البنوك المركزية تفقد السيطرة.. لماذا يعتبر الذهب والفضة الملاذ الأخير رغم الهدوء؟

ارتفعت أسعار الذهب بقوة خلال عامي 2025 و2026 لتقارب مستويات 5,600 دولار للأوقية.

وجاء الارتفاع لعدة أسباب:

إشعال الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، حربًا تجارية مع أغلب دول العالم رافعًا التعريفات الجمركية على الواردات من هذه الدول لأمريكا.

تخفيض الاحتياطي الفيدرالي لسعر الفائدة مما خفض جاذبية الدولار الأمريكي ودفع المستثمرين نحو الملاذ الآمن.

المخاوف من فقاعة ذكاء اصطناعي بالسوق مع الانطلاقة الجنونية لأسهم هذه الشركات مما دفع المستثمرين للتحوط.

توترات جيوسياسية أشعلتها الولايات المتحدة في فنزويلا والشرق الأوسط.

حركة الذهب: أين نحن الآن؟

السعر الحالي: 5,110.51 دولار للأونصة (أقل بنحو 9% عن القمة التاريخية).

التغير خلال عام: +70.82%.

التغير منذ بداية 2026: +16.49%.

القمة التاريخية: 5,626.8 دولار (29/01/2026).

التوقعات: نطاق 5,500–5,600 دولار للأشهر القادمة إذا استمرت المخاطر الجيوسياسية.

الذهب والفيدرالي:

يعتمد الذهب في تحركه قصير ومتوسط الأجل على قرار الفائدة من الاحتياطي الفيدرالي، ومع اشتعال الحرب بمنطقة الشرق الأوسط يبدو أن الفيدرالي لن يقدم على خفض الفائدة رغم دعوات الرئيس ترامب.

دعا الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، رئيس الفيدرالي، جيروم باول، لخفض الفائدة خفضًا طارئًا لمواجهة ارتفاع سعر النفط. ولكن يبدو أن المؤسسات الكبرى لها توقعات أخرى:

غولدمان ساكس: توقعت لأول مرة أن يبدأ الفيدرالي خفض الفائدة في سبتمبر 2026، وليس يونيو، بسبب ارتفاع أسعار النفط وتزايد الضغوط التضخمية. تتوقع غولدمان أن يصل سعر الفائدة إلى 3.00–3.25% بنهاية 2026، مع خفضين فقط (50 نقطة أساس).

مورغان ستانلي، بنك أوف أمريكا، ويلز فارجو، نومورا، باركليز، يو بي إس: جميعها تتوقع نفس وتيرة الخفض (50 نقطة أساس) بدءاً من منتصف 2026.

سيتي جروب: أكثر تفاؤلاً، يتوقع ثلاثة خفض (75 نقطة أساس) تبدأ في أبريل 2026.

جي بي مورجان، بي إن بي باريبا، إتش إس بي سي، ستنادرد تشارتد، دويتشه بنك: تتوقع إما عدم وجود خفض أو خفض محدود جداً، بل إن جي بي مورجان تتوقع رفعاً للفائدة في 2027!

الذهب وطموحات الـ 10,000 دولار:

ظهرت أصوات معدودة في وول ستريت ترى أن سعر الذهب قد ينطلق صوب الـ 10,000 دولار وما بعدها.

توقعات يارديني: “وقالت يارديني إن أحد صناديق الأسواق الناشئة المتداولة يظهر ارتباطًا قويًا مع مؤشر CRB للمواد الصناعية الخام الفوري وعادة ما يتحرك قبله. وقالت الشركة إنها بدأت التوصية بزيادة الوزن في الأسواق الناشئة في ديسمبر من العام الماضي، معتبرة الأداء الأخير إشارة إلى أن أسعار السلع من المرجح أن تستمر في الارتفاع.

وفي ظل هذه الخلفية، حافظت يارديني على نظرتها الإيجابية طويلة المدى للذهب. وقالت الشركة: “ما زلنا نستهدف 6,000 دولار بحلول نهاية هذا العام و10,000 دولار بحلول نهاية عام 2029”.

وفي توقعات أخرى أوضح أكاش دوشي من ستيت ستريت لإدارة الاستثمارات أن حجم الصفقة لافت للنظر بالنظر إلى الفارق الكبير بينها وبين السعر الفوري، مشبهًا إياها بتذكرة يانصيب منخفضة التكلفة ذات عائد محتمل ضخم.

تضاعف سعر الذهب منذ بداية 2024، مدفوعًا بتدفقات مضاربية قوية، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، وتزايد القلق بشأن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، إضافة إلى توجه المستثمرين نحو تنويع محافظهم بعيدًا عن العملات والسندات السيادية.

يعكس هذا الصعود تحولا هيكليًا في النظرة إلى الذهب، إذ لم يعد يُنظر إليه فقط كملاذ تقليدي وقت الأزمات، بل كأداة تحوط استراتيجي ضد المخاطر السياسية والنقدية على المدى الطويل.

شروط صعبة لتحقيق الأرباح:

يتطلب تحقيق أرباح من هذه الفروق أن ترتفع الأسعار إلى ما يقرب من ثلاثة أضعاف بحلول ديسمبر حتى تنتهي العقود داخل نطاق الربحية.

تحد هيكلية الفروق من العائد الأقصى الممكن، لكنها تقلل في المقابل التكلفة الأولية، ما يمنح المتداولين مرونة الخروج عند أي صعود حاد أو الاحتفاظ بالمراكز حتى تاريخ الاستحقاق إذا تجاوز الذهب مستوى 15000 دولار.

ويشير هذا النوع من المراكز إلى أن بعض المستثمرين لا يراهنون على ارتفاع تدريجي، بل على صدمة سعرية مفاجئة قد تنتج عن أزمة مالية، أو تصعيد جيوسياسي واسع، أو تحول حاد في السياسات النقدية العالمية.

تغيرات هيكلية تنذر بتحرك قوي في سعر الذهب:

وفي تصريحات لكيتكو نيوز قالت شانتيل شيفين، رئيسة الأبحاث في كابيتال لايت للأبحاث، إن هناك حالة من عدم اليقين تتصاعد في الاقتصاد العالمي، ولن يكون عصيًا على الذهب الانطلاق لمستوى 10,000 دولار للأوقية في فترة ما بين 5 إلى 7 سنوات.

وقالت: “بهذا المعدل لتحركات الذهب، سنصل لمستويات 10,000 دولار بحلول عام 2029.” وقالت رئيسة قسم التحليلات بأن السؤال الرئيسي ما إذا كانت التحولات الحالية كافية لدفع الذهب أم أن هناك قوى هيكلية جديدة ستساعد استدامة الرالي.

وقالت المحللة بأن المعادن الثمينة لا تتحرك بسبب المشهد التقليدي فقط، بل هناك “تحول تكتوني” في النظامين المالي والسياسي العالميين.

وأشارت إلى أنه في فبراير وحده شهدنا الذهب يتحرك بـ 50 دولار وأكثر صعودًا أو هبوطًا، ولـ 12 يوم تداول كان التحرك بـ 100 دولار في أي الاتجاهين، ويدل هذا على أن التقلب في سعر الذهب مرتبط بعدم اليقين الجيوسياسي.

ورغم التقلبات القوية فإن المستثمرين على المدى الطويل ما زالوا مستفيدين من الاتجاه الصاعد، وكذلك مستثمرو التجزئة الذين يركزون على المدى الزمني الأوسع يقفون بمراكز أفضل من هؤلاء الذين يطاردون الحركة اليومية.

عواصف جيوسياسية وأزمة ديون: لماذا يستمر “الترند الصاعد” للذهب والفضة؟

تؤكد الخبيرة الاقتصادية “شانتيل شيفين” أن الأسس الهيكلية التي تدفع السوق الصاعد للمعادن الثمينة حالياً أعمق بكثير من التقلبات قصيرة الأجل، مشيرة إلى أن التراجع الملحوظ في نشاط المضاربة يرجع إلى صعوبة توقع الحركات اليومية، لكن المسار العام لا يزال إيجابياً بقوة.

1. أرضية صلبة للأسعار (الذهب فوق 5000 دولار والفضة 60 دولاراً) رغم حالة التماسك (Consolidation) الحالية في أسعار المعادن الثمينة، ترى شيفين أن مخاطر الهبوط محدودة للغاية، مستبعدة أن تتراجع الأسعار عن مستويات 5,000 دولار للأوقية للذهب، و60 دولاراً للفضة.

تصريح: “الزخم طويل الأجل لا يزال يتجه صعوداً.. سيتطلب الأمر تحولاً كبيراً في المشاعر الجيوسياسية لإنهاء هذه الدورة الحالية، وأنا ببساطة لا أرى ذلك يحدث، كما أنني لا أرى تراجعاً في مستويات الديون الحكومية في أي وقت قريب.”

2. التحول الهيكلي والتخلي عن الدولار (De-dollarization) تربط شيفين انطلاقة الذهب الحالية بالتغيرات الهيكلية التي تسارعت عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية والعقوبات الغربية، مما دفع العالم لإعادة تقييم مخاطر الاحتفاظ بأصول مقومة بالدولار.

تصريح: “هذا هو الوقت الذي بدأت فيه البنوك المركزية والحكومات والأفراد الأثرياء يدركون أنهم لا يريدون الاحتفاظ بأصول دولارية يمكن تجميدها بسهولة.. الذهب لا يحمل (مخاطر الطرف المقابل).”

3. معضلة البنوك المركزية وفخ الديون الارتفاع الهائل في مستويات الدين (الحكومي، الشخصي، والرهن العقاري) سلب البنوك المركزية القدرة على تشديد السياسة النقدية بقوة دون تدمير الاقتصاد.

تصريح: “أعتقد أن البنوك المركزية عالقة في المنتصف.. إن رفع أسعار الفائدة بشكل كبير لم يعد خياراً متاحاً بسبب مستويات الديون المتراكمة في النظام.”

4. عصر التفتت العالمي وعواصف انعدام الثقة العالم يدخل حقبة من التوترات الممتدة وتراجع العولمة (أزمات الشرق الأوسط، توترات الصين وتايوان)، مما يعزز من التحالفات الإقليمية ويخلق بيئة مثالية للملاذات الآمنة.

تصريح: “أعتقد أن انعدام الثقة العالمي بين الحكومات سيستمر لفترة طويلة جداً.. يبدو وكأن هناك عواصف في كل مكان، والذهب يستفيد دائماً من حالة عدم اليقين هذه.”

5. الفضة.. الملاذ القادم للمستثمر الصغير مع استمرار ارتفاع أسعار الذهب، تتوقع شيفين أن تتجه أنظار مستثمري التجزئة بقوة نحو الفضة كبديل منطقي.

تصريح: “المستهلك العادي لم يعد قادراً على تحمل تكلفة أوقية من الذهب.. الفضة غالباً ما تصبح نقطة الدخول المناسبة للمستثمرين الباحثين عن مخزن للقيمة بتكلفة يمكن الوصول إليها.”

الخلاصة: رغم صعوبة التنبؤ بالتوقيت الدقيق للحركة الكبرى القادمة، فإن القوى الهيكلية (الجيوسياسية والاقتصادية) تضمن بقاء المسار طويل الأجل للذهب والفضة في اتجاه صاعد حاسم.

 

منصة انفستينج