تتحول أزمة الطاقة الناجمة عن التصعيد العسكري الأخير في الخليج تدريجيا من صدمة في أسواق النفط والغاز إلى تهديد مباشر لعدد من الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة في دول الخليج، وعلى رأسها الألمنيوم واليوريا والأسمدة، مع بدء توقف فعلي لبعض خطوط الإنتاج في قطر واحتمال امتداد التأثير إلى بقية دول الخليج المنتجة والمصدرة لهذه السلع إلى الأسواق العالمية، بما فيها أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية، في لحظة شديدة الحساسية قبل مواسم الزراعة والتشييد والصناعة في النصف الأول من العام.
ففي قطاع الألمنيوم، يشكل الغاز الطبيعي عصب التشغيل الرئيسي للمصاهر الخليجية، وقد بدأ أثر اضطراب الإمدادات يتجلى سريعا مع إعلان شركة قطر إنيرجي عن بدء إغلاق منظم لمصهر شركة كاتالوم بطاقة سنوية تقارب 648 ألف طن بسبب تعليق إمدادات الغاز، ما دفع الشريك النرويجي نورسك هيدرو إلى تفعيل بند القوة القاهرة وتحذير العملاء من أن إعادة التشغيل الكاملة قد تستغرق بين 6 أشهر وعام كامل، الأمر الذي يعني فعليا خروج جزء معتبر من الطاقة الإنتاجية الخليجية من السوق خلال الفترة المقبلة إذا استمر الضغط على الإمدادات، حسب تقرير نشرته وكالة رويترز.
وتشير تقديرات منصات تحليل السلع الأساسية إلى أن منطقة الخليج تمثل نحو 9% من إنتاج الألمنيوم الأولي عالميا، إلا أن حصتها في السوق خارج الصين أكبر بكثير، ما يجعل أي إغلاق ممتد للمصاهر في قطر أو تعطل في الموانئ والمسارات البحرية، وعلى رأسها مضيق هرمز، سببا مباشرا في اتساع الفجوة بين العرض والطلب، وارتفاع الأسعار الفورية وعقود التسليم الآجل، وهو ما بدأت تلتقطه بالفعل الأسواق الأوروبية والآسيوية التي تعتمد على واردات الخليج في تلبية احتياجات قطاعات السيارات والطيران والبناء، وفقا لما أورده تقدير نشرته “ستاندرد آند بورز”.
صناعة أكثر هشاشة
من جانب آخر، تعد صناعة اليوريا والأسمدة أكثر هشاشة أمام صدمات الغاز، إذ يشكل الغاز بين 70 و80% من تكاليف الإنتاج، كما أن دولا آسيوية كبرى مثل الهند تعتمد بشكل كبير على الغاز المسال من قطر لتغذية مصانع الأسمدة، ومع تزايد الحديث عن حصار فعلي لمضيق هرمز وتحويل شحنات الغاز المسال إلى مسارات أطول وأكثر كلفة، حذرت مصادر في قطاع الأسمدة من أن أي استمرار في نقص الإمدادات خلال الأسابيع المقبلة قد ينعكس في صورة خفض للإنتاج وارتفاع حاد في أسعار الأسمدة قبيل مواسم الزراعة في الهند وأجزاء واسعة من آسيا وأفريقيا، بحسب تقرير نشرته صحيفة “تايمز أوف إنديا” الهندية.
ومن زاوية سلاسل الإمداد الصناعية، يحذر محللون من أن استمرار إغلاق مضيق هرمز أو تعطل الشحنات لفترة تتجاوز بضعة أسابيع قد يحول الأزمة من صدمة أسعار إلى اختناقات فعلية في الإمدادات، إذ ستجد الصناعات التي تعتمد على الألمنيوم ومنتجاته، مثل السيارات والطيران والتعبئة، نفسها أمام نقص في الخامات أو ارتفاع كبير في كلفة الحصول عليها، بينما ستضطر الحكومات في الدول الزراعية الكبرى إلى زيادة الدعم أو اللجوء لمصادر بديلة للأسمدة بأسعار أعلى.
وفيما يتعلق بالسيناريوهات المرجحة خلال الأسابيع المقبلة، تميل تقديرات معظم بيوت الخبرة الغربية إلى أن الأسواق تستعد لفترة من الاضطراب الممتد أكثر من كونها صدمة عابرة، مع افتراض بقاء مستوى معين من التوتر العسكري حول مضيق هرمز حتى في حال التوصل إلى ترتيبات تهدئة هشّة، ما يعني استمرار تداول أسعار الطاقة والمعادن في نطاقات مرتفعة نسبيا، مع إمكانية حدوث موجات إضافية من الصعود في حال تعرض بنى تحتية جديدة للضرب أو تعرض ناقلات لهجمات مباشرة.
بينما يظل السيناريو الأكثر تفاؤلا هو نجاح الجهود الدبلوماسية في إعادة فتح الممرات البحرية بشكل آمن خلال شهر، بما يسمح بإعادة ضخ جزء من الإمدادات واستقرار نسبي للأسعار، وإن كان الخبراء يحذرون من أن إعادة تشغيل المصاهر والمصانع المتوقفة لن تكون فورية، بل قد تمتد بين نصف عام وعام كامل في بعض الحالات، وفقا لما أورده تقدير نشرته شبكة “سي إن إن ” الأميركية.
ارتباط بنيوي
في هذا الإطار، يؤكد الخبير الاقتصادي، بيار الخوري، لـ “العربي الجديد”، أن إنتاج الألمنيوم واليوريا في منطقة الخليج يعتمد اعتمادا شبه كلي على الغاز الطبيعي، الذي يعمل بمثابة مادة خام ووقود في آن واحد، حيث يمثل ما بين 70 و85% من التكلفة الإجمالية لإنتاج اليوريا، بينما يستهلك صهر الألمنيوم كميات هائلة من الكهرباء المولدة منه، موضحا أن هذا الارتباط البنيوي يجعل أي اضطراب في إمدادات الغاز أو قفزة في أسعاره ينعكس مباشرة على هامش الربحية، وقد يدفع في حالات التصعيد الشديد إلى قرار إيقاف خطوط الإنتاج جزئيا أو كليا، ما يهدد الميزة التنافسية التاريخية للمنتجين الخليجيين القائمة على أسعار الغاز المدعومة.
وعلى مستوى الأسواق العالمية، يستحوذ الخليج على نحو 12% من إنتاج الألمنيوم الأولي عالميًا وأكثر من 15% من صادرات اليوريا الموجهة لأسواق آسيا وأفريقيا، ما يعني، حسب الخوري، أن أي انكماش في هذه الحصة يخلق ضغطا فوريا على العرض العالمي في أسواق تتسم بضيق الهامش بين العرض والطلب.
ويضيف الخوري أن السوق الأوروبي سيكون الأشد تأثرا بتراجع الصادرات الخليجية نظرا لشح الطاقة ببلدان أوروبا منذ الحرب الروسية الأوكرانية ومحدودية البدائل اللوجستية، محذرا من أن حساسية أسعار اليوريا العالية قد تؤدي إلى موجات تضخمية في أسعار الغذاء تتخطى التأثير الصناعي المباشر، خاصة مع عدم قدرة مواسم الزراعة على الانتظار.
وإزاء ذلك، يتجه المشهد، حسب تقدير الخوري، نحو تحول محتمل من أزمة طاقة إلى أزمة صناعية عالمية تمس قطاعات التعبئة والتغليف والإنشاءات والسيارات عبر ارتفاع أسعار الألمنيوم، بينما يطاول ارتفاع اليوريا سلاسل إمداد الأغذية والمواد الكيميائية الزراعية.
ويلفت الخوري إلى أن الصين، رغم كونها المنتج الأول عالميا في كلا القطاعين وقدرتها النظرية على امتصاص الصدمة، تفضل تأمين احتياطياتها الداخلية أولا في ظل عدم اليقين الجيوسياسي، ما يجعل الاعتماد عليها بوصفها بديلا أمرا غير مضمون ويترك السوق العالمي أمام تحديات كبيرة في سد الفجوة الناتجة.
وفي حال استمرار التصعيد، يتوقع الخوري سير الأمور في 3 مسارات متوازية؛ أولها ارتفاع تدريجي في أسعار العقود الفورية للألمنيوم واليوريا مع تراجع حجم الصفقات بسبب الحذر الشرائي، وثانيها إعادة توجيه تدفقات الشحن نحو موردين بديلين في أستراليا وكندا وروسيا بتكاليف إضافية وفترات تسليم أطول.
أما المسار الثالث والأخطر، فيتمثل، بتقدير الخوري، في دخول الحكومات في سياسات تدخلية لتقييد الصادرات وتأمين الاحتياجات المحلية أولا، وهو ما يفاقم الأزمة عالميا ويرفع حدة التنافس على الكميات المتاحة، الأمر الذي يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي الدولي.
ولذا تتمثل الأولوية القصوى، وفق الخوري، في مراجعة عقود الإمداد وتفعيل بنود القوة القاهرة بشكل استباقي، بالإضافة إلى تقييم جدوى تشكيل احتياطيات استراتيجية من المواد الوسيطة الحيوية قبل ذروة الأزمة، ناصحا بالتحوط في الأسواق المشتقة لتثبيت أسعار الغاز والمدخلات الرئيسية لفترات تمتد من 6 إلى 12 شهرا في خطوة دفاعية ضرورية.
ويخلص الخوري إلى أن فرصة حقيقية باتت سانحة لمنتجي الخليج في التفاوض على عقود توريد طويلة الأمد بشروط مميزة مع المستوردين القلقين في أوروبا وآسيا، مستفيدين من حالة الهلع الشرائي لتحسين شروط التعاقد وضمان استقرار الطلب على مدد أطول.















