د. نبيلة عفيف غصن
(باحثة في علم الاجتماع المعرفي والثقافي)
في الحروب الحديثة، يشكّل التفوق الجوي المطلق الشرط الأول لنجاح أي حملة عسكرية واسعة. فمن دونه تصبح العمليات البرية والبحرية والضربات الاستراتيجية أكثر خطورة وأقل فعالية. غير أن المعطيات التي بدأت تتسرب من مصادر عسكرية غربية، ومنها تقرير نشره موقع The War Zone المتخصص في الشؤون الدفاعية، تشير إلى أن الولايات المتحدة و«الكيان الصهيوني» لم ينجحا حتى الآن في تحقيق هذا الهدف فوق إيران، رغم الأيام الأولى المكثفة من القصف الجوي.
هذه المعطيات تكشف أن الحرب الجوية فوق إيران تسير في مسار أكثر تعقيداً مما كان مخططاً له، وأن السماء الإيرانية ما تزال ساحة اشتباك نشطة وليست فضاءً مفتوحاً للطائرات المعادية.
أولاً: تفوق جوي جزئي لا أكثر
بحسب التقييمات العسكرية، تمكنت القوات الأميركية و«الإسرائيلية» من فرض تفوق جوي موضعي في بعض المناطق فقط، خصوصاً في غرب إيران حيث تتركز الضربات الأولى عادةً. لكن هذا التفوق لا يرقى إلى مستوى السيادة الجوية الكاملة التي تسمح للطائرات بالتحليق بحرية تامة فوق كامل المجال الجوي الإيراني.
السبب الرئيسي يعود إلى أن شبكة الدفاع الجوي الإيرانية لم تُدمَّر بالكامل. فعلى الرغم من استهداف عدد من الرادارات والمنظومات الثابتة في الضربات الأولى، إلا أن إيران ما زالت تحتفظ بطبقات متعددة من الدفاع الجوي، تشمل:
منظومات بعيدة المدى مثل S-300 والمنظومات الإيرانية المطورة محلياً.
أنظمة متوسطة وقصيرة المدى.
شبكة واسعة من الرادارات المتحركة.
بطاريات دفاع جوي متنقلة يصعب تعقبها.
هذا الواقع يفرض على الطائرات المهاجمة العمل بحذر شديد، ويمنعها من التحليق بحرية كما حدث في حروب أخرى مثل العراق عام 2003 أو ليبيا عام 2011.
ثانياً: التحول إلى الضربات المتوسطة المدى
في ظل هذه القيود، تشير التقارير العسكرية إلى أن الاستراتيجية الأميركية – «الإسرائيلية» بدأت تتحول تدريجياً من الغارات الجوية المباشرة العميقة إلى ضربات دقيقة متوسطة المدى.
تعتمد هذه المقاربة على:
إطلاق صواريخ جو–أرض بعيدة نسبياً.
استخدام ذخائر موجهة عالية الدقة.
ضرب أهداف محددة دون دخول عميق ومتكرر في المجال الجوي الإيراني.
ويهدف هذا التحول إلى زيادة عدد الأهداف التي يمكن ضربها مع تقليل مخاطر إسقاط الطائرات. كما يسمح بتوسيع بنك الأهداف ليشمل منشآت محصنة مثل:
المخابئ العسكرية العميقة
مراكز القيادة والتحكم
المنشآت الاستراتيجية المحمية بالخرسانة
لكن هذه المقاربة لا تعني بالضرورة نجاح الحملة الجوية، بل قد تعكس حدود القدرة على السيطرة الكاملة على المجال الجوي الإيراني.
ثالثاً: الدفاعات المتحركة… الكابوس الحقيقي للطائرات
أحد أخطر التحديات التي تواجه الطائرات الأميركية و«الإسرائيلية» هو الدفاعات الجوية المتحركة.
فبعكس المنظومات الثابتة التي يمكن تحديد مواقعها مسبقاً وضربها، تستطيع البطاريات المتنقلة:
الانتقال بسرعة من موقع إلى آخر
تشغيل الرادار لفترات قصيرة
إطلاق الصواريخ ثم الاختفاء مجدداً
هذه التكتيكات تجعل الطائرات المهاجمة أمام نافذة زمنية قصيرة جداً للرد. وفي كثير من الأحيان لا تكتشف الطائرة التهديد إلا بعد إطلاق الصاروخ، ما يزيد احتمالات الخطر.
وقد طورت إيران هذا النوع من التكتيكات خلال العقود الماضية مستفيدة من تجارب حروب مثل:
حرب صربيا مع الناتو عام 1999
الحرب الروسية–الأوكرانية
تجارب الدفاع الجوي السوري في مواجهة الغارات «الإسرائيلية»
رابعاً: الشرق الإيراني… الجبهة المجهولة
تزداد المخاطر بشكل خاص في شرق إيران، وهي منطقة لم تتعرض حتى الآن لضربات مكثفة مثل الغرب الإيراني.
هذا يعني أن:
الكثير من الرادارات لا يزال يعمل.
منظومات الدفاع الجوي قد تكون سليمة بالكامل.
البنية العسكرية لم تتعرض للاستنزاف بعد.
وبالتالي فإن أي توسيع للحملة الجوية باتجاه الشرق قد يضع الطائرات المهاجمة أمام بيئة قتالية أكثر خطورة بكثير من تلك التي واجهتها في المراحل الأولى من الحرب.
خامساً: دلالات استراتيجية
فشل فرض السيادة الجوية الكاملة يحمل عدة دلالات استراتيجية مهمة.
أولاً، يدل على أن إيران نجحت في بناء منظومة دفاع جوي أكثر صلابة مما كان يعتقد كثير من المحللين العسكريين.
ثانياً، يعني أن الحرب قد تتحول إلى صراع استنزاف طويل بدلاً من ضربة خاطفة تحسم المعركة بسرعة.
ثالثاً، يضع قيوداً على أي تصعيد عسكري أكبر، لأن غياب السيطرة الجوية يجعل العمليات البرية أو الضربات العميقة أكثر خطورة.
خاتمة
تكشف المعطيات المتزايدة من ساحة الحرب أن السماء الإيرانية لم تتحول إلى فضاء مفتوح للقوة الأميركية و«الإسرائيلية»، كما حدث في حروب سابقة في المنطقة. فبدلاً من الهيمنة الجوية المطلقة، يبدو أن المعركة دخلت مرحلة التوازن النسبي بين الهجوم والدفاع.
وفي حروب القرن الحادي والعشرين، قد يكون هذا التوازن كافياً لمنع الخصم من تحقيق النصر السريع، وتحويل الحرب إلى معركة استنزاف طويلة ومكلفة، حيث يصبح الزمن نفسه سلاحاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الصواريخ والطائرات.















