د. نبيلة عفيف غصن
(باحثة في علم الاجتماع المعرفي والثقافي)
أيّ دولة هذه التي تُقفل المدارس… ثم تطرد المشرّدين منها؟
في بلدٍ كلّ مدارسه الرسمية مقفلة بقرار رسمي بسبب الأوضاع الأمنية، وحيث تحوّلت هذه المدارس إلى مراكز إيواء لأبناء القرى الجنوبية الذين يُهجَّرون تحت القصف الذي يشنّه العدو الصهيوني، يخرج خبرٌ صادم: وزيرة التربية تتصل بمدراء مدارس رسمية وتطلب منهم إقفال المدارس وطرد النازحين منها. من بين ما يُتداول: مدرسة شحيم، مدرسة جل الديب، وغيرها.
أي منطق هذا؟
إذا كانت المدارس مقفلة أصلاً، وإذا كانت الدولة نفسها قد حوّلتها إلى ملاجئ مؤقتة بفعل العدوان، فبأيّ حقّ يُطلب من مديرٍ أو مديرة أن يتحوّل إلى منفّذ قرار طرد لعائلات فقدت بيوتها تحت النار؟ هل المطلوب أن يُقال للأمهات والأطفال: “انتهت مهلة الاحتمال… عودوا إلى المجهول”؟
لسنا أمام تفصيل إداريّ. نحن أمام اختبار أخلاقي وسياسي مدوٍّ.
المدرسة الرسمية اليوم ليست مؤسسة تعليمية عاملة. هي مساحة حماية عامة. وحين تُقصف القرى ويُهجَّر الناس، يصبح السقف أولويّة تتقدّم على الروتين الإداري. فإذا كانت هناك خطة بديلة، فلتُعلن بوضوح: أين سيذهب هؤلاء؟ ما هي المراكز البديلة؟ ما هي الضمانات الأمنية؟ أم أن القرار يُرمى في حضن المديرين، ليواجهوا وحدهم غضب الناس ودموع الأطفال؟
الدولة التي تعجز عن ردع العدوان، لا يحقّ لها أن تُمارس شدّتها على ضحاياه.
إن كان ثمة قرار بإخلاء بعض المدارس، فالمسؤولية السياسية تفرض أن يُدار الأمر بشفافية كاملة، وبخطة انتقال واضحة، وببدائل حقيقية لا وهمية. أما أن يتحوّل الأمر إلى اتصالات هاتفية متفرّقة تُحمِّل الإدارات المحلية عبء التنفيذ، فذلك هروب من المسؤولية المركزية.
النازح ليس معتدياً على المدرسة. هو ضحية عدوان. والطفل الذي ينام في صفٍّ دراسي ليس معطِّلاً للعام الدراسي، لأن العام الدراسي متوقف أصلاً بقرار رسمي. المفارقة الصارخة أن الدولة تُقفل المدارس بحجة الخطر الأمني، ثم تتصرّف وكأن الخطر نفسه لم يعُد قائماً حين يتعلق الأمر بإخراج الناس منها.
أيّ رسالة نوجّهها اليوم؟ أن المدرسة مفتوحة حين نحتاج إلى صورة تضامن، ومغلقة حين تصبح عبئاً سياسياً؟ أن النازح مرحّب به ليلاً، ومطرود صباحاً؟
اللحظة أخطر من أن تُدار بمنطق الترقيع. المطلوب موقف واضح: إمّا أن تتحمّل الحكومة مسؤولية إدارة ملف النزوح كأولوية وطنية، بخطة طوارئ شاملة ومراكز مجهّزة وميزانية معلنة، وإمّا أن تعترف بأنها تدفع الأزمة نحو انفجار اجتماعي خطير.
في زمن القصف، تصبح المدرسة ملجأ. وفي زمن القرار، تصبح الدولة امتحاناً. فهل تنجح في الامتحان… أم تختار أن تواجه العدوان بطرد ضحاياه؟















