منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، تسود أسواق دول مجلس التعاون الخليجي حالة من الصدمة لا يزال لها تأثير مباشر في إعادة تشكيل سلوك الاستهلاك، خاصة في الدول التي تلقت العدد الأكبر من الضربات الإيرانية، بينما تحاول الحكومات استخدام فوائض الطاقة وأدوات إدارة المخاطر لحماية الرفاه الذي اعتاده مواطنو تلك الدول.
ورغم أن الضربات الإيرانية طاولت مدناً ومنشآت في السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت، ودفعت مستثمرين أجانب إلى إعادة تقييم “صورة الملاذ الآمن” التي بنتها العواصم الخليجية خلال العقد الماضي، فإن الحياة الاستهلاكية للسكان، وإن لم تنقلب رأساً على عقب حتى الآن، إلا أنها اتخذت شكلاً حذراً أقرب إلى “الترقب مع الاستمرار”، فالمراكز التجارية في دبي والرياض مزدحمة، إذ يتهافت كثيرون للشراء من أجل “تخزين” المواد الغذائية تحسباً لطول أمد الحرب، كما تراجع الإنفاق على السلع الكمالية تدريجياً لصالح تخزين محدود للمواد الغذائية والأدوية ومستلزمات الأطفال، فيما يتابع كثيرون شاشات البورصة وأسعار الوقود تراجعت متابعة عروض السفر والترفيه.
وعلى مستوى الأسواق المالية، كانت البورصات الخليجية أول من التقط صدمة الحرب؛ إذ هبطت المؤشرات في السعودية وعُمان والبحرين وقطر مع بداية الضربات المتبادلة، وذهبت بورصة الكويت إلى قرار غير مسبوق بتعليق التداول “حتى إشعار آخر” تحت وصف “ظروف استثنائية”، في مشهد انعكس مباشرة على مزاج المدخرين الأفراد الذين رأوا في الشاشات الحمراء إشارة إلى توتر ممتد، حتى مع صعود أسهم شركات النفط الكبرى التي تستفيد من قفزة الأسعار، مثل أرامكو، التي سجلت أكبر ارتفاع يومي لها منذ أشهر.
وتنسحب الازدواجية في صورة أسهم الطاقة الرابحة والاقتصاد غير النفطي القلق على حياة الناس؛ فارتفاع أسعار النفط ينعكس دعماً إضافياً لخزائن الحكومات، لكنه يهدد في الوقت نفسه برفع كلفة النقل والشحن والتأمين، وهو ما بدأ المواطن الخليجي يلمسه في أسعار بعض السلع المستوردة من أوروبا وآسيا، مع تحذيرات من أن التضخم العالمي قد يعود للارتفاع إذا استمرت العمليات العسكرية حول مضيق هرمز لأسابيع إضافية، بما يعني تقليص القوة الشرائية للأسر الخليجية حتى لو ظلت الرواتب والدعم الحكومي على حالهما، حسب تحليل نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”.
غير أن القلق الأكبر شعبياً اليوم لا يتعلق بالتجزئة أو الأسهم بقدر ما يرتبط بسلة الغذاء؛ فالمقيم في دول مجلس التعاون يدرك أن دوله تستورد بين 80 و90% من احتياجاتها الغذائية، وأن أكثر من 70% من هذه الإمدادات يمر عبر مضيق هرمز المهدد بالصواريخ والألغام، ولذلك اتجهت شريحة من المستهلكين إلى شراء كميات إضافية من الأرز والدقيق والزيوت والألبان المجففة في موجات “تخزين” ملحوظة.
وبدت هذه الموجات في دولة الخليج أكثر بروزاً، إذ تحولت المولات الكبرى ومحال السوبرماركت إلى وجهة رئيسية لعائلات ومقيمين قرروا “الاحتياط للأيام المقبلة”، وأكد وزراء ومسؤولون خليجيون أن المخزونات الاستراتيجية من السلع الأساسية تكفي لأشهر، وأن سلاسل الإمداد تعمل “كالمعتاد” رغم الضغط على الموانئ، بينما ناشدت الجهات المعنية السكان تجنب التخزين المفرط كي لا تُفرغ الأرفف بسبب سلوك المستهلكين لا بسبب نقص حقيقي في البضائع.
وفي خلفية هذه الطمأنة تقف سياسات غذائية جرى اختبارها لأول مرة منذ أزمة أسعار الغذاء عام 2008؛ إذ تراهن الإمارات على صوامع الفجيرة الواقعة خارج مضيق هرمز بما هي مخزن حيوي للحبوب يمنحها مرونة في تغيير مسارات الشحن، بينما استثمرت قطر في محطة الأمن الغذائي في ميناء حمد التي تضم عشرات الصوامع المبردة وتسمح بإعادة تعبئة الحبوب والسكر وزيوت الطعام وتوزيعها على السوق المحلي بسرعة كما نوعت مصادر الاستيراد، في حين عززت السعودية وعُمان والبحرين قدرات التخزين الداخلي وعقود التوريد طويلة الأجل في السنوات الماضية، بما يمنح المستهلك شعوراً بأن “الأزمة محسوبة” حتى لو ارتفعت الأسعار بنسب متفاوتة، بحسب تقرير رويترز.
كلف مرتفعة
في هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي حسام عايش، لـ”العربي الجديد”، إلى أن الأسواق الخليجية بدأت في لمس الآثار المترتبة على الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية، نظراً لوقوعها في قلب هذه الحرب واستهداف سلاسل الإمداد والتوريد التي تعتمد عليها، منوهاً إلى أن هذه السلاسل إما تعاني من كلف مرتفعة للحركة، خاصة في الشحن البحري، أو تواجه ارتفاعاً عاماً في الطاقة ينعكس على الأسعار وتكاليف المعيشة في وقت قصير، ما يثير مخاطر من تطور الأمور نحو الأسوأ.
وعلى صعيد المخاطر الاستراتيجية، يلفت عايش إلى احتمالية إغلاق مضيق هرمز تماماً، وربما مصحوباً بإغلاق باب المندب وتأثر حركة قناة السويس، و”كأن دول الخليج أُخذت رهينةً في هذه الحرب”، حسب تعبيره.
ولفت إلى أن سلوكيات المستهلكين في حالات عدم اليقين والاضطراب والاستهداف العسكري تختلف عن الجوائح السلمية التي تثير حالات ذعر تدفع كثيرين نحو تخزين الاحتياجات الضرورية، وهو ما يؤثر خلال الأسابيع الأولى على المخزونات الاستراتيجية للغذاء والسلع الأساسية ويؤدي إلى ارتفاعات إضافية في الأسعار، ورداً على هذه التحديات، تنسق الدول الخليجية فيما بينها للبحث عن بدائل لوجستية لاستمرار التزود بالحاجات الغذائية وضبط مستويات المعيشة عند حدود دنيا، وهو ما يحمل كلفة إضافية عليها، حسب عايش، موضحاً أن البحث عن مصادر جديدة للمستوردات يؤثر على الفرضيات الاقتصادية، مصحوباً بتوقف حركة نقل الطاقة عبر مضيق هرمز، ما يعني انخفاضاً في الإيرادات الحكومية التي تأتي بنسبة معدلها 70% من النفط، وتتفاوت بين 30 إلى 35% في الإمارات وقد ترتفع إلى 84% في الكويت، ما يخلق إشكالية فيما يتعلق بالدخل أيضاً.
وفي شأن الحلول المقترحة، يدعو عايش الدول الخليجية إلى تفعيل منظومة الأمن الغذائي فيما بينها وتقاسم الاحتياجات الغذائية إذا أمكن التوصل إلى آلية في هذا المجال يفرضها الواقع الحالي، ولتلافي صدمة الأحداث المفاجئة خلال الأسابيع الأولى، يرى عايش ضرورة إجراء جرد مجتمعي خليجي للمخزونات الاستراتيجية الغذائية، ليكون هناك تعاون بين الدول لقطع وقت الصدمة وإعادة ترتيب مسارات الحركة التجارية بما يأخذ في الاعتبار المتغيرات.
صدمة الأسواق
من جانبه، يؤكد الخبير الاقتصادي والمستشار المالي علي أحمد درويش، لـ”العربي الجديد”، أن أسواق الخليج تعيش حالياً تحت وطأة صدمة غير مسبوقة جراء حرب تشهدها المنطقة بحجم وطريقة لم تحدث منذ نشأة هذه الدول، مؤكداً أن الأسواق لا تزال تحت تأثير الصدمة المباشرة، ما يدفع المستهلكين تلقائياً نحو سلوك التخزين في ردة فعل طبيعية للشعوب التي تواجه مخاطر عالية في ظروف الحرب. وعلى الرغم من ردات الفعل الأولية، يظل السؤال المحوري مرتبطاً بمدة استمرار هذا الصراع، الذي تتوقع الدول الخليجية الآن احتمالية طوله، حسب درويش، مشيراً إلى أن ذلك يفرض مخاطر أكبر، ما يستدعي من الدول فتح مجالات استيراد واسعة عبر البر والبحر والجو لتأمين السلع الضرورية، مع تفعيل آليات رقابية صارمة لمنع استغلال المستهلكين وارتفاع الأسعار بشكل غير مبرر في هذه الفترة الحرجة.
وبالتوازي مع جهود تأمين الإمدادات، تبرز الحاجة الماسة لإنشاء دائرة تنسيق خليجية شاملة تتبادل فيها الدول المعطيات والاحتياجات المحلية وتوحد جهودها للتعاطي مع تداعيات الحرب على المدى الطويل، حسب تقدير درويش، لافتاً إلى أن الواقع الجديد يفرض تحولاً جذرياً في أنماط الاستهلاك، حيث يتراجع الاستهلاك الهامشي مؤقتا مثل شراء السيارات الفارهة والجوالات ليصبح ترفاً غير متاح وينخفض إلى أدنى مستوياته منذ عقود، بينما ينصب التركيز بالكامل على السلع الأساسية كالمواد الغذائية والمياه المعبأة، أما فيما يتعلق بالقطاعات المالية والعقارية، فيرى درويش أن التأثيرات الحالية تجعل من الصعب التكهن بمدى عمق الأثر على البورصات والمصارف ومعدلات الفوائد، إلا أن القطاع العقاري يشهد توقفاً شبه كامل، ومن غير المتوقع أن ينتعش في المدى القريب حتى مع انتهاء الأعمال العدائية.
ويلفت الخبير الاقتصادي والمستشار المالي إلى ضرورة وجود فترة تعافٍ طويلة، مقترحاً إنشاء غرفة مشتركة لدول الخليج تختص بالشؤون الاقتصادية والغذائية وشؤون المواطنين لتنسيق الجهود وإدارة شؤون الحرب بفعالية أكبر، وفي خضم هذه التحديات، تصبح أولوية الضبط الداخلي وخلق حالة من الهدوء والتقبل للواقع الحالي أمراً حيوياً إلى حين وضع الحرب أوزارها في فترة زمنية يأمل درويش ألا تطول، ويخلص إلى أن الرهان الأساسي يبقى مرتبطاً بمسار الحرب وتفاعلاتها المستقبلية، سواء كانت نحو التصعيد أو الهدوء، وهو ما ستكشف عنه الأيام القادمة، مؤكداً أن أي مقترحات أخرى تبقى ثانوية مقارنة بحسم مسار الصراع وتأثيره المباشر على استقرار المنطقة.









