺿﺎ ﻻ ﻳﺒﺮﺭ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺃﻭ ﺍﻟﺴﻼﻣﺔ ﺍﻟﺠﺴﺪﻳﺔ ﺑﺸﻜﻞ ﺟﻮﻫﺮﻱ ﻣﺴﺘﻨﺪﺓ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻫﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﻳﺎﺕ ﺍﻟﺨﻤﺲ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﻳﺠﻮﺯ ﺍﻟﺘﻨﺎﺯﻝ ﻋﻨﻬﺎ
ﻭﻣﻦ ﺍﻹﺷﻜﺎﻟﻴﺎﺕ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺍﻟﺮﺿﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺎﺕ ﺍﻟﻄﺒﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﺠﺎﺭﺏ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ ﺣﻴﺚ ﻳﺸﺘﺮﻁ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﺜﻼﺙ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﺮﺿﺎ ﻣﺴﺘﻨﻴﺮﺍً ﻭﻣﺒﻨﻴﺎً ﻋﻠﻰ ﻓﻬﻢ ﻛﺎﻣﻞ ﻟﻠﻤﺨﺎﻃﺮ ﻭﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺻﺎﺩﺭﺍً ﻋﻦ ﺷﺨﺺ ﺃﻫﻞ ﻟﻠﺘﺼﺮﻑ ﻭﻗﺪ ﻧﻈﻢ ﺍﻟﻤﺸﺮﻋﻮﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﺑﺪﻗﺔ ﻟﻀﻤﺎﻥ ﻋﺪﻡ ﺍﺳﺘﻐﻼﻝ ﺣﺎﺟﺔ ﺍﻟﻤﺮﺿﻰ ﺃﻭ ﺟﻬﻠﻬﻢ ﻟﻠﺤﺼﻮﻝ ﻋﻠﻰ ﺭﺿﺎﻫﻢ ﻓﻲ ﺇﺟﺮﺍﺀﺍﺕ ﻗﺪ ﺗﻀﺮ ﺑﻬﻢ
ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺍﻟﺮﺿﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺍﻟﺠﻨﺴﻴﺔ ﺗﺜﺎﺭ ﺇﺷﻜﺎﻟﻴﺎﺕ ﺧﺎﺻﺔ ﺧﺎﺻﺔ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﺴﻦ ﺍﻟﺮﺿﺎ ﻭﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﺩﺭﺍﻙ ﺣﻴﺚ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺃﻥ ﺍﻟﻘﺎﺻﺮ ﻻ ﻳﻤﻠﻚ ﺃﻫﻠﻴﺔ ﺇﻋﻄﺎﺀ ﺭﺿﺎ ﺻﺤﻴﺢ ﻳﺒﻴﺢ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺍﻟﺠﻨﺴﻲ ﻣﻌﻪ ﺑﻐﺾ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻋﻦ ﻣﻮﺍﻓﻘﺘﻪ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﻳﺔ ﻭﺫﻟﻚ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﻟﻪ ﻣﻦ ﺍﻻﺳﺘﻐﻼﻝ
ﺇﻥ ﺗﻘﻴﻴﻢ ﺃﺛﺮ ﺭﺿﺎ ﺍﻟﻤﺠﻨﻲ ﻋﻠﻴﻪ ﻳﺘﻄﻠﺐ ﻣﻮﺍﺯﻧﺔ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﺣﺘﺮﺍﻡ ﺍﻹﺭﺍﺩﺓ ﺍﻟﻔﺮﺩﻳﺔ ﻭﺿﺮﻭﺭﺓ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻘﻴﻢ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﻟﻠﻤﺠﺘﻤﻊ ﻭﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻓﺎﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﻻ ﻳﺘﺮﻙ ﻟﻸﻓﺮﺍﺩ ﺣﺮﻳﺔ ﻣﻄﻠﻘﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺼﺮﻑ ﻓﻲ ﺃﺟﺴﺎﺩﻫﻢ ﺃﻭ ﺣﻴﺎﺗﻬﻢ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺼﺮﻑ ﻳﻤﺲ ﻛﺮﺍﻣﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺃﻭ ﻳﻬﺪﺩ ﺳﻼﻣﺔ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻛﻜﻞ ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺤﻜﻢ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻭﻓﺮﻧﺴﺎ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﺎﺏ ﺍﻟﺤﺴﺎﺱ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺘﺎﺳﻊ ﻋﺸﺮ
ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻘﺎﻫﺮﺓ ﻭﻋﻼﻗﺘﻬﺎ ﺑﺎﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻭﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ
ﺗﻌُﺪ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻘﺎﻫﺮﺓ ﺳﺒﺒﺎً ﻣﻦ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﺃﻭ ﺍﻷﻋﺬﺍﺭ ﺍﻟﻤﺨﻔﻔﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻭﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻓﻲ ﻃﺒﻴﻌﺘﻬﺎ ﻭﺷﺮﻭﻃﻬﺎ ﺭﻏﻢ ﺍﺷﺘﺮﺍﻛﻬﺎ ﻣﻌﻬﺎ ﻓﻲ ﻓﻜﺮﺓ ﺍﻧﺘﻔﺎﺀ ﺍﻹﺭﺍﺩﺓ ﺍﻟﺤﺮﺓ ﺃﻭ ﺍﻧﻌﺪﺍﻡ ﺍﻻﺧﺘﻴﺎﺭ ﺍﻟﻜﺎﻣﻞ ﻟﺪﻯ ﺍﻟﺠﺎﻧﻲ ﻓﺎﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻘﺎﻫﺮﺓ ﻫﻲ ﺣﺪﺙ ﺧﺎﺭﺟﻲ ﻣﻔﺎﺟﺊ ﻭﻏﻴﺮ ﻣﺘﻮﻗﻊ ﻳﺴﺘﺤﻴﻞ ﺩﻓﻌﻪ ﺃﻭ ﺗﺠﻨﺒﻪ ﻭﻳﺠﺒﺮ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻋﻠﻰ ﺍﺭﺗﻜﺎﺏ ﻓﻌﻞ ﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﺨﺎﻟﻔﺎً ﻟﻠﻘﺎﻧﻮﻥ ﻭﻗﺪ ﻧﻈﻢ
ﺍﻟﻤﺸﺮﻋﻮﻥ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻭﻓﺮﻧﺴﺎ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻔﻬﻮﻡ ﺑﺪﻗﺔ ﻟﺘﻤﻴﻴﺰﻩ ﻋﻦ ﺑﺎﻗﻲ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ
ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺗﻌُﺮﻑ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻘﺎﻫﺮﺓ Force) (Majeure ﺑﺄﻧﻬﺎ ﺍﻟﺤﺪﺙ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺘﺴﻢ ﺑﺜﻼﺙ ﺧﺼﺎﺋﺺ ﻫﻲ ﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻴﺔ ﻭﻋﺪﻡ ﺍﻟﺘﻮﻗﻊ ﻭﺍﻻﺳﺘﺤﺎﻟﺔ ﻭﻗﺪ ﻧﺼﺖ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ 2-122 ﻣﻦ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﺴﺆﻭﻻً ﺟﻨﺎﺋﻴﺎً ﺇﺫﺍ acted ﺗﺤﺖ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﻗﻮﺓ ﺃﻭ ﺇﻛﺮﺍﻩ ﻟﻢ ﻳﺴﺘﻄﻊ ﻣﻘﺎﻭﻣﺘﻪ ﻭﻗﺪ ﻣﻴﺰ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺸﻞ ﺇﺭﺍﺩﺓ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺗﻤﺎﻣﺎً ﻣﺜﻞ ﺍﻟﺰﻻﺯﻝ ﺃﻭ ﺍﻟﻔﻴﻀﺎﻧﺎﺕ ﺃﻭ ﺍﻟﻬﺠﻮﻡ ﺍﻟﻤﺴﻠﺢ ﺍﻟﻤﻔﺎﺟﺊ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺠﺒﺮ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﻋﻠﻰ ﻓﻌﻞ ﺷﻲﺀ ﺿﺪ ﺇﺭﺍﺩﺗﻪ ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﺗﺼﻞ ﺇﻟﻰ ﺣﺪ ﺍﻹﻛﺮﺍﻩ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺒﻴﺢ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺘﻬﺪﻳﺪ ﺟﺴﻴﻤﺎً ﻭﺷﺪﻳﺪﺍً ﻟﺪﺭﺟﺔ ﻓﻘﺪﺍﻥ ﺍﻹﺭﺍﺩﺓ ﺣﺮﻳﺘﻬﺎ
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ 62 ﻣﻦ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺗﻨﺺ ﻋﻠﻰ ﺍﻧﻌﺪﺍﻡ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺇﺫﺍ ﺍﺭﺗﻜﺐ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺗﺤﺖ ﺇﻛﺮﺍﻩ ﻣﺎﺩﻱ ﺃﻭ ﻣﻌﻨﻮﻱ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺩﻓﻌﻪ ﻭﻗﺪ ﻓﺴﺮ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﺍﻹﻛﺮﺍﻩ ﺍﻟﻤﺎﺩﻱ ﺑﺄﻧﻪ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻘﺎﻫﺮﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺸﻞ ﺍﻹﺭﺍﺩﺓ ﺗﻤﺎﻣﺎً ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻓﺴﺮ ﺍﻹﻛﺮﺍﻩ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱ ﺑﺄﻧﻪ
ﺍﻟﺘﻬﺪﻳﺪ ﺍﻟﺸﺪﻳﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺨﻠﻖ ﺣﺎﻟﺔ ﺿﺮﻭﺭﺓ ﻣﻠﺤﺔ ﻭﻗﺪ ﺭﺑﻄﺖ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻘﺎﻫﺮﺓ ﻭﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻓﻲ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻷﺣﻜﺎﻡ ﻣﻌﺘﺒﺮﺓ ﺃﻥ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻘﺎﻫﺮﺓ ﻫﻲ ﺍﻟﻤﺼﺪﺭ ﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻮﻟﺪ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﺪﺍﺧﻠﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺪﻓﻊ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻟﻠﻔﻌﻞ
ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻳﺠﻤﻊ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻭﺍﻷﺻﻮﻝ ﺍﻟﻔﻘﻬﻴﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﺣﻴﺚ ﺗﻌﺘﺒﺮ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻘﺎﻫﺮﺓ ﻋﺬﺭﺍً ﺗﺎﻣﺎً ﺇﺫﺍ ﺃﺛﺒﺘﺖ ﺃﻧﻬﺎ ﺃﺯﺍﻟﺖ ﺍﻹﺭﺍﺩﺓ ﺗﻤﺎﻣﺎً ﻭﻗﺪ ﺍﺳﺘﻨﺪ ﺍﻟﻔﻘﻬﺎﺀ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻴﺔ ﺇﻟﻰ ﻗﺎﻋﺪﺓ “ﺍﻟﻤﻜﺮﻩ ﻛﺎﻟﻤﻀﻄﺮ” ﻓﻲ ﻣﻌﺎﻟﺠﺔ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﻣﻤﻴﺰﻳﻦ ﺑﻴﻦ ﺍﻹﻛﺮﺍﻩ ﺍﻟﻤﻠﺠﺊ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺰﻳﻞ ﺍﻻﺧﺘﻴﺎﺭ ﻭﺍﻹﻛﺮﺍﻩ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﻠﺠﺊ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺨﻔﻒ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺔ ﻓﻘﻂ ﻭﻗﺪ ﻃﺒﻘﺖ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻤﻴﻴﺰ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﻣﺘﻌﺪﺩﺓ ﻣﺜﻞ ﺣﻮﺍﺩﺙ ﺍﻟﺴﻴﺮ ﺍﻟﻨﺎﺗﺠﺔ ﻋﻦ ﻇﺮﻭﻑ ﺟﻮﻳﺔ ﻗﺎﻫﺮﺓ ﺃﻭ ﺃﻓﻌﺎﻝ ﺍﺭﺗﻜﺒﺖ ﺗﺤﺖ ﺗﻬﺪﻳﺪ ﺍﻟﺴﻼﺡ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮ
ﻭﺍﻟﻔﺮﻕ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮﻱ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻘﺎﻫﺮﺓ ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻳﻜﻤﻦ ﻓﻲ ﺍﺗﺠﺎﻩ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻓﻔﻲ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﺮﺩ ﻣﻮﺟﻬﺎً ﺿﺪ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﻧﻔﺴﻪ ﻟﺪﻓﻊ ﻋﺪﻭﺍﻧﻪ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻘﺎﻫﺮﺓ ﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻣﻮﺟﻬﺎً ﺿﺪ ﺷﺨﺺ ﺑﺮﻱﺀ
ﺃﻭ ﻣﺎﻝ ﻏﻴﺮ ﻣﺮﺗﺒﻂ ﺑﺎﻟﺨﻄﺮ ﺍﻷﺻﻠﻲ ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻳﺘﻄﻠﺐ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻋﺘﺪﺍﺀ ﺣﺎﻝ ﻭﻏﻴﺮ ﻣﺸﺮﻭﻉ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻘﺎﻫﺮﺓ ﻗﺪ ﺗﻨﺸﺄ ﻋﻦ ﺃﺣﺪﺍﺙ ﻃﺒﻴﻌﻴﺔ ﺃﻭ ﻇﺮﻭﻑ ﻣﻮﺿﻮﻋﻴﺔ ﻻ ﻋﻼﻗﺔ ﻟﻬﺎ ﺑﻌﺪﻭﺍﻥ ﺑﺸﺮﻱ
ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻘﺎﻫﺮﺓ ﻭﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻓﻬﻲ ﻋﻼﻗﺔ ﻭﺛﻴﻘﺔ ﺣﻴﺚ ﺗﻌﺘﺒﺮ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻘﺎﻫﺮﺓ ﻏﺎﻟﺒﺎً ﻫﻲ ﺍﻟﺴﺒﺐ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻮﻟﺪ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻓﺎﻟﻔﻴﻀﺎﻥ )ﻗﻮﺓ ﻗﺎﻫﺮﺓ( ﻗﺪ ﻳﺠﺒﺮ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﻋﻠﻰ ﺍﻗﺘﺤﺎﻡ ﻣﻨﺰﻝ ﻏﻴﺮﻩ ﻟﻠﻨﺠﺎﺓ ﺑﻨﻔﺴﻪ )ﺣﺎﻟﺔ ﺿﺮﻭﺭﺓ( ﻭﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﻳﺘﺪﺍﺧﻞ ﺍﻟﺴﺒﺒﺎﻥ ﻭﻗﺪ ﻳﻌﺘﻤﺪ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻠﻰ ﻛﻠﻴﻬﻤﺎ ﻣﻌﺎً ﻹﺛﺒﺎﺕ ﺍﻧﺘﻔﺎﺀ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ
ﻭﺗﻠﻌﺐ ﺍﻟﺨﺒﺮﺓ ﺍﻟﻔﻨﻴﺔ ﺩﻭﺭﺍً ﻫﺎﻣﺎً ﻓﻲ ﺇﺛﺒﺎﺕ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻘﺎﻫﺮﺓ ﺣﻴﺚ ﻳﺘﻢ ﺍﻻﺳﺘﻌﺎﻧﺔ ﺑﺨﺒﺮﺍﺀ ﺍﻷﺭﺻﺎﺩ ﺍﻟﺠﻮﻳﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﻬﻨﺪﺳﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﻄﺐ ﻟﺘﺤﺪﻳﺪ ﻣﺎ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺤﺪﺙ ﺧﺎﺭﺟﺎً ﻋﻦ ﺍﻟﺴﻴﻄﺮﺓ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﺣﻘﺎً ﺃﻡ ﺃﻧﻪ ﻛﺎﻥ ﻣﺘﻮﻗﻌﺎً ﻭﻳﻤﻜﻦ ﺗﺠﻨﺒﻪ ﺑﺎﻟﺤﺬﺭ ﺍﻟﻮﺍﺟﺐ ﻭﻗﺪ ﺷﺪﺩﺕ ﻣﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﺜﻼﺙ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻣﺠﺮﺩ ﺍﻟﺼﻌﻮﺑﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﺸﻘﺔ ﻻ ﺗﻜﻔﻲ ﻟﻘﻴﺎﻡ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻘﺎﻫﺮﺓ ﺑﻞ ﻻﺑﺪ ﻣﻦ ﺍﻻﺳﺘﺤﺎﻟﺔ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘﺔ
ﺇﻥ ﺍﻟﻔﻬﻢ ﺍﻟﺪﻗﻴﻖ ﻟﻠﻘﻮﺓ ﺍﻟﻘﺎﻫﺮﺓ ﻭﻋﻼﻗﺘﻬﺎ ﺑﺒﺎﻗﻲ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﻳﺴﺎﻋﺪ ﺍﻟﻘﻀﺎﺓ ﻭﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﻓﻲ ﺗﺼﻨﻴﻒ ﺍﻟﻮﻗﺎﺋﻊ ﺑﺪﻗﺔ ﻭﺗﺤﺪﻳﺪ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻴﺔ ﺑﺸﻜﻞ ﻋﺎﺩﻝ ﻓﻼ ﻳﻌﺎﻗﺐ ﻣﻦ ﺳﻘﻄﺖ ﺇﺭﺍﺩﺗﻪ ﺗﻤﺎﻣﺎً ﺑﻔﻌﻞ ﻗﻮﺓ ﻏﺎﺷﻤﺔ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﺤﺎﺳﺐ ﻣﻦ ﺍﺳﺘﻐﻞ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﺃﻭ ﺑﺎﻟﻎ ﻓﻲ ﺗﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﺼﻌﻮﺑﺎﺕ ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻤﻴﻴﺰ ﺍﻟﺪﻗﻴﻖ ﻫﻮ ﺿﻤﺎﻥ ﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﺍﻟﻌﻤﻠﻲ ﻟﻠﻨﺼﻮﺹ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﻌﺸﺮﻭﻥ
ﻋﺐﺀ ﺍﻹﺛﺒﺎﺕ ﻓﻲ ﺩﻋﺎﻭﻯ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺃﻣﺎﻡ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ
ﻳﻌُﺪ ﻋﺐﺀ ﺍﻹﺛﺒﺎﺕ ﻓﻲ ﺩﻋﺎﻭﻯ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻣﻦ ﺃﻫﻢ ﺍﻹﺟﺮﺍﺀﺍﺕ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﺪﺩ ﻣﺼﻴﺮ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﺣﻴﺚ ﻳﻘﻊ ﻋﻠﻰ ﻋﺎﺗﻖ ﺃﻃﺮﺍﻑ ﺍﻟﺪﻋﻮﻯ ﺇﺛﺒﺎﺕ ﻭﻗﺎﺋﻊ ﻣﻌﻴﻨﺔ ﻟﺘﺒﺮﻳﺮ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺃﻭ ﺇﺩﺍﻧﺘﻪ ﻭﻗﺪ ﺍﺳﺘﻘﺮ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﻭﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻋﻠﻰ ﻣﺒﺪﺃ ﻋﺎﻡ ﻣﻔﺎﺩﻩ ﺃﻥ ﺍﻷﺻﻞ ﻓﻲ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﺒﺮﺍﺀﺓ ﻭﺃﻥ ﺍﻟﺸﻚ ﻳﻔﺴﺮ ﻟﺼﺎﻟﺢ ﺍﻟﻤﺘﻬﻢ
ﻏﻴﺮ ﺃﻥ ﺗﻄﺒﻴﻖ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻳﺘﻄﻠﺐ ﺗﻔﺼﻴﻼً ﺩﻗﻴﻘﺎً ﻷﺩﻭﺍﺭ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻭﺍﻟﻤﺘﻬﻢ ﻭﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ
ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﻠﺔ ﺍﻻﺑﺘﺪﺍﺋﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺗﻘﻊ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﻋﻠﻰ ﻋﺎﺗﻖ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻓﻲ ﺟﻤﻊ ﺍﻷﺩﻟﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺜﺒﺖ ﻭﻗﻮﻉ ﺍﻟﺠﺮﻳﻤﺔ ﻭﺃﺭﻛﺎﻧﻬﺎ ﺑﻤﺎ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺭﻛﻦ ﺍﻟﻘﺼﺪ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻲ ﻓﺈﺫﺍ ﺍﺩﻋﻰ ﺍﻟﻤﺘﻬﻢ ﺃﻧﻪ acted ﺩﻓﺎﻋﺎً ﻋﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻓﺈﻥ ﻋﺐﺀ ﺍﻹﺛﺒﺎﺕ ﻳﻨﻘﻠﺐ ﺟﺰﺋﻴﺎً ﻟﻴﻠﺰﻡ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺑﻨﻔﻲ ﻭﺟﻮﺩ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﺇﺫﺍ ﻭﺟﺪﺕ ﻗﺮﺍﺋﻦ ﺃﻭﻟﻴﺔ ﺗﺪﻋﻢ ﺭﻭﺍﻳﺔ ﺍﻟﻤﺘﻬﻢ ﻭﻗﺪ ﻃﻮﺭﺕ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﻣﻨﻬﺠﻴﺔ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ ﻫﺬﻩ ﺍﻻﺩﻋﺎﺀﺍﺕ ﺗﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻰ ﻣﻌﺎﻳﻨﺔ ﻣﻜﺎﻥ ﺍﻟﺤﺎﺩﺙ ﻓﻮﺭﺍً ﻭﺟﻤﻊ ﺍﻟﺸﻬﺎﺩﺍﺕ ﻭﺍﺳﺘﺨﻼﺹ ﺗﻘﺎﺭﻳﺮ ﺍﻟﺨﺒﺮﺓ ﺍﻟﻄﺒﻴﺔ ﻟﺘﺤﺪﻳﺪ ﻃﺒﻴﻌﺔ ﺍﻹﺻﺎﺑﺎﺕ ﻭﺍﺗﺠﺎﻫﻬﺎ ﻭﺯﺍﻭﻳﺔ ﻭﺭﻭﺩﻫﺎ
ﺃﻣﺎ ﺃﻣﺎﻡ ﻣﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻉ ﻓﺈﻥ ﻋﺐﺀ ﺍﻹﺛﺒﺎﺕ ﺍﻟﻨﻬﺎﺋﻲ ﻳﻘﻊ ﻋﻠﻰ ﻋﺎﺗﻖ ﺍﻟﺨﺼﻮﻡ ﺣﻴﺚ ﻳﺠﺐ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺘﻬﻢ ﺃﻥ ﻳﻘﺪﻡ ﺃﺩﻟﺔ ﻛﺎﻓﻴﺔ ﺗﺠﻌﻞ ﺩﻓﺎﻋﻪ ﻣﻘﺒﻮﻻً ﻭﻣﻌﻘﻮﻻً ﻓﻲ ﻧﻈﺮ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﻭﻻ ﻳﺸﺘﺮﻁ ﺃﻥ ﻳﺼﻞ ﺇﻟﻰ ﺩﺭﺟﺔ ﺍﻟﻴﻘﻴﻦ ﺍﻟﻜﺎﻣﻞ ﺑﻞ ﻳﻜﻔﻲ ﺃﻥ ﻳﺜﻴﺮ ﺷﻜﺎً ﺟﺪﻳﺎً ﻓﻲ ﺫﻫﻦ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﺣﻮﻝ
ﺗﻮﺍﻓﺮ ﺷﺮﻭﻁ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻭﻋﻨﺪﺋﺬ ﻳﻨﺘﻘﻞ ﺍﻟﻌﺐﺀ ﻣﺮﺓ ﺃﺧﺮﻯ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﻹﺛﺒﺎﺕ ﻋﻜﺲ ﺫﻟﻚ ﻭﻗﺪ ﺃﻛﺪﺕ ﻣﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ ﺃﺣﻜﺎﻣﻬﺎ ﺃﻥ ﻣﺠﺮﺩ ﺇﺛﺎﺭﺓ ﺍﻟﺸﻚ ﺣﻮﻝ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻋﺘﺪﺍﺀ ﺣﺎﻝ ﻳﻜﻔﻲ ﻻﻧﺘﻔﺎﺀ ﺍﻟﻘﺼﺪ ﺍﻟﺠﺮﻣﻲ ﻭﺍﻟﺤﻜﻢ ﺑﺎﻟﺒﺮﺍﺀﺓ ﻣﺎ ﻟﻢ ﺗﺜﺒﺖ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺑﻤﺎ ﻻ ﻳﺪﻉ ﻣﺠﺎﻻً ﻟﻠﺸﻚ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻛﺎﻥ ﺍﻧﺘﻘﺎﻣﻴﺎً ﺃﻭ ﻣﺘﺠﺎﻭﺯﺍً ﻟﻠﺤﺪﻭﺩ
ﻭﺗﻠﻌﺐ ﺃﺩﻟﺔ ﺍﻹﺛﺒﺎﺕ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ﺩﻭﺭﺍً ﺣﺎﺳﻤﺎً ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﺣﻴﺚ ﺗﻌﺘﺒﺮ ﺗﻘﺎﺭﻳﺮ ﺍﻟﻄﺐ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻭﺧﺒﺮﺍﺀ ﺍﻷﺳﻠﺤﺔ ﻭﺍﻟﺒﺎﻟﺴﺘﻲ ﻭﺍﻟﺼﻮﺭ ﺍﻟﻔﻮﺗﻮﻏﺮﺍﻓﻴﺔ ﻭﻣﻘﺎﻃﻊ ﺍﻟﻔﻴﺪﻳﻮ ﺃﺩﻟﺔ ﻗﻮﻳﺔ ﻗﺪ ﺗﺤﺴﻢ ﺍﻟﺠﺪﻝ ﺣﻮﻝ ﺻﺤﺔ ﺍﺩﻋﺎﺀ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻭﻗﺪ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﺍﻟﺘﻜﻨﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﺗﻠﻌﺐ ﺩﻭﺭﺍً ﻣﺘﺰﺍﻳﺪﺍً ﻓﻲ ﻛﺸﻒ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺣﻴﺚ ﻳﻤﻜﻦ ﻟﺘﺤﻠﻴﻞ ﺁﺛﺎﺭ ﺍﻟﺒﺎﺭﻭﺩ ﻭﺑﻘﺎﻳﺎ ﺍﻟﺰﺟﺎﺝ ﻭﻛﺴﻮﺭ ﺍﻟﻌﻈﺎﻡ ﺃﻥ ﻳﻌﻴﺪ ﺑﻨﺎﺀ ﺳﻴﻨﺎﺭﻳﻮ ﺍﻟﺤﺎﺩﺙ ﺑﺪﻗﺔ ﺗﻜﺸﻒ ﻋﻤﺎ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻗﺪ ﺑﺪﺃ ﻓﻌﻼً ﻣﻦ ﺟﺎﻧﺐ ﺍﻟﻤﺠﻨﻲ ﻋﻠﻴﻪ ﺃﻡ ﻻ
ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺷﻬﺎﺩﺓ ﺍﻟﺸﻬﻮﺩ ﺗﻠﻌﺐ ﺩﻭﺭﺍً ﻣﺤﻮﺭﻳﺎً ﺧﺎﺻﺔ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻣﺴﺘﻘﻠﻴﻦ ﻭﻏﻴﺮ ﻣﺮﺗﺒﻄﻴﻦ ﺑﺄﻃﺮﺍﻑ ﺍﻟﻨﺰﺍﻉ ﻭﻗﺪ ﺷﺪﺩﺕ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﻋﻠﻰ ﺿﺮﻭﺭﺓ ﺗﻘﻮﻳﻢ ﺷﻬﺎﺩﺓ ﺍﻟﺸﻬﻮﺩ ﺑﻌﻨﺎﻳﺔ ﻓﺎﺋﻘﺔ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻧﻈﺮﺍً
ﻟﺤﺴﺎﺳﻴﺔ ﺍﻟﻤﻮﻗﻒ ﻭﺍﺣﺘﻤﺎﻝ ﺍﻟﺘﺤﻴﺰ ﺃﻭ ﺍﻟﺨﻄﺄ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻘﺪﻳﺮ ﻧﺘﻴﺠﺔ ﻟﻠﺮﻋﺐ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﻔﺎﺟﺄﺓ
ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻨﻘﺎﻁ ﺍﻟﻬﺎﻣﺔ ﺃﻳﻀﺎً ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺍﻻﻋﺘﺮﺍﻑ ﺣﻴﺚ ﻻ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﺍﻋﺘﺮﺍﻑ ﺍﻟﻤﺘﻬﻢ ﻭﺣﺪﻩ ﺩﻟﻴﻼً ﻛﺎﻓﻴﺎً ﻟﻺﺩﺍﻧﺔ ﺇﺫﺍ ﺗﻌﺎﺭﺽ ﻣﻊ ﺃﺩﻟﺔ ﻣﺎﺩﻳﺔ ﺃﺧﺮﻯ ﺗﺸﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﺩﻓﺎﻉ ﺷﺮﻋﻲ ﻭﻗﺪ ﺃﻟﻐﺖ ﻣﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﺇﺩﺍﻧﺔ ﺻﺪﺭﺕ ﺑﻨﺎﺀً ﻋﻠﻰ ﺍﻋﺘﺮﺍﻓﺎﺕ ﻓﻘﻂ ﺑﻌﺪ ﻇﻬﻮﺭ ﺃﺩﻟﺔ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﺗﺜﺒﺖ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻋﺘﺪﺍﺀ ﺳﺎﺑﻖ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺠﻨﻲ ﻋﻠﻴﻪ
ﺇﻥ ﺗﻮﺯﻳﻊ ﻋﺐﺀ ﺍﻹﺛﺒﺎﺕ ﻓﻲ ﺩﻋﺎﻭﻯ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻳﻌﻜﺲ ﺗﻮﺍﺯﻧﺎً ﺩﻗﻴﻘﺎً ﺑﻴﻦ ﺣﻖ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻓﻲ ﻣﻌﺎﻗﺒﺔ ﺍﻟﻤﺠﺮﻣﻴﻦ ﻭﺣﻖ ﺍﻷﻓﺮﺍﺩ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺃﻧﻔﺴﻬﻢ ﺿﺪ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀﺍﺕ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻋﺔ ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻮﺍﺯﻥ ﻳﺘﻄﻠﺐ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻀﺎﺓ ﻭﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﻭﺍﻟﻤﺤﺎﻣﻴﻦ ﻓﻬﻤﺎً ﻋﻤﻴﻘﺎً ﻟﻘﻮﺍﻋﺪ ﺍﻹﺛﺒﺎﺕ ﻭﻗﺪﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﺗﺤﻠﻴﻞ ﺍﻷﺩﻟﺔ ﺑﻤﻮﺿﻮﻋﻴﺔ ﻟﻠﻮﺻﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﻮﺍﻗﻌﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﺗﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﺸﻜﻠﻴﺔ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﺓ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪ ﻭﺍﻟﻌﺸﺮﻭﻥ
ﻋﺐﺀ ﺍﻹﺛﺒﺎﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﻭﻣﻘﺎﺭﻧﺘﻪ ﺑﺎﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ
ﻳﺨﻀﻊ ﻋﺐﺀ ﺍﻹﺛﺒﺎﺕ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺃﻣﺎﻡ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﻟﻤﺰﻳﺞ ﻓﺮﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻮﺍﻋﺪ ﺍﻹﺟﺮﺍﺋﻴﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﻤﺪﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻭﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻋﻴﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﻮﺣﺎﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻣﻤﺎ ﻳﺨﻠﻖ ﻧﻈﺎﻣﺎً ﺇﺛﺒﺎﺗﻴﺎً ﻣﺘﻤﻴﺰﺍً ﻳﺮﺍﻋﻲ ﺧﺼﻮﺻﻴﺔ ﺍﻟﺒﻴﺌﺔ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﻓﻔﻲ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻛﻤﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻳﻘﻊ ﺍﻟﻌﺐﺀ ﺍﻷﺳﺎﺳﻲ ﻋﻠﻰ ﻋﺎﺗﻖ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻹﺛﺒﺎﺕ ﺃﺭﻛﺎﻥ ﺍﻟﺠﺮﻳﻤﺔ ﻭﻧﻔﻲ ﻭﺟﻮﺩ ﻣﻮﺍﻧﻊ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺑﻤﺎ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻏﻴﺮ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﺍﻟﻌﻤﻠﻲ ﻳﻜﺸﻒ ﻋﻦ ﻓﺮﻭﻕ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﻓﻲ ﻣﻨﻬﺠﻴﺔ ﺍﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ ﺍﻟﺸﻚ ﻭﺗﻘﺪﻳﺮ ﺍﻷﺩﻟﺔ
ﻓﻔﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻳﻄُﺒﻖ ﻣﺒﺪﺃ “ﺍﻟﺸﻚ ﻳﻔﻴﺪ ﺍﻟﻤﺘﻬﻢ” reo) pro dubio (In ﺑﺼﺮﺍﻣﺔ ﺷﺪﻳﺪﺓ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺣﻴﺚ ﻳﻜﻔﻲ ﺃﻥ ﻳﺜﻴﺮ ﺍﻟﻤﺘﻬﻢ ﺷﻜﺎً ﻣﻌﻘﻮﻻً ﺣﻮﻝ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻋﺘﺪﺍﺀ ﺣﺎﻝ ﺃﻭ ﺣﻮﻝ ﺗﻨﺎﺳﺒﻴﺔّ ﺭﺩ ﻓﻌﻠﻪ ﻟﺘﺒﺮﺃ ﺳﺎﺣﺘﻪ ﻭﻗﺪ ﻃﻮﺭﺕ ﻣﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ
ﺍﺟﺘﻬﺎﺩﺍً ﺭﺍﺳﺨﺎً ﻳﻘﻀﻲ ﺑﺄﻥ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﻣﻠﺰﻡ ﺑﺎﻟﺘﺤﻘﻖ ﻣﻦ ﻛﻞ ﻇﺮﻑ ﻗﺪ ﻳﺪﻋﻢ ﻓﺮﺿﻴﺔ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﻟﻢ ﻳﺘﻢ ﺍﻟﺘﻤﺴﻚ ﺑﻪ ﺻﺮﺍﺣﺔ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻃﺎﻟﻤﺎ ﻇﻬﺮﺕ ﺃﺩﻟﺘﻪ ﻣﻦ ﺃﻭﺭﺍﻕ ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﻳﺠﺒﺮ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺑﺬﻝ ﺟﻬﺪ ﺍﺳﺘﺜﻨﺎﺋﻲ ﻓﻲ ﻧﻔﻲ ﻛﻞ ﺍﺣﺘﻤﺎﻻﺕ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻤﻄﺎﻟﺒﺔ ﺑﺎﻹﺩﺍﻧﺔ
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺗﺄﺧﺬ ﺑﻨﻔﺲ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻭﻟﻜﻦ ﻣﻊ ﺇﺿﺎﻓﺔ ﺑﻌُﺪ ﻓﻘﻬﻲ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑـ “ﺍﻟﻘﺮﺍﺋﻦ ﺍﻟﺸﺮﻋﻴﺔ” ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﺗﺨﻔﻒ ﻣﻦ ﻋﺐﺀ ﺍﻹﺛﺒﺎﺕ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺘﻬﻢ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﻣﻌﻴﻨﺔ ﻓﻤﺜﻼً ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺣﺮﻣﺔ ﺍﻟﻤﻨﺰﻝ ﻟﻴﻼً ﻳﻌﺘﺒﺮ ﻣﺠﺮﺩ ﺛﺒﻮﺕ ﺍﻟﺘﺴﻠﻞ ﻗﺮﻳﻨﺔ ﻗﻮﻳﺔ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﺧﻄﺮ ﺣﺎﻝ ﻳﻨﻘﻞ ﻋﺐﺀ ﺍﻹﺛﺒﺎﺕ ﺑﺸﻜﻞ ﻛﺒﻴﺮ ﻧﺤﻮ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﻹﺛﺒﺎﺕ ﻋﺪﻡ ﺧﻄﻮﺭﺓ ﺍﻟﻤﻮﻗﻒ ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺘﻄﻠﺐ ﺇﺛﺒﺎﺗﺎً ﺃﻛﺜﺮ ﺗﻔﺼﻴﻼً ﻟﻠﺨﻄﺮ ﺍﻟﻤﺤﺪﻕ ﻭﻗﺪ ﺃﻛﺪﺕ ﺍﻟﻐﺮﻓﺔ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻴﺔ ﺑﺎﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﺃﻥ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻳﺠﺐ ﺃﻥ ﻳﺴﺘﺮﺷﺪ ﺑﺒﺼﻴﺮﺗﻪ ﻭﺑﻤﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻴﺔ ﻭﺍﻟﺸﺮﻋﻴﺔ ﻓﻲ ﺗﻘﺪﻳﺮ ﺍﻷﺩﻟﺔ ﻭﻻ ﻳﻘﻒ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﺤﺮﻓﻴﺔ ﺍﻹﺟﺮﺍﺋﻴﺔ ﺍﻟﺠﺎﻣﺪﺓ
ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺣﻴﺔ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﻓﺈﻥ ﺩﻭﺭ ﻗﺎﺿﻲ ﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﻓﻲ
ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻳﻜﻮﻥ ﺃﻛﺜﺮ ﻓﻌﺎﻟﻴﺔ ﻓﻲ ﺟﻤﻊ ﺃﺩﻟﺔ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﺑﻨﻈﻴﺮﻩ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﺣﻴﺚ ﻳﻤﻠﻚ ﺻﻼﺣﻴﺔ ﻭﺍﺳﻌﺔ ﻓﻲ ﺍﻻﺳﺘﻤﺎﻉ ﻟﻠﺸﻬﻮﺩ ﻭﻣﻌﺎﻳﻨﺔ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﻭﺍﻻﺳﺘﻌﺎﻧﺔ ﺑﺎﻟﺨﺒﺮﺍﺀ ﻣﻨﺬ ﺍﻟﻤﺮﺣﻠﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﻟﻠﺘﺤﻘﻴﻖ ﻣﻤﺎ ﻳﺴﺎﻋﺪ ﻓﻲ ﺗﺜﺒﻴﺖ ﻭﻗﺎﺋﻊ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻗﺒﻞ ﺯﻭﺍﻝ ﺁﺛﺎﺭﻫﺎ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﻌﺘﻤﺪ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺃﻛﺜﺮ ﻋﻠﻰ system adversarial ﺣﻴﺚ ﻳﺘﻨﺎﻓﺲ ﻃﺮﻓﺎ ﺍﻻﺗﻬﺎﻡ ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻓﻲ ﺗﻘﺪﻳﻢ ﺍﻷﺩﻟﺔ ﺃﻣﺎﻡ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﻣﻊ ﺣﻴﺎﺩ ﻧﺴﺒﻲ ﺃﻛﺒﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﻓﻲ ﻣﺮﺣﻠﺔ ﺍﻟﺠﻤﻊ
ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻗﻴﻤﺔ ﺍﻟﺪﻟﻴﻞ ﺍﻟﻜﺘﺎﺑﻲ ﻭﺍﻟﺘﻘﻨﻲ ﺗﺘﻔﺎﻭﺕ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻨﻈﺎﻣﻴﻦ ﻓﻔﻲ ﻓﺮﻧﺴﺎ ﺗﺤﻈﻰ ﺗﻘﺎﺭﻳﺮ ﺍﻟﺨﺒﺮﺍﺀ ﻭﺍﻟﺘﻘﻨﻴﺔ ﺑﺜﻘﺔ ﺷﺒﻪ ﻣﻄﻠﻘﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﻣﺎ ﻟﻢ ﻳﺘﻢ ﺍﻟﻄﻌﻦ ﻓﻴﻬﺎ ﺑﺄﺳﺒﺎﺏ ﻗﻮﻳﺔ ﺟﺪﺍً ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻳﻤﻨﺢ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﺣﺮﻳﺔ ﺃﻛﺒﺮ ﻓﻲ ﺗﻘﻴﻴﻢ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺘﻘﺎﺭﻳﺮ ﻭﻗﺪ ﻳﺴﺘﻨﺪ ﺇﻟﻰ ﻗﻨﺎﻋﺘﻪ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﻤﺪﺓ ﻣﻦ ﻣﻼﺑﺴﺎﺕ ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ ﻭﺍﻟﻌﺮﻑ ﺍﻟﻤﺤﻠﻲ ﻟﺘﺠﺎﻭﺯ ﻧﺘﺎﺋﺞ ﺍﻟﺨﺒﺮﺓ ﺇﺫﺍ ﺗﻌﺎﺭﺿﺖ ﻣﻊ ﻣﻨﻄﻖ ﺍﻟﻮﻗﺎﺋﻊ ﻭﻫﺬﺍ ﻳﻌﻜﺲ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻓﻲ ﻣﻨﺢ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﺳﻠﻄﺔ ﺗﻘﺪﻳﺮﻳﺔ ﻭﺍﺳﻌﺔ )ﺳﻠﻄﺔ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﻓﻲ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩ(
ﻭﻓﻴﻤﺎ ﻳﺨﺺ ﺷﻬﺎﺩﺓ ﺍﻟﺸﻬﻮﺩ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﺗﻮﻟﻲ ﺍﻫﺘﻤﺎﻣﺎً ﺧﺎﺻﺎً ﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﺍﻟﺸﻬﻮﺩ ﻭﺩﻳﺎﻧﺘﻬﻢ ﻭﻣﺴﺘﻮﺍﻫﻢ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻓﻲ ﺗﻘﻴﻴﻢ ﺃﻗﻮﺍﻟﻬﻢ ﻣﺴﺘﻠﻬﻤﺔ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺷﺮﻭﻁ ﺍﻟﺸﻬﺎﺩﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﺮﻛﺰ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﺃﻛﺜﺮ ﻋﻠﻰ ﻣﺼﺪﺍﻗﻴﺔ ﺍﻟﺸﺎﻫﺪ ﻭﺍﺗﺴﺎﻕ ﺭﻭﺍﻳﺘﻪ ﺑﻐﺾ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻋﻦ ﺧﻠﻔﻴﺘﻪ ﺍﻷﺧﻼﻗﻴﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﻣﺎ ﺩﺍﻡ ﻳﺆﺩﻱ ﺍﻟﻴﻤﻴﻦ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﻭﻗﺪ ﻳﺆﺩﻱ ﻫﺬﺍ ﺍﻻﺧﺘﻼﻑ ﺇﻟﻰ ﻧﺘﺎﺋﺞ ﻣﺘﺒﺎﻳﻨﺔ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﻣﻌﻘﺪﺓ ﺗﻌﺘﻤﺪ ﺑﺸﻜﻞ ﻛﺒﻴﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸﻬﺎﺩﺍﺕ ﺍﻟﺸﻔﻮﻳﺔ
ﺇﻥ ﻓﻬﻢ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻔﺮﻭﻕ ﺍﻟﺪﻗﻴﻘﺔ ﻓﻲ ﻋﺐﺀ ﺍﻹﺛﺒﺎﺕ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻨﻈﺎﻣﻴﻦ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻭﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻳﻌﺪ ﺃﻣﺮﺍً ﺟﻮﻫﺮﻳﺎً ﻟﻠﻤﺤﺎﻣﻴﻦ ﻭﺃﻋﻀﺎﺀ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﻌﻤﻠﻮﻥ ﻓﻲ ﺑﻴﺌﺔ ﻗﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﺗﺠﻤﻊ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺘﺄﺛﻴﺮﻳﻦ ﻓﺎﻻﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺔ ﺍﻟﻨﺎﺟﺤﺔ ﻓﻲ ﺇﺛﺒﺎﺕ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻗﺪ ﺗﺨﺘﻠﻒ ﻋﻨﻬﺎ ﻓﻲ ﻓﺮﻧﺴﺎ ﻓﻲ ﺗﻔﺎﺻﻴﻠﻬﺎ ﺍﻹﺟﺮﺍﺋﻴﺔ ﺭﻏﻢ ﺍﺷﺘﺮﺍﻛﻬﻤﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻟﻠﻌﺪﺍﻟﺔ ﻭﺣﻘﻮﻕ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻭﺍﻟﻌﺸﺮﻭﻥ
ﺩﻭﺭ ﺍﻟﺨﺒﺮﺓ ﺍﻟﻔﻨﻴﺔ ﻓﻲ ﺇﺛﺒﺎﺕ ﻇﺮﻭﻑ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ
ﺗﻠﻌﺐ ﺍﻟﺨﺒﺮﺓ ﺍﻟﻔﻨﻴﺔ ﺩﻭﺭﺍً ﻣﺤﻮﺭﻳﺎً ﻭﺣﺎﺳﻤﺎً ﻓﻲ ﺇﺛﺒﺎﺕ ﻇﺮﻭﻑ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻴﺔ ﺣﻴﺚ ﺗﺘﺤﻮﻝ ﺍﻟﻮﻗﺎﺋﻊ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ﺍﻟﻤﺠﺮﺩﺓ ﺇﻟﻰ ﺃﺩﻟﺔ ﻋﻠﻤﻴﺔ ﻣﻘﻨﻌﺔ ﺗﺴﺎﻋﺪ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﻓﻲ ﺗﻜﻮﻳﻦ ﻗﻨﺎﻋﺘﻪ ﺣﻮﻝ ﺻﺤﺔ ﺍﺩﻋﺎﺀﺍﺕ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺃﻭ ﻛﺬﺑﻬﺎ ﻭﻓﻲ ﺍﻷﻧﻈﻤﺔ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻭﻓﺮﻧﺴﺎ ﺗﻌﺘﺒﺮ ﺗﻘﺎﺭﻳﺮ ﺍﻟﺨﺒﺮﺍﺀ ﺟﺰﺀﺍً ﻻ ﻳﺘﺠﺰﺃ ﻣﻦ ﻣﻠﻒ ﺍﻟﺪﻋﻮﻯ ﻭﻗﺪ ﻳﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺍﻟﺤﻜﻢ ﺍﻋﺘﻤﺎﺩﺍً ﻛﻠﻴﺎً ﻓﻲ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻷﺣﻴﺎﻥ ﺧﺎﺻﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺮﺍﺋﻢ ﺍﻟﻤﻌﻘﺪﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﻄﻠﺐ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﻣﺘﺨﺼﺼﺔ
ﺃﻭﻻً ﺗﺄﺗﻲ ﺧﺒﺮﺓ ﺍﻟﻄﺐ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻌُﺪ ﺍﻷﻫﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﻃﻼﻕ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺍﻟﻤﺘﻀﻤﻨﺔ ﺍﻋﺘﺪﺍﺀﺍﺕ ﺟﺴﺪﻳﺔ ﺃﻭ ﻗﺘﻞ ﺣﻴﺚ ﻳﻘﻮﻡ ﺍﻟﻄﺒﻴﺐ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺑﺘﺤﺪﻳﺪ ﻃﺒﻴﻌﺔ ﺍﻹﺻﺎﺑﺎﺕ ﻭﻋﺪﺩﻫﺎ ﻭﻣﻜﺎﻧﻬﺎ ﻓﻲ ﺟﺴﻢ ﺍﻟﻀﺤﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﻭﺯﺍﻭﻳﺔ ﻭﺭﻭﺩﻫﺎ ﻭﻋﻤﻘﻬﺎ ﻭﻧﻮﻉ ﺍﻷﺩﺍﺓ ﺍﻟﻤﺴﺘﺨﺪﻣﺔ ﻭﻫﺬﻩ ﺍﻟﺒﻴﺎﻧﺎﺕ ﻗﺪ ﺗﻜﺸﻒ ﺣﻘﺎﺋﻖ ﻻ ﺗﻘﺒﻞ ﺍﻟﺘﺄﻭﻳﻞ ﻓﻤﺜﻼً ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻹﺻﺎﺑﺎﺕ ﻓﻲ ﻇﻬﺮ ﺍﻟﻀﺤﻴﺔ ﻓﻬﺬﺍ ﻳﺸﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﺃﻧﻪ ﻛﺎﻥ ﻓﺎﺭﺍً ﻭﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻳﻨﺘﻔﻲ ﺷﺮﻁ ﺍﻟﺤﺎﻟﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺃﻣﺎ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻧﺖ ﻓﻲ ﺍﻟﺼﺪﺭ ﺃﻭ ﺍﻟﻮﺟﻪ ﻓﻘﺪ ﺗﺪﻋﻢ
ﻓﺮﺿﻴﺔ ﺍﻟﻤﻮﺍﺟﻬﺔ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮﺓ ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺗﺤﺪﻳﺪ ﺯﻣﻦ ﺍﻟﻮﻓﺎﺓ ﺑﺪﻗﺔ ﻳﺴﺎﻋﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺤﻘﻖ ﻣﻦ ﺗﺰﺍﻣﻦ ﻓﻌﻞ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻣﻊ ﻟﺤﻈﺔ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ
ﺛﺎﻧﻴﺎً ﺗﺄﺗﻲ ﺧﺒﺮﺓ ﺍﻷﺳﻠﺤﺔ ﻭﺍﻟﺒﺎﻟﺴﺘﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﺪﺩ ﻧﻮﻉ ﺍﻟﺴﻼﺡ ﺍﻟﻤﺴﺘﺨﺪﻡ ﻭﻣﺴﺎﻓﺔ ﺇﻃﻼﻕ ﺍﻟﻨﺎﺭ ﻭﺍﺗﺠﺎﻩ ﺍﻟﺮﺻﺎﺻﺔ ﻭﻋﺪﺩ ﺍﻟﻄﻠﻘﺎﺕ ﻭﻫﻞ ﺗﻢ ﺇﻃﻼﻕ ﺍﻟﻨﺎﺭ ﻋﻦ ﻗﺮﺏ ﺃﻡ ﻋﻦ ﺑﻌﺪ ﻭﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺎﺕ ﺣﺎﺳﻤﺔ ﻓﻲ ﺗﻘﻴﻴﻢ ﺷﺮﻁ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﻓﺈﻃﻼﻕ ﻋﺪﺓ ﻃﻠﻘﺎﺕ ﻋﻠﻰ ﺷﺨﺺ ﺃﻋﺰﻝ ﻣﻦ ﻣﺴﺎﻓﺔ ﻗﺮﻳﺒﺔ ﻗﺪ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﻧﻴﺔ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﺍﻻﻧﺘﻘﺎﻣﻲ ﻭﻟﻴﺲ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻉ ﻛﻤﺎ ﻳﻤﻜﻦ ﻟﻠﺨﺒﺮﺓ ﺗﺤﺪﻳﺪ ﻣﺎ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺳﻼﺡ ﺍﻟﻀﺤﻴﺔ ﻣﺸﺤﻮﻧﺎً ﺃﻭ ﻣﺴﺘﺨﺪﻣﺎً ﺣﺪﻳﺜﺎً ﻣﻤﺎ ﻳﺪﻋﻢ ﺃﻭ ﻳﻨﻔﻲ ﺭﻭﺍﻳﺔ ﺷﺮﻭﻉ ﺍﻟﻀﺤﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ
ﺛﺎﻟﺜﺎً ﺧﺒﺮﺓ ﻣﻌﺎﻳﻨﺔ ﻣﻜﺎﻥ ﺍﻟﺤﺎﺩﺙ ﻭﺇﻋﺎﺩﺓ ﺗﻤﺜﻴﻠﻪ ﻭﺍﻟﺘﻲ ﻳﻘﻮﻡ ﺑﻬﺎ ﺧﺒﺮﺍﺀ ﺍﻟﺸﺮﻃﺔ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ ﺃﻭ ﻗﻀﺎﺓ ﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺣﻴﺚ ﻳﺘﻢ ﺗﺤﻠﻴﻞ ﺁﺛﺎﺭ ﺍﻟﺪﻣﺎﺀ ﻭﺗﻮﺯﻳﻊ ﺍﻟﺰﺟﺎﺝ ﺍﻟﻤﻜﺴﻮﺭ ﻭﺁﺛﺎﺭ ﺍﻷﻗﺪﺍﻡ ﻭﺗﺮﺗﻴﺐ ﺍﻷﺛﺎﺙ ﻻﺳﺘﻨﺘﺎﺝ ﺳﻴﻨﺎﺭﻳﻮ ﺍﻟﺤﺎﺩﺙ ﺑﺪﻗﺔ ﻭﻗﺪ ﻛﺸﻔﺖ ﺇﻋﺎﺩﺓ ﺍﻟﺘﻤﺜﻴﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﻋﻦ ﺗﻨﺎﻗﻀﺎﺕ ﻓﻲ ﺭﻭﺍﻳﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﻬﻤﻴﻦ ﺃﻭ ﺍﻟﻀﺤﺎﻳﺎ ﻛﺸﻔﺖ ﺯﻳﻒ ﺍﺩﻋﺎﺀﺍﺕ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺃﻭ ﺃﺛﺒﺘﺖ ﺻﺤﺘﻬﺎ ﺑﻤﺎ ﻻ ﻳﺪﻉ
ﻣﺠﺎﻻً ﻟﻠﺸﻚ
ﺭﺍﺑﻌﺎً ﺍﻟﺨﺒﺮﺓ ﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺑﺪﺃﺕ ﺗﻠﻌﺐ ﺩﻭﺭﺍً ﻣﺘﺰﺍﻳﺪ ﺍﻷﻫﻤﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎﺕ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻧﺔ ﺣﻴﺚ ﻳﺴُﺘﻌﺎﻥ ﺑﺨﺒﺮﺍﺀ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻟﺘﻘﻴﻴﻢ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﺍﻟﺬﻫﻨﻴﺔ ﻟﻠﻤﺪﺍﻓﻊ ﻭﻗﺖ ﺍﻟﺤﺎﺩﺙ ﻭﺗﺤﺪﻳﺪ ﻣﺎ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﻳﻌﺎﻧﻲ ﻣﻦ ﺫﻋﺮ ﺃﻭ ﻓﺰﻉ ﺃﻓﻘﺪﻩ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﺪﻗﻴﻖ ﻟﻠﻮﻗﺎﺋﻊ ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻮﻉ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﺒﺮﺍﺕ ﺣﺎﺳﻢ ﻓﻲ ﺗﻄﺒﻴﻖ ﻧﻈﺮﻳﺔ ﺍﻟﺨﻄﺄ ﺍﻟﻤﻌﺬﻭﺭ ﺃﻭ ﺍﻹﻛﺮﺍﻩ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱ ﻭﻗﺪ ﺍﻋﺘﻤﺪﺕ ﻣﺤﺎﻛﻢ ﻓﺮﻧﺴﻴﺔ ﻭﺟﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﻭﻣﺼﺮﻳﺔ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺘﻘﺎﺭﻳﺮ ﻟﺘﺒﺮﺋﺔ ﻣﺘﻬﻤﻴﻦ ﺗﺠﺎﻭﺯﻭﺍ ﺣﺪﻭﺩ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻧﺘﻴﺠﺔ ﻟﺼﺪﻣﺔ ﻧﻔﺴﻴﺔ ﺷﺪﻳﺪﺓ
ﺧﺎﻣﺴﺎً ﺍﻟﺨﺒﺮﺓ ﺍﻟﺘﻘﻨﻴﺔ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﻣﺜﻞ ﺗﺤﻠﻴﻞ ﻣﻘﺎﻃﻊ ﺍﻟﻔﻴﺪﻳﻮ ﻣﻦ ﻛﺎﻣﻴﺮﺍﺕ ﺍﻟﻤﺮﺍﻗﺒﺔ ﻭﺍﻟﻬﻮﺍﺗﻒ ﺍﻟﺬﻛﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﺩﻟﻴﻼً ﻗﺎﻃﻌﺎً ﻓﻲ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﺣﻴﺚ ﻳﻤﻜﻦ ﻟﻠﺨﺒﺮﺍﺀ ﺍﺳﺘﺨﺮﺍﺝ ﻟﻘﻄﺎﺕ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﻭﺗﺤﺪﻳﺪ ﺍﻟﺘﻮﻗﻴﺘﺎﺕ ﺑﺪﻗﺔ ﻣﺘﻨﺎﻫﻴﺔ ﻭﻛﺸﻒ ﺃﻱ ﺗﻼﻋﺐ ﺑﺎﻟﻤﻘﻄﻊ ﻭﻗﺪ ﻏﻴﺮﺕ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺘﻜﻨﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ﻣﻮﺍﺯﻳﻦ ﺍﻹﺛﺒﺎﺕ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺟﻌﻠﺖ ﺍﻟﻜﺬﺏ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺃﻣﺮﺍً ﺷﺒﻪ ﻣﺴﺘﺤﻴﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﺍﻟﻤﺴﺠﻠﺔ
ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﺜﻼﺙ ﻳﺨﻀﻊ ﺗﻌﻴﻴﻦ ﺍﻟﺨﺒﺮﺍﺀ ﻭﺇﻋﺪﺍﺩ ﺗﻘﺎﺭﻳﺮﻫﻢ ﻟﻀﻮﺍﺑﻂ ﺇﺟﺮﺍﺋﻴﺔ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﺗﻀﻤﻦ ﺍﻟﺤﻴﺎﺩ ﻭﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻋﻴﺔ ﺣﻴﺚ ﻳﺤﻖ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﻭﺍﻟﻄﻌﻦ ﻓﻲ ﺗﻘﺎﺭﻳﺮ ﺍﻟﺨﺒﺮﺍﺀ ﻭﻃﻠﺐ ﺧﺒﺮﺓ ﻣﻀﺎﺩﺓ ﺃﻭ ﺍﺳﺘﻜﻤﺎﻝ ﺍﻟﻨﻘﺺ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻘﺮﻳﺮ ﺍﻷﺻﻠﻲ ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﻟﻴﺲ ﻣﻘﻴﺪﺍً ﺑﺮﺃﻱ ﺍﻟﺨﺒﻴﺮ ﺗﻤﺎﻣﺎً ﺑﻞ ﻟﻪ ﺃﻥ ﻳﺨﺎﻟﻔﻪ ﺇﺫﺍ ﻭﺟﺪ ﺃﺳﺒﺎﺑﺎً ﻣﻨﻄﻘﻴﺔ ﻭﻋﻠﻤﻴﺔ ﻣﻘﻨﻌﺔ ﻟﺬﻟﻚ ﻏﻴﺮ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺨﺎﻟﻔﺔ ﺗﺘﻄﻠﺐ ﺗﺴﺒﻴﺒﺎً ﻣﻔﺼﻼً ﻭﺩﻗﻴﻘﺎً ﻓﻲ ﺣﻜﻢ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ
ﺇﻥ ﺩﻗﺔ ﻭﻧﺰﺍﻫﺔ ﺍﻟﺨﺒﺮﺓ ﺍﻟﻔﻨﻴﺔ ﻫﻲ ﺍﻟﻀﻤﺎﻧﺔ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻴﺔ ﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺣﻴﺚ ﺗﺤﻮﻝ ﺩﻭﻥ ﺗﺤﻮﻝ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﺇﻟﻰ ﺳﺎﺣﺔ ﻟﻠﺘﺨﻤﻴﻦ ﻭﺍﻟﺮﻭﺍﻳﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﻀﺎﺭﺑﺔ ﻭﺗﺮﻓﻊ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﺘﻘﺎﺿﻲ ﺇﻟﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺍﻟﺪﻟﻴﻞ ﺍﻟﻤﺎﺩﻱ ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﺘﻄﻠﺐ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻀﺎﺓ ﻭﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﻭﺍﻟﻤﺤﺎﻣﻴﻦ ﻓﻬﻤﺎً ﺟﻴﺪﺍً ﻟﻜﻴﻔﻴﺔ ﻗﺮﺍﺀﺓ ﻭﺗﻔﺴﻴﺮ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺘﻘﺎﺭﻳﺮ ﺍﻟﻔﻨﻴﺔ ﻻﺳﺘﺨﺮﺍﺝ ﺍﻷﺩﻟﺔ ﺍﻟﺤﺎﺳﻤﺔ ﻣﻨﻬﺎ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ ﻭﺍﻟﻌﺸﺮﻭﻥ
ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﺩﻓﺎﻋﺎً ﻋﻦ
ﺍﻟﻨﻔﺲ
ﻳﻤﺜﻞ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﺩﻓﺎﻋﺎً ﻋﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻣﺪﺭﺳﺔ ﻗﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﻏﻨﻴﺔ ﻭﻣﺘﻄﻮﺭﺓ ﺟﻤﻌﺖ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻨﺺ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﻲ ﺍﻟﺪﻗﻴﻖ ﻭﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﺍﻟﻤﺘﻐﻴﺮ ﻭﻗﺪ ﻣﺮﺕ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﻣﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﺑﻤﺮﺍﺣﻞ ﻣﺘﻌﺪﺩﺓ ﺗﻌﻜﺲ ﺗﻄﻮﺭ ﺍﻟﻮﻋﻲ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﺗﺠﺎﻩ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻭﺷﺮﻭﻃﻪ ﺧﺎﺻﺔ ﻓﻲ ﻇﻞ ﺗﺰﺍﻳﺪ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﻌﻨﻒ ﻭﺍﻟﺠﺮﺍﺋﻢ ﺍﻟﻔﺮﺩﻳﺔ
ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻘﻮﺩ ﺍﻟﻤﺎﺿﻴﺔ ﺍﺗﺴﻢ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﺑﺎﻟﺼﺮﺍﻣﺔ ﺍﻟﺸﺪﻳﺪﺓ ﻓﻲ ﺗﻄﺒﻴﻖ ﺷﺮﻭﻁ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺣﻴﺚ ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺗﻄﻠﺐ ﺇﺛﺒﺎﺗﺎً ﺷﺒﻪ ﻣﺴﺘﺤﻴﻞ ﻟﻮﺟﻮﺩ ﺍﻋﺘﺪﺍﺀ ﺣﺎﻝ ﻭﻭﺷﻴﻚ ﻭﺗﻄﺎﻟﺐ ﺑﺘﻨﺎﺳﺐ ﺭﻳﺎﺿﻲ ﺩﻗﻴﻖ ﺑﻴﻦ ﻭﺳﻴﻠﺔ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻭﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻣﻤﺎ ﺃﺩﻯ ﺇﻟﻰ ﺇﺩﺍﻧﺔ ﺍﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺘﻬﻤﻴﻦ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺗﺼﺮﻓﻮﺍ ﺑﺪﻭﺍﻓﻊ ﺩﻓﺎﻋﻴﺔ ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ ﻟﻜﻨﻬﻢ ﺃﺧﻔﻘﻮﺍ ﻓﻲ ﺍﺳﺘﻴﻔﺎﺀ ﺍﻟﺸﺮﻭﻁ ﺍﻟﺸﻜﻠﻴﺔ ﺍﻟﺼﺎﺭﻣﺔ ﻭﻛﺎﻥ ﺍﻟﺘﻔﺴﻴﺮ ﺍﻟﺴﺎﺋﺪ ﻫﻮ ﺍﻟﺨﻮﻑ ﻣﻦ ﻓﺘﺢ ﺑﺎﺏ ﺍﻟﻔﻮﺿﻰ ﻭﺗﺸﺠﻴﻊ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻋﻠﻰ ﺃﺧﺬ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺑﺄﻳﺪﻳﻬﻢ
ﻏﻴﺮ ﺃﻥ ﺍﻻﺗﺠﺎﻩ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻓﻲ ﺍﺟﺘﻬﺎﺩﺍﺕ ﻣﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺾ
ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﻣﻨﺬ ﺑﺪﺍﻳﺔ ﺍﻷﻟﻔﻴﺔ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪﺓ ﺷﻬﺪ ﺗﺤﻮﻻً ﻣﻠﺤﻮﻇﺎً ﻧﺤﻮ ﻣﺰﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺮﻭﻧﺔ ﻭﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﻓﻘﺪ ﺑﺪﺃﺕ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺗﺄﺧﺬ ﺑﻌﻴﻦ ﺍﻻﻋﺘﺒﺎﺭ “ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ” ﻟﻠﻤﺪﺍﻓﻊ ﻭ”ﻇﺮﻭﻑ ﺍﻟﻤﻔﺎﺟﺄﺓ” ﻭ”ﺍﻟﻔﻮﺍﺭﻕ ﺍﻟﺠﺴﺪﻳﺔ” ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻄﺮﻓﻴﻦ ﺧﺎﺻﺔ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﺍﻟﻠﻮﺍﺗﻲ ﻳﺪﺍﻓﻌﻦ ﻋﻦ ﺃﻧﻔﺴﻬﻦ ﺿﺪ ﺃﺯﻭﺍﺟﻬﻦ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻳﻦ ﺃﻭ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﻛﺒﺎﺭ ﺍﻟﺴﻦ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﻮﺍﺟﻬﻮﻥ ﺷﺒﺎﺑﺎً ﺃﻗﻮﻳﺎﺀ ﻭﻗﺪ ﺑﺮﺃﺕ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﻧﻘﻀﻴﺔ ﻣﻬﻤﺔ ﻣﺘﻬﻤﻴﻦ ﺍﺳﺘﺨﺪﻣﻮﺍ ﺃﺳﻠﺤﺔ ﻓﺘﺎﻛﺔ ﺿﺪ ﻣﻌﺘﺪﻳﻦ ﺃﻋﺰﻝ ﻟﻜﻨﻬﻢ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺫﻋﺮ ﺷﺪﻳﺪ ﺃﻭ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻳﻮﺍﺟﻬﻮﻥ ﺧﻄﺮﺍً ﻣﺤﺪﻗﺎً ﻋﻠﻰ ﺣﻴﺎﺗﻬﻢ ﺑﻨﺎﺀً ﻋﻠﻰ ﺗﻬﺪﻳﺪﺍﺕ ﺳﺎﺑﻘﺔ ﻣﺆﻛﺪﺓ
ﻛﻤﺎ ﻃﻮﺭ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻣﻌﺎﻳﻴﺮ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﻟﺘﺤﺪﻳﺪ “ﺍﻟﻠﺤﻈﺔ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔّ” ﻟﻼﻋﺘﺪﺍﺀ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻗﺘﺤﺎﻡ ﺍﻟﻤﻨﺎﺯﻝ ﻟﻴﻼً ﺣﻴﺚ ﺍﺳﺘﻘﺮ ﺍﻟﺮﺃﻱ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺩﺧﻮﻝ ﺍﻟﺪﺍﺭ ﻟﻴﻼً ﺑﻘﻮﺓ ﺃﻭ ﺧﻠﺴﺔ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﺑﺤﺪ ﺫﺍﺗﻪ ﺍﻋﺘﺪﺍﺀً ﺣﺎﻻً ﻳﺒﻴﺢ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻼﺯﻣﺔ ﻟﺪﻓﻌﻪ ﺣﺘﻰ ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﻳﺒﺎﺷﺮ ﺍﻟﺪﺧﻴﻞ ﻓﻌﻼً ﻋﺪﻭﺍﻧﻴﺎً ﻣﺒﺎﺷﺮﺍً ﻭﺫﻟﻚ ﺍﺳﺘﻨﺎﺩﺍً ﺇﻟﻰ ﻗﺮﻳﻨﺔ ﺍﻟﺨﻄﻮﺭﺓ ﺍﻟﻜﺎﻣﻨﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺴﻠﻞ ﻭﻫﻲ ﻗﺮﻳﻨﺔ ﻣﺴﺘﻤﺪﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻭﻣﻨﻄﻖ ﺍﻟﺤﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﺬﺍﺗﻴﺔ ﻭﻗﺪ ﺃﻛﺪﺕ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺃﻥ ﺍﻧﺘﻈﺎﺭ ﺑﺪﺀ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﻔﻌﻠﻲ ﻓﻲ ﻣﺜﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﻗﺪ
ﻳﻌﻨﻲ ﺍﻟﺘﻌﺮﺽ ﻟﻠﺨﻄﺮ ﺍﻟﻘﺎﺗﻞ
ﻭﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺸﺮﻑ ﻭﺍﻟﻌﺮﺽ ﺃﻇﻬﺮ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﺗﻮﺍﺯﻧﺎً ﺩﻗﻴﻘﺎً ﺣﻴﺚ ﺭﻓﺾ ﺍﻋﺘﺒﺎﺭ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﺸﺮﻑ ﻣﺒﺮﺭﺍً ﻟﻠﻘﺘﻞ ﺍﻻﻧﺘﻘﺎﻣﻲ ﺃﻭ ﺍﻟﺘﺼﻔﻴﺎﺕ ﺍﻟﻌﺎﻃﻔﻴﺔ ﻟﻜﻨﻪ ﻗﺒﻞ ﺑﺎﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﺑﺎﻟﻘﻮﺓ ﺃﻭ ﺍﻟﺘﻬﺪﻳﺪ ﺍﻟﻮﺷﻴﻚ ﺑﺎﻻﻏﺘﺼﺎﺏ ﻭﻗﺪ ﺷﺪﺩﺕ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﻋﻠﻰ ﺿﺮﻭﺭﺓ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﺮﺩ ﺁﻧﻴﺎً ﻭﻣﺘﺰﺍﻣﻨﺎً ﻣﻊ ﻟﺤﻈﺔ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮ ﻭﻻ ﻳﺠﻮﺯ ﺃﻥ ﻳﺘﺤﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﺛﺄﺭ ﻻﺣﻖ ﺗﺤﺖ ﻏﻄﺎﺀ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﺸﺮﻑ
ﻛﻤﺎ ﺃﻭﻟﺖ ﻣﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﺍﻫﺘﻤﺎﻣﺎً ﺧﺎﺻﺎً ﻟﻤﺴﺄﻟﺔ “ﺗﺠﺎﻭﺯ ﺣﺪﻭﺩ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ” ﺣﻴﺚ ﻣﻴﺰﺕ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺘﺠﺎﻭﺯ ﺍﻟﻨﺎﺗﺞ ﻋﻦ ﺍﻟﻔﺰﻉ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌُﻔﻰ ﻣﻨﻪ ﺍﻟﻤﺘﻬﻢ ﺃﻭ ﻳﺨُﻔﻒ ﻋﻘﻮﺑﺘﻪ ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﺘﺠﺎﻭﺯ ﺍﻟﻨﺎﺗﺞ ﻋﻦ ﺍﻟﻘﺼﺪ ﺍﻻﻧﺘﻘﺎﻣﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﺎﻗﺐ ﻋﻠﻴﻪ ﺑﺎﻟﻌﻘﻮﺑﺔ ﺍﻟﻤﻘﺮﺭﺓ ﻟﻠﺠﺮﻳﻤﺔ ﻭﻗﺪ ﻭﺿﻌﺖ ﻣﻌﺎﻳﻴﺮ ﻣﻮﺿﻮﻋﻴﺔ ﻟﺘﻘﺪﻳﺮ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺠﺎﻭﺯ ﺗﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻰ ﻃﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﺴﻼﺡ ﺍﻟﻤﺴﺘﺨﺪﻡ ﻭﻋﺪﺩ ﺍﻟﻀﺮﺑﺎﺕ ﻭﻣﻜﺎﻧﻬﺎ ﻭﺯﻣﻦ ﺍﺳﺘﻤﺮﺍﺭ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺑﻌﺪ ﺯﻭﺍﻝ ﺍﻟﺨﻄﺮ
ﺇﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻄﻮﺭ ﻓﻲ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻳﻌﻜﺲ
ﻧﻀﺠﺎً ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ ﻳﺪﺭﻙ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﻻ ﺗﻜﻤﻦ ﻓﻘﻂ ﻓﻲ ﺗﻄﺒﻴﻖ ﺍﻟﻨﺺ ﺣﺮﻓﻴﺎً ﺑﻞ ﻓﻲ ﻓﻬﻢ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﺍﻟﻮﺍﻗﻌﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺪﻓﻊ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻪ ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﺠﻌﻞ ﻣﻦ ﺍﻷﺣﻜﺎﻡ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﻣﺮﺟﻌﺎً ﻣﻬﻤﺎً ﻟﻠﺒﺎﺣﺜﻴﻦ ﻭﺍﻟﻤﻤﺎﺭﺳﻴﻦ ﻓﻲ ﻣﺠﺎﻝ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺮﺍﺑﻊ ﻭﺍﻟﻌﺸﺮﻭﻥ
ﺍﺗﺠﺎﻫﺎﺕ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﻣﻮﺍﺩ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ
ﺗﻤﺜﻞ ﺍﺗﺠﺎﻫﺎﺕ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﻣﻮﺍﺩ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻧﻤﻮﺫﺟﺎً ﻣﺘﻤﻴﺰﺍً ﻳﺠﻤﻊ ﺑﻴﻦ ﺍﻷﺻﺎﻟﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻭﺍﻟﺪﻗﺔ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻣﻤﺎ ﺃﻧﺘﺞ ﺍﺟﺘﻬﺎﺩﺍﺕ ﻗﻀﺎﺋﻴﺔ ﻓﺮﻳﺪﺓ ﺗﺮﺍﻋﻲ ﺍﻟﺨﺼﻮﺻﻴﺔ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻭﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﻟﻠﺠﺰﺍﺋﺮ ﻣﻊ ﺍﻻﻟﺘﺰﺍﻡ ﺑﻤﺒﺎﺩﺉ ﺳﻴﺎﺩﺓ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﻭﻗﺪ ﻟﻌﺒﺖ ﺍﻟﻐﺮﻓﺔ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻴﺔ ﺑﺎﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﺩﻭﺭﺍً ﻣﺤﻮﺭﻳﺎً ﻓﻲ ﺗﻮﺣﻴﺪ ﺍﻟﺘﻔﺴﻴﺮ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﻟﻨﺼﻮﺹ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻋﺒﺮ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﻣﺒﺪﺃﻳﺔ ﺃﺛﺮﺕ ﻓﻲ ﻋﻤﻞ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ
ﻣﻦ ﺃﺑﺮﺯ ﺳﻤﺎﺕ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﺍﻟﺘﻮﺳﻊ ﺍﻟﻨﺴﺒﻲ ﻓﻲ ﻣﻔﻬﻮﻡ “ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﺤﺎﻝ” ﻟﻴﺸﻤﻞ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺍﻟﻮﺷﻴﻚ ﺟﺪﺍً ﺍﻟﻤﺴﺘﻨﺪ ﺇﻟﻰ ﻗﺮﺍﺋﻦ ﻗﻮﻳﺔ ﻣﺴﺘﻤﺪﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺮﻑ ﻭﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﺍﻟﻤﺤﻠﻲ ﻓﻤﺜﻼً ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻷﺭﺍﺿﻲ ﺍﻟﺰﺭﺍﻋﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﻤﺘﻠﻜﺎﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﺎﻃﻖ ﺍﻟﺮﻳﻔﻴﺔ ﺍﻋﺘﺒﺮ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﺃﻥ ﻣﺤﺎﻭﻟﺔ ﺍﻟﺴﻄﻮ ﺍﻟﻤﺴﻠﺢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺤﺎﺻﻴﻞ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﺎﺷﻴﺔ ﺗﺸﻜﻞ ﺍﻋﺘﺪﺍﺀً ﺣﺎﻻً ﻳﺒﻴﺢ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻼﺯﻣﺔ ﻟﺪﻓﻌﻪ ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﻟﻢ ﻳﺒﺪﺃ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﺑﺈﻃﻼﻕ ﺍﻟﻨﺎﺭ ﺃﻭﻻً ﻭﺫﻟﻚ ﻧﻈﺮﺍً ﻷﻫﻤﻴﺔ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻤﺘﻠﻜﺎﺕ ﻓﻲ ﺣﻴﺎﺓ ﺍﻟﺴﻜﺎﻥ ﻭﻟﺼﻌﻮﺑﺔ ﺍﺳﺘﺮﺩﺍﺩﻫﺎ ﺃﻭ ﺣﻤﺎﻳﺘﻬﺎ ﺑﻮﺳﺎﺋﻞ ﺃﺧﺮﻯ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﻨﺎﻃﻖ ﺍﻟﻨﺎﺋﻴﺔ
ﻛﻤﺎ ﺗﻤﻴﺰ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﺑﺤﺴﺎﺳﻴﺔ ﻋﺎﻟﻴﺔ ﺗﺠﺎﻩ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﻭﺍﻟﺸﺮﻑ ﺣﻴﺚ ﻓﺴﺮﺕ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﻧﺼﻮﺹ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻟﺘﺸﻤﻞ ﺍﻟﺮﺩ ﻋﻠﻰ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀﺍﺕ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ ﺍﻟﺠﺴﻴﻤﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻤﺲ ﻛﺮﺍﻣﺔ ﺍﻷﺳﺮﺓ ﻓﻲ ﻇﺮﻭﻑ ﺍﺳﺘﺜﻨﺎﺋﻴﺔ ﻣﻌﺘﺒﺮﺓ ﺃﻥ ﺍﻟﺤﻔﺎﻅ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﻣﻦ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﻳﺎﺕ ﺍﻟﺨﻤﺲ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺒﻴﺢ ﺍﻟﺸﺮﻉ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻨﻬﺎ ﺑﻜﻞ ﻭﺳﻴﻠﺔ ﻣﻤﻜﻨﺔ ﻭﻗﺪ ﺑﺮﺃﺕ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﻋﻠﻴﺎ ﻣﺘﻬﻤﻴﻦ ﻗﺘﻠﻮﺍ ﻣﻌﺘﺪﻳﻦ ﺣﺎﻭﻟﻮﺍ ﺍﻧﺘﻬﺎﻙ ﺃﻋﺮﺍﺽ ﺑﻨﺎﺗﻬﻢ ﺃﻭ ﺯﻭﺟﺎﺗﻬﻢ
ﺣﺘﻰ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﺴﻼﺡ ﺍﻟﻨﺎﺭﻱ ﻫﻮ ﺍﻟﺨﻴﺎﺭ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪ ﻧﻈﺮﺍً ﻟﺤﺎﻟﺔ ﺍﻟﺬﻋﺮ ﻭﺍﻟﻐﻀﺐ ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻉ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻨﺘﺎﺏ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻠﺤﻈﺎﺕ
ﻭﻓﻲ ﻣﺴﺄﻟﺔ “ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ” ﺗﺒﻨﺖ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﻣﻌﻴﺎﺭﺍً ﻣﺮﻧﺎً ﻳﺮﺍﻋﻲ “ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﺍﻟﻨﺴﺒﻲ” ﺑﺪﻻً ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻄﺎﺑﻖ ﺍﻟﺮﻳﺎﺿﻲ ﺣﻴﺚ ﺃﻛﺪﺕ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺫﻋﺮ ﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺣﺴﺎﺏ ﺿﺮﺑﺎﺗﻪ ﺑﺪﻗﺔ ﻭﺃﻥ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﻭﺳﻴﻠﺔ ﺃﻗﻮﻯ ﻗﻠﻴﻼً ﻣﻦ ﻭﺳﻴﻠﺔ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻱ ﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﺒﺮﺭﺍً ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺫﻟﻚ ﺿﺮﻭﺭﻳﺎً ﻟﻀﻤﺎﻥ ﺩﻓﻊ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺑﺸﻜﻞ ﻧﻬﺎﺋﻲ ﺧﺎﺻﺔ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﻓﺎﺭﻕ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﺠﺴﺪﻳﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﻌﺪﺩ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻄﺮﻓﻴﻦ ﻭﻗﺪ ﺷﺪﺩﺕ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺗﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﻫﻮ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻭﺍﻗﻌﻴﺔ ﺗﻌﻮﺩ ﻟﻘﺎﺿﻲ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻉ ﻭﻻ ﺗﺨﻀﻊ ﻟﺮﻗﺎﺑﺔ ﺻﺎﺭﻣﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﺇﻻ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻻﻧﺤﺮﺍﻑ ﺍﻟﻜﺎﻣﻞ ﻋﻦ ﻣﻨﻄﻖ ﺍﻟﻌﻘﻞ
ﻛﻤﺎ ﺃﻭﻟﺖ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﺍﻫﺘﻤﺎﻣﺎً ﺧﺎﺻﺎً ﻟﺪﻭﺭ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻓﻲ ﺇﺛﺒﺎﺕ ﻧﻔﻲ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺣﻴﺚ ﺃﻛﺪﺕ ﻓﻲ ﻋﺪﺓ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﺃﻥ ﻣﺠﺮﺩ ﺇﺛﺎﺭﺓ ﺷﻚ ﻣﻌﻘﻮﻝ ﺣﻮﻝ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻋﺘﺪﺍﺀ ﺣﺎﻝ ﻳﻜﻔﻲ ﻻﻧﺘﻔﺎﺀ ﺍﻟﻘﺼﺪ ﺍﻟﺠﺮﻣﻲ ﻣﺎ ﻟﻢ ﺗﺜﺒﺖ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺑﻤﺎ ﻻ ﻳﺪﻉ ﻣﺠﺎﻻً ﻟﻠﺸﻚ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻛﺎﻥ ﺍﻧﺘﻘﺎﻣﻴﺎً ﺃﻭ
ﻣﺘﺠﺎﻭﺯﺍً ﻟﻠﺤﺪﻭﺩ ﺑﺸﻜﻞ ﺻﺎﺭﺥ ﻭﻗﺪ ﺃﻟﻐﺖ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﺇﺩﺍﻧﺔ ﻋﺪﻳﺪﺓ ﺻﺪﺭﺕ ﻋﻦ ﻣﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻉ ﻟﻌﺪﻡ ﺗﺤﻘﻘﻬﺎ ﻣﻦ ﻇﺮﻭﻑ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺑﺸﻜﻞ ﻛﺎﻑٍ ﺃﻭ ﻻﻋﺘﻤﺎﺩﻫﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻓﺘﺮﺍﺿﺎﺕ ﻏﻴﺮ ﻣﺜﺒﺘﺔ
ﻭﻣﻦ ﺍﻻﺗﺠﺎﻫﺎﺕ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﻟﻠﻤﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﺍﻻﻋﺘﺮﺍﻑ ﺍﻟﺘﺪﺭﻳﺠﻲ ﺑﺤﺎﻻﺕ “ﺍﻟﻌﻨﻒ ﺍﻷﺳﺮﻱ ﺍﻟﻤﺰﻣﻦ” ﻛﻈﺮﻑ ﻗﺪ ﻳﺨﻠﻖ ﺣﺎﻟﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺍﻟﻤﺴﺘﻤﺮ ﻓﻲ ﺫﻫﻦ ﺍﻟﻀﺤﻴﺔ ﻣﻤﺎ ﻗﺪ ﻳﺒﺮﺭ ﺭﺩ ﻓﻌﻞ ﺩﻓﺎﻋﻲ ﻓﻲ ﻟﺤﻈﺔ ﻫﺪﻭﺀ ﻧﺴﺒﻲ ﺧﻮﻓﺎً ﻣﻦ ﻫﺠﻮﻡ ﻭﺷﻴﻚ ﻣﺘﻮﻗﻊ ﺑﻨﺎﺀً ﻋﻠﻰ ﺧﺒﺮﺓ ﺳﺎﺑﻘﺔ ﻣﺆﻟﻤﺔ ﻭﺭﻏﻢ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻮﺟﻪ ﻻ ﻳﺰﺍﻝ ﻓﻲ ﺑﺪﺍﻳﺎﺗﻪ ﺇﻻ ﺃﻧﻪ ﻳﻔﺘﺢ ﺁﻓﺎﻗﺎً ﺟﺪﻳﺪﺓ ﻟﺘﻔﺴﻴﺮ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺑﻤﺎ ﻳﺘﻨﺎﺳﺐ ﻣﻊ ﻭﺍﻗﻊ ﺍﻟﺠﺮﺍﺋﻢ ﺍﻷﺳﺮﻳﺔ ﺍﻟﻤﻌﻘﺪﺓ
ﺇﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻻﺗﺠﺎﻫﺎﺕ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩﻳﺔ ﻟﻠﻤﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﺗﻌﻜﺲ ﻭﻋﻴﺎً ﻋﻤﻴﻘﺎً ﺑﺎﻟﺘﻮﺍﺯﻥ ﺍﻟﻤﻄﻠﻮﺏ ﺑﻴﻦ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻨﻒ ﻭﺿﻤﺎﻥ ﺣﻖ ﺍﻷﻓﺮﺍﺩ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺃﻧﻔﺴﻬﻢ ﻭﺃﻋﺮﺍﺿﻬﻢ ﻭﻣﻤﺘﻠﻜﺎﺗﻬﻢ ﻓﻲ ﺇﻃﺎﺭ ﻗﻴﻢ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻭﺛﻮﺍﺑﺘﻪ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﻭﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺨﺎﻣﺲ ﻭﺍﻟﻌﺸﺮﻭﻥ
ﺍﺟﺘﻬﺎﺩﺍﺕ ﻣﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻭﻣﺤﻜﻤﺔ cassation ﻓﻲ ﺗﻮﺳﻴﻊ ﻧﻄﺎﻕ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ
ﺗﻌُﺪ ﺍﺟﺘﻬﺎﺩﺍﺕ ﻣﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ de) Cour (Cassation ﻓﻲ ﻣﺠﺎﻝ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻭﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻣﻦ ﺃﻛﺜﺮ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩﺍﺕ ﺗﻘﺪﻣﺎً ﻭﻣﺮﻭﻧﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﻐﺮﺑﻲ ﺣﻴﺚ ﺳﻌﺖ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﻋﺒﺮ ﻋﻘﻮﺩ ﻣﻦ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ ﺇﻟﻰ ﺗﻮﺳﻴﻊ ﻧﻄﺎﻕ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﻟﻴﺸﻤﻞ ﺣﺎﻻﺕ ﺇﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻣﻌﻘﺪﺓ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻣﺘﻮﻗﻌﺔ ﻋﻨﺪ ﺻﺪﻭﺭ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺍﻷﺻﻠﻴﺔ ﻭﻗﺪ ﺍﻋﺘﻤﺪﺕ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻮﺳﻊ ﻋﻠﻰ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﻏﺎﺋﻲ ﻟﻠﻨﺼﻮﺹ ﻳﺮﻛﺰ ﻋﻠﻰ ﺭﻭﺡ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﻭﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻴﺔ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺣﺮﻓﻴﺔ ﺍﻟﻨﺺ
ﻣﻦ ﺃﺑﺮﺯ ﻣﻼﻣﺢ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻮﺳﻊ ﻫﻮ ﺍﻻﻋﺘﺮﺍﻑ ﺍﻟﻤﺘﺰﺍﻳﺪ ﺑـ
ﻛﺴﺒﺐ (Contrainte morale) “ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱ ﺍﻹﻛﺮﺍﻩ”
ﻟﻺﻋﻔﺎﺀ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺣﺘﻰ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﻓﻴﻬﺎ ﺗﻬﺪﻳﺪ ﻣﺒﺎﺷﺮ ﺑﺎﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﻟﻜﻦ ﻳﻮﺟﺪ ﺿﻐﻂ ﻧﻔﺴﻲ ﻫﺎﺋﻞ ﻳﺪﻓﻊ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻟﻠﻔﻌﻞ ﻓﻘﺪ ﺑﺮﺃﺕ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﺃﺷﺨﺎﺻﺎً
ﺍﺭﺗﻜﺒﻮﺍ ﺟﺮﺍﺋﻢ ﺑﺴﻴﻄﺔ ﺗﺤﺖ ﺿﻐﻂ ﺗﻬﺪﻳﺪﺍﺕ ﻣﺴﺘﻤﺮﺓ ﺃﻭ ﺍﺑﺘﺰﺍﺯ ﻧﻔﺴﻲ ﺷﺪﻳﺪ ﺍﻋﺘﺒﺮﺗﻪ ﻣﺴﺎﻭﻳﺎً ﻓﻲ ﺗﺄﺛﻴﺮﻩ ﻟﻺﻛﺮﺍﻩ ﺍﻟﻤﺎﺩﻱ ﻛﻤﺎ ﻭﺳﻌﺖ ﻣﻔﻬﻮﻡ “ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺍﻟﺤﺎﻟﻲ” ﻟﻴﺸﻤﻞ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻜﻮﻥ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﻭﺷﻴﻜﺎً ﺟﺪﺍً ﻟﺪﺭﺟﺔ ﺃﻥ ﺍﻧﺘﻈﺎﺭ ﻭﻗﻮﻋﻪ ﻳﻌﻨﻲ ﻓﻮﺍﺕ ﺍﻷﻭﺍﻥ ﻟﺪﻓﻌﻪ ﺧﺎﺻﺔ ﻓﻲ ﺟﺮﺍﺋﻢ ﺍﻟﻌﻨﻒ ﺍﻟﺠﻨﺴﻲ ﻭﺍﻻﺑﺘﺰﺍﺯ
ﻛﻤﺎ ﻃﻮﺭﺕ ﻣﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻧﻈﺮﻳﺔ “ﺍﻟﺨﻄﺄ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻗﺎﺋﻊ” fait) de (Erreur ﻟﺤﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻌﻴﻦ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺨﻄﺌﻮﻥ ﻓﻲ ﺗﻘﺪﻳﺮ ﻇﺮﻭﻑ ﺍﻟﻬﺠﻮﻡ ﻧﺘﻴﺠﺔ ﻟﻈﺮﻭﻑ ﺑﻴﺌﻴﺔ ﺻﻌﺒﺔ ﻣﺜﻞ ﺍﻟﻈﻼﻡ ﺃﻭ ﺍﻟﻀﺠﻴﺞ ﺃﻭ ﺍﻟﺴﺮﻋﺔ ﺍﻟﻘﺼﻮﻯ ﻟﻸﺣﺪﺍﺙ ﺣﻴﺚ ﺍﻋﺘﺒﺮﺕ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺨﻄﺄ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﻣﻌﺬﻭﺭﺍً ﻭﻳﻨﺘﺞ ﻋﻦ ﺣﺎﻟﺔ ﺫﻋﺮ ﻃﺒﻴﻌﻴﺔ ﻓﺈﻧﻪ ﻳﺰﻳﻞ ﺍﻟﻘﺼﺪ ﺍﻟﺠﺮﻣﻲ ﺗﻤﺎﻣﺎً ﻭﻳﺆﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺒﺮﺍﺀﺓ ﻭﻟﻴﺲ ﻣﺠﺮﺩ ﺍﻟﺘﺨﻔﻴﻒ ﻭﻗﺪ ﻃﺒﻘﺖ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺃﻃﻠﻖ ﻓﻴﻬﺎ ﺃﺷﺨﺎﺹ ﺍﻟﻨﺎﺭ ﻋﻠﻰ ﺃﺑﺮﻳﺎﺀ ﻇﻨﺎً ﻣﻨﻬﻢ ﺃﻧﻬﻢ ﻣﻌﺘﺪﻭﻥ ﻓﻲ ﻇﺮﻭﻑ ﻟﺒﺴﺖ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ
ﻭﻓﻲ ﻣﺠﺎﻝ “ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻐﻴﺮ” ﻭﺳﻌﺖ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﻧﻄﺎﻕ ﺍﻟﺤﻤﺎﻳﺔ ﻟﻴﺸﻤﻞ ﺍﻟﺘﺪﺧﻞ ﻹﻧﻘﺎﺫ ﺃﻱ ﺷﺨﺺ ﺑﻐﺾ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻋﻦ ﺻﻠﺔ ﺍﻟﻘﺮﺍﺑﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﻭﺃﻛﺪﺕ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺘﺪﺧﻞ ﻻ
ﻳﺸﺘﺮﻁ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻌﺘﺪﻯ ﻋﻠﻴﻪ ﺑﻨﻔﺴﻪ ﺑﻞ ﻳﻜﻔﻲ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺷﺎﻫﺪﺍً ﻋﻠﻰ ﺍﻋﺘﺪﺍﺀ ﺟﺎﺋﺮ ﻭﻳﺘﺼﺮﻑ ﺑﺪﺍﻓﻊ ﺇﻧﺴﺎﻧﻲ ﻧﺒﻴﻞ ﻛﻤﺎ ﺷﺠﻌﺖ ﻋﻠﻰ “ﺍﻟﺘﺪﺧﻞ ﺍﻹﻳﺠﺎﺑﻲ” ﻭﺍﻋﺘﺒﺮﺕ ﺃﻥ ﻋﺪﻡ ﺍﻟﺘﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﺍﻟﻘﺼﻮﻯ ﻗﺪ ﻳﺜﻴﺮ ﻣﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺃﺧﻼﻗﻴﺔ ﻭﻗﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﻭﺇﻥ ﻟﻢ ﺗﺼﻞ ﺇﻟﻰ ﺣﺪ ﺍﻟﺠﺮﻳﻤﺔ ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻷﺣﻮﺍﻝ
ﻛﻤﺎ ﺃﻇﻬﺮﺕ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﻣﺮﻭﻧﺔ ﻛﺒﻴﺮﺓ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﻴﺮ “ﺷﺮﻁ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ” ﺣﻴﺚ ﺃﻛﺪﺕ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﻻ ﻳﻌﻨﻲ ﺍﻟﺘﻄﺎﺑﻖ ﺑﻴﻦ ﺃﺩﻭﺍﺕ ﺍﻟﻘﺘﺎﻝ ﺑﻞ ﻳﻌﻨﻲ ﻣﻼﺀﻣﺔ ﺭﺩ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻟﺸﺪﺓ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺍﻟﻨﻔﺴﻲ ﻭﺍﻟﺠﺴﺪﻱ ﺍﻟﻤﺤﺪﻕ ﻓﻘﺪ ﺑﺮﺃﺕ ﻧﺴﺎﺀً ﺍﺳﺘﺨﺪﻣﻦ ﺃﺳﻠﺤﺔ ﻧﺎﺭﻳﺔ ﺿﺪ ﺃﺯﻭﺍﺟﻬﻦ ﺍﻷﻋﺰﻝ ﻟﻜﻨﻬﻦ ﻛﻦ ﻳﻌﺎﻧﻴﻦ ﻣﻦ ﺳﻨﻮﺍﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻨﻒ ﺍﻟﺠﺴﺪﻱ ﻭﺍﻟﻨﻔﺴﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﺧﻠﻖ ﻟﺪﻳﻬﻦ ﻗﻨﺎﻋﺔ ﺭﺍﺳﺨﺔ ﺑﺄﻥ ﺣﻴﺎﺗﻬﻦ ﻓﻲ ﺧﻄﺮ ﺩﺍﺋﻢ ﻣﻤﺎ ﺟﻌﻞ ﺭﺩ ﻓﻌﻠﻬﻦ ﻣﺘﻨﺎﺳﺒﺎً ﻣﻊ ﺣﺠﻢ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺍﻟﻤﺘﺼﻮﺭ ﻓﻲ ﺃﺫﻫﺎﻧﻬﻦ
ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺴﻨﻮﺍﺕ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ ﺑﺪﺃﺕ ﻣﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﺗﻠﻤﺢ ﺇﻟﻰ ﺍﻻﻋﺘﺮﺍﻑ ﺑﺤﺎﻻﺕ “ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﺒﻴﺌﻴﺔ” ﺃﻭ “ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ” ﻛﻤﺒﺮﺭﺍﺕ ﻷﻓﻌﺎﻝ ﻗﺪ ﺗﻜﻮﻥ ﻣﺨﺎﻟﻔﺔ ﻟﻠﻘﺎﻧﻮﻥ ﻣﺜﻞ ﺳﺮﻗﺔ ﺍﻟﻄﻌﺎﻡ ﻟﻠﺠﻮﻋﻰ ﺍﻟﺸﺪﻳﺪ ﺃﻭ ﻗﻄﻊ
ﺃﺳﻮﺍﺭ ﻟﻤﻨﻊ ﻛﺎﺭﺛﺔ ﺑﻴﺌﻴﺔ ﻭﺷﻴﻜﺔ ﺭﻏﻢ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻻﺗﺠﺎﻩ ﻻ ﻳﺰﺍﻝ ﺣﺬﺭﺍً ﻭﻏﻴﺮ ﺷﺎﻣﻞ ﺇﻻ ﺃﻧﻪ ﻳﻌﻜﺲ ﺗﻄﻮﺭﺍً ﻓﻲ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻧﺤﻮ ﻣﺰﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻭﻣﺮﺍﻋﺎﺓ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﺍﻻﺳﺘﺜﻨﺎﺋﻴﺔ
ﺇﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻮﺳﻊ ﻓﻲ ﻧﻄﺎﻕ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﻣﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻳﻤﺜﻞ ﻣﺼﺪﺭ ﺇﻟﻬﺎﻡ ﻟﻠﺘﺸﺮﻳﻌﺎﺕ ﻭﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﻓﻲ ﺩﻭﻝ ﺃﺧﺮﻯ ﺑﻤﺎ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﺣﻴﺚ ﻳﻈﻬﺮ ﻛﻴﻒ ﻳﻤﻜﻦ ﻟﻠﻨﺼﻮﺹ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ ﺃﻥ ﺗﺘﻄﻮﺭ ﻋﺒﺮ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﺍﻟﺬﻛﻲ ﻟﺘﻮﺍﻛﺐ ﺍﻟﻤﺴﺘﺠﺪﺍﺕ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻭﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻭﺗﺤﻘﻖ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﻓﻲ ﺃﺑﻌﺎﺩﻫﺎ ﺍﻷﻋﻤﻖ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺴﺎﺩﺱ ﻭﺍﻟﻌﺸﺮﻭﻥ
ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﺟﺮﺍﺋﻢ ﺍﻟﺸﺮﻑ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻭﺍﻟﻨﺺ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ
ﺗﻌُﺪ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﻣﺎ ﻳﻌُﺮﻑ ﺑﺠﺮﺍﺋﻢ ﺍﻟﺸﺮﻑ ﻣﻦ ﺃﻛﺜﺮ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻋﺎﺕ ﺣﺴﺎﺳﻴﺔ ﻭﺗﻌﻘﻴﺪﺍً ﻓﻲ ﺗﻄﺒﻴﻖ ﻣﺒﺪﺃ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺣﻴﺚ ﻳﺘﺼﺎﺩﻡ ﺍﻟﻨﺺ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ ﺍﻟﻤﺠﺮﺩ ﻣﻊ
ﺍﻟﻌﺎﺩﺍﺕ ﻭﺍﻟﺘﻘﺎﻟﻴﺪ ﺍﻟﺮﺍﺳﺨﺔ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﺑﻤﺎ ﻓﻴﻬﺎ ﺃﺟﺰﺍﺀ ﻣﻦ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﻘﻒ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻣﻮﻗﻔﺎً ﻣﺨﺘﻠﻔﺎً ﺗﻤﺎﻣﺎً ﻳﻨﻔﻲ ﻭﺟﻮﺩ ﺃﻱ ﻣﺒﺮﺭ ﻟﻠﺸﺮﻑ ﻛﺴﺒﺐ ﻟﻺﺑﺎﺣﺔ ﻓﻔﻲ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﺍﻟﺘﻘﻠﻴﺪﻱ ﻳﻮﺟﺪ ﺗﻔﺼﻴﻞ ﺩﻗﻴﻖ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺒﻴﺢ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺑﻤﺎ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﻟﺪﻓﻊ ﺍﻟﺼﺎﺋﻞ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﺇﺫﺍ ﻟﻢ ﻳﻤﻜﻦ ﺩﻓﻌﻪ ﺑﻐﻴﺮ ﺫﻟﻚ ﻏﻴﺮ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﻘﻬﺎﺀ ﺍﺷﺘﺮﻃﻮﺍ ﺷﺮﻁ ﺍﻟﺤﺎﻟﻴﺔ ﻭﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﻘﺼﻮﻯ ﻭﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﺪﻓﻊ ﺁﻧﻴﺎً ﻣﻊ ﻟﺤﻈﺔ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮ
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻓﺈﻥ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﺸﺮﻑ ﺍﻣﺘﺪ ﻟﻴﺸﻤﻞ ﺣﺎﻻﺕ ﻻ ﺗﻨﻄﺒﻖ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺷﺮﻭﻁ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻗﺎﻧﻮﻧﺎً ﻣﺜﻞ ﻗﺘﻞ ﺍﻟﺰﻭﺟﺔ ﺃﻭ ﺍﻷﺧﺖ ﺃﻭ ﺍﻟﺒﻨﺖ ﺑﺪﺍﻓﻊ ﺍﻟﻐﻴﺮﺓ ﺃﻭ ﺍﻻﻧﺘﻘﺎﻡ ﻟﻌﻼﻗﺔ ﻏﻴﺮ ﺷﺮﻋﻴﺔ ﻭﻗﻌﺖ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﺃﻭ ﺣﺘﻰ ﻟﻤﺠﺮﺩ ﺍﻟﺸﻚ ﺩﻭﻥ ﺑﻴﻨﺔ ﻭﻫﻨﺎ ﻳﺒﺮﺯ ﺍﻟﻔﺠﻮﺓ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻨﺺ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺸﺘﺮﻁ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﻤﺎﺭﺳﺔ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﺗﺒﺮﺭ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﺍﻻﻧﺘﻘﺎﻣﻲ ﺗﺤﺖ ﻏﻄﺎﺀ ﺍﻟﺸﺮﻑ ﻭﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﺭﻓﺾ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﺑﺸﻜﻞ ﻗﺎﻃﻊ ﺍﻋﺘﺒﺎﺭ “ﺟﺮﺍﺋﻢ ﺍﻟﺸﺮﻑ” ﺍﻻﻧﺘﻘﺎﻣﻴﺔ ﺷﻜﻼً ﻣﻦ ﺃﺷﻜﺎﻝ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺣﻴﺚ ﺃﻛﺪﺕ ﻣﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺃﻥ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻳﺘﻄﻠﺐ ﺍﻋﺘﺪﺍﺀً ﺣﺎﻻً
ﻭﻣﺒﺎﺷﺮﺍً ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﺑﺎﻟﻤﻠﻤﺲ ﺃﻭ ﺑﺎﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻘﺎﻫﺮﺓ ﺃﻣﺎ ﻣﺠﺮﺩ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺑﺎﻟﺨﻴﺎﻧﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﺸﺮﻋﻴﺔ ﻓﻼ ﻳﺒﻴﺢ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﺑﻞ ﻳﺠﺐ ﺍﻟﻠﺠﻮﺀ ﻟﻠﻘﻀﺎﺀ ﻭﻗﺪ ﺷﺪﺩﺕ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺠﺮﺍﺋﻢ ﻣﻌﺘﺒﺮﺓ ﺇﻳﺎﻫﺎ ﺟﺮﺍﺋﻢ ﻗﺼﺪﻳﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔ ﻻ ﺗﺨﻀﻊ ﻷﻱ ﻋﺬﺭ ﻣﺨﻔﻒ ﻣﺴﺘﻤﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺮﻑ
ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻳﻮﺍﺟﻪ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺗﺤﺪﻳﺎً ﺃﻛﺒﺮ ﺑﺴﺒﺐ ﻗﻮﺓ ﺍﻟﺘﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﻌﺮﻓﻲ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻤﻨﺎﻃﻖ ﺍﻟﻨﺎﺋﻴﺔ ﻭﺭﻏﻢ ﺃﻥ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻻ ﻳﻨﺺ ﺻﺮﺍﺣﺔ ﻋﻠﻰ ﻋﺬﺭ ﺍﻟﺸﺮﻑ ﻛﻤﺴﻘﻂ ﻟﻠﻌﻘﻮﺑﺔ ﺇﻻ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺎﺭﻳﺨﻴﺎً ﺗﻤﻴﻞ ﺇﻟﻰ ﺗﻄﺒﻴﻖ ﻇﺮﻭﻑ ﺍﻟﺘﺨﻔﻴﻒ ﻓﻲ ﻣﺜﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﻣﺴﺘﻨﺪﺓ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ 213 ﻣﻦ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ )ﺍﻟﺘﻲ ﺃﻟﻐﻴﺖ ﺃﻭ ﻋﺪﻟﺖ ﻻﺣﻘﺎً ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎﺕ ﺍﻟﻤﺸﺎﺑﻬﺔ( ﺃﻭ ﺇﻟﻰ ﺗﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﺍﻟﻤﺨﻔﻔﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻏﻴﺮ ﺃﻥ ﺍﻻﺗﺠﺎﻩ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻟﻠﻤﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻳﺔ ﻳﺘﺠﻪ ﻧﺤﻮ ﺗﻀﻴﻴﻖ ﺩﺍﺋﺮﺓ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺨﻔﻴﻒ ﻭﺍﻟﺘﻤﻴﻴﺰ ﺑﻮﺿﻮﺡ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﻋﻦ ﻋﺮﺽ ﻳﺘﻌﺮﺽ ﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻣﺒﺎﺷﺮ ﺣﺎﻝ )ﻭﻫﻮ ﻣﺒﺎﺡ( ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﺍﻻﻧﺘﻘﺎﻣﻲ ﺑﺪﺍﻓﻊ ﺍﻟﻐﻴﺮﺓ )ﻭﻫﻮ ﺟﺮﻳﻤﺔ ﻳﻌﺎﻗﺐ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ( ﻭﻗﺪ ﺳﺎﻫﻤﺖ ﺣﻤﻼﺕ ﺍﻟﺘﻮﻋﻴﺔ ﻭﺗﻌﺪﻳﻞ ﺍﻟﻘﻮﺍﻧﻴﻦ ﻓﻲ ﺗﻘﻠﻴﺺ ﻇﺎﻫﺮﺓ
ﺍﻹﻓﻼﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻘﺎﺏ ﻓﻲ ﺟﺮﺍﺋﻢ ﺍﻟﺸﺮﻑ
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﻓﺮﻧﺴﺎ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﻮﻗﻒ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ ﺣﺎﺳﻢ ﻭﻭﺍﺿﺢ ﺣﻴﺚ ﻻ ﻳﻌﺘﺮﻑ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻣﻄﻠﻘﺎً ﺑﻤﺒﺪﺃ “ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﺸﺮﻑ” ﻛﺴﺒﺐ ﻟﻺﺑﺎﺣﺔ ﺃﻭ ﺣﺘﻰ ﻛﻌﺬﺭ ﻣﺨﻔﻒ ﻓﻲ ﺟﺮﺍﺋﻢ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﻓﺎﻟﺸﺮﻑ ﻗﻴﻤﺔ ﻣﻌﻨﻮﻳﺔ ﻻ ﺗﺒﺮﺭ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺠﺴﺪﻳﺔ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ ﻭﻗﺪ ﺃﻟﻐﺖ ﻓﺮﻧﺴﺎ ﻗﺪﻳﻤﺎً ﺃﻱ ﻧﺼﻮﺹ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺴﻤﺢ ﺑﺎﻟﺘﺨﻔﻴﻒ ﻓﻲ ﺟﺮﺍﺋﻢ ﺍﻟﻐﻴﺮﺓ ﻭﺃﻛﺪﺕ ﺃﻥ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻳﻘﺘﺼﺮ ﺣﺼﺮﺍً ﻋﻠﻰ ﺩﻓﻊ ﺧﻄﺮ ﺣﺎﻟﻲ ﻭﺷﺪﻳﺪ ﻳﻬﺪﺩ ﺍﻟﺴﻼﻣﺔ ﺍﻟﺠﺴﺪﻳﺔ ﻟﻠﻔﺮﺩ ﻭﻻ ﻳﻤﺘﺪ ﻟﻴﺸﻤﻞ ﺍﻟﺮﺩ ﻋﻠﻰ ﺇﻫﺎﻧﺎﺕ ﻣﻌﻨﻮﻳﺔ ﺃﻭ ﺧﻴﺎﻧﺎﺕ ﺯﻭﺟﻴﺔ ﺳﺎﺑﻘﺔ ﻭﻗﺪ ﺃﺩﺍﻧﺖ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﺑﺸﺪﺓ ﺃﻱ ﻣﺤﺎﻭﻟﺔ ﻟﻠﺘﻤﺴﻚ ﺑﺎﻟﻌﺮﻑ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻲ ﺃﻭ ﺍﻟﺪﻳﻨﻲ ﻟﺘﺒﺮﻳﺮ ﺟﺮﺍﺋﻢ ﺍﻟﺸﺮﻑ ﻣﻌﺘﺒﺮﺓ ﺃﻥ ﻗﻴﻢ ﺍﻟﺠﻤﻬﻮﺭﻳﺔ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻭﺣﻘﻮﻕ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺗﻌﻠﻮ ﻋﻠﻰ ﺃﻱ ﺍﻋﺘﺒﺎﺭﺍﺕ ﻋﺮﻓﻴﺔ
ﺇﻥ ﺍﻟﺘﺤﺪﻱ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﻳﻜﻤﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻮﻓﻴﻖ ﺑﻴﻦ ﺍﺣﺘﺮﺍﻡ ﺍﻟﺨﺼﻮﺻﻴﺔ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ ﻭﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﻟﻠﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺍﻟﻤﺤﻠﻴﺔ ﻭﺑﻴﻦ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺣﻖ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻘﻮﻕ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﻳﺠﻮﺯ ﺍﻟﻤﺴﺎﺱ ﺑﻬﺎ ﺗﺤﺖ ﺃﻱ ﺫﺭﻳﻌﺔ ﻭﺍﻻﺗﺠﺎﻩ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻥ ﻳﺪﻋﻮ ﺇﻟﻰ ﺇﻋﺎﺩﺓ ﺗﻌﺮﻳﻒ
“ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﺮﺽ” ﻟﻴﻘﺘﺼﺮ ﻓﻘﻂ ﻋﻠﻰ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﺠﻨﺴﻲ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮ ﻭﺍﻟﺤﺎﻝ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻬﺪﺩ ﺳﻼﻣﺔ ﺍﻟﻀﺤﻴﺔ ﺟﺴﺪﻳﺎً ﻭﻧﻔﺴﻴﺎً ﻓﻲ ﻟﺤﻈﺔ ﻭﻗﻮﻋﻪ ﺃﻣﺎ ﺃﻱ ﻓﻌﻞ ﻳﻨﺘﻘﻢ ﻟﻜﺮﺍﻣﺔ ﻣﺴﺖّ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﻓﻬﻮ ﺧﺎﺭﺝ ﻧﻄﺎﻕ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺗﻤﺎﻣﺎً ﻭﻳﻌﺪ ﺟﺮﻳﻤﺔ ﻗﺘﻞ ﻋﻤﺪ ﺗﺴﺘﺤﻖ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺔ ﺍﻟﺮﺍﺩﻋﺔ ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻤﻴﻴﺰ ﺿﺮﻭﺭﻱ ﻟﺤﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﻭﺍﻟﻔﺘﻴﺎﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻨﻒ ﺑﺎﺳﻢ ﺍﻟﺸﺮﻑ ﻭﻟﻀﻤﺎﻥ ﺳﻴﺎﺩﺓ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﻓﻮﻕ ﺍﻟﻌﺎﺩﺍﺕ ﺍﻟﺒﺎﻟﻴﺔ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺴﺎﺑﻊ ﻭﺍﻟﻌﺸﺮﻭﻥ
ﺍﻹﺷﻜﺎﻟﻴﺎﺕ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻘﻴﺔ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﻌﻨﻒ ﺍﻷﺳﺮﻱ
ﺗﺸﻜﻞ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﻌﻨﻒ ﺍﻷﺳﺮﻱ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻣﻦ ﺃﻫﻢ ﺍﻹﺷﻜﺎﻟﻴﺎﺕ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻘﻴﺔ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﻟﻤﺒﺪﺃ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺣﻴﺚ ﺗﺠﺪ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﺍﻟﻤﻌﻨﻔﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﻄﻔﻞ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻯ ﻋﻠﻴﻪ ﻧﻔﺴﻪ ﻓﻲ ﻣﻮﻗﻒ ﻋﺼﻴﺐ ﻳﺨﺘﻠﻒ ﺟﺬﺭﻳﺎً ﻋﻦ ﻧﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﻜﻼﺳﻴﻜﻲ ﻋﻦ ﻫﺠﻮﻡ ﻣﻔﺎﺟﺊ ﻣﻦ ﻏﺮﻳﺐ ﻓﻔﻲ ﺍﻟﻌﻨﻒ ﺍﻷﺳﺮﻱ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻣﺘﻜﺮﺭﺍً ﻭﻣﺰﻣﻨﺎً ﻭﻳﺨﻠﻖ
ﺣﺎﻟﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﻮﻑ ﺍﻟﻤﺴﺘﻤﺮ ﻭﺍﻟﺮﻋﺐ ﺍﻟﻨﻔﺴﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻗﺪ ﻳﺪﻓﻊ ﺍﻟﻀﺤﻴﺔ ﻟﻠﺮﺩ ﻓﻲ ﻟﺤﻈﺔ ﻫﺪﻭﺀ ﻧﺴﺒﻲ ﺧﻮﻓﺎً ﻣﻦ ﻫﺠﻮﻡ ﻭﺷﻴﻚ ﻣﺘﻮﻗﻊ ﺑﻨﺎﺀً ﻋﻠﻰ ﺧﺒﺮﺓ ﺳﺎﺑﻘﺔ ﻣﺆﻟﻤﺔ ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﺿﻊ ﻳﻄﺮﺡ ﺇﺷﻜﺎﻟﻴﺔ ﻛﺒﻴﺮﺓ ﺣﻮﻝ ﺗﺤﻘﻖ ﺷﺮﻁ “ﺍﻟﺤﺎﻟﻴﺔ” ﻓﻲ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺸﺘﺮﻃﻪ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻭﻓﺮﻧﺴﺎ
ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﺘﻘﻠﻴﺪﻱ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻳﺠﺐ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺟﺎﺭﻳﺎً ﺃﻭ ﻭﺷﻴﻜﺎً ﺟﺪﺍً ﺑﺤﻴﺚ ﻻ ﻳﺘﺴﻊ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻟﻠﺠﻮﺀ ﻟﻠﺴﻠﻄﺎﺕ ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻨﻒ ﺍﻷﺳﺮﻱ ﻓﻘﺪ ﺗﻘﺘﻞ ﺍﻟﺰﻭﺟﺔ ﺯﻭﺟﻬﺎ ﺃﺛﻨﺎﺀ ﻧﻮﻣﻪ ﺃﻭ ﻓﻲ ﻟﺤﻈﺔ ﺍﺳﺘﺮﺧﺎﺋﻪ ﺑﻌﺪ ﺳﻨﻮﺍﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻌﺬﻳﺐ ﺍﻟﺠﺴﺪﻱ ﻭﺍﻟﻨﻔﺴﻲ ﻣﻌﺘﻘﺪﺓ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﻫﻮ ﺍﻟﺴﺒﻴﻞ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪ ﻹﻧﻘﺎﺫ ﺣﻴﺎﺗﻬﺎ ﻷﻥ ﺃﻱ ﻣﺤﺎﻭﻟﺔ ﻟﻠﻬﺮﻭﺏ ﺃﻭ ﺍﻟﺸﻜﻮﻯ ﺳﺎﺑﻘﺎً ﺑﺎﺀﺕ ﺑﺎﻟﻔﺸﻞ ﺃﻭ ﺯﺍﺩﺕ ﻣﻦ ﻋﻨﻒ ﺍﻟﺰﻭﺝ ﻭﻫﻨﺎ ﻳﺜﻮﺭ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ: ﻫﻞ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺩﻓﺎﻋﺎً ﺷﺮﻋﻴﺎً ﺃﻡ ﻗﺘﻼً ﺍﻧﺘﻘﺎﻣﻴﺎً؟
ﻓﻲ ﻓﺮﻧﺴﺎ ﺷﻬﺪﺕ ﺍﻟﺴﺎﺣﺔ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﺗﻄﻮﺭﺍً ﻣﻠﺤﻮﻇﺎً ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﺣﻴﺚ ﺑﺪﺃﺕ ﻣﺤﺎﻛﻢ ﺍﻻﺳﺘﺌﻨﺎﻑ ﻭﻣﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﺗﻘﺒﻞ ﺩﻓﻮﻉ “ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ” ﻭ”ﺍﻹﻛﺮﺍﻩ ﺍﻟﻤﻌﻨﻮﻱ ﺍﻟﻤﺰﻣﻦ” ﻛﻤﺒﺮﺭﺍﺕ ﻗﺪ ﺗﺆﺩﻱ
ﺇﻟﻰ ﺍﻹﻋﻔﺎﺀ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﺘﺨﻔﻴﻒ ﺍﻟﻜﺒﻴﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺔ ﻭﻗﺪ ﺍﻋﺘﻤﺪﺕ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﻋﻠﻰ ﺗﻘﺎﺭﻳﺮ ﺧﺒﺮﺍﺀ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻹﺛﺒﺎﺕ ﺃﻥ ﺍﻟﻀﺤﻴﺔ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻌﻴﺶ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ “ﺭﻋﺐ ﺩﺍﺋﻢ” ﺟﻌﻠﺘﻬﺎ ﺗﺪﺭﻙ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻪ ﺣﺎﻝ ﻭﻣﺴﺘﻤﺮ ﺣﺘﻰ ﻓﻲ ﻟﺤﻈﺎﺕ ﺍﻟﻬﺪﻭﺀ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﻱ ﻭﻗﺪ ﺑﺮﺃﺕ ﻫﻴﺌﺎﺕ ﺍﻟﻤﺤﻠﻔﻴﻦ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻋﺪﺓ ﻧﺴﺎﺀ ﻗﺘﻠﻦ ﺃﺯﻭﺍﺟﻬﻦ ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻳﻦ ﺑﻌﺪ ﺳﻨﻮﺍﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻌﺬﻳﺐ ﻣﻌﺘﺒﺮﺓ ﺃﻥ ﻓﻌﻠﻬﻦ ﻛﺎﻥ ﺍﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻏﺮﻳﺰﻳﺔ ﻟﺨﻄﺮ ﻣﺤﺪﻕ ﻻ ﻣﻔﺮ ﻣﻨﻪ
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﻻ ﻳﺰﺍﻝ ﺃﻛﺜﺮ ﺗﺤﻔﻈﺎً ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺠﺎﻝ ﺣﻴﺚ ﻳﺸﺘﺮﻁ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﻏﺎﻟﺒﺎً ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻋﺘﺪﺍﺀ ﻓﻌﻠﻲ ﺟﺎﺭٍ ﻓﻲ ﻟﺤﻈﺔ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺷﺮﻭﻁ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺍﻟﻜﺎﻣﻞ ﻭﻣﻊ ﺫﻟﻚ ﺑﺪﺃﺕ ﺗﻈﻬﺮ ﺍﺟﺘﻬﺎﺩﺍﺕ ﻗﻀﺎﺋﻴﺔ ﺣﺪﻳﺜﺔ ﺗﺄﺧﺬ ﺑﻌﻴﻦ ﺍﻻﻋﺘﺒﺎﺭ ﻇﺮﻭﻑ ﺍﻟﻌﻨﻒ ﺍﻟﻤﺰﻣﻦ ﻛﻈﺮﻭﻑ ﻣﺨﻔﻔﺔ ﻗﻮﻳﺔ ﻗﺪ ﺗﺤﻮﻝ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺔ ﻣﻦ ﺍﻹﻋﺪﺍﻡ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﺆﺑﺪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺴﺠﻦ ﻟﺴﻨﻮﺍﺕ ﻣﺤﺪﻭﺩﺓ ﻭﻗﺪ ﺍﺳﺘﺨﺪﻡ ﺍﻟﻤﺤﺎﻣﻮﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻧﻈﺮﻳﺔ “ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻉ ﺍﻟﻤﻮﺳﻊ” ﻣﺴﺘﻨﺪﻳﻦ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺮﺍﻋﻲ ﻧﻴﺔ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻭﻇﺮﻭﻓﻪ ﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﻭﻳﺪﻋﻮ ﺇﻟﻰ ﺩﺭﺀ ﺍﻟﻤﻔﺎﺳﺪ ﺍﻷﻛﺒﺮ ﻭﻫﻲ ﺍﺳﺘﻤﺮﺍﺭ ﺍﻟﻌﻨﻒ ﻭﺍﻟﻘﺘﻞ ﺍﻟﺒﻄﻲﺀ
ﻭﻣﻦ ﺍﻹﺷﻜﺎﻟﻴﺎﺕ ﺍﻷﺧﺮﻯ ﺻﻌﻮﺑﺔ ﺍﻹﺛﺒﺎﺕ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﺣﻴﺚ ﻏﺎﻟﺒﺎً ﻣﺎ ﻳﺤﺪﺙ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻓﻲ ﻋﺰﻟﺔ ﺩﻭﻥ ﺷﻬﻮﺩ ﻭﻳﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻰ ﺍﻋﺘﺮﺍﻑ ﺍﻟﻤﺘﻬﻢ ﻭﺗﻘﺎﺭﻳﺮ ﺍﻟﻄﺐ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﺗﻈﻬﺮ ﺇﺻﺎﺑﺎﺕ ﻗﺪﻳﻤﺔ ﺗﺪﻋﻢ ﺭﻭﺍﻳﺔ ﺍﻟﻌﻨﻒ ﺍﻟﻤﺰﻣﻦ ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻗﺪ ﺗﻮﺍﺟﻪ ﺻﻌﻮﺑﺔ ﻓﻲ ﺗﻘﻴﻴﻢ “ﻭﺷﻮﻛﻴﺔ” ﺍﻟﺨﻄﺮ ﻓﻲ ﻏﻴﺎﺏ ﺗﻬﺪﻳﺪ ﻟﻔﻈﻲ ﻣﺒﺎﺷﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻠﺤﻈﺔ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻣﻤﺎ ﻳﺴﺘﺪﻋﻲ ﺗﻄﻮﻳﺮ ﻣﻨﻬﺠﻴﺔ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺧﺎﺻﺔ ﺗﺮﺍﻋﻲ ﺩﻳﻨﺎﻣﻴﻜﻴﺎﺕ ﺍﻟﻌﻨﻒ ﺍﻷﺳﺮﻱ ﻭﺗﺄﺛﻴﺮﻩ ﺍﻟﻨﻔﺴﻲ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻀﺤﻴﺔ
ﺇﻥ ﻣﻌﺎﻟﺠﺔ ﺇﺷﻜﺎﻟﻴﺎﺕ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻨﻒ ﺍﻷﺳﺮﻱ ﺗﺘﻄﻠﺐ ﺗﺤﺪﻳﺜﺎً ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻔﺴﻴﺮ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﻟﻠﻨﺼﻮﺹ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﻟﻴﺘﺠﺎﻭﺯ ﺍﻟﺤﺮﻓﻴﺔ ﺍﻟﻀﻴﻘﺔ ﻧﺤﻮ ﻓﻬﻢ ﺃﻋﻤﻖ ﻟﻮﺍﻗﻊ ﺍﻟﻀﺤﺎﻳﺎ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﻌﻴﺸﻮﻥ ﻓﻲ ﺳﺠﻮﻥ ﻣﻨﺰﻟﻴﺔ ﺩﺍﺋﻤﺔ ﻭﻗﺪ ﺑﺪﺃ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻥ ﻳﺘﺠﻪ ﻧﺤﻮ ﺍﻻﻋﺘﺮﺍﻑ ﺑـ “ﺩﻓﺎﻉ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﻤﺴﺘﻤﺮﺓ” ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﻛﺤﻞ ﻋﺎﺩﻝ ﻳﻮﺍﺯﻥ ﺑﻴﻦ ﻗﺪﺳﻴﺔ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﻭﺿﺮﻭﺭﺓ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻀﺤﺎﻳﺎ ﻣﻦ ﻣﺼﻴﺮ ﺃﺳﻮﺃ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﻌﺪ ﺧﻄﻮﺓ ﺿﺮﻭﺭﻳﺔ ﻧﺤﻮ ﻋﺪﺍﻟﺔ ﺃﻛﺜﺮ ﺇﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻭﻭﺍﻗﻌﻴﺔ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺜﺎﻣﻦ ﻭﺍﻟﻌﺸﺮﻭﻥ
ﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﺒﺪﻳﻠﺔ ﻋﻨﺪ ﺗﺠﺎﻭﺯ ﺣﺪﻭﺩ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ
ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺘﺠﺎﻭﺯ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﺍﻟﺤﺪﻭﺩ ﺍﻟﻤﺮﺳﻮﻣﺔ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺳﻮﺍﺀ ﺑﻌﺪﻡ ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﺳﻴﻠﺔ ﺃﻭ ﺑﻌﺪﻡ ﺍﻟﺤﺎﻟﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻮﻗﻴﺖ ﺃﻭ ﺑﺎﻟﺨﻄﺄ ﺍﻟﺠﺴﻴﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻘﺪﻳﺮ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻳﻔﻘﺪ ﺻﻔﺔ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﺍﻟﻜﺎﻣﻠﺔ ﻭﻳﺼﺒﺢ ﺟﺮﻳﻤﺔ ﻳﻌﺎﻗﺐ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﻏﻴﺮ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺸﺮﻋﻴﻦ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻭﻓﺮﻧﺴﺎ ﻟﻢ ﻳﺴﻮﻭﺍ ﺑﻴﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺠﺮﻳﻤﺔ ﻭﺍﻟﺠﺮﺍﺋﻢ ﺍﻟﻌﺎﺩﻳﺔ ﺑﻞ ﻧﻈﻤﻮﺍ ﻟﻬﺎ ﻋﻘﻮﺑﺎﺕ ﻣﺨﻔﻔﺔ ﺃﻭ ﺑﺪﻟﻴﺔ ﺗﻌﻜﺲ ﺍﻧﻌﺪﺍﻡ ﺍﻟﻘﺼﺪ ﺍﻹﺟﺮﺍﻣﻲ ﺍﻟﺨﺎﻟﺺ ﻭﻭﺟﻮﺩ ﺩﺍﻓﻊ ﺩﻓﺎﻋﻲ ﻣﺸﺮﻭﻉ ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻣﻌﻴﺒﺎً
ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻳﻨﺺ ﺻﺮﺍﺣﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺗﺠﺎﻭﺯ ﺣﺪﻭﺩ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻻ ﻳﺆﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺔ ﺍﻟﻤﻘﺮﺭﺓ ﻟﻠﺠﺮﻳﻤﺔ ﺍﻷﺻﻠﻴﺔ ﺑﻞ ﻳﺨﻀﻊ ﻟﺘﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻗﺪ ﻳﻌﻔﻲ ﺍﻟﻤﺘﻬﻢ ﺗﻤﺎﻣﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺔ ﺇﺫﺍ ﺭﺃﻯ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﺠﺎﻭﺯ ﻛﺎﻥ ﻧﺎﺗﺠﺎً ﻋﻦ ﺫﻋﺮ ﻣﺒﺮﺭ ﺃﻭ ﺧﻄﺄ ﻣﻌﺬﻭﺭ ﻭﻓﻲ ﺣﺎﻝ ﻋﺪﻡ
ﺍﻹﻋﻔﺎﺀ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺗﻜﻮﻥ ﻣﺨﻔﻔﺔ ﺑﺸﻜﻞ ﻛﺒﻴﺮ ﻭﻗﺪ ﺗﺼﻞ ﺇﻟﻰ ﻣﺠﺮﺩ ﻏﺮﺍﻣﺔ ﺃﻭ ﻋﻘﻮﺑﺔ ﺳﺠﻨﻴﺔ ﻗﺼﻴﺮﺓ ﺟﺪﺍً ﺧﺎﺻﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺮﺍﺋﻢ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﺪﻣﻮﻳﺔ ﻭﻗﺪ ﺃﻋﻄﻰ ﺍﻟﻤﺸﺮﻉ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻟﻠﻘﺎﺿﻲ ﺳﻠﻄﺔ ﻭﺍﺳﻌﺔ ﻓﻲ ﺗﻘﺪﻳﺮ “ﺍﻟﻌﺬﺭ ﺍﻟﺸﺨﺼﻲ” ﺍﻟﻨﺎﺗﺞ ﻋﻦ ﻇﺮﻭﻑ ﺍﻟﺤﺎﺩﺙ
ﺃﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ 250 ﻣﻦ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ )ﻭﺍﻟﻤﻮﺍﺩ ﺍﻟﻤﺘﻌﻠﻘﺔ ﺑﺎﻟﺘﺨﻔﻴﻒ( ﺗﻨﺺ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻪ ﺇﺫﺍ ﺛﺒﺖ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺘﻬﻢ ﻗﺪ ﺗﺠﺎﻭﺯ ﺣﺪﻭﺩ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺩﻭﻥ ﺗﻌﻤﺪ ﻣﻨﻪ ﻟﻺﺿﺮﺍﺭ ﺑﺄﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻼﺯﻡ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﺗﺤﻜﻢ ﺑﻌﻘﻮﺑﺔ ﻣﺨﻔﻔﺔ ﻗﺪ ﺗﺼﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﺒﺲ ﻣﺪﺓ ﻗﺼﻴﺮﺓ ﺃﻭ ﺍﻟﻐﺮﺍﻣﺔ ﺑﺪﻻً ﻣﻦ ﻋﻘﻮﺑﺔ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﺍﻟﻌﻤﺪ ﺃﻭ ﺍﻟﻀﺮﺏ ﺍﻟﻤﻔﻀﻲ ﻟﻠﻤﻮﺕ ﻭﻗﺪ ﻓﺴﺮ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﺺ ﻟﻴﺸﻤﻞ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﻔﺰﻉ ﺍﻟﺸﺪﻳﺪ ﻭﺍﻟﺨﻄﺄ ﻓﻲ ﺗﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﻤﺴﺎﻓﺔ ﺃﻭ ﻧﻮﻉ ﺍﻟﺴﻼﺡ ﺣﻴﺚ ﺍﻋﺘﺒﺮ ﺃﻥ ﺍﻹﺭﺍﺩﺓ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻴﺔ ﻫﻨﺎ ﻣﻨﻘﻮﺻﺔ ﻣﻤﺎ ﻳﺴﺘﻮﺟﺐ ﺍﻟﺘﺨﻔﻴﻒ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮﻱ ﻭﻟﻴﺲ ﻣﺠﺮﺩ ﺍﻟﺮﺃﻓﺔ
ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻳﺠﻤﻊ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺍﻟﻤﺴﺘﻤﺪﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻭﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻓﻲ “ﺷﺒﻪ ﺍﻟﻌﻤﺪ” ﻭﺍﻟﺨﻄﺄ ﺣﻴﺚ ﺗﻌﺘﺒﺮ ﺗﺠﺎﻭﺯﺍﺕ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺿﻤﻦ ﺑﺎﺏ ﺍﻟﺨﻄﺄ ﺍﻟﻤﻌﺬﻭﺭ ﺃﻭ ﺷﺒﻪ ﺍﻟﻌﻤﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﻮﺟﺐ
ﺍﻟﻘﺼﺎﺹ ﺍﻟﻜﺎﻣﻞ ﺑﻞ ﺍﻟﺪﻳﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﺘﻌﻮﻳﺾ ﻭﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺔ ﺍﻟﺘﻌﺰﻳﺮﻳﺔ ﺍﻟﻤﺨﻔﻔﺔ ﻭﻗﺪ ﻧﺺ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻋﻠﻰ ﻇﺮﻭﻑ ﺍﻟﺘﺨﻔﻴﻒ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﺍﻹﻟﺰﺍﻣﻴﺔ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﺗﺠﺎﻭﺯ ﺣﺪﻭﺩ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺇﺫﺍ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻫﻨﺎﻙ ﻗﺼﺪ ﺍﻧﺘﻘﺎﻣﻲ ﻭﺍﺿﺢ ﻭﺗﺘﺮﺍﻭﺡ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﺒﺪﻳﻠﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺴﺠﻦ ﻟﻔﺘﺮﺍﺕ ﻣﺤﺪﻭﺩﺓ ﻭﺍﻟﻐﺮﺍﻣﺎﺕ ﺍﻟﻤﺎﻟﻴﺔ ﻣﻊ ﺇﻣﻜﺎﻧﻴﺔ ﻭﻗﻒ ﺍﻟﺘﻨﻔﻴﺬ ﻓﻲ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻷﺣﻜﺎﻡ ﺧﺎﺻﺔ ﻟﻠﻤﺒﺘﺪﺋﻴﻦ ﺃﻭ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﺮﺽ
ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﺒﺪﻳﻠﺔ ﺍﻟﺸﺎﺋﻌﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﺜﻼﺙ ﺃﻳﻀﺎً “ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﻴﺔ” ﺃﻭ “ﺧﺪﻣﺔ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ” ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﺍﻟﺒﺴﻴﻄﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺠﺎﻭﺯ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﺪﻣﻮﻱ ﻛﺒﺪﻳﻞ ﻋﻦ ﺍﻟﺴﺠﻦ ﻟﻠﺤﻔﺎﻅ ﻋﻠﻰ ﺗﻤﺎﺳﻚ ﺍﻷﺳﺮﺓ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﻤﺤﻠﻲ ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﻌﻮﻳﺾ ﺍﻟﻤﺪﻧﻲ ﻳﻠﻌﺐ ﺩﻭﺭﺍً ﻛﺒﻴﺮﺍً ﺣﻴﺚ ﻗﺪ ﻳﺤﻜﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﺍﻟﻤﺘﺠﺎﻭﺯ ﺑﺪﻓﻊ ﺗﻌﻮﻳﺾ ﻷﻫﻞ ﺍﻟﻤﺠﻨﻲ ﻋﻠﻴﻪ ﻛﺼﻮﺭﺓ ﻣﻦ ﺻﻮﺭ ﺟﺒﺮ ﺍﻟﻀﺮﺭ ﺩﻭﻥ ﺍﻟﺪﺧﻮﻝ ﻓﻲ ﻋﻘﻮﺑﺔ ﺳﺎﻟﺒﺔ ﻟﻠﺤﺮﻳﺔ ﻃﻮﻳﻠﺔ ﺍﻷﻣﺪ
ﺇﻥ ﻭﺟﻮﺩ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﺒﺪﻳﻠﺔ ﻳﻌﻜﺲ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﻗﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﻣﺘﻘﺪﻣﺔ ﺗﺪﺭﻙ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﺍﻟﻤﺘﺠﺎﻭﺯ ﻟﻴﺲ ﻣﺠﺮﻣﺎً ﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﻟﻠﻜﻠﻤﺔ ﺑﻞ ﻫﻮ ﺿﺤﻴﺔ ﻟﻈﺮﻭﻑ ﺍﺳﺘﺜﻨﺎﺋﻴﺔ ﺩﻓﻌﺘﻪ ﻟﺮﺩ ﻓﻌﻞ ﻣﺒﺎﻟﻎ ﻓﻴﻪ ﻟﺬﺍ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻬﺪﻑ ﻣﻦ
ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺔ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﻟﻴﺲ ﺍﻻﻧﺘﻘﺎﻡ ﺃﻭ ﺍﻟﺮﺩﻉ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﺑﻘﺪﺭ ﻣﺎ ﻫﻮ ﺍﻟﺘﺄﺩﻳﺐ ﺍﻟﺨﺎﺹ ﻭﺟﺒﺮ ﺍﻟﻀﺮﺭ ﻣﻊ ﺍﻟﺤﻔﺎﻅ ﻋﻠﻰ ﻛﺮﺍﻣﺔ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻭﻋﺪﻡ ﺇﺩﺧﺎﻟﻪ ﻓﻲ ﺩﻭﺍﻣﺔ ﺍﻟﺴﺠﻮﻥ ﺍﻟﻄﻮﻳﻠﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﺗﺪﻣﺮ ﺣﻴﺎﺗﻪ ﻭﺣﻴﺎﺓ ﺃﺳﺮﺗﻪ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺘﺎﺳﻊ ﻭﺍﻟﻌﺸﺮﻭﻥ
ﺍﻗﺘﺮﺍﺣﺎﺕ ﻟﺘﻌﺪﻳﻞ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎﺕ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺑﻤﺎ ﻳﺘﻮﺍﻓﻖ ﻣﻊ ﺍﻟﻤﻌﺎﻳﻴﺮ ﺍﻟﺪﻭﻟﻴﺔ
ﺑﻌﺪ ﺩﺭﺍﺳﺔ ﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﻋﻤﻴﻘﺔ ﻟﻨﻈﻢ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻭﻓﺮﻧﺴﺎ ﺗﺒﺮﺯ ﺍﻟﺤﺎﺟﺔ ﺍﻟﻤﻠﺤﺔ ﻟﺘﻄﻮﻳﺮ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎﺕ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻟﺘﻮﺍﻛﺐ ﺍﻟﻤﻌﺎﻳﻴﺮ ﺍﻟﺪﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﻓﻲ ﺣﻘﻮﻕ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻭﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻴﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﺤﻔﺎﻅ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻬﻮﻳﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻭﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺃﻭﻝ ﻫﺬﻩ ﺍﻻﻗﺘﺮﺍﺣﺎﺕ ﻫﻮ ﺍﻟﻨﺺ ﺍﻟﺼﺮﻳﺢ ﻓﻲ ﻗﻮﺍﻧﻴﻦ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻋﺘﺒﺎﺭ “ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﺬﻋﺮ ﻭﺍﻟﻔﺰﻉ ﺍﻟﺸﺪﻳﺪ” ﺳﺒﺒﺎً ﻛﺎﻣﻼً ﻟﻺﻋﻔﺎﺀ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺣﺘﻰ ﻓﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﺗﺠﺎﻭﺯ ﺣﺪﻭﺩ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻃﺎﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺘﺠﺎﻭﺯ ﻏﻴﺮ ﻣﺘﻌﻤﺪ ﻭﺫﻟﻚ ﺗﺄﺳﻴﺎً ﺑﺎﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻭﺑﻤﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻓﻲ ﺭﻓﻊ
ﺍﻟﺤﺮﺝ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﻜﺮﻭﻫﻴﻦ
ﺛﺎﻧﻴﺎً ﺿﺮﻭﺭﺓ ﺗﻮﺳﻴﻊ ﻣﻔﻬﻮﻡ “ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﺤﺎﻝ” ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﻔﺴﻴﺮﺍﺕ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﻟﻴﺸﻤﻞ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﻌﻨﻒ ﺍﻷﺳﺮﻱ ﺍﻟﻤﺰﻣﻦ ﻭﺟﺮﺍﺋﻢ ﺍﻟﺸﺮﻑ ﺍﻟﻮﻫﻤﻴﺔ ﺣﻴﺚ ﻳﺠﺐ ﺃﻥ ﻳﻨﺺ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺻﺮﺍﺣﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﺨﻮﻑ ﺍﻟﻤﺒﺮﺭ ﺍﻟﻨﺎﺗﺞ ﻋﻦ ﻋﻨﻒ ﺳﺎﺑﻖ ﻣﺴﺘﻤﺮ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﻇﺮﻓﺎً ﻳﺒﻴﺢ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺣﺘﻰ ﻓﻲ ﻟﺤﻈﺎﺕ ﺍﻟﻬﺪﻭﺀ ﺍﻟﻨﺴﺒﻲ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻬﺮﻭﺏ ﻣﺴﺘﺤﻴﻼً ﺃﻭ ﻏﻴﺮ ﺁﻣﻦ ﻭﻫﺬﺍ ﻳﺘﻮﺍﻓﻖ ﻣﻊ ﺍﺗﻔﺎﻗﻴﺎﺕ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻨﻒ ﺿﺪ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﻭﺍﻟﻤﻌﺎﻳﻴﺮ ﺍﻟﺪﻭﻟﻴﺔ ﻟﺤﻘﻮﻕ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ
ﺛﺎﻟﺜﺎً ﺍﻗﺘﺮﺍﺡ ﺇﻧﺸﺎﺀ ﺩﻭﺍﺋﺮ ﻣﺘﺨﺼﺼﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻟﻠﻨﻈﺮ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻭﺟﺮﺍﺋﻢ ﺍﻟﺸﺮﻑ ﻭﺍﻟﻌﻨﻒ ﺍﻷﺳﺮﻱ ﺗﻀﻢ ﻗﻀﺎﺓ ﻣﺪﺭﺑﻴﻦ ﻭﺧﺒﺮﺍﺀ ﻧﻔﺴﻴﻴﻦ ﻭﺍﺟﺘﻤﺎﻋﻴﻴﻦ ﻟﺘﻘﻴﻴﻢ ﻇﺮﻭﻑ ﻛﻞ ﻗﻀﻴﺔ ﺑﺪﻗﺔ ﺑﻌﻴﺪﺍً ﻋﻦ ﺍﻟﻌﺎﺩﺍﺕ ﺍﻟﺒﺎﻟﻴﺔ ﻭﻟﻀﻤﺎﻥ ﺗﻄﺒﻴﻖ ﻣﻮﺣﺪ ﻭﻋﺎﺩﻝ ﻟﻠﻨﺼﻮﺹ ﻭﻗﺪ ﺃﺛﺒﺘﺖ ﺍﻟﺘﺠﺮﺑﺔ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﻧﺠﺎﺡ ﻣﺜﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺘﺨﺼﺼﺎﺕ ﻓﻲ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﻋﺪﺍﻟﺔ ﺃﻛﺜﺮ ﺩﻗﺔ ﻭﺇﻧﺴﺎﻧﻴﺔ
ﺭﺍﺑﻌﺎً ﺿﺮﻭﺭﺓ ﺗﻮﺣﻴﺪ ﻣﻌﺎﻳﻴﺮ “ﺍﻟﺘﻨﺎﺳﺐ” ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﺎﺕ
ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻟﺘﻜﻮﻥ ﻣﺮﻧﺔ ﻭﺗﺮﺍﻋﻲ ﺍﻟﻔﻮﺍﺭﻕ ﺍﻟﺠﺴﺪﻳﺔ ﻭﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻄﺮﻓﻴﻦ ﻭﻻ ﺗﺸﺘﺮﻁ ﺍﻟﺘﻄﺎﺑﻖ ﺍﻟﺮﻳﺎﺿﻲ ﺑﻴﻦ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻣﻊ ﺍﻟﻨﺺ ﺻﺮﺍﺣﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻤﻤﻴﺘﺔ ﻣﺒﺎﺡ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﻭﺍﻟﻨﻔﺲ ﺣﺘﻰ ﺿﺪ ﻣﻌﺘﺪٍ ﺃﻋﺰﻝ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻔﺎﺭﻕ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺃﻭ ﺍﻟﻌﺪﺩ ﻛﺒﻴﺮﺍً ﺑﻤﺎ ﻳﻬﺪﺩ ﺣﻴﺎﺓ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ
ﺧﺎﻣﺴﺎً ﺇﺩﺧﺎﻝ ﻧﺼﻮﺹ ﺻﺮﻳﺤﺔ ﺗﺠﺮﻡ ﺍﻻﻋﺘﻤﺎﺩ ﻋﻠﻰ “ﺍﻟﻌﺮﻑ” ﺃﻭ “ﺍﻟﺸﺮﻑ” ﻛﻤﺒﺮﺭ ﻟﻠﻘﺘﻞ ﺍﻻﻧﺘﻘﺎﻣﻲ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﺮﺗﺒﻂ ﺑﺎﻋﺘﺪﺍﺀ ﺣﺎﻝ ﻟﺘﺠﻔﻴﻒ ﻣﻨﺎﺑﻊ ﺟﺮﺍﺋﻢ ﺍﻟﺸﺮﻑ ﺍﻟﺰﺍﺋﻔﺔ ﻭﺗﺄﻛﻴﺪ ﺳﻴﺎﺩﺓ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﻓﻮﻕ ﺍﻟﻌﺎﺩﺍﺕ ﻣﻊ ﺍﻟﺤﻔﺎﻅ ﻋﻠﻰ ﻣﺸﺮﻭﻋﻴﺔ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﻓﻲ ﻟﺤﻈﺔ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮ
ﺳﺎﺩﺳﺎً ﺗﻌﺰﻳﺰ ﺩﻭﺭ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺇﻟﺰﺍﻣﻬﺎ ﺑﺎﻻﺳﺘﻌﺎﻧﺔ ﺑﺨﺒﺮﺍﺀ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺍﻟﻄﺐ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﺩﻋﺎﺀ ﺩﻓﺎﻉ ﺷﺮﻋﻲ ﻭﺿﻤﺎﻥ ﺟﻤﻊ ﺍﻷﺩﻟﺔ ﺍﻟﺘﻘﻨﻴﺔ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﻣﺜﻞ ﻛﺎﻣﻴﺮﺍﺕ ﺍﻟﻤﺮﺍﻗﺒﺔ ﻭﺗﺤﻠﻴﻞ ﺍﻟﺒﻴﺎﻧﺎﺕ ﺍﻟﺮﻗﻤﻴﺔ ﻟﺪﻋﻢ ﺃﻭ ﻧﻔﻲ ﺭﻭﺍﻳﺎﺕ ﺍﻷﻃﺮﺍﻑ
ﺳﺎﺑﻌﺎً ﻭﺃﺧﻴﺮﺍً ﺗﺸﺠﻴﻊ ﺍﻟﺒﺤﺚ ﺍﻟﻌﻠﻤﻲ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻥ ﻭﺗﺒﺎﺩﻝ ﺍﻟﺨﺒﺮﺍﺕ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﻓﺮﻧﺴﺎ ﻭﺩﻭﻝ ﺃﺧﺮﻯ ﻟﺘﻨﻘﻴﺔ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻲ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﻮﺍﺋﺐ ﻭﺗﻄﻮﻳﺮﻩ ﻟﻴﺼﺒﺢ ﻧﻤﻮﺫﺟﺎً ﺭﺍﺋﺪﺍً ﻳﺠﻤﻊ ﺑﻴﻦ ﺃﺻﺎﻟﺔ ﺍﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻭﻋﺪﺍﻟﺔ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻭﻫﺬﻩ ﺍﻟﺘﻌﺪﻳﻼﺕ ﺍﻟﻤﻘﺘﺮﺣﺔ ﺇﺫﺍ ﻣﺎ ﻃﺒُﻘﺖ ﺳﺘﺴﺎﻫﻢ ﻓﻲ ﺭﻓﻊ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﻭﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﺤﻘﻮﻕ ﺍﻷﺳﺎﺳﻴﺔ ﻟﻠﻤﻮﺍﻃﻨﻴﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ
ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺜﻼﺛﻮﻥ
ﺧﺎﺗﻤﺔ ﻭﺗﻮﺻﻴﺎﺕ ﻋﻤﻠﻴﺔ ﻟﻠﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ﻭﻫﻴﺌﺔ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﻭﺍﻟﻤﺤﺎﻣﻴﻦ
ﻓﻲ ﺧﺘﺎﻡ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺍﻟﺬﻱ ﺍﺳﺘﻌﺮﺿﻨﺎ ﻓﻴﻪ ﺃﺳﺒﺎﺏ ﺍﻹﺑﺎﺣﺔ ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻋﺒﺮ ﺩﺭﺍﺳﺔ ﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﺷﺎﻣﻠﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻭﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻮﺿﻌﻲ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ ﻭﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﻭﻓﺮﻧﺴﺎ ﻧﺨﻠﺺ ﺇﻟﻰ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺘﺎﺋﺞ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮﻳﺔ ﻭﺍﻟﺘﻮﺻﻴﺎﺕ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﺍﻟﻤﻮﺟﻬﺔ ﻷﺭﻛﺎﻥ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﺑﻬﺪﻑ ﺗﻔﻌﻴﻞ ﻣﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﻭﺗﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﺤﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻤﺜﻠﻰ ﻟﻠﺤﻘﻮﻕ
ﺃﻭﻻً ﻷﻋﻀﺎﺀ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ: ﻧﻮﺻﻲ ﺑﺘﺒﻨﻲ ﻣﻨﻬﺠﻴﺔ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺍﺳﺘﺒﺎﻗﻴﺔ ﻭﺩﻗﻴﻘﺔ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺗﺒﺪﺃ ﻣﻦ ﻟﺤﻈﺔ ﻭﺻﻮﻝ ﺍﻟﺒﻼﻍ ﻭﺗﺸﻤﻞ ﻣﻌﺎﻳﻨﺔ ﻓﻮﺭﻳﺔ ﻟﻤﻜﺎﻥ ﺍﻟﺤﺎﺩﺙ ﻭﺟﻤﻊ ﻛﻞ ﺍﻷﺩﻟﺔ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ﻭﺍﻟﺘﻘﻨﻴﺔ ﻗﺒﻞ ﺯﻭﺍﻟﻬﺎ ﻭﺍﻻﺳﺘﻌﺎﻧﺔ ﺍﻟﻔﻮﺭﻳﺔ ﺑﺨﺒﺮﺍﺀ ﺍﻟﻄﺐ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻭﺍﻟﻨﻔﺲ ﻟﺘﻘﻴﻴﻢ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻭﺍﻟﻤﺠﻨﻲ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﻳﺠﺐ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﺃﻥ ﺗﺘﺤﺮﻯ ﺍﻟﺪﻗﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻤﻴﻴﺰ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻉ ﻭﺍﻻﻧﺘﻘﺎﻡ ﺍﻟﻤﻘﻨﻊ ﺑﺎﻟﺪﻓﺎﻉ ﻣﻊ ﻣﺮﺍﻋﺎﺓ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﻟﻸﻃﺮﺍﻑ ﻭﻋﺪﻡ ﺍﻻﻛﺘﻔﻲ ﺑﺎﻟﺮﻭﺍﻳﺎﺕ ﺍﻟﺸﻜﻠﻴﺔ ﺑﻞ ﺍﻟﻐﻮﺹ ﻓﻲ ﻣﻼﺑﺴﺎﺕ ﺍﻟﻮﺍﻗﻌﺔ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻴﺔ ﻛﻤﺎ ﻧﻮﺻﻲ ﺑﺘﺪﺭﻳﺐ ﺃﻋﻀﺎﺀ ﺍﻟﻨﻴﺎﺑﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺴﺘﺠﺪﺍﺕ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﺍﻟﺪﻭﻟﻴﺔ ﻓﻲ ﻣﺠﺎﻝ ﺍﻟﻌﻨﻒ ﺍﻷﺳﺮﻱ ﻭﺟﺮﺍﺋﻢ ﺍﻟﺸﺮﻑ ﻟﻀﻤﺎﻥ ﻣﻌﺎﻟﺠﺔ ﻋﺎﺩﻟﺔ ﻟﻬﺬﻩ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺤﺴﺎﺳﺔ
ﺛﺎﻧﻴﺎً ﻟﻬﻴﺌﺔ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ: ﻧﻮﺻﻲ ﺍﻟﻘﻀﺎﺓ ﺑﺘﻔﻌﻴﻞ ﺳﻠﻄﺘﻬﻢ ﺍﻟﺘﻘﺪﻳﺮﻳﺔ ﺍﻟﻮﺍﺳﻌﺔ ﻓﻲ ﺗﻘﻴﻴﻢ ﺷﺮﻭﻁ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺑﻤﻨﻄﻖ ﻣﺮﻥ ﻳﺮﺍﻋﻲ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﻓﻲ ﻟﺤﻈﺎﺕ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﻭﻳﺘﺠﺎﻭﺯ ﺍﻟﺤﺮﻓﻴﺔ ﺍﻟﺠﺎﻣﺪﺓ ﻟﻠﻨﺺ ﻧﺤﻮ ﺭﻭﺡ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﻭﺍﻹﻧﺼﺎﻑ ﻭﻳﺠﺐ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ ﺃﻥ ﻳﻀﻊ ﻧﻔﺴﻪ ﻣﻜﺎﻥ ﺍﻟﻤﺪﺍﻓﻊ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻠﺤﻈﺔ ﺍﻟﺮﻫﻴﺒﺔ ﻟﻴﻘﺮﺭ ﻣﺎ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺭﺩ
ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻣﻌﻘﻮﻻً ﻓﻲ ﻇﻞ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﻛﻤﺎ ﻧﻮﺻﻲ ﺑﺘﻮﺣﻴﺪ ﺍﻻﺟﺘﻬﺎﺩﺍﺕ ﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﻋﺒﺮ ﻧﺸﺮ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﻣﺒﺪﺃﻳﺔ ﻣﻦ ﻣﺤﺎﻛﻢ ﺍﻟﻨﻘﺾ ﻭﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﺗﺮﺳﻲ ﻣﻔﺎﻫﻴﻢ ﺣﺪﻳﺜﺔ ﻟﻠﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﺗﺘﻮﺍﻓﻖ ﻣﻊ ﺗﻄﻮﺭ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻭﺗﺤﻤﻲ ﺍﻟﻀﺤﺎﻳﺎ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻴﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻨﻒ ﻣﻊ ﺭﺩﻉ ﻣﻦ ﻳﺴﺘﻐﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﻟﻺﻓﻼﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ
ﺛﺎﻟﺜﺎً ﻟﻠﻤﺤﺎﻣﻴﻦ: ﻧﻮﺻﻲ ﺑﻀﺮﻭﺭﺓ ﺍﻹﻋﺪﺍﺩ ﺍﻟﺠﻴﺪ ﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺟﻤﻊ ﻛﻞ ﺍﻷﺩﻟﺔ ﺍﻟﻤﻤﻜﻨﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺜﺒﺖ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻷﺻﻠﻲ ﻭﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﺬﻋﺮ ﻟﺪﻯ ﺍﻟﻤﻮﻛﻞ ﻭﺍﻻﺳﺘﻌﺎﻧﺔ ﺑﺨﺒﺮﺍﺀ ﻣﺴﺘﻘﻠﻴﻦ ﻟﺘﻘﺪﻳﻢ ﺗﻘﺎﺭﻳﺮ ﺗﺪﻋﻢ ﻓﺮﺿﻴﺔ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻛﻤﺎ ﻧﻮﺻﻲ ﺍﻟﻤﺤﺎﻣﻴﻦ ﺑﺎﻻﻃﻼﻉ ﺍﻟﻌﻤﻴﻖ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﻭﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻥ ﻻﺳﺘﻨﺒﺎﻁ ﺍﻟﺤﺠﺞ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﺍﻟﻘﻮﻳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻘﻨﻊ ﺍﻟﻤﺤﻜﻤﺔ ﺑﻤﺸﺮﻭﻋﻴﺔ ﻓﻌﻞ ﻣﻮﻛﻠﻬﻢ ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺑﺤﺰﻡ ﻋﻦ ﻣﺒﺪﺃ “ﺍﻟﺸﻚ ﻳﻔﻴﺪ ﺍﻟﻤﺘﻬﻢ” ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺤﻴﻮﻳﺔ
ﺭﺍﺑﻌﺎً ﻷﺳﺎﺗﺬﺓ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺎﺕ ﻭﺍﻟﺒﺎﺣﺜﻴﻦ: ﻧﻮﺻﻲ ﺑﺎﺳﺘﻤﺮﺍﺭ ﺍﻟﺒﺤﺚ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺠﺎﻝ ﺍﻟﺤﻴﻮﻱ ﻭﻣﻮﺍﻛﺒﺔ ﺍﻟﺘﻄﻮﺭﺍﺕ ﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻌﻴﺔ ﻭﺍﻟﻘﻀﺎﺋﻴﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﻭﺇﺛﺮﺍﺀ ﺍﻟﻤﻜﺘﺒﺔ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﺑﺎﻟﺪﺭﺍﺳﺎﺕ ﺍﻟﻤﻴﺪﺍﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﺤﻠﻴﻠﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺮﺑﻂ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻨﻈﺮﻳﺔ
ﻭﺍﻟﺘﻄﺒﻴﻖ ﻭﺗﻘﺪﻳﻢ ﻣﻘﺘﺮﺣﺎﺕ ﺗﻌﺪﻳﻞ ﺗﺸﺮﻳﻌﻲ ﻋﻤﻠﻴﺔ ﺗﺴﺎﻫﻢ ﻓﻲ ﺗﻄﻮﻳﺮ ﺍﻟﻤﻨﻈﻮﻣﺔ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ
ﺇﻥ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﺍﻟﺸﺮﻋﻲ ﻟﻴﺲ ﻣﺠﺮﺩ ﻧﺺ ﻓﻲ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺑﻞ ﻫﻮ ﺗﻌﺒﻴﺮ ﻋﻦ ﺣﻖ ﻓﻄﺮﻱ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ ﻭﺣﻤﺎﻳﺔ ﻛﺮﺍﻣﺘﻪ ﻭﻣﻤﺘﻠﻜﺎﺗﻪ ﻭﻫﻮ ﺟﺴﺮ ﻳﺮﺑﻂ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﻭﺍﻷﺧﻼﻕ ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﻨﺺ ﻭﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﻭﺇﻥ ﻧﺠﺎﺡ ﺗﻄﺒﻴﻖ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﻳﻌﺘﻤﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻬﺎﻳﺔ ﻋﻠﻰ ﺿﻤﻴﺮ ﺍﻟﺤﻲ ﻭﻛﻔﺎﺀﺓ ﺍﻟﻤﻬﻨﻴﻴﻦ ﺍﻟﻌﺎﻣﻠﻴﻦ ﻓﻲ ﺣﻘﻞ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻣﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﻋﻈﻴﻤﺔ ﻓﻲ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﺘﻮﺍﺯﻥ ﺍﻟﺪﻗﻴﻖ ﺑﻴﻦ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻭﺿﻤﺎﻥ ﺣﻘﻮﻕ ﺍﻷﻓﺮﺍﺩ
ﻭﺑﻬﺬﺍ ﻧﺨﺘﻢ ﻛﺘﺎﺑﻨﺎ ﺭﺍﺟﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻧﺎﻓﻌﺎً ﻭﻣﻔﻴﺪﺍً ﻟﻜﻞ ﻣﻦ ﻳﻌﻤﻞ ﻓﻲ ﺭﺣﺎﺏ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﻭﺃﻥ ﻳﺴﺎﻫﻢ ﻓﻲ ﺇﺭﺳﺎﺀ ﻣﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﺍﻹﻧﺼﺎﻑ ﻓﻲ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺗﻨﺎ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻭﻟﻲ ﺍﻟﺘﻮﻓﻴﻖ
ﺍﻟﻤﺮﺍﺟﻊ
.1 ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻭﺗﻌﺪﻳﻼﺗﻪ ﻭﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻹﺟﺮﺍﺀﺍﺕ
ﺍﻟﺠﻨﺎﺋﻴﺔ ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ
.2 ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ ﻭﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻹﺟﺮﺍﺀﺍﺕ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﻴﺔ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮﻱ
Code Pénal Français et Code de Procédure.3
Pénale Français
.4 ﺍﻟﻔﻘﻪ ﺍﻟﻤﺎﻟﻜﻲ ﻭﺍﻟﺤﻨﺒﻠﻲ ﻭﺃﻣﻬﺎﺕ ﺍﻟﻤﺼﺎﺩﺭ ﺍﻟﻔﻘﻬﻴﺔ ﻓﻲ ﺑﺎﺏ ﺍﻟﺠﻨﺎﻳﺎﺕ ﻭﺍﻟﺪﻓﺎﻉ
ﺗﻢ ﺑﺤﻤﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺗﻮﻓﻴﻘﻪ
ﺩ. ﻣﺤﻤﺪ ﻛﻤﺎﻝ ﻋﺮﻓﻪ ﺍﻟﺮﺧﺎﻭﻱ
ﺍﻟﺒﺎﺣﺚ ﻭﺍﻟﻤﺴﺘﺸﺎﺭ ﻭﺍﻟﺨﺒﻴﺮ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ ﻭﺍﻟﻤﺤﺎﺿﺮ ﺍﻟﺪﻭﻟﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ
ﺣﻘﻮﻕ ﺍﻟﻤﻠﻜﻴﺔ ﻣﺤﻔﻮﻇﺔ ﻟﻠﻤﺆﻟﻒ
ﺍﻟﻄﺒﻌﻪ ﺍﻻﻭﻟﻲ ﻣﺎﺭﺱ2026


