تتزايد المخاوف في أسواق الطاقة تجاه إمكانية اضطرار كبار منتجي النفط في منطقة الخليج إلى وقف عمليات الإنتاج وإغلاق الحقول في حال امتلأت طاقات التخزين لديهم، إذا استمر توقف شحن النفط إلى الأسواق المستهدفة عبر مضيق هرمز، ودخل المنتجون في سباق مع الزمن، حيث تشير التقديرات إلى أن السعودية ربما لا يكون أمامها سوى أسبوعين قبل امتلاء طاقة التخزين واضطرارها إلى وقف الإنتاج.
وعندما يتعلق الأمر بإنتاج النفط في ظروف الحرب الراهنة، تبدو المعادلة بسيطة، إذ إن إطالة أمد العمليات العسكرية يعني تفاقم مخاطر الشحن، ما يؤدي إلى تراكم الإنتاج دون تصريف، والمدى الزمني الذي يرصده معظم المحللين لذلك هو أسبوعان ونصف، وأصبح العراق يوم الثلاثاء أول منتج رئيسي في “أوبك” يقوم بتقليص الإنتاج، بعد أن أعلن بدء تخفيض ضخ النفط في ثلاثة من أكبر حقوله النفطية.
ونقلت صحيفة فاينانشال تايمز، في تقرير لها اليوم، عن مصدر كبير في تجارة النفط، لم تسمه الصحيفة، قوله إن خسارة الإنتاج في العراق تجاوزت مليوني برميل يومياً، مع وجود 1.5 مليون برميل إضافية يومياً “معرضة للخطر خلال يوم إلى يومين”، وأضاف المصدر أن نحو 1.5 مليون برميل أخرى قد تُفقد من الكويت خلال الأيام الثلاثة المقبلة، قائلاً: “الكويت هي التالية التي يجب مراقبتها، إذ ستتأثر قريباً جداً لأنها تواجه الوضع اللوجستي نفسه”، وتابع: “بعد ذلك ستكون الإمارات خلال الأيام الخمسة المقبلة، ثم بعد مرور 15 يوماً أو أكثر قد يبدأ فقدان جزء من الإنتاج السعودي”.
معضلة الشحن البحري
وقد أدت الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران يوم السبت الماضي، وما تبعها من اعتداءات إيرانية على دول الخليج، إلى وقف حركة الشحن البحري في مضيق هرمز، الأمر الذي أثار قلقاً في الأسواق العالمية دفع سعر خام برنت إلى أعلى مستوى له في خمسة أشهر ليصل إلى 84 دولاراً للبرميل، قبل أن يستقر عند 81 دولاراً في تعاملات اليوم.
ويوصف مضيق هرمز بأنه نقطة الاختناق العالمية للنفط والغاز الطبيعي المسال، وتقدر شركة “كيبلر” لاستشارات الطاقة أن نحو 13 مليون برميل من النفط يومياً قد مرت عبره في عام 2025، أي ما يقارب ثلث إجمالي النفط الخام المنقول بحراً في العالم، وهو النفط غير المكرر الذي يُعالج لإنتاج وقود مثل البنزين والديزل.
كما يمر بالمضيق نحو خُمس الغاز الطبيعي المسال في العالم، وهو الغاز الذي يُبرَّد إلى الحالة السائلة لتسهيل تخزينه ونقله، ووفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية، ذهب أكثر من 80% من شحنات الغاز الطبيعي المسال التي مرت عبر المضيق في عام 2024 إلى آسيا.
وتقول تقارير متطابقة إن مئات الناقلات قد تقطعت بها السبل في المنطقة، الأمر الذي أدى إلى عجز في العدد المتوافر منها للإيجار، كما أحجمت شركات تأمين عن تغطية مخاطر العمليات القتالية في بوالص تأمين الناقلات، وهو ما دفع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى اقتراح تأمين توفره الولايات المتحدة بمرافقة السفن لحماية مرورها في الخليج، لكن المراقبين يشيرون إلى عقبات عملية لوضع مقترحاته حيز التنفيذ، أهمها انخراط البحرية الأميركية في القتال راهناً.
توقف الإنتاج والأسعار
وحسب تقديرات “فاينانشال تايمز”، فمن المتوقع أن يؤدي وقف الإنتاج إلى سحب ملايين البراميل من المعروض في الأسواق يومياً، الأمر الذي قد يؤدي في نهاية المطاف إلى شح يتبعه ارتفاع جديد في الأسعار، ما لم تُستأنف حركة الشحن عبر المضيق، ومن المتوقع أن تتوقف حقول نفط أخرى في أنحاء المنطقة خلال الأيام المقبلة، ما قد يؤدي إلى سحب ملايين البراميل من النفط الخام من السوق، ما لم تُستأنف شحنات الطاقة عبر مضيق هرمز.
ويقدّر محللو “جي بي مورغان” أن مهلة التخزين قد تكون أطول قليلاً، لكنهم قالوا إن أكثر من 3 ملايين برميل يومياً من النفط قد تخرج من السوق بحلول يوم الأحد، وقد يرتفع الرقم إلى نحو 5 ملايين برميل إذا استمر الصراع لمدة أسبوعين ونصف.
وتملك السعودية، أكبر مصدّر للنفط في العالم، أكبر مرافق التخزين في المنطقة، لكن صور الأقمار الصناعية تشير إلى أن بعض المنشآت بدأت تقترب من طاقتها القصوى، وقال أنطوان هالف، الشريك المؤسس لشركة صور الأقمار الصناعية Kayrros، إن محطة ميناء الجعيمة النفطي، وهي أحد أكبر مجمعات التخزين في الخليج، “تنفد سريعاً من السعة الفائضة”. وأضاف أن التخزين في مصفاة رأس تنورة، التي تعرضت لاعتداء بطائرات مسيّرة، كان يمتلئ أيضاً، إذ كانت أربعة خزانات نفط خام من أصل ستة ممتلئة بالفعل.
وتقول مصادر في تجارة النفط إن المنتجين قد يبدأون في تقليص الإنتاج حتى قبل امتلاء مرافق التخزين بالكامل، حرصاً على إغلاق الحقول بطريقة منظمة لتجنب إلحاق أضرار بالمكامن النفطية، ولن تقتصر خسائر وقف الإنتاج إذا اضطرت إليه دول المنطقة والعراق على ارتفاع الأسعار للمستهلكين، لكنه سيؤدي إلى فقدان عوائد النفط، وهي مصدر رئيسي للدخل لمعظم الدول المعنية.
وفي حالة حقل الرميلة العراقي، الذي يجري إيقافه حالياً، قد تبلغ خسارة الإيرادات الإجمالية نحو 2.4 مليار دولار شهرياً، في حين سيظل المشغلون مضطرين لتحمل تكاليف التشغيل الثابتة البالغة 750 مليون دولار سنوياً، أما إذا كان الإغلاق قصيراً ومنظماً، فيمكن إعادة تشغيل الحقل خلال أسبوع أو أسبوعين.
العربي الجديد















